الحركات الاحتجاجية الجديدة فى مصر


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 2175 - 2008 / 1 / 29 - 11:17
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

دشن إعلان " الحركة المصرية للتغيير – كفايه " , التى عقدت مؤتمرها التأسيسى فى 22 سبتمبر / أيلول 2004 , وشهد الشارع المصرى أولى مظاهراتها فى الثانى عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول،من نفس العام, بدايةعصرالاحتجاج الجماهيرى الواسع النطاق , الذى يمثل ظاهرة جديدة على المجتمع المصرى ، بكل المقاييس .
تراث ومنطلقات :
لم تكن حركة " كفاية " وليدة العدم أو الفراغ . على العكس تماما ، فهى وريثة كل النضالات الجماهيرية السابقة ، وشارك كوادرها ، بدور أسا سى ، فى قيادة الحركات الطلابية الديمقراطية التى عمّت البلاد فى أعقاب هزيمة 1967 العسكرية ، كما ساهموا بدور مرموق فى جميع أشكال العمل الوطنى والقومى لمواجهة " التطبيع" بعد توقيع اتفاقية " كامب ديفيد "،وفى تأسيس وقيادة لجان دعم الانتفاضات الفلسطينية،وفى كافة التحركات الواسعة التى تفجرت احتجاجاً على العدوان على العراق ، كما تمرس أغلب كوادرها ، وتوثقت العلاقات بينهم ، رغم اختلاف مشاربهم السيا سية ، فى السجون والمعتقلات ، وفى جميع أشكال العمل المدنى التى جرت على امتداد العقود الأخيرة .
كان الفهم الأساس ، الذى انطلقت منه حركة " كفايه " ، يبدأ من إدراك أن الفشل الذريع لأداء "الدولة الوطنية " أو" دولة مابعد الاستعمار" ، فى الوطن العربى ، بشكل عام ، وفى مصر على وجه الخصوص ، وعجزها عن مواجهة التحديات والمخاطر المحيطة، داخليا وخارجيا ، يعود , فى المقام الأول،إلى غياب الحريات الإنسانية الأساسية ، التى انتزعت - قسرا- من مواطنينا ، وإلى القمع – متعدد المستويات - الذى تعرضت له شعوبنا،الأمرالذى أنهكها، وأعجزها عن مقاومة عمليات الاستغلال الداخلى المركّب ، أو التصدى للمؤامرات الاستعمارية والأمريكية والصهيونية،التى تكالبت عليها من كل اتجاه، وأوقعها فى حبائل التخلف والتبعية ، على الرغم من ثرواتها الهائلة ، وطاقاتها الكامنة الكبيرة .
ومن هنا فقد اجتمع رأى مؤسسى الحركة على أن قضية استعادة القيمة والروح المفقودة للمواطن المصرى / العربى ، هى قضـيـــــة القضايا ، و" مربط الفرس " لأى مشروع تحررى ( بالمعنى الشامل) فى بلادنا، وأن مسألة " التغيير " الديمقراطى ، السلمى ، المرتكـز على المبادرة الشعبية، والمقاوم للمشاريع الامبريالية التى تتذرع بـ " الديمقراطية " كمدخل لتفكيك الأمة وتفتيت اللحمة الوطنية والقومية ، هى قضية من الإلحاح والأولوية بحيث لا تحتمل التأجيل ، ومن الخطــــورة والجسامة بحيث لا يقدرعلى حمل أعبائها أى فصيل سياسى بمفرده ، ومن هنا كانت مساعيهم للبحث عن " القواسم المشتركة " بين كافة أطيــاف العمـــل الوطنى : ( يسـاريين وقوميين وإسلاميين وليبراليين وطنيين ) ، والدعوة للالتفاف من حولها، والسعى إلى إبداع أساليب جديدة فى العمل, تساعد على الوصول إلى وجدان المواطنين ، وتشجعهم على تخطى مخاوفهم العميقة الموروثة , واختراق" الجـــــدار الحديدى " الذى أحاطت به السلطة حقوق المشاركة السياسية فى المجتمع , وبهدف تجاوز القيود الصارمة التى فرضها النظام على النزول الى الشارع , ومن أجل التواصل المباشرمع الرأى العام ، بعد أن أدى استئثار "الحزب الوطنى " الحاكم بالسلطة ، على مدى ثلاثة عقود متصلة ، وما شاب حكمه من فساد واحتكار واستبداد ، إلى تجميّد الحياة السياسية,شكلا وموضوعا , وفتح الباب واســــــعا أمام الاتجاهات(الأصولية) ، التى احتكرت الفضاء السيا سى بلا منافس ، فيما أدت هذه الأوضاع إلى إصابة الأحزاب السياسية الرسمية ، الحكومية و"المعارضة " ، بالشلل الكامل ، وتحويلها ،على حد وصف المؤرخ المعروف د. يونان لبيب رزق ، إلى " هيـــــاكل خشبية تشبه الطائرات المصرية المضروبة فى نكسة 1967 ! " ، ( جريدة " المصرى اليوم " , 5/12/ 2006) .
