الحرية كعابر للأديان


هيفاء حيدر
الحوار المتمدن - العدد: 3869 - 2012 / 10 / 3 - 09:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر......)
سورة الكهف،29

الحرية والدين
قد يكون موضوع الحرية وعلاقته بالدين من أكثر المواضيع الشائكة في وقتنا الحالي من حيث الخوض في غمار هذه العلاقة التي انتابها وعلى مدار مئات من السنين الكثير من الاضطراب والتشويه وربما الإفتاء والرأي والرأي الآخر ،لما تحمله كل قضية منهما وعلى حدا من مكونات تخال للوهلة الأولى إنهما على نقيضين سوف لن يلتقيا إطلاقاً، وبالرغم من هذه العلاقة الضبابية و ما بينهما مجتمعين نجد أنفسنا مرغمين في أكثر الأحيان على زج أحدهما إذا ما وجد الثاني وفي كثير من القضايا التي تخص حياتنا الدنيا والآخرة على السواء .
لكن والذي لا نستطيع القفز عنه اليوم أن التناقضات قد تظهر لنا أكثر مع كل عام يمضي ومع كل تقدم ينجز إن كان على صعيد القوانين والتشريعات أم كان على صعيد أوجه الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وصولاً إلى ما يجري في عالمنا الكوني والعربي منه على وجه الخصوص فأين يقف اليوم كل من مفهومي الحرية والدين من قضايانا الحياتية ؟
قد يكون من الصعوبة بمكان الحديث في عالم متغير بين اللحظة والأخرى عن ثوابت تخص المفهومين وتأثيراتهما والعلاقة فيما بينهما , فكما يبدو لنا أن هامش تحرك الحرية مفتوح من جهاته المتعددة وخياراته تكبر كل يوم وتدخل أدق التفاصيل إن لم نقل ترسم وتحدد لعالمنا حدود فضاء ممتد إلى ما لا نهايات الكون. والدين متواجد وفاعل في أكثر نواحي الحياة إن لم يكن كلها ،ثابت في وجه كل التأويلات والتفسيرات ،من الصعب أن يجاري لا حركة المكان ولا الزمان ،إنه يدعو إلى الصراط المستقيم, في الوقت الذي تذهب بك الحرية وتعطيك أوسع مدى للتعلم والتفكير والاجتهاد والتجربة ، هنا لا عقاب سوى إن التجربة تقود إلى أخرى والى نتيجة تحتمل الخطأ والصواب وهناك عقاب وثواب وخوف مما قد يأتي مجهولاً ومحملاً بالقيود ، التي تسعى الحرية جاهدة لفكها ،والسؤال هل من الصعوبة بمكان أن يلتقي الدين والحرية ؟وإن كان من الصعب ذلك ،فهل من السهولة أن يخلي أحدهم المكان للآخر ؟
عند محاولة البحث للوصول إلى شبه إجابة قد تؤدي إلى فهم هذه العلاقة المتناقضة في اغلب الأحيان كان لا بد من أن أقترب إلى حيز تعريف مفهوم كل من الحرية والدين فربما استطعت أن أجد مساحة للقاء بينهما دون أن يسحب أي من المفهومين أية خصال من الآخر .
إذا ما أخذنا بعض من التعريفات المتداولة للحرية نجد :
أن الحرية بالمعنى العام والأوسع هي: خاصة الموجود الخالص من القيود، العامل بإرادته أو طبيعته .وكما ينطبق هذا على الفرد الإنسان ينطبق على الوجود الفيزيائي للأشياء مثلاً في حالة سقوط الأجسام فتظهر حرية الجسم الساقط في هبوطه إلى مركز الأرض، وفقا لطبيعته بسرعة متناسبة مع الزمان، إلا إذا صادف في طريقه عائقا يمنع سقوطه.،وهذا بدوره ينطبق على وظائف الحياة النباتية أو الحيوانية إلا إذا كان هناك من عائق يعتري مسيرة حركتها أو حياتها.
أما بالنسبة للمعنى السياسي والاجتماعي: بإمكاننا التقسيم إلى: حرية نسبية وحرية مطلقة:
وتحاكي الحرية النسبية التخلص من قيود القهر والاستغلال وأي من أشكال العنف الاجتماعي والسياسي والثقافي وغيره.والحرية المطلقة تذهب إلى حق الفرد في حياته الخاصة في تحقيق سبل عيشه باستقلال وبكرامة وحقوق يعترف بها المجتمع تحمي كينونته وحياته.دون أي تدخل يحد من استخدامه لهذه الحرية.
