أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - فؤاد النمري - الطبقة الوسطى تختطف السياسة وتذوِّتُها















المزيد.....

الطبقة الوسطى تختطف السياسة وتذوِّتُها


فؤاد النمري

الحوار المتمدن-العدد: 4196 - 2013 / 8 / 26 - 17:24
المحور: في نقد الشيوعية واليسار واحزابها
    


الطبقة الوسطى تختطف السياسة وتذوِّتُها

منذ سنوات والرغبة تخامرني في الكتابة عن الذاتوية (Solipsism) ودورها في تصحيف وتزييف العمل السياسي، لكنني أتراجع عن ذلك خشية أن توصف كتابتي بالذاتوية أيضاً وهو ما أخشاه لدور الذاتوية الكبير في تشويه العمل السياسي . ما شجعني اليوم على الكتابة في مسألة الذاتوية هو ما جرى في مصر في الأسبوع التالي للسادس والعشرين من يوليو الفائت حين احتشد الملايين يؤيدون الجيش فيما اتخذه من إجراءات بخصوص عزل الرئيس المصري محمد مرسي والحؤول دون "أخْوَنَة" الدولة التي يتوجب أن تكون قطاعاً عاماً يعود لجميع المصريين بغض النظر عن معتقداتهم السياسية والثقافية واختلافاتهم الإثنية وحتى الطبقية كما تعتقد مجمل الطبقة السياسية المصرية . الإخوان المتأسلمون رفضوا عزل الرئيس بحجة أنه الرئيس الشرعي المنتخب من الشعب لمدة أربع سنوات حيث بعدئذ يمكن للشعب أن يغيره عن طريق الإنتخابات فقط . وهكذا احتشد مئات الألوف منهم ومن أنصارهم في ميداني رابعة والنهضة في القاهرة مؤكدين بقوة على استعداد مئات الألوف منهم للتضحية بدمائهم وبأرواحهم إن لم يعد مرسي إلى كرسي الرئاسة . وهكذا يطرح الإخوان المتأسلمون على الشعب المصري تحدٍ لاإنساني وفاشي يقول .. إما أن نحكمكم أو أن تقتلونا ! ـ أنا لا أرغب هنا في أن أكتب عن استنكاري لهذا التحدي الفاشي، وهو يستحق الاستنكار، بل أن أكتب عن تفسيره، وهو بيت القصيد، خاصة وأن عودة مرسي وحتى أخونة الدولة لن تغير شيئاً في علاقلت الإنتاج وفي بنية المجتمع المضري حيث أن ملاعب المتأسلمين ليست على الأرض ولا حتى في السماء بل في مملكة الله غير المعلومة أفلاكها .

الذاتوية تعني قبل كل شيء آخر هي أن يجند الإنسان كل قدراته على الدوام لحماية ذاته وتأكيد فردانيته البيولوجية والسايكولوجية والإيديولوجية . تتعمم الذاتوية في الطبقة الوسطى دون غيرها من طبقة الرأسماليين أو طبقة البروليتاريا، إذ لكل من هاتين الطبقتين، الرأسمالية والبروليتارية، مشروعها الاجتماعي التنموي المعروف بحدوده وبأهدافه ؛ ومن هنا تجد الذاتوية في أبناء كل من هاتين الطبقتين تنحل في مشروع الطبقة وتتلاشى فلا تعود محسوسة . فابن الطبقة الرأسمالية يستولي على ذاته مشروع طبقته المحدد المعالم وهو الإتجار بقوى العمل (Labour Power) والإثراء من خلال تشغيلها، كما يستولي على ذات البروليتاري مشروع طبقته وهو الاشتراكية . كلاهما يعرف مشروعه بأوصافه كاملة . الأمر هو العكس تماما في الطبقة الوسطى التي لا تمتلك مشروعاً إجتماعياً يمكن أن يستقر عليه المجتمع فهي الطبقة التي لا تنتج أياً من أسباب الحياة الأساسية . إنها الطبقة التي تبحث دائماً عن طبقة أخرى تحملها وهي لا تستطيع أن تحمل غيرها، بل وحتى نفسها . وهكذا فإن ابن الطبقة الوسطى ليس لديه مشروع ولذلك ترى الطبقة الوسطى طبقة إنقسامية (Schismatic) لا تربطها رابطة ولا توحدها رؤى، سريعة الإنقسام وتنقسم لأتفه الأسباب ؛ وهي بناء على ذلك كثيرة الأحزاب فبينما ترى الطبقة الرأسمالية تتمثل بحزب واحد أو حزبين، والطبقة العاملة تتمثل بحزب واحد، تتمثل الطبقة الوسطى بالمقابل بعدد غير محدود من الأحزاب، عدد يغطي كافة الأطياف إبتداء من فوق البنفسجي الذي ينادي بالإقتصاد الحر وانتهاء بتحت الحمراء من أحزاب يسارية تنازع الشيوعيين تمثيلهم للعمال لإقامة نظام العدالة الإجتماعية مجهول الهوية والمنشأ .