منجزات ونتائج :
واقتضى التحرك بإتجاه تحقيق هذه الرؤية ،على حد وصف باحث أكاديمى : " بناء ونشر ثقافة سياسية جديدة، كشرط لازم لبدء عملية التغيير السياسى ونجاحها فى بناء مجتمع جديد، فاستمرار نظام الاستبداد والفساد أصبح يعتمد ، بجانب أجهزته القمعية ، وترسانة قوانينه المقيدة للحريات ، على ثقافة سياسية سائدة هى ثقافة الاستبداد والترويع،التى سادت على امتداد عقود،ونجحت فى تفكيك مقاومة الفئات والقوى الاجتماعية المضـــارة ، وتدمير حيوية مؤسســــاتها التى يمكن أن تعبرمن خلالها عن نفســـها ، وعن مطالبها السياسية والاجتماعية ، بشكل مستقل وجماعى ، وأصبح المواطن مجرد فرد فى مواجهة دولة بكل سلطانها وجبروت أجهزتها القمعية ، مما أسلم الجميع للانسحاق والقبول بالأمر الواقع والتعايش معه " ، ( ماهو الانجاز الحقيقى لحركة " كفايه " ؟ , د. عماد صيام , جريدة " البديل " , 15/ 8 / 2007 ) .
وكان تحقيق هذا الهدف هو جوهر صيحة " كفايه " المفاجئة , الصادمة , المدويه ، التى حلقّت كالفراشة فى سماء مصر ، محدثة تأثيرات موجيـــّـــــة متتابعة ، لم يكن أقلها أنها كسرت حاجز الخوف المتأصل فى النفوس على مدى القرون والأحقاب، من تحدى السلطة الاستبدادية ، أو الجهر بمواجهتها ، أو أنها أنزلت الحـاكم/ الإله، الكائن الأسمى ، شـــبه المقدس، من عليائه الى الأرض، مطالبة بمحاكمته ومحاسبته, وبرحيله هو وأسرته , ومعترضةعلى مخططات توريث السـلطة فى" مصر الجمهورية " .. إلى النجل / "الأمير" /" ولى العهد " ! .
لقد انتزعت حركة " كفايه "، للمرة الأولى ، بعد مايقرب من خمسة عقود ونصف العقد ( منــــذ " أزمة مارس " 1954 ) الحق فى " التنظيم العلني " المستقل , وفي الإضراب و التظاهر السلمى، دون الانصياع إلى تهديدات أجهزة الأمن ووعودها، وهوأمر كان يمثل، فى مصر ، قبل تكوين الحركة ، نوعا ً من " التابو " الذى لا يتجاسر أحد على المساس به ! .
فى ظل هذا السياق ، " ظهرت الحركة المصرية من أجل التغيير ـ كفايه " ، والتى " لا يمكن لمنصف أن ينـــكر دورها فى هز حالة الركود لسياسى التى ألمت بالمجتمع المصرى على امتداد عقود ، والدور المبادر الذى لعبته فى خلق مناخ ساعد على حالة النهوض للعديد من من القوى الاجتماعية التى غابت عن ساحة الفعل السياسي الجماعى لسنوات طويلة " ، ( المصدر نفسه ) .
