المحنة المصرية من - الشدة المستنصرية - إلى - الشدة المباركية - !


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 2303 - 2008 / 6 / 5 - 10:24
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

القاهرة فى اكتئاب ، والأنس عنها غاب
من عتمه تدخل لعتمه ، كأنها ف سرداب
وقريه مرمى عليها ضل هجّانه *
الحظر م المغربيه ، بأمر مولانا
ومصر فى الليل بتولد ، والبوليس ع الباب

( صلاح جاهين ـ على إسم مصر )




استقبل الرئيس " حسنى مبارك " يوم 4 مايو/ آيار الماضى استقبالا جديدا من نوعه ، إذ لأول مرة فى تاريخه الممتد ، يحتفل بيوم ميلاده ، ( الثمانينى ) ، وسط ضجيج دعوة واسعة النطاق ، أطلقتها قطاعات متعاظمة من الشباب اليافع ، نشطت على مواقع شبكة الإنترنت ، واستخدمتها كمنتج تكنولوجى متيسر، هى ورسائل الـ " SMS " المرسلة بواسطة التليفونات المحمولة ( الخليوية ) ، من أجل بث الدعوة " للإضراب فى هذا اليوم عن العمل والدراسة ، وارتداء الملابس السوداء ، ومقاطعة عمليات الشراء ، والمكوث فى المنازل ، وإطفاء الأنوار ، وتعليق الرايات السوداء والأعلام الوطنية ، وحمل شارات الاحتجاج على الصدور ، والتظاهر فى الميادين العامة إن أمكن " ، اعتراضا على استمرار بقاء " مبارك " على كرسى الحكم لمدة 27 عاما ، منذ عام 1981 وحتى الآن ، وقبلها لمدة ست سنوات أخرى ، نائبا للرئيس السابق " أنور السادات " ، واحتجاجا على التدهور الشامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، وعلى الأزمة الطاحنة التى تضرب أركان البلاد ، ومناحى الحياة كافة ، وللمطالبة برحيله ورحيل نظامه ، اللذان دفعا بالبلاد إلى أوضاع من اليأس والمعاناة لم يمرا بها فى تاريخها المعاصر .
ـــــــــــــــــــــــــ
الهجّانه : قوات قمع الفلاحين من راكبى الهجن( الجمال) فى العهد الملكى ، وكانت تستخدم لفرض حظر التجوال على القرى المتمردة ضد سطوة الإقطاع آنذاك.

واللافت أن الدعوة لهذا الإضراب الجديد ، على الرغم من أنها لم تحقق النتائج المأمولة ، وما كان لها أن تحققها بسبب غياب شروط عديدة ، أهمها أنها أتت ولما يمض على الدعوة لإضراب يوم 6 أبريل / نيسان الماضى إلا أقل من شهر واحد ، ففى ذلك اليوم المشهود الذى دخل التاريخ المصرى من أوسع أبوابه ، باعتباره الإضراب الشعبى الأول ، فى مصر، منذ ما لا يقل عن ستة عقود ، وبسبب الاستجابة الجماهيرية الملحوظة من جهة ، ولمشاركة عمال " المحلة الكبرى " ، المركز الصناعى الشهير فى دلتا وادى النيل بمحافظة الغربية من جهة أخرى ، هذه المشاركة التى أعطت الدعوة للإضراب زخما قويا ، خاصة بعد اصطدام أهل البلدة بجحافل أمن النظام ، التى احتلت المدينة وحولتها إلى ثكنة حربية ، وخاضت حرب شوارع مجهدة فى مواجهة الجموع العمالية الغاضبة ، المحتجة على تدهور أوضاعها ، والمطالبة بتحسين هياكل الأجور ، وظروف الحياة المتردية ، ولجأت السلطة ، خلال وقائع ذلك اليوم ، إلى العنف الدموى ، بكل أشكاله ، لإجهاض هبة الجماهير العمالية ، وصولا إلى استخدام السلاح الحى ، الذى أدى إلى استشهاد ثلاث ضحايا أبرياء ، وسقوط مئات الجرحى ، واعتقال مئات آخرين !



