برنامج - حزب الأخوان - ليس الحل !


أحمد بهاء الدين شعبان
الحوار المتمدن - العدد: 2176 - 2008 / 1 / 30 - 11:48
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

منذ أن طرح الأخوان المسلمون مشروع برنامج الحزب الذى قدموه للمجتمع المصرى ، لم يتوقف الجدل ، الذى امتد وتشعب ، وأفرز آراء حادة فى الأوراق المقدمة من الجماعة .
ويحتاج الإلمام بسياق هذا البرنامج إلى التوقف عند مجموعة من الوقائع الهامة ، وصولا إلى اللحظة الحرجة الراهنة .

محطات ثلاث :
لقد سبق طرح " الأخوان " لبرنامجهم ، ومهد له ، ثلات محطات ، على درجة بالغة من الأهمية ، بل والخطورة :

(1) محطة الانتخابات النيابية ونتائجها :

فالحراك السياسى الكبير الذى شهدته البلاد طوال عامى 2004 ، 2005 ، والملابسات الدولية المحيطة ، دفعا الرئيس حسنى مبارك إلى طرح بعض " التعديلات الدستورية " ، المحكومة ، للاستفتاء على تغييرها ، أهمها تبديل نظام انتخاب رئيس الدولة ، من الاستفتاء ( الذى كان إجراءا شكليا باستمرار) ، إلى الانتخاب ( والذى ظل أمرا صوريا كذلك ! ) ، وعلى خلفية هذه التعديلات أجريت آخر انتخابات لمجلس الشعب ، خرج منها " الأخوان " أكبر الفائزين .
ففيما منيت الأحزاب " الرسمية " بتراجع ملحوظ ، وانتكس " الحزب الوطنى الديموقراطى " ، جهاز السلطة انتكاسة كبيرة ، حصدت " الجماعة " ثمانية وثمانين مقعدا ، من أصل 440 مقعدا جرت المعركة حولها .
والمؤكد أن هذا الحراك الذى شهدت خلاله شوارع القاهرة وعواصم المحافظات ، ولأول مرة بهذا الزخم ، مظاهرات تطالب بتغيير النظام ، وتعترض على مد أجل بقاء" مبارك " على كرسى الحكم لفترة خامسة ، وعلى الاتجاه لتوريث السلطة إلى النجل " جمال " ، لم تكن الجماعة هى التى صنعته ، أو لعبت فيه الدور الرئيسى ، وإنما كان المبادر به ، والمؤثر الرئيسى فيه ، الحركات الاحتجاجية الجديدة ، والتى أصطلح على تسميتها " كفاية " و" أخواتها " ، غير أن " الجماعة " الأفضل تنظيما من الجميع ، والأشد التصاقا بالقواعد الشعبية ، والأكثر إمكانات من كل الأحزاب والقوى المعارضة ، ( بعض المرشحين صرفت علي حملاتهم الانتخابية مايقرب من عشرة ملايين جنيه ، فى كل دائرة من الدوائر التى جرت فيها وقائع الانتخابات ! ) ، والتى بدت بمثابة " البديل " الوحيد المتاح ، والذى لم يُجرب بعد ، للخلاص من عفن النظام وفشله وفساده ، استطاعت أن تنتزع هذا النجاح من فم الأسد ! ، أى السلطة المتشبسة بالحكم ، أومن يشاركها فيها والتى لاتريد بأى حال أن تفقد ميزاته الضخمة وعوائده الهائلة ، والتى تركت لها الباب مواربا ، حتى تدخل المصيدة بقدميها ، ( لغرض فى نفس يعقوب ) سيبدو جليا فيما بعد ! .
ولقد كان لهذا الانتصار المدوى أكثر من مردود هام ، وعلى أكثر من صعيد :
ـ أولها : وهو الأخطر ، أن الجماعة داخلها غرور قاتل بأن السلطة " قاب قوسين أو أدنى " ، وبدأت تخطئ بالتصرف وفق هذا الوهم ، فأطلق بعض قادتها من العناصر(المنفتحة) ،المشهود لها بالحنكة السياسية
، تصريحات أقلقت قطاعات نافذة فى المجتمع ، مثل الدكتور" عصام العريان " ، الذى ذكر أن " التيار الإسلامى قد وصل إلى سدة الحكم فى فلسطين ، وعلى أبواب الوصول فى المغرب ، والمحطة الثالثة ستكون مصر "... ألخ . لقد دقت هذه التصريحات التى صدرت عن عناصر من قادة الأخوان توصف عادة بـ " الاعتدال " ، فضلا عن تصريحات وتصرفات جناح " الصقور " فى " الجماعة " ، أجراس الإنذار ، فى أسماع الأعداء و الخصوم والمتربصين والمتخوفين والمتحفظين ... دفعة واحدة ! .