كما جسّدت حركة " كفايه " القيم النضالية والقومية الباقية , وفي مقدمتها وحدة النسيج الوطنى , فى أسمى معانيها ، حينما اختارت لموقع منسقها العام الأول ، مناضلاً قبطياً ، هو الأستاذ جورج إسحاق ، لأول مرة فى العمل السياسى المصرى ، على امتداد التاريخ المعاصر ، وجاء هذا الأمر فى إحدى ذرى الاستقطاب الطائفى ، لكى يرد ، عمليا ً ،على دعاة التفرقة ، بتقديم نموذجا ًحيا ً لتجسيد " مبدأ المواطنة "فى أبرز تجلياته .
غير أن الإنجاز الأهم ، والتحقق الأمثل لمبادرة حركة " كفايه " وفكرتها الأصلية، هو أنها شجعـت كل صاحب حق ، أو" مظلمة " أو مطلب مشروع ، على الخروج شاهرا ً قبضته ، للدفاع عن وجوده ، بعد أن بات من المتيقن أن الدولــة ، والنظام الحاكم ، قد تخليا ، بصــورة كاملة ونهائيـــة ، عن دورهمـــا الاجتماعى تجاه المواطنين، هذا الدور الرئيسى ، الذى وسم عمــل الدولة المركزي المصرية،التاريخــية , وبرر وجودها وصلاحياتها الضخمة، وتدعم واتسـع مداه فى ظل إدارة الدولة الناصرية، ليس هذا وحسب، بل وتحول هذا الدور إلى الدور النقيض،بانحيازه المعلن إلى الشرائح الاجتماعية الجديدة ، المحدودة العدد ، البالـــغة الثراء،التى طفت على سطح المجتمع خلال السنوات الأخيرة ، بفعل اقترابها اللصيق من رموز الحكم ، واندماجها التام بالنظام ، وتبعيتها المطلقة للاحتكارات الخارجية ، الأمر الذي يسّـــــــر لها التسلل السريع إلى قمة السلطة، والاستفادة من هذا الوضع فى مراكمة ثروات هائلة فى بضع سنوات قليلة ، عادت عليها من نهب المال العام والتربـــّح من مناخ الفساد السائد، ومن تملك المصانع والمؤسسات العامة ، التى بيعت لهم بـ " رخص التراب " ، وبألاعيب مكشوفة ، بموجـب برامج " الخصخصة " و" إعادة الهيكلة " و" تحرير الاقتصاد " .. على النحو الذى تفرضه الهيئات والمؤسسات المالية الاحتكارية ، وفق النظريات "الليبرالية الجديدة " ! .
" كفايه " وأخواتها :
كان ميلاد وانطلاقة حركة " كفايه " إيذاناً باعلان متواتر لنشأة عدد كبير من الحركات " الشقيقة " : بعضها تَخَلقَ من رحم حــركة " كفايه "، والبعض الآخر تم بمشاركة من نشطاء الحركة ، والبعض الثالث تمتع باستقلالية
نسبية ,أو كاملة , عنها، لكن كلها عـملت فى نفس الاتجاه: تعميق الممارسة الديمقراطية، والعمل على توسيع هامش العمل الشعبى المستقل ، والتصدى للممارسات الرسمية المعادية للمصالح الجماهيرية ، فى قطاعات فئوية محددة .
- فعلى سبيل المثال تشكلت "حركة استقلال الجامعة – 9 مارس " من مجموعة كبــيرة من الأكاديميين المرموقين فى شتى الجامعات المصرية ، بهدف التحـــــرك لتحقيق الحرية الأكاديمية وتخليص الجامعات المصرية من هيمنة الدولة وأجهزة الأمن ، وكفالة حرية الفكر والاعتقاد للطلاب والأساتذة ، ومحاربة الفساد فى المحيط الجامعى ... ألخ .