في اليوم التالي لرحيل ستالين (5/3/1953) وجهت الطبقة الوسطى في المجتمع السوفياتي، طبقة البورجوازية الوضيعة، ضربة قاصمة للثورة الاشتراكية التي كانت قد تصاعد أوارها حتى عنان السماء بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك ما جعل انهيار الرأسمالية العالمية الذي رآه ستالين وشيكا في العام 1952 يتأخر حتى العام 1972 ويحدث لصالح البورجوازية الوضيعة في الدول الرأسمالية وليس لصالح البروليتاريا كما يفترض سياق التاريخ . مع بداية انهيار طبقة البروليتاريا في الخمسينيات وصولاً إلى التسعينيات، وانهيار الطبقة الرأسمالية في السبعينيات، وفقدان الطبقتين لكل عزومهما، انفلشت البورجوازية الوضيعة على كل سطح الأرض وأخذت تنعم باستهلاك كل الذخور الرأسمالية والاشتراكية . لكن ذلك رغم كل عظمته نفذ خلال سنوات قليلة فما كان من دولة البورجوازية الوضيعة، دولة الرفاه في البلدان الرأسمالية سابقاً إلا أن تلجأ أولاً إلى الإستدانة ورهن مستقبل الشعب لضمان بقائها في السلطة، ثم إلى تزوير النقد تحت مظلة الدولار الزائف . أما دولة البورجوازية الوضيعة السوفياتية والتي شجعت زعماءها على نهب ذخور البروليتاريا، بما لا يعقله عقل، فكان أن لجأت إلى تصدير المواد الخام كالنفط والغاز لضمان استمراريتها وعدم انهيار دولتها فانقلبت إلى دولة ريعية كما الدول المتخلفة بعد أن كانت الدولة الأولى في سرعة التنمية . وما كان لهذه الدولة عدوة المجتمع بالطبع أن تتخلى عن التوسع في إنتاج الأسلحة الذي هو ديدنها في مقاومة الاشتراكية ؛ إنها تعتقد، وهي على حق بالطبع، أن التوقف عن إنتاج المزيد من الأسلحة يعني مباشرة عودة الإشتراكية وكانت قد دفعت غالياً للتخلص منها . اليوم والبورجوازية الوضيعة أو الطبقة الوسطى تواجه الإفلاس الفاضح في مختلف العوالم لا تجد ما تعبر عنه سوى المزيد من الإختلاف حول ما يمكن ابتداعه لتجاوز الإفلاس وهو ما ينعكس مباشرة في انقسامات سياسية لا تنتهي يتمثل بتشكيل عشرات الأحزاب المتطايفة بأطياف قوس قزح، والعديدة منها تدعي اليساروية لكنها جميعها أحزاب الطبقة الوسطى لا تبغي غير منع الرأسمالية والاشتراكية من العودة وكلا النظامين قاتل للطبقة الوسطى، طبقة البورجوازية الوضيعة .