ـ وثانيها : أن النظام ، الذى أدار المعركة مع " الأخوان " بكل طاقاته وإمكاناته ، استغل ماحققوه فى المعركة الانتخابية ـ ببراعة يحسد عليها ـ للضغط على الأمريكيين والأوربيين ، حتى يكفوا عن مطالبته باحترام حقوق الإنسان ، والاستجابة لمطالب الرأى العام المصرى فى تحقيق الديموقراطية وإنجاز التغيير المأمول ، واستخدم فـــّزاعة " الأصوليين " ، الذى بالغ فى قوتهم ، وصورهم بأنهم يدقون أبواب مصر وعلى وشك التهامها ! ، فى إثارة ذعر الولايات المتحدة ، والغرب ، من أى تغيير ديموقراطى يحدث فى مصر ، لأن معناه سقوط مصر ، بعد فلسطين فى أيدى " المتطرفين " الإسلاميين .

ـ وثالثها ، أن هذا " الإنجاز " البرلمانى ، غير المسبوق ، قد سبب صدمة عنيفة لأقباط مصر ، وساعدت تصريحات مستفزة ، كان قد أطلقها قياديون بارزون بالجماعة ، راحلون ، كالمرشد الراحل ، " مصطفى مشهور " الذى اعتبرهم " أهل ذمة " ، غير مؤهلين لخدمة العلم ، ويتم إعفاؤهم من العسكرية مقابل " بدل نقدى " ! ، ومعاصرون ، على رأسهم مرشدها العام الحالى ، السيد " محمد مهدى عاكف " ، الذى سخر من دواعى قلقهم ولم يبد اكتراثا لمخاوفهم ، أو توجسهم من مستقبل يلعب فيه الأخوان دورا حاكما فى البلاد ، وهو ما دفع مفكر بارز من مسيحييها ، مثل الدكتور" ميلاد حنا " ، إلى التهديد بأن " أقباط مصر سوف يهاجرون منها ، إذا وصل " الأخوان المسلمون " إلى سدة الحكم فيها ! " ، ودفع آخرون إلى المطالبة بـ "حزب للأقباط " أو جماعة لـ " الأخوان الأقباط " أسوة بجماعة " الأخوان المسلمون " ، كما أن هذا الموقف حرم قوى التغيير فى المجتمع من طاقة أقباط مصر الضخمة ، وألقى بمياه قبطية كثيرة ، فى طاحونة النظام ، بتوهم انه هو الذى يحميها من تغول " الأصولية " الإسلامية ، التى تهدد وجودهم وعقيدتهم ! .

(2) محطة " معركة الحجاب " :