- وأُنشئت حركة " عمّال من أجل التغيير " للدفاع عن مصالح الطبقة العاملة ، ومواجهة الخطــط الحكومية التى تدمر المصالح العمالية ، ولحشد الصفوف العمالية فى مواجهة برامج " التكييف الهيكلى " ... ألخ .
- وتكونت حركة " شباب من أجل التغيير " للعمل وسط الشباب الذى " ولد وعاش فى ظل حالة الطوارئ " وأنفق عمره تحت وطأتها ، حسبما يقول شعارها المميز.
- وتكونت حركة " أطباء من أجل التغيير" للتحرك دفاعا عن حقوق الأطباء، وفى مواجهة أوضاع مهنة الطب المتدهورة , والأحوال المنهارة للخدمات الصحية المقدمة للمواطنين .
- وتكونت حركة " كتّاب وفنانون من أجل التغيير " ، التى ضمت نخبـــــة مرموقة من كبار المبدعين المصريين ، الذين التقوا على مجموعة من المبادئ أهمها " التأكيد على مبدأ الحرية بكافة أشكـــالها، وبخاصة فى مجالات الإبداع الأدبى والفنى والفكرى والبحث العلمى، رافضين أى شكل من أشكال المصادرة أو الرقابة على العقل المصرى" ، فضلاً عن المطالب السيا سية العامـــة المشتركة : " إلغاء كافة القوانين المقيدة للحريات وفى مقدمتها قانون الطوارئ – إطــــلاق حرية تكوين الأحزاب – حرية إصدار الصحف – كفالة حق التظاهر السلمى والإضراب – الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين – رفض التمديد والتوريث ... ألخ " ( من البيان التأسيسى ) .
- و تكونت حركة " صحفيون من أجل التغيير " التى ضمّت قطاعاً من الصحفيين المصريين تحركوا دفاعاً عن الحـــريات العامة،والمطالب النقابية المرتبطة، وأهمها إلغاء عقوبة حبس الصحفيين فى قضايا الرأى ، وإطلاق حق إصدار الصحف المستقلة ، إلى جانب قضايا فئوية أخرى , والقضايا الوطنية العامة .
- وتكونت حركة " محامون من أجل التغيير "،التى عبّرت فى بيانها التأسيسى عن طموح أعضائها إلى " التغيير السلمى الشامل للواقع المتردى الذى نعيشه ، وإلى تغيير الدستور القائم ليصبح دستوراً ديموقراطيا تكون الحريــــة فيه هى القيمة العليا " .
- و تكونت حركة " مهندسون ضد الحراسة " التى تنظم صفوف المهندسين المصريين بهدف انتزاع نقابتــــهم من قبضة الدولة التى فرضت عليها "الحراسة "منذ أكثر من اثنتى عشر عاماً، بعد فشلها فى الهيمنةعلى إرادة أعضائها .
- غير أن أهم ماتضمنته هذه الباقة من التحركات جاء مواكبا لحركة " قضاة مصر" ، تلك الفئة المؤثرة، تاريخيا ، فى المجتمع المصرى , وبما يعكس توق المصرى الدائم للعدل المفتقد ، ولمن يحميه من العسف الدائم الجـور المستمر، الذى تعرض له فى جميع العصور والعهود ، دون استثناء ! .
- فقد انتفض القضاة على تدخل السلطة التنفيذية الفج فى شؤنهم ، وعلى إكراه النظام لهم على قبول دور" شاهد الزور " فى كل الانتخابات السابقة التي زيف نتائجها لصالحه مدعياً إشراف القضاء عليها ، واعتراضا ًعلى القوانين المجحفة التى تصادر حقهم في الاستقـــــلال المالى والإداري ، وتكرس تبعيتهم لسلطة جائرة تنتهك الدستور كل يوم .
وهكذا استمرت كل فئة من فئات المجتمع المصرى ، تشعر بالغبن، وتتأثر بسياسات النظام المعاكسة ، فى التحرك لانتزاع حقوقها المشروعة ، وفى إطار النضال فى المجال العام لتكريس الحقوق الديموقراطية الأساسية، ولازال هذا التوجه، الذى فتحت حركة " كفايه " بابا واسعاً لولوجه ، مستمرا حتى هذه الأيام ، وبصورة مدهشة ، تعكس من جانب الشعور المتأصل بالظلم الاجتماعى لدى أغلب فئات المجتمع المصرى ، وتعكس من جهة أخرى ، حجم الجرأة على المطالبة بالحق ، عقب عقود طويلة من الإذعان والتردد، بعد أن بلغت الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حدوداً من التدهور غير مسبوقة .