كنت كتبت في 14/2/2011 مقالة هامة جداً لم تأخذ قسطاً مناسباً من البحث تحدثت فيها عن بداية ونهاية ثورة التحرر الوطني (1946 – 1972) وأثرها في التاريخ أشرت فيها إلى الفشل التام الذي انتهت إلية البورجوازية الدينامية (الكبيرة) وهي التي قادت ثورة التحرر الوطني في بلدانها . إبتدأت ثورة التحرر الوطني امتداداً للإنتصار التاريخي للإتحاد السوفياتي في الحرب العالية الثانية، وانتهت إلى الهزيمة امتداداً لهزيمة الثورة الاشتراكية التي بدأت مع ارتداد خروشتشوف فكانت الستينيات عقد الإنقلابات العسكرية الرجعية والفاشية . انهيار ثورة التحرر الوطني قبل أن تبني البورجوازية الدينامية مشروعها في الاقتصاد الوطني أخلى المسرح الوطني تماماً من طبقة مؤهلة لتسنم السلطة وهو ما هيّأ الفرصة لعصابات معزولة تحترف العسكرية للإنقضاض على السلطة وأخذ البلاد إلى حكم سلطة عصابية غاشمة لا همّ لها سوى استغلال السلطة لجني الامتيازات . وفي هذا المقام يتوجب التأكيد على حقيقة تفوت على عامة المحللين والكتاب السياسيين وهي أن مثل هذه العصابات كالهواري بومدين وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وأمثالهم من عصابات العسكر متدنية المرتبة والرتبة ما كانت لتظهر على السطح لو أن الثورة الاشتراكية لم تبدأ في التراجع في مهدها، موسكو، منذ العام 1954 .

الشعوب في البلدان المخطوفة (الجملكيات) والتي أزهر فيها الربيع العربي تحملت خلال أربعة عقود أكثر مما ينبغي حتى ماكان لها إلا أن تنتفض بمختلف طبقاتها وقد وصلت الحضيض . بعد انتهاء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين انتفضت شعوب البلدان المخطوفة لتكنس عصاباتها الحاكمة إلى مزبلة التاريخ . وما هو حقيق بالإشارة إليه هو أن الإنتفاضة التي كنست حثالات العصابات العسكرية إلى مزبلة التاريخ قامت بها مختلف طبقات الشعب، الرأسماليون قبل العمال، ولذلك هي انتفاضة لا تبدل علاقات الإنتاج الإجتماعية القائمة أصلاً بعلاقات جديدة كما تفعل الثورة حيث تثور طبقة إجتماعية ضد طبقة إجتماعية أخرى، خلافاً لما قال به بعض المتطفلين على العلوم الماركسية بوصف الإنتفاضة على أنها صراع طبقي !!

تحرير المجتمع من خمج العصابات العسكرية يفتح الباب واسعاً لإشكال أشد وقعاً وبلاء من إشكال العصابات العسكرية . تهيأت الفرصة للعصابات العسكرية لأن تختطف السلطة بعد أن أخلى القط المسرح وترك الفأر يلعب لعبتة كيف يشاء ؛ كان ذلك عندما انهارت مشروعات البورجوازية الدينامية في الاستقلال وبناء اقتصادات مستقلة ذاتية السند في الستينيات والسبعينيات . اليوم وبفعل الربيع العربي وانتفاضات الشعوب لكنس العصابات العسكرية الخمجة تعود الساحات خالية من جديد من القط والفأر كليهما، خالية من البورجوازية الدينامية ومن العصابات العسكرية وخالية كذلك من البروليتاريا، فمن سيتسنم السلطة ويقيم دولته مرة أخرى ؟ ذات السؤال الذي لم يجد له جواباً في الستينيات والسبعينيات حتى انتهى الأمر لاختطاف السلطة من قبل عصابات عسكرية معزولة .