وقبل أن تضع هذه المعركة أوزارها ، بدأت مخاوف قطاعات واسعة من المجتمع " المدنى " هى الأخرى فى التصاعد ، على خلفية الشعور العام بالخطر من وعود ورعود " الأخوان " المستقبلية ، فممثليها البرلمانيين وكوادرها السياسية استغلوا ملاحظة لوزير الثقافة ، " فاروق حسنى " ، حول حجاب إحدى الصحفيات ، فى إقامة الدنيا ، وتسيير المظاهرات الحاشدة ، وإشعال نار الحرب المقدسة ، ونافسهم فى إذكاء أوارها حزب السلطة ، " الوطنى الديموقراطى ! " ، الذى زايد عضوه البارز ، الدكتور " أحمد عمر هاشم " ، رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب ، على الجميع ، باعتبار " أن قضية الحجاب مسألة " أمن قومى " لمصر ، يحظر المساس بها ! " .
لقد أثارت هذه الموقعـــــة ، ( ومواقـــــــع أخرى شبيهة حول بعض مشاهد الأفـــــــــــــــلام السينمائية ، وملابس بعض الفنانات وبعض الأغانى والكتب التى طولب بإخضاعها للرقابة والمساءلة ، والتى أثارها نواب الأخوان فى
مجلس الشعب ) ،القلق من المستقبل ، والخوف على " الدولة المدنية " بين النخب الثقافية والفئات " الحداثية " فى المجتمع ، وهى فئات قد تكون محدودة العدد نسبيا ، لكنها واسعة النفوذ ، بالغة التأثير، وتضم قطاعات مهمة من كوادر الطبقة الوسطى التكنوقراطية والبيروقراطية والمثقفين ورجال الأعمال وجماعات حقوق الإنسان والأحزاب المدنية ...ألخ . وقد جاءت هذه التطورات فى اتجاه يخصم من حساب " الجماعة المحظورة " ، التى أصر النظام على وصفها ، أو وصمها ، بهذ الإسم ، حتى يفصلها عن المجتمع ، ويحاصر تأثيرها داخله ، وأشاعت الريبة فى موقفها الحقيقى ، أو المبطن ، من مسألة الديموقراطية والتغيير السياسى فى البلاد ، ومنحت خصوم الجماعة مصداقية تسوغ عداوتهم لها ، وتبرر رفضهم لمساعى دمج من أسمتهم " المتأسلمين " فى الحياة السياسية المصرية ، للخروج من أزمة التحول الديموقراطى المستحكمة ، وعلى أساس قواعد وشروط الدولة المدنية ومتطلباتها .
(3) " تدريبات المليشيا العسكرية " لشباب الأخوان ! :

لكن المحطة الأكبرفى هذه الممهدات أتت على خلفية ارتكاب " الجماعة " لخطيئة قاتلة ، جاءت هدية من السماء للسلطة ولخصوم الأخوان معا ، حيث نظم منتسبو الجماعة من شباب جامعة الأزهر استعراضا شبه عسكرى ، ارتدوا فيه الملابس المموهة ، وغطوا رؤسهم بالأقنعة ، وربطوا شعورهم بالعصابات التى تحمل شعارات تحض على المنازلة وتنادى بالموت فى سبيل الإسلام نيلا لفضل الشهادة ، وأخذوا ـ أمام عدسات التلفزيون وكاميرات الصحافة ، يستعرضون ـ بالأسلحة البيضاء ـ قدراتهم على القتال والمواجهة ! ، على النحو الذى كانت الفضائيات تنقله من استعراضات القوة لعناصر حركة " حماس " ، الأخوانية ، فى غزة ! .
كان هذا الأمر أقسى مما يمكن احتماله بالنسبة لقطاعات كبيرة من المجتمع ، حتى من غير أعداء الجماعة ، ومنحت السلطة زادا هائلا فى معركتها مع " المحظورة " فى الداخل والخارج ، واستدعت من الذاكرة الجمعية أشباح مرحلة " الجهاز السرى " أو " التنظيم الخاص " للأخوان ، وعمليات اغتيال الخصوم فى الأربيعينيات من القرن الماضى ( النقراشى باشا ، والقاضى الخازندار ... وغيرهما من الأعداء أو أعضاء الجماعة المتمردين أو العصاة !) بل ومحاولة اغتيال الرئيس " عبد الناصر " فى أوائل الخمسينيات ، وهى مرحلة كان يُظن أن الجماعة قد تجاوزتها إلى غير رجعة وطوت صفحتها تماما ، بعدما كبدتها ، وكبدت الوطن ، خسائر فادحة ، دفعت المعارضة جميعها ودفع الشعب ، ثمنها الباهظ ، ولازال يُدفع حتى الآن ! .
لقد أدت هذه التطورات السريعة ، المتلاحقة ، إلى إحياء هواجس عديدة من مواقف الأخوان التى كانت قد نجحت إلى حد ملحوظ ، فى إقناع الكثيرين ، بأنها تجاوزتها ، وبالذات فيما يخص الموقف من أقباط مصر ، ومن المرأة ، ومن الإيمان بقيم الديمقراطية والتعددية ، وعاد الوضع مجددا إلى المربع الأول ، حيث يشهد الواقع انتشار حالة " الخوف من الإسلام ، الذى انتاب إناسا عاديين من الطبقة المتوسطة والمتعلمة على الأقل ، فضلا عن الطبقات الأعلى بطبيعة الحال ، وقد سمعت بأذنى انطباعات من ذلك القبيل ، وأعرف إناسا يصلون ويصومون فكروا فى مغادرة البلد ، أو لجأوا إلى شراء بيوت فى الخارج ، تحسبا لحدوث " الانقضاض " (من التيارات الأصولية والأخوان ، على السلطة ! ) ، الذى تحدثت عنه وسائل الإعلام " ، على نحو ما يشرحه الأستاذ " فهمى هويدى " ، الكاتب الإسلامى والصديق للجماعة ، فى جريدة " الأهرام" [ 15يناير ـ كانون ثانى 2008 ] .