- ففى الأيام الأخيرة أسس" العاطلون عن العمل" ، وهم قطاع ضخم فى مصر ، اتحادا ً للدفاع عن حقهم فى عمل مناسب ، وأنشأ المعلمون المحرومون من حقوقهم حركة "معلمون بل نقابة" ، وأطلق مجمــوعة من الاقتصاديين ، المرتبطين بحركة " كفايه " ، حركة " لا ... لبيع مصر " لمقاومـــة سياسة النظام فى البيع العشــوائى ، والمشبوه ، للملكية العامة ( شركات – مصــــــــانع – مؤسسات خدمية كبرى – بنوك ...ألخ )، كما تأسست حركــة " الدفاع عن الحقوق التأمينية "،التى تطالب الحكومة برد (270) مليار جنيه وفوائدها للشعب، قيمة أموال التأمينات التى استولت عليها السلطة دون وجه حق ، وحركة " الدفاع عن حق المواطن فى الصحة "،التى تسعى إلى توعيــــة و حشد المواطنين لمواجهة "خصخصة " التأمين الصحى،لانعكاساته المدمرة على صحة المصريين , و " حملة المنظمات غير الحكومية للدفاع عن حق التنظيم " , في مواجهة القيود العنيفة التي يفرضها النظام على حرية تنظيم جمعيات المجتمع المدني , ومنتدياته , وتحركاتهما السلمية ! .
ثم كان آخر"المواليد " فى هذه السلسلة ، تكوين حـــركة " مصريون ضد التعذيب " التى أعلنت يوم 9 سبتمبر/ أيلول الماضى ، لمواجهة موجات " التعذيب المنهجى " ، الذى أصبح السمة الأســــاسية لممارسات الأجهزة الأمنية ، فى السنوات الأخيرة ، ليس تجاه الخصوم السياسيين وحسب ، وإنمـــا أيضا فى التعامل مع المواطنين العاديين ، وفى " المسائل " المنقطعة الصلة بالنشاط السياسى أو المعارض ! .. وغير ذلك من الحركات التى يضيق المجال عن سردها جميعا ً .
متغير استراتيجى ! :
يبدو واضحا ً، من الاستعراض المركز السابق ، أن أغلب الحركات والتحركات المشار إليها ، جرت وتجرى ، فى سياق ســعى فئات اجتماعية، تنتمى فى الأغلب إلى ما يطلق عليه " الطبقة الوسطى " المصرية،إلى الاحتجاج على التدهور الكبير فى أوضاعها الاقتصادية ، وعلى تراجع دورها الاجتماعى والسياسى الريادى التقليدى ، وعلى تهميش وجودها ، المادى والمعنوي، فى الفتـــرة الأخيرة ، وهذا أمر طبيعى ومفهوم بالنظر إلى تاريخ هذه الطبقة , و المستوى التعليمى المتقدم لأبنائها ، وإلى درجـــــة وعيهم ، وحدود قدرتهم التنظيمية ، ... إلخ .
لكن اللافت أنه في الوقت الذى كانت السلطة ووسائل إعلامها تحاجج بأن حركات التغيير , و على رأسها حركة " كفاية " , قد انتهت ، وراحت إلى غير رجعة ، تحت وطـــــأة التدخل الأمنى المفرط , بعد أن تم إجهاض " ربيع القاهرة " الذي جسدته التحركات الواسعة المطالبة , بـ " الحق والحرية " , عام 2005 ، برز متغير جديد ــ بشكل عاصف ــ فى السنة الأخيرة ، استقطب الأضواء ، معلناً أن الحاجــــــــــة للتغيير ، والحركة من أجل انتزاع شروطها ، وهو طلب حركة " كفايه " الأول ، قد أصبح هاجساً وطنياً عاما، يصعب السيطـرة عليه ، أو قمع تطلع الشعب المصرى إليه ، أو قمعه أو المماطلة فى الاستجابة لإلحاحه ! .