أما بالنسبة للدين كي نستطيع أن نصنف أمر ما في زمرة الدين ،أو نصف سلوك ما بالديني ،علينا ان نكون واثقين من اننا نعرف فعلاً ما نعنيه بالدين.
والحال إننا مختلفون في هذا الأمر كما يبين المفكر والباحث فراس السواح في كتابه (دين الإنسان)، "رغم إن كلا منا يعتقد جازماً بأنه يعرف ما الذي يعنيه الدين بالنسبة إليه .وليس الفلاسفة ودارسوا الأديان من شتى المشارب بأفضل حال منا ,فلدينا اليوم تعريفات للدين بعدد من تصدى لدراسته وحاول الإحاطة بهذه الظاهرة ووضع تعريفاً مرضيا لها ،كيف ذلك؟كيف لهذا المحرض الإنساني الكبير أن يكون على هذه الدرجة من الغموض والزوغان عن التعريف ؟وهل من الممكن أن يختلف الدين باختلاف الأفراد وتنوع نظرتهم إلى الحياة؟أم أن وراء هذا التنوع الظاهري وحدة صميمية ،وان التعريفات لا تقصد أن تقول شيئا واحدا ،وتعبر عن تجربة إنسانية واحدة؟
بالنسبة لعالم الاجتماع دوركايم الدين هو منظومة متماسكة من الاعتقادات والممارسات المتعلقة بأمور قدسية،وبالتأكيد هذا تعريف غير وافي بالنسبة لنا ،حيث أن الدين أكبر وأشمل من ذلك إنه كل المنظومة التي تحدد ما للإنسان وما عليه في حياته الدنيا من معاملات وصلات مع نفسه والآخرين وليس هذا وحسب بل تحتوي المنظومة القيمية هذه أيضاً العبادات والطقوس الدينية لعلاقة الفرد المؤمن بخالقه.وإن كان هذا لا يشمل تعريفاً دقيقاً وشاملاً للدين حيث أن الأديان السماوية الثلاث تختلف فيها المنظومة كما تختلف النظرة والوعي للعلاقة من مواقفها القدسية ومع الخالق كذلك.حيث بتنا نرى أن نوعاً من العلاقات عبر التاريخ قد بدأ يفرض نفسه في تفسير ما هو قدسي في تطوير العقل لعلاقة الفرد مع محيطة وخالقه وبين تفسير مرتبط بما يستجد من مصالح ترتبط بسياسات تتعدد الغاية والأهداف منها.
ولدراسة الظاهرة الدينية حسب (وليم جيمس)الفيلسوف والسيكولوجي الأمريكي (1842-1910) فقد ميز بين نوعين من المحاكمة في دراسة الظاهرة الدينية يدعو الأول محاكمة وجود والثاني محاكمة قيمة حيث في الأول يقوم الدارس بتقصي طبيعة موضوعية ،أي تركيبه وأصله وتاريخه.وفي الثاني يبحث في أهميته وجدواه .و بدوره يرى وليم جيمس إننا لا نستطيع اشتقاق احد هذين المقتربين من الآخر لأنهما مستقلان تمام الاستقلال وينشأ كل منهما عن مواقف فكرية متغايرة فمحاكمة الوجود موضوعية لا تعتمد معايير موضوعة مسبقاً ،أما محاكمة القيمة فذاتية تعتمد معايير يقوم الدارس بتبنيها مسبقاً .
في تعريف الدين أيضاً نجد :
بداية حول فكرة "فوق الطبيعي" يشير هذا التعبير إلى كل ما يتجاوز حدود المعارف الإنسانية ويقع في نطاق السر والمجهول،وحسب ذلك الدين هو تفكر في كل ما يتأتى على العقل العلمي والتفكير الواضح .وحسب هربرت سبنسر :"إن الأديان على قدر اختلافها في عقائدها المعلنة ،تتفق ضمنياً في إيمانها بأن وجود الكون هو سر يتطلب التفسير".
لذلك عرف سبنسر الدين " انه الاعتقاد بالحضور الفائق لشيء غامض وعصي على الفهم".