دولة الـ " Face Book " الديموقراطية :

وكان أبرز مافى ذلك اليوم المشهود ، هو إبداع الشعب المصرى فى مواجهة نظام متسلط ومستبد وفاسد .
فبعد ما تصور الحكم أنه نجح فى السيطرة على الأحزاب ( الرسمية ) وقمعها وتدجينها ، وفى توجيه ضربة عنيفة ومؤثرة لجماعة " الأخوان " ، ( المحظورة ) ، بالمحاكمات العسكرية الجائرة التى طالت عددا من أبرز ركائزها الاقتصادية وكوادرها السياسية والعلمية ، وفى محاصرة حركــة " كفايه " ولجم اندفاعاتها القوية ، فوجئ ، ومن حيث لا يحتسب ، ببروز جيل جديد من المعارضين العنيدين ، ممثلا فى عشرات الآلآف من الشباب فى سن اليفوعة ، كلهم من مواليد " العهد المباركى الميمون " ، أو من " الأجيال التى ولدت وعاشت فى ظل حالة الطوارئ الممتدة للعام السابع والعشرين على التوالى ! " ، شباب فى ميعة الصبا ، أغلبهم فى العقد الثانى أو بدايات العقد الثالث من العمر ، استطاعوا باستخدام موقع الـ " Face Book " ، على شبكة الإنترنت ، أن يسببوا اضطرابا واسعا للنظام ، لعل أبرز مظاهرة هو حالة " الهلع " الأمنى فى مواجهة هذه الظاهرة الجديدة ، والتى دفعته للإقدام على خطوات قمعية عشوائية ، غير مسبوقة : ( كاعتقال نشطاء هذه المواقع ، والإعداد لفرض الرقابة الأمنية عليها ، وتعقب البارزين من مستخدميها ، ومتابعة رسائل الـ " SMS " ، والتدخل الأمنى ، عبر شركات التليفون المحمول لتتبع مرسليها ... إلخ ) .

والمدهش أن هذه الهجمات الانتقامية ، كانت عنصرا إضافيا لاشتعال غضبة " مواطنى دولــــة الـ " Face Book " الديموقراطية ! " ، ولاتساع نطاق المشاركين فى حملاتها ، ( والمقدرين بربع مليون فتى وفتاة ) ، وانضمام قطاعات أكبر من الشباب ( غير المسّيس ) إلى حملاتها ، أغلبهم فى عمر " أحفاد " الرئيس " مبارك "، ومعظمهم لم يعرف رئيسا للبلاد سواه ! ، والذين صعـّدوا من دعوتهم لـ " الإفراج عن مصر " ، و " لوقف النزيف وبيع مقدرات البلاد " ، و " لانتزاع حقوقنا وأموالنا المنهوبة " ، حسبما جاء فى بياناتهم وملصقاتهم التى امتلأت بها المواقع الإليكترونية الخاصة بهم .

بين " الرئيس المؤمن " و " الرئيس المزمن " ! :

ولم تكن هذه الدعوات للإضراب والاعتصام والتظاهر ، بأى صورة ، مفاجأة لكل من يتابع منحنى تدهور الأوضاع فى مصر ، وتطوراته الدرامية ، وبالذات فى الفترة القريبة الماضية ، ويجزم كل متابع للوضع فيها أن هذه الموجة من الإضرابات والاعتصامات والتظاهرات لن تكون الأخيرة بأى حال ... فى المواجهة المتصاعدة بين الشعب ، بفئاته وطبقاته ومكوناته المتعددة ، وبين الحكم المترهل الفاسد ، برمزه ، " حسنى مبارك " ، وإذا كان الرئيس " أنور السادات " قد أطلق على نفسه اسم " الرئيس المؤمن"، فقد أطلق المصريون ،اللاذعو اللسان وصف " الرئيس المزمن " ، على " حسنى مبارك " ، فهوصاحب ثالث أطول فترة حكم ممن جلس على كرسى " المحروسة " ، [ بعد رمسيس الثانى ( فرعون المجد والانتصار) ، ومحمد على باشا ( بانى مصر الحديثة ) ] ، وكما كتبت صحف المعارضة ، فقد استهلك " حسنى مبارك " حكم أربعة رؤساء أمريكيين ، ويوشك أن يشهد الرئيس الخامس ، وثمانية رؤساء حكومات إسرائيلية ، واثنتى عشر رئيس وزراء إيطالى ، وأربعة مستشارين ألمانيين ، وأربعة رؤساء حكومات بريطانيين، وثلاثة رؤساء فرنسيين ، وثلاثة ملوك سعوديين ، ورحل أغلب الحكام العرب الذين رافقوه ، فى بداية مشواره ، ولم يعد معظمهم فى السلطة ، وأصبح يجلس فى مؤتمرات القمة مع أبنائهم ! .

شيخوخة نظام ... شيخوخة دولة !