وهذا المتغير الذي لفت الأنظاربقوة ، تمثل فى الحضـــور الطاغى لحركة الطبقات الفقيرة وفئات المجتمع المهملة، من العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة بمختلف شرائحها ، ومن المهمشين وسكان العشوائيات والمعدمين وتجمعات "البروليتاريا الرثة "،فى ظل استمرارالحركة الدائبة لمختلف تشكيلات الطبقة الوسطى المشار إليها، إضافة إلى تحركات شديدة التأثير لتجمعات بشرية طرفية فى التخوم الحدودية، مثل تحركات مواطنى النوبة،فى الجنوب،احتجاجاعلى الإجحاف التاريخى الواقع عليهم،منذ تهجيرهم فى الستينيات من أراضيهم التى غمرها المسار المعدل لمجرى نهر النيل،غداة تنفيذ مشروع بناء السـد العالى، وتحركات مواطنى سيناء من البدو ،شرقا،من أجل تمكينهم من الأراضى التى يقيمون عليها من عهد الأجداد، وضد العسف الأمنى والتنكيل الجماعى بهم وبأبنائهم ، وتحركات مواطنى " السلوم " غربا ، احتجاجا على الممارسات الأمنية العنيفة ضد أهلها .
ويلاحظ فى تحركات مواطنى كل من أهل " سيناء " و " السلوم " اتسامها بقدر كبير من العنف والصدامية،وهو ماأدى إلى سقوط الــعديد من الضحايا،وخلف المئات من الجرحى والمعتقلين ، ويعود هذاالأمر،فى المقام الأول،إلى حالة الاحتقان العميق التى حكمت علاقتهم بالأجهزة الأمنية طوال السنوات الأخيرة ، ولشـــعور سائد لدى الجميع بأن كل طرق إسماع شكاويهم ـ سلميا ـ للمسؤلين قد باتت مغلقة .
ـ حركة الفلاحين :
محور حركة الاحتجاج الفلاحى الراهنة، مسألتين تاريخيتين : قضية " الأرض " ، وقضية " المياه " ، وهما القضيتان الأساسيتان التى لعبت الدولة المصرية التليدة دورها المركزي، فى تنظيمهما , والتحكم فى شؤنهما ،ومنها استمدت سلطاتها المطلقة ، المتراكمة ، عبر القرون والأحقاب .
مسألة الأرض :
تعَرّض الوضع المستقر لملكية الأرض ، الذى ترسخ ، فى مصر ، منذ " قوانين الإصـلاح الزراعى "، التى تم بموجبها تحديد ملكية الأرض الزراعية ، وتوزيع الفائض المُصادرعلى فقراء الفلاحين، فى أوائــل خمسينيات القرن الماضى ، إلى هجمة منظمة، تم عبرها الانقلاب على هذا الواقع بإصــــــدارالقانون (196) لسنة 1992، الذى أقـر إجراءات انتزاع الأراضى من الفلاحين، بعد عقود من العيش عليها وبها، وإعادتها إلى كبار المُلاك القدامى ، وهو ماتسبب فى إشاعة منـــــاخ من التوتروالاحتقان، ضاعف من مسبباته الانحياز البيّن من أجهزة الأمن لصالح أغنياء الريف من كبارالمُلاك ، وقد ترتب على هذا الحال وقوع صدامات دامية بين الفلاحين الفقراء، من جهـة، وبين العائلات الغنية فى الريف ، المدعومة بجهاز الدولة، من جهة أخرى، سقط على إثرها شهداء من الفلاحين ، والعديد من الجرحى ، واعتقل المئات منهم ، وحولوا للمحاكمة بتهمة " مقاومة السلطات " ، و " تهديد السلم العام " ! .