و الفيلسوف ومؤرخ الأديان الألماني ماكس موللر (1822-1900) يدور تعريفه للدين
حول :"إن الدين هو كدح من أجل تصور ما لا يمكن تصوره ،وقول ما لا يمكن التعبير عنه ،انه توق إلى اللانهائي "
وفي كتابه مقدمة في تاريخ الأديان يقول م.رافيل في ذهابه إلى فكرة "الألوهة" في تعريف الدين:"ان الدين هو اشتراط الحياة الإنسانية بإحساس بالاتصال بين العقل الإنساني وعقل خفي يتحكم بالكون ،وما ينجم عن ذلك من شعور بالغبطة".

الدين والأخلاق
الدين عبارة عن معتقدات وممارسات تنظم سلوك الإنسان تجاه عالم المقدسات وتزوده برؤية شمولية للكون وموضع الإنسان في هذا العالم .أما الأخلاق فإنها قواعد وممارسات تنظم سلوك الأفراد بعضهم تجاه بعض وتجاه الجماعة التي يشكلون أعضائها وهي تنشأ بشكل خاص لحل المشاكل الناجمة عند التنافس بين الأفراد والمجموعات ،فتعمل على تسوية النزاعات التي تخلقها الحياة المشتركة.
لذلك نحن نجد اليوم إنه لم يكد يخلو واحد من الأديان السماوية من الحديث عن الحرية وصحيح إن ذلك ارتبط بحسب مفهوم ورؤية كل دين لطبيعة نظرته للإنسان إلا أن الاختلاف ربما يكاد لا يرى في هامش ونوع الفرق بينهما،ولعل ما يخطر بداية لنا أن الحرية الدينية أول ما يجب أن تتجلى به هو حرية المعتقد والشعور بان الحرية في اعتناق المعتقدات والأديان دون جبر أو إكراه أو استخدام أي من أنواع الضغط على الإنسان في اتخاذ موقف من ذلك.فهل نستطيع القول أن الحرية متلازمة لحياة الإنسان لا يستطيع العيش بكرامة دونها تدون وترسم سيرة حياته وتجعلها له رحبة واسعة في كل ما يتطلب في نواحي الفعل والسلوك والعلاقة مع الآخر ومنظومة القيم والأخلاق وصولاً لإعطاء أجوبة شافية لكل ما يعتري العقل البشري من تساؤلات ،وهنا لا بد أن نرى أن لإشكالية العلاقة ما بين الحرية والدين مكان موجود منذ الأزل فمن ناحية خلق الإنسان حراً عاش مئات آلاف من السنين يجوب الأرض وبراريها دون قيد على أي عمل اشتهى أو دفعته الضرورة للقيام به، ومن ناحية ثمة من يقول بنظريات فسرت سيرة النشوء والارتقاء الداروينية .
إن كنا نتحدث عن شمول كل من الحرية والدين لكل مناحي الحياة في شتى الجوانب وتعدادها ،فهل يمكننا القول أننا أمام منظومة قيم ثقافية للحرية كما للدين وبتوسع هنا ،ترافق الإنسان حتى في أدق تفاصيل حياته اليومية ؟ إذاً ما الذي جرى لسيرة حياة الإنسان منا حتى سلم طواعية أم جبراً دفة القيادة لتجليات ممارسة الحرية له وعليه لسلطة خارجة عن نطاق قراره وتوقه للعيش باستقلالية ودون قهر أو استعباد ، كيف كان للعقل العربي لدينا من متسع أن يخلو المكان لحيز الحرية خارج عن إرادته ويغلف الدين ويرمي بظلاله حول كل مجريات حياة الإنسان منا .أليست هي نفسها الحرية ذو المعنى والهدف السامي التي استهدفت من قبل الدين للكسب والتأييد ؟حتى بات شعار الحرية يبدو على تناقض في العديد من الدول حتى الإسلامية منها وبات مفهوم الحرية الدينية يحتوي كل أنواع الحريات الأخرى الضرورية لاستمرار مجريات حياة الفرد وعلاقته مع محيطة.
أيهما كان مقدماً على الآخر وجوداً وعقيدة ومبدأ من سبق عقل الإنسان واستغل الحيز الأكبر فيه ؟الدين أم الحرية؟ وهل بالضرورة أن من سبق أصبح الآخر تابع له ؟
تتعدد الآراء حتماً لكل رؤيته حسب منطلقة الفكري والإيديولوجي ويدخل بها التصور حول قوة وتأثير الديني وما يتنازع الإنسان عبره من أفكار عندما لا تجد أجوبة شافية يتقدم المعتقد فارضاً قوة ما تحمل في طياته نوعاً من التهديد بعقاب لكن مع الوعد بثواب في نفس الوقت .