وفى عصره شاخت الدولة المصرية التليدة ، وأصابها الهرم ، وحل بأعطافها الخمود ، وأصاب شرايينها الجمود ، وأصبح حالها : " عجوز يحكم عواجيز ، ويعارضه مسنون " ، إذ ليس هو وحده الطاعن فى السن ، ولا أركان حكمه فحسب ، كما يكتب " محمد اسماعيل " ، فى جريدة "البديل" ، (/5/2008 ) .
، وإنما امتدت هذه الحالة البائسة فشملت أركان " المعارضة " ، ( الرسمية ـ الشرعية ! ) ، و( المحظورة ) ، كذلك ! : " فمرشد " الأخوان " سيحتفل بعيد ميلاده الثمانين بعد الرئيس بشهرين ، وضياء داوود ، ( الحزب العربى الناصرى ) ، بلغ الثانية والثمانين ، ولا يزال متشبسا برئاسة الحزب ، ود. رفعت السعيد ، ( قومسيير حزب التجمع ) ، على أعتاب الثمانين " ، أمد الله فى أعمارهم جميعا ! .

تراجع الدور المصرى :

وفى عهد الرئيس " مبارك " تراجع الدور الريادى ، السياسى والحضارى لمصر، ضمن وطنها العربى ، وعالمها ( الثالث ) ، والعالم أجمع ، تراجعا مأساويا ! ، وفقدت مصر مكانتها المرموقة التى تحققت لها فى العهود السابقة ، وبالذات فى حقبة احتدام معارك التحرر الوطنى المشهودة ، خلال فترة حكم الرئيس الأسبق " جمال عبد الناصر " ، وتقزم الدور المصرى بصورة محزنة حين تخلت إدارة مصر " مبارك " ، عن ثوابتها الاستراتيجية ومستهدفاتها العليا ، لصالح الدولة الصهيونية ، ومراكز النفوذ النفطى الخليجية ، التابعة للولايات المتحدة الأمريكية ، فتقلص اهتمام النظام بالقضايا العربية والأفريقية ، حتى المصيرى منها ، كالعدوان الصهيونى المستمر على الشعب الفلسطينى واللبنانى والسورى ، أو الاحتلال الإجرامى الأمريكى للعراق ، أو التهديدات الكارثية فى السودان التى تهدد مصدر الحياة الأساس لمصر ( النيل) ، ... ألخ.
ومع الإعــــــــلان عن أن " خيار النظام الاستراتيجى هو السلام " ، وأن " حرب أكتوبر/ تشرين هى آخر الحروب " ، انطلقت الدولة الصهيونية تعربد فى المنطقة بلا رادع ، وتدعمت مسيرة " هرولة " النظم العربية إلى أحضانها ، وتكرس " التطبيع " السياسي والاقتصادى ، وأصبح الشغل الشاغل لمبارك وأركان حكمه إثبات أنهم الأجدر ، والأقدر ، على النهوض بمهمة خدمة السياسة الأمريكية فى منطقتنا ، وضمان وحماية المصالح الأمريكية المستهدفة فيها : النفط ، وأمن إسرائيل ، وبقاء أنظمة التبعية والاستخذاء ! .

تغوّل جهز الأمن :

وفى عهده اتسع دور وسطوة وجهاز الأمن إلى درجة هائلة ، مقابل تقلص دورالهيئات السياسية إلى درجة محزنة ، وتضخمت أحجام قوات القــــــــــمع إلى مستوى بالــــــغ الخطر ( أشارت مجلـة " الإيكونومست " البريطانية إلى أن عددهم بلغ مليون وأربعمائة ألف مجند ، مدجج بالعتاد والســـلاح ) ، وتغولت ممارساته حتى أصبح انتهاك الأعراض ، والتعذيب المفضى إلى الموت ، والاعتقال المتكررحتى لمن يصدر القضاء أحكاما تبرء ساحتهم ، واستخدام سلاح البلطجة ، والقمع المفرط لرموز وكوادر المعارضة السياسية ، ( بل وللمواطنين العاديين ! ) ... أمرا طبيعيا ، وممارسة يومية ومنهجية ، حولت مصر إلى دولة بوليسية بامتياز ، يتم فيها التجسس على كل تحركات وتليفونات المعارضين ، وعلى رسائلهم البريدية والإليكترونية ، دون خشية من عقاب أو حساب على جريمة انتهاك القانون والدستور ،وقد كان رد "حبيب العادلى"، وزيرداخلية " مبارك " حينما ووجه بهذا السلوك الشائن قاطعا ودالا : " من يخاف لا يتكلم " !! .