مسألة المياه :
النــــيل هوشريان الحياة الرئيس لمصر، وأهم مصادرها المائية ، وتســتقبل مصر 55 مليار متر مكعب سنوياً من هذا المصدر ، باتت لا تكفى حاجـــــاتها الأساسية، فى ظل بروز عاملين : الأول ، تضاعف أعداد السكان ( إلى 80 مليون فرد عام 2008 ، حسب آخر الإحصاءات ) ، والثانى، نمو وتيرةالاستخدام الاستهلاكى ،الترفى، بشكل هائل:القصـور الفارهة ذات الحدائق الغناء , وحمامات السباحة الخصوصية , والمتنزهات , و المدن السياحـــية الضخمة ـ ملاعب الجولف الشاسعة لاستخدام نخبة النخبة ... ألخ .
و تفاعل هذان العاملان أديا إلى استفحال أزمة المياه بشقيها: مياه الشرب ومياه الرى، ووصولها للذروة هذا العام ، بعـد أن انخفض نصيب الفرد المصرى من المياه من2200 متر مكعب عام 1800إلى470 متر مكعب عام 2700.
وأدى هذا الوضع إلى تفجر " ثـــورة العطش " التى اجتاحت أركان البلاد ، حيث خرجت المظاهرات العارمة التى شارك فيهــا عشــرات الآلاف من المواطنين الغاضبين ، الذين يحمــلون أوعية الميــاه الفارغة ، ويقطعون الطــرق السريعة ، ويعلنــــــــون أن " الاعتصام هو الحل "، ويضربون عن الطعام ، ويصطدمون غاضبين بقوات الأمن ، رافعين شعـار " عطشانين فى بلاد النيل " ، مهددين بالتصدى ـ لحل هذه القضية الحياتية ـ بكل الوسائل المتاحة , تم هذا في أغلب المحافظات الزراعية والنائية , بل وفي أطراف من العاصمة , القاهرة , ذاتها , بعد أن طال حرمان أهلها من الحق في " شربة مياه نظيفة " على امتداد عشرات السنين ! .
حركة العمال :
واجهت الطبقة العاملة المصرية ظروفاً بالغة التردى، مع بدء تطبيق سياسات " التكييف الهيكلى "، و" تحرير الاقتصـــاد "، و" الانفتاح " ، أدت إلى تدهور أوضاعها بصورة شاملة ، ومع " خصخصة " مصانع القطاع العام ، وإغلاق العديد من المشاريع الكبرى ، تم طرد مئات الآلاف من العمال ( تحت مسمى " المعاش المبكر ! " ) انضموا إلى سوق العاطلين الذى يضم نحـــو سبعة ملايين من المواطنين ، أما العمـال الذين وجدوا فرصاً للعمل فى مصانع القطاع الخاص , وهى نادرة ، فقد تعرضوا لظروف عمل بالغـــــة القسوة والإجحاف ، محرومين من أية مكاسب ، مفتقدين كافة الضمانات ، ولو فى الحدود التى كانوا يتمتعون بها فى الماضى .
وترتب على هذا الوضع تفجر حركة احتجاج عمالية واسعة المدى بدأت بإضرابات واعتصامات عمـــال شركات الغــزل والنسيج فى المراكز الصناعية التقليدية الضخمة : " المحــلة الكبرى" ، " وكفـــــر الدوار "، و "الاسكندرية " ، قبل أن تتسع دوائرها وتمتد إلى قطاعات إنتاجية أخرى ، ومحافظات متعددة ، قريبة وبعيدة .
وفى دراسة هامة لـ" مركزالأرض لحقوق الإنسان "، ( صدرت بتاريخ يوليو/تموز 2007) ،عنوانها " الاحتجاج فى مواجهة التوحش " , تم رصد 283 عمل احتجاجى بالقطاعات الاقتصادية الثلاثة : القطاع الحكومى ، والقطاع الخاص ، وقطاع الأعمـــال ، خلال النصف الأول من هذا العام وحسب ، منها : 117 حالة تجمهر ، و85 حالة اعتصام ، و66 حالة إضراب عن العمل ، إضــــــافة إلى عشرات التحركات الاحتجاجية التى نهض بها سكان المناطق العشوائية طلبا للمسكن الإنســـانى ، والمحتجون على نصب محطــات التقوية لشبكات التليفونات الجوالة بالقــــرب من منازلهم ، والمطالبــون بتثبيتهـــم فى أعمالهم المؤقتة، والمدرسـون والأزهريون المطالبون بالكـــادر الوظيفى ، والمحتجون على تدهور الأوضاع الصحية، والمحرومون من حوافز الإنتاج والعلاوات، والغاضبون على اختفاء الخبز وارتفاع سعـــره ورداءة نوعيتــه ، والمطالبون بمساوتهم فى الأجور بزملائهم من الأجـــانب ، والمحتجين على " مذابح الأشجار " ... ألخ .