من يقول بأسبقية الدين على الحرية يجد نفسه أمام تساؤلات عديدة منها :هل هذا يعني أن الحرية هي جزء من مكونات الدين جاءت واحد من مكون المنظومة الدينية لا يتجزأ عنها وضروري لإستمراريتها ،وهنا لا بد أن يبرز أمامهم استنتاج لهذا التصور إذاً فنحن لسنا أحرار في أن نختار معتقدنا الديني فلم نخير بذالك كي نصطفي ما نريد لحياتنا ونأخذ الأجر عليه في الآخرة لاختيارنا له عن كامل حرية واعتقاد.وأين نحن من قوله تعالى:"لا إكراه في الدين ،قد تبين الرشد من الغي..".
لكن هل العكس سيكون أفضل حالاً لو اعتمدنا أن الحرية سابقة للدين وأن تجليات الدين يكتسب صبغة ومعنى أكبر وهو يمارس في ظل الحرية كمكون يجد نفسه هناك ؟
بناءً على هذا فان الأصالة للحرية وهي مقدمة على الدين وان وجود الدين وشأنه إنما يكتسب معناه في ظل الحرية ولا يستطيع والحال كذلك على تقييد الحرية كفرع منتج عنها ،وليس من معنى أو مكان لتقييد حرية المعتقد وإصدار الفتاوى والتفسيرات والتأويلات التي تمس حياة وكرامة البشر حتى لو مارست السلطة نفوذها هنا عبر سلطاتها المتعددة .
لكن هل ينطبق مفهوم استباق الحرية على الدين في هذا المسار على كل مراحله بمعنى هي نفسها الحرية تبقى تجلياتها قبل اعتناق الدين وبعدة ،ألا يقيد الإنسان بعدم تغيير دينه حتى لو قلنا لا إكراه في الدين ،وهذا بالتأكيد متفاوت الجوانب والاعتبارات بعد أن يصبح داخل منظومة من المقدسات والعقائد فهو لم يعد حراً ولا سبيل للاختيار أمامه سوى الطاعة لأوامر الله سبحانه وتعالى.
فكيف والحال كذلك دخلت السلطة من الحيز الأوسع ،أو أدخلها الإنسان نفسه كي تأخذ منه حق التمتع بحريته وأصبحت تستخدم الدين لمصالح وغايات سوف لن يكون هدفها الأول سعادة وتطور وتقدم الإنسان وحياته ولو إنها تقدم وتظهر لنا بهذا الثوب .
في كتابه (سيسيولوجيا الجمهور السياسي ) يقول الدكتور خليل أحمد خليل، عن هذا الواقع الإشكالي المرتبط بتاريخنا - : " بدلا من علمنة السياسة، أي ممارستها بعلم، وفصلها عن المثيولوجيات المؤسسة للسيطرة على الجمهور، جرت أسطرة السياسة العربية نفسها، بديانات غارقة في أسطوريتها القروسطية؛ وبدلا من تفكيك المذاهب الدينية جرى إنتاج إيكاريات من جماهير متمذهبة ومغلقة ". وهذه الصورة التي تحكي الواقع بأمانة هي - بلا شك - عكس ما يفرضه قانون التطور من ضرورة ارتباط النشاط الواقعي / الطبيعي / المدني بما لا يتجاوز - من الناحية العلمية - حدود هذا العالم الواقعي . لكن، يبدو أن العالم الإسلامي كان - طوال تاريخه المتعثر بقيم النكوص - يتقدم إلى الوراء .
وحتى لا يُفهم أن في الأمر مُبالغة ؛ نقول : ليس المراد بالسياسة هنا ما يتحدد حصرا بالنشاط السياسي الصريح في مُسْتَويي : الخطاب والتمثيل، بل المراد كل ما يتجاوز الوظيفة الأساسية لرجل الدين، الوظيفة المُتحدّدة في التوجيه الروحاني للفرد والجماعة بما لا يدع مجالا للتدخل في الشأن العام، من مبدأ : (لست عليهم بمسيطر) . وبهذا يتضح أن ممارسات الدعاة والوعاظ وزعماء الطوائف التي تتماس مع الشأن العام للجماعة التي يدّعون تمثيلها، هي أنشطة سياسية بحتة؛ مهما تلبست بخطاب ديني يدّعي أنه لا يخضع إلا لإرادة الله، وأنه بريء من النزول على إرادة الواقع الذي تدور عليه حقيقة الصراع.