لقد استغل النظام هذه التطورات السلبية فى مسيرة "لأخوان " ، ومارس ضغوطا مكثفة لحصار الجماعة ، ولتوجيه ضربة موجعة لها ، تمثلت فى اعتقال المئات من نشطائها وقيادييها ، وبالذات من أعمدة الجهاز
الاقتصادى الذى يدير إمبراطوريتها المالية ، وفى مقدمتهم المهندس " خيرت الشاطر " ، نائب المرشد العام ، وأحد الرجال الأقوياء فى الجماعة ، ولم تلق الجماعة تعاطفا يليق بحجم الضربة الذى وجهت لها من قبل الحكم ، أو نوعيتها ، بعدما أضرت توجسات المجتمع مما تضمره للبلاد ، بحجم الثقة فيها ، وفى غايات ودوافع النزاع بينها وبين السطة ، وجلس الناس ، بلا مبالاة ، ينتظرون من الذى سيكسب فى النهاية الجولة ، ومن الذى سيربح الحرب ، فى الختام .

..... والبرنامج أخيرا ! :

وبعد طول تمنع وتملص ، بل وإنكار أيضا ( مثلما صرح المرشد العام للجماعة ، الاستاذ " محمد مهدى عاكف " : لسنا فى حاجة إلى حزب سياسى " قبل عامين من طرح البرنامج للحوار العام ! ، [ جريدة " نهضة مصر " ، 5/9/2005 ] ) وعلى هذه الخلفية ، وما تضمنته من صراع ، وعزلة ، ورفض ، ومحاولة للخروج من القمقم ، وكسر حاجزالحصار ، واستعادة التواصل المقطوع مع أقباط مصر ومثقفيها ، وسائر فئات المجتمع المدنى المروُع ، طرحت الجماعة مشروعا مبدئيا لبرنامج حزب مقترح ،على نحو خمسين من المفكرين والسياسيين والإعلاميين ، لإبداء الرأى ، وتسجيل الملاحظات وتقديم النصيحة ، وسرعان مانُشر هذا المشروع فى الجرائد ووسائل الإعلام ، وأصبح محلا لحوارموسع بين أطياف النخبة السياسية والفكرية فى مصر ، وموضعا لاهتمام مستحق فى العديد من الصحف والمنتديات الفكرية ومواقع الإنترنت والقنوات التلفزيونية والندوات والأبحاث الأكاديمية .. ألخ .
والمشروع الأوُلى لـ " برنامج حزب الأخوان " ، يتكون من مائة وثمانين صفحة من القطع الكـبير ، ( مقاسِ 4ـ A ) ، وينقسم إلى ستة أبواب ، عناوينها :
1ـ مبادئ وتوجهات الحزب ،
2ـ الدولة والنظام السياسى ،
3 ـ التعليم والتنمية البشرية ،
4 ـ الاقتصاد والتنمية المستدامة ،
5 ـ الدين والمجتمع ،
6 ـ النهضة الثقافية .

ثلاث قضايا رئيسية ومضمون طبقى :

وعلى عكس ما أمل واضعو البرنامج ، زاد طرح تفاصيله من عمق الهوة التى أشرنا إلى سياقها فى السطور السابقة ، وقد انصبت انتقادات المثقفين والرأى العام السياسى والإعلامى ، على ثلاثة مواضيع رئيسية كانت محل إجماع بين معظم الذين كتبوا أو تحدثوا عنه ، وهذه القضايا هى :