وتشير إحصاءات الشهرين المنقضيين , بعد تاريخ هذه الدراسة , ( شهري يوليو / تموز , أغسطس / آب 2007 ) , إلى انتظام الأعمال الاحتجاجية , في المصانع والقرى وشتى المناطق الشعبية والعشوائيات وإلى تصاعد معدلات هذه الأعمال , واستمرارها في التطور, كما ً وكيفا ً .
" مصر الجديدة " تتشكل :
وإزاء ما تقدم ، يُطرح التساؤل حول دلالات هذه الأحداث ، وتأثيراتها على مستقبل الصراع فى مصر ، فى الفترة القادمة ؟!
يكتب " نبيل عبد الفتاح "، الباحث بـ" مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية " بـ " مؤسسة الأهرام " ،( مجلة الأهــرام العربى ، العدد 425 ، 14 مايو / آيار 2005 ) . :
" لم يعد العالم هوعالم مراكزالقوىالتى تشكلت منذ ثلاثةعقود أويزيد،ولا الأنظمة والصفوات الديكتاتورية الحاكمة منذ أكثر من خمسة عقود مضت ، لأن الدنيا تغيرت ، وفائض الخوف والرعب، الذى تشكل وتراكم عبر أكثر من خمسين عاماً ، لم يعد يشكل رادعاً نفسياً ، ولا كابحاً يحول دون عودة الجماهير ، والأمة ، إلى الشارع ، لتطالب بحرياتها وحقوقها المسلوبة باسم " الاستقلال الوطنى "، وتحت شعارات " مكافحـة الاستعمار والإمبريالية الغربية !"، و" مقاومة العدوان الإسرائيلى ! "، و" تحرير الأرض المحتلة " ، و" تـحـقيق التنمية الشاملة !"،و" النهضة!"،و" التحديث !"،و" الإصلاح !"، و"الاستقرار الاقتصادى!"،و" مقاومة الإرهاب ! ".
... ، شعارات وراء أخرى،من أجل إلهاء الأمة، وفى إطارها كانت الاعتقالات،و" قانون الطوارئ"،وأشقاؤه من القوانين المقيدة للحريات العامة ، وتاريخ من الخطابات السياسية الفاقدة للمصداقية والشرعية ، والمنتفخة بالأكاذيب وأساليب التضليل!،( ... ) لم تهتم ( هذه الأنظمة ) قط ، بكرامتنا،وحقوقنا وحرياتنا وصحتنا وحياتنا ، ... استبعدونا نحن الأمة " مصدر السلطات " من السياسة ، ومن المشاركة ، ولم يستمعوا لأحد ! ، اهتموا فقط بقصائد المديح ومقالات النفاق للحكومات ، وتبرير " القرارات السياسات والآراء التاريخية " ! .
بعد كل هذا لم يعودوا قادرين على فهم المتغيرات والظواهر الجديدة الرافضة فى مصر ! .
لا المعارضة"الرسمية "وكهولها وأتباعهم،ولا كهول الحكومة، قادرين على فهم "رسالة"المرحلة الأخيرة :
إن مصــــر الآن ليست مصر منذ ثلاثين عاماً... ولا مصـــــر الأسبوع الماضى !! "
... والأيام القادمة ، فى مصر حبـلى بالأمل .

عضو مؤسس للحركة المصرية من أجل التغيير " كفايه "





تعليقات الفيسبوك