تهرع اليوم مختلف شرائح الطبقة الوسطى تقاتل على الساحة الوطنية لتنتزع السلطة دون أن يتوفر لدى أي منها أية وسائل لإقامة دولتها والإحتفاظ بالسلطة أو حتى الإدعاء لامتلاكها . لا يتواجد إطلاقاً أية قوى تمثل ذوي الوسائل الحقيقية لامتلاك السلطة وهم المنتجون الحقيقيون لأسباب حياة المجتمع وتقدمه أي العمال والفلاحون والرأسماليون . لم يتقدم حزب يمثل طبقات الإنتاج الحقيقي هذه ليطلب السلطة . جميع المتقدمين هم من غير المنتجين، من الطبقة الوسطى . حتى مدعي الشيوعية من هؤلاء المصارعين على الساحة الوطنية هم من الطبقة الوسطى وليسوا من طبقة العمال .
وهنا يقوم سؤال مشروع وهو .. لماذا تتطايف القوى السياسية للطبقة الوسطى كل هذا التطايف لتغطي كل ألوان قوس قزح بدءاً من تحت الحمراء اليساروية المتماهية مع الشيوعيين بل إن جميع الشيوعيين تقريباً في البلدان المتخلفة وما يسمى بالعالم الثالث هم أصلاً من أبناء الطبقة الوسطى .الخلية الأولى التي تنشطر منها كل عذه الأحزاب المتباينة الألوان هي افتقاد الطبقة الوسطى أي علاقات للإنتاج مستقلة ليست في خدمة الإنتاج الرأسمالي أو الإشتراكي وهو ما سلف وأشرنا إليه ـ تدعي اليوم البورجوازية الوضيعة أن إنتاجها هو المعرفة وأن اقتصاد المعرفة اليوم سابق على كل الاقتصادات وهي تتجاهل أن كل معارفها لا تسوى سنتيماً ما لم تتمثل بإنتاج سلعي . جميع أحزاب الطبقة الوسطى من متأسلمين كالإخوان المسلمين وأمثالهم أو قوميين كالبعثيين والقوميين العرب والاشتراكيين بمختلف نحلهم وحتى الشيوعيين فيما بعد انهيار مشروع لينين، جميع هؤلاء يمثلون الطبقة الوسطى وفراغها السياسي .
تسأل المتأسلم عن مشروعه الإجتماعي فيجيبك أنه لا يمتلك مشروعا حيث أن مشروعه عند الله وهو الأسلمة، وتسأل الإشتراكي وحتى الشيوعي في الأحزاب في طور التفكك فيجيبك أن مشروعه هو العدالة الاجتماعية التي لا يعلم حداً من حدودها ولا من سيقيمها على الأرض . جميع هؤلاء هم من الطبقة الوسطى والطبقة الوسطى لا تمتلك علاقات إنتاج مستقلة أو نظاماً معلوماً للإنتاج ولذلك تراهم فرقاً شتى .
لكن كيف يتحزب أبناء الطبقة الوسطى بدون سبب مادي ملموس ؟
لماذا يعلن الأطباء والمهندسون والمحامون المعتصمون في ساحة رابعة العدوية وفي النهضة في القاهرة أنهم على أتم الإستعداد للتضحية بدمائهم وبأرواحهم من أجل عودة مرسي إلى كرسي الرئاسة . ليس ثمة من ينكر على هؤلاء القوم تصميمهم على التضحية بدمائهم وبأرواحهم من أجل عودة مرسي، لكن بالمقابل ليس ثمة من لا ينكر أن عودة مرسي ستفرق شيئاً في مصر . كان ملالي قمّ في إيران قد أعلنوا تصميمهم على افتداء إمامهم الخميني بالدم وبالروح إذ كان يعلن أن لديه مشروعاً إسلامياً يتفوق على كل المشاريع الأخرى غير الإسلامية، وهو لا يختلف عن مشروع الجماعة المتأسلمة في مصر إذ كلاهما مستورد من عند الله . فإلى ما انتهى مشروع الخميني الإسلامي ؟
انتهى مشروع الخميني إلى هبوط مروّع في قيمة العملة الإيرانية (الريال) حتى أنها لم تعد تحتفظ بأكثر من 1% من قيمتها في العام 1980، وتضاعفت أعداد الفقراء فاليوم أكثر من 40% من شعوب إيران هم تحت خط الفقر، يرافق ذلك انحطاط قيمي فالشباب لم يعودوا يصلون وشاعت الدعارة وتعاطي المخدرات وانتهت إيران الامبراطورية لتكون عميلاً صغيراً للعسكرتاريا الروسية بل وحتى الكورية الشمالية . تلك هي عينة من المشاريع المستوردة من عند إله المتأسلمين . هل لمثل هذا سيضحي ألوف الأطباء والمهندسين والمحامين في رابعة العدوية والنهضة بدمائهم وبأرواحهم !؟ .. قطعاً لا ! .. لماذا إذاً يضحون !؟ ـ هم على الأعم لا يعرفون .. لكنني أنا أعرف !