(1) ـ قضية " هيئة كبار العلماء " :
تضمن المشروع فى فصله الثالث الخاص بـ " السياسات والاستراتيجيات " أن " مقاصد الشريعة الإسلامية ، تهدف إلى تحقيق الضروريات والحاجيات والتحسينات فى مجال الدين والنفس والعرض والعقل والمال ، تمثل السياسة الحاكمة فى تحديد أولويات الأهداف والاستراتيجيات " ، وأناط المشروع مهمة
تطبيق الشريعة الإسلامية بـ " الأغلبية البرلمانية فى السلطة التشريعية " ، التى يتوجب عليها ، أى على هذه السلطة التشريعية ، أن " تطلب رأى هيئة من كبار علماء الدين فى الأمة ، على أن تكون منتخبة أيضا انتخابا حرا مباشرا من علماء الدين ، ومستقلة استقلالا تاما وحقيقيا عن السلطة التنفيذية فى كل شئونها الفنية والمالية والإدارية ، ويعاونها لجان ومستشارون من ذوى الخبرة وأهل العلم الأكفاء ، فى سائر التخصصات العلمية الدنيوية ، الموثوق بحيدتهم وأمانتهم ، ويسرى ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون فى غيبة السلطة التشريعية ، ورأى هذه الهيئة يمثل الرأى الراجح المتفق مع المصلحة العامة فى الظروف المحيطة بالموضوع " ، [ ص : 13 من مشروع البرنامج ] .
وقد رفض الخبراء ورجال السياسة والأكاديميون ، وفيما يشبه الإجماع ، هذا التصور لدور وتكوين " هيئة كبار العلماء " ، التى اعتبرها الكاتب " صلاح عيسى " ، " مناورة لتمرير فكرة الدولة الدينية من خلال مسحة مدنية " ، [ المصرى اليوم ، 28/10/2007] ورأى فيها الدكتور " عمرو الحمزاوى " دعوة لتقويض الدولة المدنية ، عبر استحداث هيئة منتخبة من كبارعلماء الدين ، ينبغى على السلطة التشريعية ورئيس الجمهورية حين يمارس صلاحياته الاستثنائية فى التشريع استشارتها ، لضمان اتساق القوانين مع مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية .. وواقع الأمر أن اقتراح تكوين هيئة فوق تشريعية من علماء الدين ، ذات طايع وصائى فى علاقتها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية ... ( مما يمثل ) نزوع نحو تأسيس دولة ثيوقراطية ، قريبة الشبه من نموذج ولاية الفقيه فى الجمهورية الإسلامية بإيران " ، [ جريدة " الكرامة " ، 22/10م2007 ] .

(2) ـ قضية " المواطنة " والموقف من الأقباط :

على الرغم من تضمن مشروع البرنامج العديد من النصوص التى تتكلم عن " مبدأ المواطنة " باعتبار مصر ، كما جاء فى نص المشروع : " دولة لكل المواطنين الذين يتمتعون بجنسيتها ، وجميع المواطنين يتمتعون بحقوق وواجبات متساوية يكفلها القانون ، وفق مبدأى المساواة وتكافؤ الفرص " [ص : 15 ]
، إلا أن واضعو المشروع ، عادوا وانقلبوا على هذا المبدأ ، بنصهم على أن " رئيس الدولة أو رئيس الوزراء ، طبقا للنظام السياسى القائم ، عليه واجبات تتعارض مع غير المسلم ، مما يجعل غير المسلم معفى من القيام بهذه المهمة، طبقا للشريعة الإسلامية " ، وقد فصل المشروع هذه الواجبات ، والتى تمنع غير المسلم ، أو المسيحى المصرى من تولى موقعى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء : " حماية وحراسة الدين ... حراسة الإسلام وحماية شئونه والتأكد من عدم وجود ما يعترض الممارسة الإسلامية من العبادة والدعوة والحج ... وهى الوظائف الدينية التى تتممثل فى رئيس الدولة أو رئيس الوزراء ، طبقا للنظام السياسى القائم ! " ، [ ص : 17 ] .


