حين يزهر الياسمين التونسي


هيفاء حيدر
الحوار المتمدن - العدد: 3251 - 2011 / 1 / 19 - 09:27
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ويحلق حيث لا أجنحة للبشر كي تلحق به وترسم تلك اللوحة التي ما استطاعت يد أن تمثلها بعد, سوى عريشه الياسمين التي أزهرت في عز كانون وقبل موعد موسمها الربيعي.قلبت موازين الطبيعة وغيرت أبجديات الزرع الأولى .لتدخل قاموس اللغة وتستقر بين جنباته.
هي إذاً معادلة من قال للحرف كن, فكان كلمة ولم يكتفي ,فقال للكلمة كوني فنطقت ,وكان الجميع في حالة صمت مطبق,ولم يكتفي ,فكانت الصوت والفعل معاً , أرادها أو لم يردها مفجر ثورة الجياع ,العاطلين عن العمل والباحثين عنه ,الفاقدين لحرية سلبت عقود تلو الأخرى,لكن ما كان متأكد من فعله حقاً ,هو انه سوف لم يعد بقدوره أن ينتظر احد يضيفه كرقم في معدلات ارتفاع مستوى البطالة الذي يرفع بدورة منسوب خط الفقر والذي سيدلل على اتجاه لخطط تنموية عشرية قادمة , أطلق الشرارة الأولى ,وأبدع في فك الحروف التي لم تجمع بعد .
ولم تعرفها بعد مصطلحات التنمية والتنمية المستدامة التي تملئ تقارير الألفية عن الوضع ودراسة الأحوال في العالم النامي والثالث والأدنى.وسيان عنده إن وردت في تقارير حكومية وغير حكومية .
لقد قرر قبل أن يفوت الأوان وتعبر من مخيلته لحظة الخلق والإبداع.لم يتبقى لديه الوقت الكافي لتأسيس حزب للطبقة العاملة المسحوقة التي ينتمي لها ولا وقت لنظام داخلي هنا,ولم يتسنى له أن يكتب بيانه الأول , ولا أن يعقد إجماع مع أترابه من بائعي البسطات المصادرة أو التي هي برسم المصادرة ,حتى يقرروا ويتدارسوا الخطوات اللاحقة لتحركهم المنتظر كان ربما قد سئم النقاش حول أدبيات التحرك الجماهيري وبماذا سنبدا بإصدار بيان أم رفع مذكرة وقد يختلفون ويتطرف بعضهم بان يقترح اعتصام هنا أو مظاهرة هناك من يدري ؟
هي كلمات بسيطة أدرجها في موقعه على الفيس بوك يستسمح أمه وكأن حاله يقول لها إني أخجل من دمعك وأنا لا أقوى على تأمين رغيف الخبز فأي حياة هذه يا أمي الغالية.
فقرر أن يطلق الشرارة الأولى ليعلن بها عن ساعة الصفر تلك التي يتفق عليها في الحروب الكبرى بين الدول وتبقى سراً عسكرياً وأمنياً يوازي الحرب برمتها , فكان له شرف المبادرة وحصل بامتياز على كل تلك الأهمية وأكثر التي تحظى بها ساعة الصفر وحتى اكبر من اكتشاف الصفر وإضافته إلى الأعداد في الرياضيات قبل آلاف السنين حتى بات الصفر وإخوانه يشكلون قبلة الصلاة لكل ثروات أعداء الشعوب وقاهريها.
إنه جبروت الخلق الأول لأمة كان أقل ما يقال عنها إنها خانعة ,مستسلمة,ليس فقط لا تقرا ولا تكتب ,وإنما مات ضميرها للأبد ويشهد على ذلك شعب العراق وفلسطين والسودان ولبنان والقادم أعظم.

جاء مفجر ثورة الياسمين التونسي هكذا سميت من بعده ليقول :
كفى ,ليس من الصعب إلى هذا الحد أن نقول لا .وأن نخلق العالم الذي نريد .بإمكان العواصم أن تحلق ومن لا يملك أجنحة فليبق مكانه .ليحرس عربة الخضار كي لا تصادر من جديد.
كان لا بد لكل هذا الكبت من أن ينفجر ,ولا بد لهذا الموج أن يثور على حراس الشواطئ خوفاً من رسوا سفن الحرية لهذا الشعب الذي تناسل بعد الشاعر أبو القاسم الشابي :
ليعيد لنا نبض الحياة من جديد ,يحرق الفتى جسده يخلق لغته ويبدع في خلقها كما الرب تماماً.
ليذكرنا بأن الشعب إن أراد الحياة لا بد أن يستجيب القدر آجلاً أم عاجلاً ,أليس هو الشعب نفسه الذي ما زال يعاني الركض وراء رغيف الخبز الذي سوف لن يلحق به ,هناك طغاة يسرقونه من أمامه وقد تصل بهم الأمور الى سرقة اللقمة من أفواه الصغار كذلك,إذاً هو الشعب يمهل ظلامه وقتلته ولكن لا يهملهم و لا ينساهم ,فلا بد لليل وان طال مداه وازداد سواده لا بد له أن ينجلي كي يبزغ فجر الحرية التي أوقد مشعلها البوعزيزي بجسده كي يعبر من بعده كل اللذين أطلقوا العنان لأجنحتهم.
غادر باب بيتهم وتركه مشرعاً للريح يعرش عليه الياسمين كما يريد, تلك هي أبواب الحنين التي غنت لها فيروز.
التي جسدت تلك العلاقة ما بينها وبين الياسمين وعودة الغياب المنفيين.
البواب ,شي مسكر,وشي ناطر تيرجعوا الغياب.
في باب غرقان بريحة الياسمين,وفي باب مشتاق وفي باب حزين,
في باب مهجور أهلوا منسيين,
ها الأرض كلها بيوت.
كم من البيوت تنتظر غيابها حتى يعود الياسمين يتفتح على أبوابها ويغمرهم بالحنين
وكم من البواب على امتداد وطننا العربي مشتاقة أن يغمرها الياسمين ويشع بنوره ليضيء عتمة الليل .وينشر عبقه في رحاب السماء الواسعة.
كم من الزمان بقي كي يعي هذا العالم الظالم وقواه الشريرة أن ما من شعب يموت , وان روح الثورة تبقى كما اختلاج الروح في البذرة أقوى من الصخرة مهما انقطع المطر, تستجمع قطرات الندى قوتها وتسقي البذرة لتدب الحياة فيها .
كما خلق الحرف وأبدع الكلمة وصنع شعب تونس ثورته وفجر ما بداخله , وأحيا فينا حبنا لهذه الحياة ما استطعنا إليها سبيلا.



تعليقات الفيسبوك