قربة مقطوعة


هيفاء حيدر
الحوار المتمدن - العدد: 3013 - 2010 / 5 / 23 - 00:56
المحور: كتابات ساخرة
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


كان لا يريد لها أن ترى هذا العالم إلا من خلال منظوره الخاص،حيث إنها لا تتذكر سوى عباراته المعهودة ،وتلك الأوضاع التي يتخذها في صمته وكلامه ،لقد جعلها تدمن عليه كما لو كان ولي نعمتها منذ طفولتها و حتى الأزل، كان يلقي برأسه جانبا" يميل به نحو اليمين وتارة نحو اليسار.لكن ليس نحو اتجاه اليسار الذي لطالما تغنى بانتهاجه لفكره ،من كان يجرأ على أن يخالفه الرأي فقد كان هو العارف بكل تلا وين الثورات وما تعاني ،ولم يكن البته يميل برأسه نحو اليمين الذي يضرب له التحية بين الحين والآخر كون هذا اليمين قد عرف كيف يدير دفة الأمور ، أليست هذه هي الرأسمالية التي تريدون لها أن تدحر ،ها هي تزداد قوة يوما" بعد يوم، كان هذا قوله لرفاق الأمس من باتوا بحكم الماضي كما أنتي يا زوجتي العزيزة ،هكذا كان يلطف الجو معها وهي تحاول أن تتذمر وهو يميل برأسه نحو الاتجاه الذي اعتادته عليه.
كثيرة ما كان يشغل بالها وتتساءل: كيف كان زوجها يرى العالم من تلك الوضعية ؟رأسه يتدلى فوق إحدى الكتفين مائلا" ولا تخفي خوفها من وضعيته هذه وهو يقود سيارتهم اللادا والتي كانت تعود لحقبة الإتحاد السوفيتي سابقا".
كانت تبادره الحديث يا إلهي اعدل راسك يا رجل أنت كيف شايف وعم بتسوق السيارة؟
- إنعدلي أنتي بالأول أنا شايف أحسن منك وطول عمري بشوف اللي ما يشوفوه غيري قديش بحكيلك راسك و الحيط واحد، متى تصيري تفهمي ،علم وتعلمتي، وسياسة واشتغلتي ما بدك إلا وتتفلسفي و مش بس هيك وكمان بدك تخلفي لو قعدتي بالبيت من الأول وبلا كل هاالتعب والغلبة ما كان أحسن إلك؟؟؟؟
تبدأ هي بالانكماش شيئا" فشيئا" وتحاول أن تلهي نفسها بالطفل الصغير على حضنها ، لكن على ما يبدو أن لا مفر أمامها ،هي التي تعرفه جيدا" ،ما لا يستطيع أن يقوله للآخرين يقوله لها لكن بطريقته لا يوفر كلاما" و لا إيماءات ينزلها على رأسها كما ينهمر المطر.اعتادت على نزقه هذا والمشكلة لا أحد يصدقها عندما تتحدث عن أطباعه هذه يظن الجميع أنها تبالغ بالوصف .
- أنا حكيتلك من زمان هذه مشاريع فاشلة ، ما منها فائدة ، كنت مصدقة كلام التنظير عن نضالات الطبقة العاملة و تحرر المرأة والثورة كضرورة في البلدان الأكثر فقرا" والأنتساب للنقابات .
ويبدوا أن السيدة قد سرحت قليلا" ولم تنتبه إليه وهو يلقي عليها محاضرته وكأنه يحملها مسؤولية انهيار المنظومة الاشتراكية ،صرخ بها شو ما عجبك كلامي ؟
-- لا أبدا" بس سرحت شوي كنت تحكي عن المشاريع الفاشلة شو بتقصد؟
-- بقصدك أنتي، أنتي أكبير مشروع فاشل بحياتي ، هو في الأصل كل مؤسسة الزواج من أصلها فاشلة ، كلها حبس بحبس ما بيكفي الواحد اللي يشوفوا برا البيت ،لا وكمان جوا البيت ، الارتباط من البداية كان خطأ ، ما في أحلى من الحرية للرجل ، النساء يا عزيزتي يتدخلوا في ما لا يعنيهم يعني شوفي حالك اليوم ،فيني أسألك عن أخر كتاب قرأ تيه من سنة ما راح أسألك عن اسم الكاتب بعرف هذا صعب شوي ؟؟ طيب عن أخر محاضرة حضرتيها ؟ أو أسهل عليك الأمر مين فاز بجوائز الأوسكار العام الماضي؟؟
طبعا" ما راح تعرفي تجاوبي خليكي بالأولاد من الأول كان أحسن لكي، أنا فهمتك أكثر من مرة أنا أولاد ما بدي ، ما راح أتحمل مسؤولية أولاد مش قادر أصرف عليهم .صح. وأنت كنت مصدقة انك شيء مهم من اجتماع لاجتماع حكي فاضي وهذه هي النتيجة .
من أول ما الله خلق الكون كنتوا السبب في خروج أدم أبونا أدم بتعرفيه أو أعرفك عليه كمان غبية طول عمرك تعتقدي انك بتشوفي أحسن مني وانو ميلان راسي يخليني أشوف العالم بالمقلوب أنتي غلطانة يلا أنزلي وصلنا على البيت أنا رايح فيه لقاء من أجل تشكيل تجمع ديمقراطي جديد بالبلد وطالبين مني أكون من المؤسسين ،ولو إنو ما فيه فائدة العرب يظلوا عرب وعمرنا ما نوصل للعالم المتحضر بس رايح أروح أحسن ما أظل أنفخ بقربة مقطوعة معك .
-



تعليقات الفيسبوك