(3) ـ قضية وضع المرأة المصرية

على الرغم من أن تاريخ المرأة المصرية ، طوال قرن من الزمان ،عامر بالكفاح من أجل التحرر من القيود ، والتخلص من أسرالمفاهيم المتخلفة ، وتحقيق المساواة ، وعلى الرغم من الشوط الواسع الذى قطعته فى
هذا المضمارحتى احتلت أرفع المناصب : وزيرة ، أستاذة جامعية ، سفيرة ، قاضية ... ألخ ، بل وعلى الرغم من إيراد مشروع حزب الإخوان مبدأ المساواة ، بأكثر من صيغة ، ومنها إقراره بوجوب " عدم التمييز بين المواطنين فى الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس او اللون " ، إلا أن واضعو المشروع يقعون فى تناقض آخر بالتأكيد على حرمان المرأة من تولى منصب رئاسة الدولة ، التى يشترط فيمن يتولاه أو يترشح له : " أن يكون مسلما ( ذكرا ! ) ... حيث اتفق الفقهاء ، كما يقول المشروع ـ على عدم جواز توليها لها ! " ، [ ص : 24 ] .
وقد انتقد المفكر الإسلامى الدكتور " محمد سليم العوا " هذا التوجه ، على الموقع الإليكترونى لـ " حزب الوسط " الإسلامى ، حيث ذكر أنه فيما يتعلق بموضوع الأقباط والمرأة ، ومدى جواز رئاستهم للدولة ، : " فهذه ليست دولة الخلافة التى منع الفقهاء ـ فى ظلها ـ أن يكون الرئيس غير مسلم ، لأنه كان يؤم الناس فى الصلاة ويعين القضاة ، فالرئيس هو الذى يأتى بالنتخاب الحر غير المزور ، سواء رجلا أم سيدة ، عسكريا أو مدنيا ، كفؤا تأتى به الأصوات ، أما أن أحرم الرئاسة على قبطى أو امرلأة ، فإن هذا امر غير متفق مع القواعد الإسلامية قطعا " .

المضمون الطبقى لمشروع البرنامج :

غير أن واحدة من أهم مشتملات هذا المشروع ، لم يلق عليها ضوءا كافيا ، هى مسألة المضمن الطبقى لمشروع برنامج " حزب الأخوان " ، فدراسة هذا المضمن تفصيليا تمدنا بضوء كاشف عن انحيازات الأخوان الاجتماعية ، وعن تصوراتهم لحل المعضلات التى يرزح الاقتصاد المصرى تحتها ، وهى تصورات يغلب عليها التبسيط والمعالجة الأخلاقية ، فضلا عن الانحياز لآليات السوق والقطاع الخاص وسيادة الملكية الفردية .

ففى الباب الرابع ، المعنون بـ " الاقتصاد والتنمية المتدامة " ، يؤسس المشروع لحل مشكلات الفقر والبطالة والتضخم وضعف الموارد واهتراء المؤسسات الاقتصادية للدولة ...ألخ ، على مرجعية " النظام الاقتصادى الإسلامى " الذى تتمثل غايته فى عبادة الخالق تبارك وتعالى ، عبادة بمعناها الواسع [ ص : 41 ] ... ويرى أن حل مشكلات المجتمع يمكن توفيره من خلال " التكافل الاجتماعى من خلال الزكاة والصدقات التطوعية " ، وحيث يتم النشاط الاقتصادى لهذا النظام ، من خلال السوق الإسلامية ، التى تقوم على أساس المنافسة التعاونية ( ! ) ، ... ومن خلال قوى العرض والطلب وميكانيكية الأثمان ! " ، ويقر المشروع " أن الملكية الخاصة هى جوهر موضوع الملكية فى الإسلام " رغم عدم الممانعة فى وجود دور للقطاع العام والدولة ، لا يعدو أن يكون دورا خادما للقطاع الخاص ، وللمخاطرة بتحمل الكلفة العالية للهياكل الأساسية والمرافق العامة " التى يحجم عن الدخول فيها القطاع الخاص " . [ ص : 43 ] .


يجمل الدكتور " وحيد عبد المجيد " الرأى فى " برنامج حزب الأخوان " :

" البرنامج ردة فى موقف الأخوان الذى بدأ فى التطور منذ الثمانينات باتجاه الاندماج فى الحياة السياسية الحديثة ، التى لا مجال فيها لسلطة دينية عليا فوق الشعب والمجتمع .
لقد ارتدُوا فى وقت كانت فيه البلاد بحاجة إلى دورهم ، وبهذا البرنامج عزلوا أنفسهم ، واختاروا أن يكونوا ضد الشعب وضد الحريات " ، [ جريدة " المصرى اليوم " ، 18/9/2007 ] .



تعليقات الفيسبوك