ويتابع الدكتور خليل أحمد خليل قائلاً وموضحا حقيقة تَسيُّسِ رجالِ الدين عن وعي ؛ رغم تواريهم خلف شعارات الخطاب المقدس - : " ما حدث أيضا عبر التاريخ السياسي للجمهور العربي هو استتباع السياسي للديني؛ ولذا بات مطلبُ معظم رجال الدين استعادة وظيفتهم السياسية، بحجة أن الدين سياسة؛ ولكن في إهاب (قدسي) ديني " .
هذه الصورة ربما تساعدنا قليلاً في فهم ودون صعوبة كيف يتم تبادل المصالح والغايات وكيف توظف إلى أبعد الحدود وصولاً إلى وقت إن احتاج الأمر المختلف عليه ،فلا ضير من التناحر والصراع ،لن يكون الأمر صعباً في عالم طافت جوانبه الفتاوى والبدع والسحر بدل العلم والدراسة والأبحاث وشيوع المنطق ولو في مسلمات ليست بحاجة الى براهين.
فالدين جاهز هنا سلاح ذو أكثر من حد وفي كل زمان ومكان على الكل أن ينطوي تحت مظلة الجزء إن تضاربت المصالح للقوى المختلفة. من المؤكد أن هذا السعي المحموم للهيمنة على عقول المتلقين والفاعلين من الجمهور، قد فرض على رجال الدين إجراء تحويرات وتغييرات في صلب الخطاب الديني؛ من أجل أن تكون مفردات الخطاب أقدر على القيام بمهمة الاستغفال والاستتباع، ومن ثم الاستغلال .فلم تعد هناك من مرجعية واحدة في ظل كل هذا الضخ الإعلامي لقنوات دينية فاقت أللآلاف ترتبط هنا وهناك مع متغيرات لهذه الدولة وتلك وتحت شعارات استحقاق الحرية للشعب .حتى ولو اضطررنا إلى تغيير وتسويف بالمعنى الديني المقصود للجمل والتعبير عبرها حيث يتم تسويق موقف أو إتباع اتجاه ارتأت عناصر السياسة تسيير دفته اليوم بهذا الاتجاه أو ذاك وها هو مسرح التاريخ الغابر جاهز بمئات وآلاف القصص المحكية والمنسوبة والمكتوبة التي تدعم أي اتجاه شئنا السير فيه.لكن أقول للآسف في الغالب الأعم تسخر كل هذه الإمكانيات لمزيد من الفرقة والتشرذم لتصبح أدوات قسمة لا جمع وكأن قدر مجتمعاتنا أن تصبح الفرق والطوائف والمذاهب حالات اجتماعية ثقافية سياسية وكأنها قدر لا مجال من الانفكاك من عقده ،فالقصدية التي لعبت بحبال السياسية وإدخالها حلبة الدين كان مخطط لها أن تستغل هذا الجانب العقائدي ومنظومته الأخلاقية وان تربطها بمصالح يتم التناحر عليها في عملية تسييس واضح على حساب الحرية والمعتقد الديني في نفس الوقت.
وصولا إلى عملية إقصاء تضرب من خلالها أبسط حقوق الفرد ليصبح المنع والتحريم وضرب المواثيق والقوانين الدولية متقدماً على عيش الإنسان بكرامة مصانة له من خلالها خصوصياته الدينية والشخصية وغيرها .مستخدمين رجال الدين ومعززين من سلطتهم الدينية والفكرية والثقافية ومستخدمين أساليب حشد للشارع تطغى عليها حيناً نورانية الجانب الروحي وحينا آخر جانب إيديولوجي معادي الى حد ما في كثير من محطاته لقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.والمكسب هنا متعدد الأوجه ولا يكاد يخلو من إذكاء طابع الصراع وتقوية طرف ضد آخر وفرقة ضد أخرى وبنفس الشعارات التي تتماهى وربما نجدها قريبة من قيم تبدو للناظر وكأنها قيم في الحرية والديمقراطية.لذلك لا غرابة إن وجدنا كل يوم انتشار ظاهرة التطرف وبروزها كالفطر النابت في يوم غائم ،شخصيات تسمى دينية لكنها مصابة بنوع من التحجر الفكري المنغلق في عالم باتت أبوابه مفتوحة على مصراعيها.