القومجيون هم أيضاً من ذات الطينة . سألت مرة رجلاً متقدماً في حزب البعث عن أسباب إنضوائه إلى حزب البعث !؟ فاجابني باسما إبتسامة الساخر ومتسائلاً .. أليس جميلاً يا صديقي أن نرى البلدان العربية في وحدة واحدة فيسافر العربي في جميع الأقطار العربية بدون جواز سفر !؟ الحق أنني دهشت وأشفقت على هذا الرجل الذي قضى عمره يناضل ليلاً ونهاراً كي يسافر في العالم العربي بدون جواز سفر !! وهل السياحة في العالم العربي دون جواز سفر تستحق من الشعبين السوري والعراقي مكابدة كل تلك الكوارث على يد البعثيين !؟ أنا مثلاً لا أرغب في السياحة في العالم العربي ليس بدون جواز سفر فقط بل ومجاناً وبلا نفقات أيضاً . ألمثل هذا فقط استخدم البعثيون الأسلحة الكيماوية في إبادة الشعبين العراقي والسوري !؟ الجواب هو قطعاً لا .
أنا أعرف لماذا يضحي أبناء الطبقة الوسطى بالغالي والرخيص في العمل السياسي . أنا أعرف أن هدفهم في هذه المسألة هو على درجة عظيمة الأهمية تستلزم وقفة إستثنائية لسبر غور التطايف السياسي لدى أبناء الطبقة الوسطى والبورجوازية الوضيعة، وهو التطايف الموحد في حزمة ضؤئية واحدة لا تكشف إلا عن ضلالة الطبقة الوسطى . هؤلاء المتطايفون من أبناء الطبقة الوسطى لا يملكون مشروعاً اجتماعياً يدافعون عنه . بل كلما أثبتت الحياة زيف مشاريعهم كلما ازدادوا شراسة في الدفاع عن مواقفهم ولو أدى ذلك إلى فقدانهم كل تعقل بل وكل دمائهم وأرواحهم .
هؤلاء القوم الضالون إنما يدافعون عن ذواتهم، نعم ذواتهم . عندما تحزبوا وانضووا إلى أحزاب جوفاء لا تقيم سوى التخلف والدمار لم يكونوا قد تجاوزوا سن الطفولة عندما صدف لأحدهم أن صادق زميلاً له في المدرسة أو الجامعة فانتهت تلك الصداقة إلى الإنضمام لحزب صديقه ؛ على هذا المثال كنت تحزبت أنا في العام 1951 ـ ويحضرني هنا أن معلماً غبياً للرياضة كان في العام 1954 قد نظّم طلاب الصفين الخامس والسادس الابتدائيين في حلقات لحزب البعث . هؤلاء المتأسلمون والقومجيون وبعد انقضاء عدة سنوات في الحزب لا يعودون يدافعون عن أية أفكار أو مشاريع اجتماعية قابلة للحياة بل يدافعون عن أنفسهم، عن ذواتهم، عن تاريخهم، عما وظفوه من أنفسهم في العمل الحزبي . في العام 1965 وقد أفرج عن الشيوعيين الأردنيين بعفو عام بعد أن يئست السلطة الرجعية من النيل ممن تبقى منهم اتصلت بي قيادة الحزب لاستئناف النشاط الحزبي وكنت على خلاف معها في مسألة انحراف خروشتشوف . اشترطت القيادة علي باحتفاظي بأفكاري المعادية للتحريفية طي الكتمان وبحثها فقط مع القيادة، ورفضت الشرط مفضلاً بقائي شيوعياً خارج الحزب على أن أكون تحريفياً داخله ؛ فبادرني مبعوث القيادة بسؤال استهجان .. كيف لك أن تدوس على تاريخك !!؟ فأجبته في الحال .. كيف كنت سأتخلى عن روحي وعن زوجتي وأطفالي من أجل الشيوعية !!؟ ـ طبعاً الرفيق المبعوث لم يكن يصغي لنقدي خروشتشوف والتحريفية خشية أن يدوس على تاريخه !! كنت قد انضممت للحزب الشيوعي حال تأسيسه في العام 1951 حين لم أكن قد أكملت السابع عشرة من العمر وحين لم أكن أعلم من الماركسية إلا الإسم . وأسأل نفسي اليوم .. لماذا كنت في العام 1965 على استعداد للدوس على تاريخي ؟ الجواب الوحيد على هذا السؤال الفيصل هو وعيي التام بأسس علم الماركسية . ولعلي لا أبالغ حين أقول أن علم الماركسية يجيب على جميع الأسئلة . في العام 1965 دست على تاريخي الذي استمر أربعة عشر عاما نصفها في السجن ونصفها الآخر مكرساً كل طاقاتي للعمل الشيوعي . ليس ثمة من شك في أنني ما كنت لأدوس على تاريخي لو لم أكن ماركسياً أعي أسس العلوم الماركسية .

