أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - المعنى بين النص والواقع














المزيد.....

المعنى بين النص والواقع


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 3958 - 2012 / 12 / 31 - 18:20
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


النص هو صورة بالرموز (الأبجدية) المتغيرة المنطوقة والمكتوبة لواقع مادي متغير أيضاً من حقائق وأفعال ملموسة. مثل كل الصور، دائماً المادة المصورة تكون سابقة الوجود على الصورة ومستغنية عنها، في حين يستحيل أن تقوم صورة بدون موضوع أو مادة يمكن تصويرها. النص، شفاهة أو كتابة، "هذه شجرة"، يستحضر إلى الذهن فوراً صورة شجرة حقيقية موجودة في الواقع قبل وجود النص، تتحدد ملامحها أكثر كلما أسهب النص في ذكر أوصافها، هل هي شجرة عيد الميلاد، أو شجرة مثمرة، أو شجرة زينة، أو شجرة العائلة ...الخ؛ كذلك النص "أنا آكل"، شفاهة أو كتابة، يصور بالرموز المنطوقة والمكتوبة فعلاً يحدث حقيقة في الواقع يتأكد أكثر بمزيد من التفاصيل المحددة، إذا كنت آكل وجبة الفطور مثلاً أو آكل نفسي غيظاً على سبيل المجاز. النص هو رمز منطوق ومكتوب لحقائق موجودة- أو كانت موجودة أو يتخيل أنها موجودة أو كانت موجودة- فعلاً في الواقع، بحيث كلما سُمع أو قُرأ النص استحضرت فوراً الصورة الحقيقية أو المتخيلة التي يراد له إيصالها. رغم ذلك، ليس سهلاً أبداً، وقد يكون مستحيلاً، أن يقوم تطابق كامل بين الصورة الرمزية والحقيقة الفعلية. دائماً توجد مساحة للإبهام والاختلاف في فهم رموز الصورة النصية وترجمتها إلى الحقيقة الواقعية المقابلة، كما في مثالي "الشجرة" و"الأكل" أعلاه. الشجر كثير، وأنواع الأكل، الحقيقية والمجازية، أكثر.

أبداً لا يمكن أن يوجد نص من دون واقع، ولا معنى من دون عملية الربط والمطابقة قدر الإمكان بين نص محدد وواقع محدد مقابل له. ودائماً الواقع يسبق النص ويستغني عنه، لكن العكس غير صحيح. دائماً حقائق الواقع الفعلي أو المتخيل موجودة حتى من قبل نشوء النصوص اللغوية، المنطوقة والمكتوبة، المعبرة عنها. كانت الشجرة الفعلية أو المتخيلة موجودة قبل أن تنشأ الكلمة "شجرة"، وستظل موجودة حتى إذا انقرضت هذه اللفظة اللغوية. كذلك الإنسان يأكل قبل أن يتكلم، ومن دون أن يتكلم. اللغة ليست أكثر من صورة رمزية للواقع الفعلي، وتكون صادقة كلما كانت أكثر تطابقاً مع الواقع الذي تريد أن تصوره، والعكس كلما ابتعدت عنه. الواقع هو المعيار والميزان الأساسي الذي يقاس ويوزن عليه صدق اللغة. بدون الواقع الحقيقي أو المتخيل، يصبح النص اللغوي كلام فارغ من المضمون، لا معنى ولا قيمة له. النص يستمد معناه وقيمته من الواقع، وليس العكس؛ الواقع يستطيع أن يوجد ويتطور بدون النص ومستغنياً عنه، لكن النص لا يستطع أبداً.


معنى ذلك أن القيمة الأصيلة موجودة دائماً في الواقع لا في النصوص، سواء سماوية أو وضعية أو خلافه. كافة النصوص هي مجرد تسجيل رمزي تصويري لواقع فعلي أو متخيل، ليس لها أي قيمة على الإطلاق في حد ذاتها. القيمة الوحيدة للنص اللغوي، إذا كانت له حقاً أي قيمة مستقلة، هي أنه وسيلة لفهم قيمة ومنفعة الواقع. الهدف المراد استكشافه هو حقائق الواقع، حيث تكمن كل القيم، والنص اللغوي مجرد وسيلة للاستكشاف والفهم والاستفادة من الحقائق الواقعية. عندما يجوع الإنسان لن يشبعه التهام اللفظة اللغوية "شجرة"، إنما القيمة الغذائية الحقيقية موجودة فقط في الشجرة المثمرة الملموسة في الواقع، التي يستطيع تسلقها والتقاط الأكل بيده منها. اللغة مجرد وسيلة مساعدة له على الاسترشاد، وإرشاد غيره، إلى الشجرة وتعظيم الاستفادة منها؛ هي مجرد أداة مساعدة لاختصار للوقت والجهد والكلفة الأكثر في غياب لغة للتواصل مع الآخرين والاستفادة من تجاربهم. لكن الشجرة بثمارها موجودة في كل الأحوال، مع أو دون لغة.

الخلاصة هي أن الحكمة، عكس ما يردده النصوصيون كالببغاوات، موجودة دائماً ملقاة تحت أقدامنا وداخل أنفسنا وفي كل شيء ومكان من حولنا في الواقع، لا في نصوص صورية، حتى لو دهنوها بلون السماء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,647,193
- لغة البهائم والبشر
- لأن الله معهم
- الشعب والنخبة والحاكم بين الديكتاتورية والديمقراطية
- الإخوان لا يهزمون أبداً بالوسائل الديمقراطية
- الدستور أو الشريعة
- حتى لو خلعت ملابسها في ميدان عام
- اصرفوا رئيس اليمين الباطل
- رئيس في الهواء
- عندما يعتلي الإله سدة الحكم
- كذلك الكلاب تتزوج أفضل من البشر
- في وحدانية وسماوية الجسد والمرأة
- سيدنا الشيخ بديع مع سيدنا الولي مرسي
- في فلسفة الدستور (عبثية المادة الثانية)
- الدين والديمقراطية والديكتاتورية الإسلامية
- في فلسفة الدستور
- العلماء الكهنوت
- وكذب القرآنيون-3
- وكذب القرآنيون-2
- وكذب القرآنيون
- الحكمة الإلهية داء العقل العربي


المزيد.....




- حرب أعصاب بين واشنطن وطهران!!
- وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو ...
- الجزائر: أحزاب قوى البديل الديمقراطي تضع شروطا للمشاركة في ا ...
- وزير خارجية تركيا: سنلبي احتياجاتنا من مصادر أخرى إذا امتنعت ...
- حزب الرئيس الأوكراني يعلن فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان
- لمناقشة ملف إيران.. بولتون في اليابان
- حزب الرئيس الأوكراني يعلن فوزه بأغلبية مقاعد البرلمان
- تربية العقارب في إيران.. مهنة جديدة تقاوم -لدغات- البطالة
- تشعر بالحرج في الحفلات والتجمعات.. إليك 11 نصيحة صغيرة تنقذك ...
- حزب آبي.. فوز بالانتخابات وفشل في تعديل دستور اليابان


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - المعنى بين النص والواقع