ومن الطبيعى والحال كذلك ، أن تكون الأولوية ، فى موازنة عام 2008 ، لمتطلبات جهاز أمن النظام ، الذى خصص له مبلغ تسعة مليارات جنيه ، فيما تم اقتطاع مليار وتسعمائة مليون جنيه من مخصصات التعليم ، الذى يعانى من أزمات ضخمة بسبب ضعف الإنفاق عليه للعجز عن تدبير الموارد المطلوبة ! .

والأطرف أن وزارة الداخلية لم تكتف بهذا المبلغ الهائل ، وإنما طالبت بزيادة قدرها 364 مليون جنيه ، لمواجهة فاتورة ارتفاع أسعار المواد الغذائية ، ومستلزمات بناء " منشآت جديدة " ، ( سجون ومعتقلات ومراكز تدريب لقوات القمع ! ) ، ولمعادلة الزيادة فى سعر" اليورو" ، ( الذى تستورد به آلات التعذيب وأدوات فض المظاهرات والاعتصامات والإضرابات ، وأجهزة تتبع المعارضين والتجسس عليهم ! ) .

عاطلين بلا أمل ! :

وفى عصر الرئيس " مبارك " ، ارتفعت أعداد العاطلين عن العمل فى مصر إلى أعداد غير مسبوقة ، يقدرهم الدكتور " نادر الفرجانى " ، الخبير الاقتصادى المعروف ، باثنتى عشر مليون مواطن ، أكثرهم من الشباب ، يزيدون إلى أربعة وعشرين مليونا إذا وضعنا فى الاعتبار الحصول على عمل جيد يتناسب مع إمكانات الفرد ، من بلد تعداده نحو 78 مليونا ( أى مابين 15 % و 30 % من إجمالى المواطنين عاطلين عن العمل ، بصورة أو أخرى! ) .

تضخم واحتكار :

وفى عهد " حسنى مبارك " ، أيضا ، تدهورت معيشة فئات اجتماعية كانت " ميسورة " أو " مستورة " إلى مهاوى الفاقة والعسر، وازدادت أعداد الفقراء من بين أبناء الشعب المصرى ، وبلغوا نحو ستين مليون فرد ، وحسب تقديرات الدكتور الفرجانى ، تفاقمت الفوارق الطبقية ، حيث انخفضت عوائد العمل والأجور والمعاشات من الدخل القومى ، من 44 % عام 1975 إلى أقل من 20 % الآن ! ، وبما يعنى أن" الجانب الأكبر من الدخل القومى ( نحو 80 % ) تحتكره السلطة الحاكمة مع من يسميه الدكتور نادر الفرجانى فى ، حديثه لجريدة " الأهالى " ، (30/4/2008 ) ، " الشلة " المحيطة بها ، التى تحتكر ـ بشكل كامل ـ السلطة والثروة فى مصر، ممثلة فى هذا التزاوج الخطر" بين أعمدة الحكم فى السلطة السياسية وبين فئة رجال الأعمال الكبار ".

وفى عصره ، كما اعترف المهندس " رشيد محمد رشيد " ، وزير الصناعة والتجارة فى وزارة الدكتور" أحمد نظيف " الحالية : " ارتفع التضخم فى أسعار عدد من المنتجات الحيوية وخاماتها بنسبة تتراوح بين 400 % و 500 % ، وزادت أسعار الأغذية بنسبة 70 % ، فى العام الماضى ، وبنسبة 30 % خلال شهرى يناير وفبراير / كانون ثانى وشباط الماضيين ، أما أسعار الحبوب فارتفعت بنسبة 150 % " ! . ( البديل 18/3/2008 ) ، فى الوقت الذى قدر " برنامج الغذاء العالمى " ، متوسط ارتفاع الأسعار ، خلال عام واحد فقط ( 2007 ) ، بـ 122 % .


من " الشدة المستنصرية ... إلى " الشدة المباركية " ! :

وهكذا ، فيمكن القول أن نظام الرئيس " حسنى مبارك " ، " قاد " البلاد إلى أوضاع غير مسبوقة ، ربما لا يماثلها إلا " الشدة المستنصرية " ، التى عاشتها مصرعلى عهد الخليفة " المستنصر بالله " ، حين ضرب القحط البلاد بسبب انحسار مياه النيل لسبع سنوات متتالية ، وكان أن أكل المصريون آنذاك ، لحوم القطط والكلاب ، لندرة الغذاء ، وبادلت بنت شهبندر التجار وعاءا ً من الذهب بآخر من الخبز لندرته !! .، وملأت الجثث المتعفنة ، التى قضت من فرط الجوع ، الحارات ومجارى النهر المجدب ،على نحو ما يذكر المؤرخون من معاصرى تلك الفترة الكئيبة ! .