أبناء الطبقة الوسطى من مختلف النحل والأحزاب يملؤون الفضاء بالضجيج السياسي وهم في الحقيقة لا يملكون من السياسة أي معنىً . السياسة هي أدب الصراع الطبقي والطبقة الوسطى في العالم الثالث والعالم العربي لا تدخل حلبة الصراع الطبقي طالما ليس في الحلبة أعداء لها، لا رأسماليين ولا بروليتاريا فالشعب كل الشعب فقراؤه وأغنياؤه ه من الطبقة الوسطى . أبناء الطبقة الوسطى يذوّتون السياسة فيدافعون عن ذواتهم . من يشك فيما أقول له أن يسأل جميع الأحزاب في العراق عن صورة العراق التي يطمح لتحقيقها كل حزب من الأحزاب العراقية الكثيرة ليجد أنها نفس الصورة تماماً وكمالاً .
نعم، الطبقة الوسطى تختطف السياسة وتذوّتها حتى أنها لا تعود تعني شيئاً .

www.fuadnimri.yolasite.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,655,942
- المادية الديالكتيكية والدولة الخدماتية
- الماركسية ليست بحاجة لشهود
- إشتراكيون لا يدركون ماهيّة الإشتراكية
- الرفيق وليد مهدي يراجع الماركسية
- معوقات العمل الشيوعي
- ماذا عن يسار أميركا اللاتينية ؟
- تلكم هي الشيوعية فليخرس أعداؤها
- لماذا البطالة في العالم العربي وغير العالم العربي !؟
- ما زالوا يجادلون في انهيار النظام الرأسمالي !!
- المؤتمر الأخير للشيوعيين
- مجرد تعليق محجوب
- ما بين اتحاد الشيوعيين ووحدة اليسار
- طلائعيو البورجوازية الوضيعة في الأردن يعلنون اتحاداً شيوعياً ...
- الشيوعيون القدامى ودورهم
- في العمل غير المنتج (رد على الدكتور حسين علوان حسين)
- الإنتقال - السلمي - إلى الإشتراكية (2/2)
- الإنتقال - السلمي - إلى الإشتراكية 1/2
- تعليقاً على رأسمالية الصين
- الصين وروسيا لن يعودا إلى النظام الرأسمالي
- إلى السموأل راجي والمنظمات المنتدية في تونس


المزيد.....




- حرب أعصاب بين واشنطن وطهران!!
- وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو ...
- الجزائر: أحزاب قوى البديل الديمقراطي تضع شروطا للمشاركة في ا ...
- وزير خارجية تركيا: سنلبي احتياجاتنا من مصادر أخرى إذا امتنعت ...
- حزب الرئيس الأوكراني يعلن فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان
- لمناقشة ملف إيران.. بولتون في اليابان
- حزب الرئيس الأوكراني يعلن فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان
- تربية العقارب في إيران.. مهنة جديدة تقاوم -لدغات- البطالة
- تشعر بالحرج في الحفلات والتجمعات.. إليك 11 نصيحة صغيرة تنقذك ...
- حزب آبي.. فوز بالانتخابات وفشل في تعديل دستور اليابان


المزيد.....

- الحزب الشيوعي العراقي... وأزمة الهوية الايديولوجية..! مقاربة ... / فارس كمال نظمي
- التوتاليتاريا مرض الأحزاب العربية / محمد علي مقلد
- الطريق الروسى الى الاشتراكية / يوجين فارغا
- الشيوعيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- الطبقة الجديدة – ميلوفان ديلاس , مهداة إلى -روح- -الرفيق- في ... / مازن كم الماز
- نحو أساس فلسفي للنظام الاقتصادي الإسلامي / د.عمار مجيد كاظم
- في نقد الحاجة الى ماركس / دكتور سالم حميش
- الحزب الشيوعي الفرنسي و قضية الجزائر / الياس مرقص
- سارتر و الماركسية / جورج طرابيشي
- الماركسية السوفياتية و القضايا العربية / الياس مرقص


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - في نقد الشيوعية واليسار واحزابها - فؤاد النمري - الطبقة الوسطى تختطف السياسة وتذوِّتُها