وهذه الصورة غالباً ما تولد في مجتمعاتنا وضعاً لرفض التغيير فعندما يتم مثلاً طرح موضوع يخص المرأة إن كان لجهة حقوق منقوصة أم تعديل لتشريعات تعطي مزيد من الحقوق يجابه بالرفض الشديد وبأسباب تتمحور حول الفساد الأخلاقي ومخالفة الشرع. وربما هذا ليس ببعيد على دور الحكومات وتعاملها مع الأقليات والطوائف من منظور أن الحرية يجب ان تكون رهينة فئة عن أخرى ،بالرغم من ورود العديد من الآيات الكريمة التي تدعم حق امتلاك ناصية المعتقد دون إكراه"لا إكراه في الدين" البقرة 256 و"لكم دينكم ولي ديني" الكافرون 6،وقوله تعالى:"فذكر أنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"الغاشية 22.
هذا مع ذكرنا أنه جاء اعتراف الأمم المتحدة بحرية الأديان والمعتقد مبكراً في النصف الأول من القرن العشرين فقد اعترفت الأمم المتحدة بأهمية حرية الديانة أو المعتقد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948:حيث تنص المادة 18 منه على أن "لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما،وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره".
كما أقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1966، بالحق في حرية الدين أو المعتقد وذلك من بين ما اقره به من حقوق
إن جل ما تقدم من إشكالات ربطت علاقة الحرية بالدين وما يقوم به الدين من لعب دور في موضوعات الحرية والحد من مساحتها وتمتع الفرد بها هو من النقاشات الغنية التي تستحق أكثر من ندوة وورشة عمل لما يحمله هذا الموضوع من أهمية وتأثير إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي والذي بات يوسم علاقة الأفراد ببعضهم البعض وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة كذلك ويكاد يكون جزء من معظم الخطابات ويدخل في برامج ومشروعات الخطط على صعيد الهيئات والقوى والأحزاب في البلد ككل وتحتل إيديولوجيا الخطاب الديني حيزاً كبيراً اليوم على ضوء ما يجري من تطورات في الساحات العربية التي انطلقت تحت شعارات وغايات الحرية .
علماً أننا ندرك أن نقاش هذا الموضوع بشفافية يحتم علينا أن نطرح التساؤلات العديدة حول منظومة القيم الأخلاقية والدينية وموقعها اليوم في حياة الأفراد ومدى تأثيرها على سلوكهم وأفعالهم.مما يضعنا في مواجهة مباشرة في أغلب الأحيان مع تصعيد لوتيرة الاختلاف والتباين الذي تحمله في طياتها الحرية في علاقتها مع الدين على أرض الواقع.

في صورة وكأن الذي يجري يتعلق بصراع سياسي وثقافي مبني على خلفية إيديولوجية يستغل به عنصر الدين لمصلحة السياسة والاقتصاد وكأن الدين أقحم على السلطة واستراح هناك ولم يعد من إمكانية لمغادرة المكان.
وأخيراً لا بد من القول أن نشر قيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية وتهيئة المناخ الكريم للإنسان في مساواته أمام القانون دون أي تمييز على أي خلفية دينية او عرقية او غيرها ،واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي والديني ،من شأنه ان يبني لمجتمع تسوده ممارسة حرية الفرد على كافة المستويات والمجالات وتكون سيادة القانون هي الغطاء للتعددية وممارسة الديمقراطية .

(قدمت هذه الورقة البحثية لورشة (الحرية والأديان)
مركز ثقافات للدراسات (إنتلجنسيا)
عمان 2-10-2012

مراجع تم الإطلاع عليه :
1-فراس السواح ،دين الإنسان،بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني.
2-فراس السواح،مغامرة العقل الأولى ،دراسة في الأسطورة ،سوريا ،أرض الرافدين.
3-يوسف زيدان ،اللاهوت العربي وأصول العنف الديني.
4-صقر أبو فخر،الدين والدهماء والدم،العرب واستقصاء الحداثة.
5-موريس بوكاي ،التوراة والأناجيل والقرآن الكريم بمقياس العلم الحديث،ترجمة علي الجوهري.
6-موقع الحوار المتمدن ،ومواقع أخرى.-



تعليقات الفيسبوك