وفى مقابل " الشدة المستنصرية " التى استمرت سبع سنوات ، دامت " الشدة المباركية " سبعة وعشرين عاما !! ، وفيها أكل المصريون لحوم الحمير والكلاب " ، وسقط 13 قتيلا فى حروب الحصول على بضعة أرغفة من الخبز لا تسمن ولا تشبع ، ونشبت " حروب المياه " ، بين القرى والمواطنين لرى الأرض الظمأى ، أو للحصول على " شربة ماء " ( ملوثة وغير صالحة للاستخدام الآدمى ! ) ، وينتحر الفقراء ، فى مصر" مبارك " ، يأسا وإحباطا ، وقنوطا وكمدا ، وآخرهم "زينب محمد الشبيبى " ، من مدينة طنطا ، محافظة الغربية ، التى قتلت نفسها ، وهى فى ريعان الشباب ، منذ أيام وجيزة ، بعد أن أعيتها الحيلة لتدبير احتياجات حياتها وحياة أسرتها المتواضعة ، وكانت آخر كلماتها : " العيشة طين ، والمسؤلين عايشين فى قصور ومش حاسين ! " .

على أعتاب ثورة جديدة :

كتب " جون برادلى " ، الصحفى البريطانى ، والخبير المتخصص فى شئون الشرق الأوسط ، فى صفحات كتابه ، الذى صدر مؤخرا بالولايات المتحدة ، بعنوان " Inside Egypt " ، يسجل نبوءته الكاشفة :

" مصر على أعتاب ثورة جديدة ... حيث التدهور السريع فى كل القطاعات ، والغنى يزداد ثراء ، والفقير يزداد فقرا ، والهوة بين النظام والشعـب تزداد اتساعا ، فالأسعار الآن زادت ثلاثة أضعاف ماكانت عليه عام 1999 ، فيما لا تزال أجور أصدقائى المصريين ثابتة... هناك شييء ما لا تستطيع تحديده : مزيج من الإحباط والغضب واليأس منتشر فى كل مكان ، مصر الآن قريبة من حدوث تغير دراماتيكى، والمصريون الآن يعيشون فترة مثل تلك التى سبقت ثورة 1952 ، ومثل تلك التى سبقت اغتيال السادات ... لقد حول النظام شعبه إلى عدو ، وتعيش مصر الآن فى ظل حكم تسلطى أدى إلى انتشار الخوف وفقدان الأمل وطغيان الفساد فى المجتمع ، وتحولت البلد الذى تمتع شعبه طوال تاريخه بالانفتاح والتسامح إلى مكان يكسب فيه الأصوليون أرضا جديدة كل يوم ، ونظامها أصبح أكثر االنظم العربية قسوة ، حيث يمكن أن يسجن فيها ، أى مواطن أو يتعرض للتعذيب فى اى وقت ، وبدون أى سبب ! ، ومع غياب أى نوع من شرعية النظام ، فإن ما يبقيه فى الحكم هو التخويف ، والترهيب لا غير ! " .

أما جريدة " الواشنطن بوست " ، فقد عكست رؤية مجموعة من الخبراء والاقتصاديين لدلالات " أزمة الخبز " التى اندلعت فى مصرمؤخرا ، ولازالت مظاهرها قائمة ، فقالت : " إن هذه الأزمة كشفت عن عدم قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين ، بعد أن حرمهم النظام السلطوى من الحقوق السياسية والاقتصادية ، ولم يبق سوى أن يحرمهم من الخبز المدعوم ، الذى يعتبر وسيلة البقاء ، فى البلد الذى يشتمل على أكثر من ثلاثين مليون فقير " ، وأشارت إلى أن الوضع الحالى فى مصر " يهدد بثورة شعبية ، على غرار ثورة 1977 ، التى أطلق عليها " ثورة الجياع " ، والتى قام بها المواطنون ، عندما أقدمت الحكومة على رفع الدعم عن الخبز ، وهو الأمر الذى أدى إلى اندلاع انتفاضة شعبية واسعة فى مصر ، فى عهد الرئيس الراحل " أنور السادات " ، وسرعان ما نجح المواطنون فى استعدة الدعم " ، ونقلت قول الدكتور " عمرو الشوبكى " : " المزاج العام للشعب هو الغضب ، وأعتقد أن الدولة على حافة الانهيار ! " .)
هذه هى الحال ، فى قاهرة المعز ، يوم بلوغ " حسنى مبارك " عامه الثمانين .
عضو مؤسس بحركة " كفايه "



تعليقات الفيسبوك