|
|
حين يصبح العقل كالزائدة الدودية
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 00:36
المحور:
قضايا ثقافية
ليس أصعب على الإنسان الذي يحاول أن يفكر بحرية، من أن يجد نفسه محاطاً بأشخاص لا يريدون التفكير، ولا يجدون في القراءة ضرورة، ولا يشعرون بالحاجة إلى مراجعة ما ورثوه من أفكار ومعتقدات. إنهم يعيشون داخل منظومة ذهنية مغلقة، تتكفل بتزويدهم بالإجابات قبل أن تخطر لهم الأسئلة، وبالمواقف قبل أن تتكون لديهم الآراء، وبالأحكام قبل أن يمارسوا أبسط عمليات التفكير. إن مأساة هؤلاء ليست أنهم يجهلون بعض الحقائق، فالجهل حالة إنسانية قابلة للعلاج بالتعلم، وإنما المأساة أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى المعرفة أصلاً. إنهم لا يعرفون، والأسوأ أنهم لا يدركون أنهم لا يعرفون، لأن منظومتهم الفكرية تمنحهم شعوراً زائفاً بالاكتفاء واليقين.
أولاً: التفكير ليس وظيفة تلقائية للعقل
يولد الإنسان مزوداً بدماغ قادر على التفكير، لكن امتلاك الدماغ لا يعني بالضرورة ممارسة التفكير. فالتفكير الحقيقي ليس مجرد استقبال المعلومات أو تخزينها أو استدعائها، وإنما هو القدرة على مساءلتها، وتحليلها، ومقارنة المتناقضات، واكتشاف الأخطاء، وإعادة النظر في القناعات السابقة. قد يمتلك الإنسان ذاكرة قوية، ويستطيع استظهار آلاف النصوص والمقولات، لكنه يظل عاجزاً عن إنتاج فكرة واحدة مستقلة. وقد يتحدث بطلاقة، ويجادل بحماسة، ويستشهد بمراجع كثيرة، دون أن يكون قد مارس تفكيراً نقدياً حقيقياً. فالفرق كبير بين عقل يستعمل المعلومات ليصل إلى الحقيقة، وعقل يستعمل المعلومات ليحمي ما قرر مسبقاً أنه الحقيقة. الأول عقل باحث، والثاني عقل محامٍ عن قناعاته.
ثانياً: الأناشيد الجماعية وإلغاء الفرد
من أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل الإنساني أن يفقد استقلاله داخل الجماعة. فالإنسان الذي ينتمي إلى جماعة فكرية أو دينية أو سياسية أو أيديولوجية قد يجد نفسه تدريجياً محاطاً بمجموعة من المسلمات التي لا يجوز الاقتراب منها، وبمجموعة من الآراء التي ينبغي ترديدها، وبمجموعة من الخصوم الذين ينبغي رفضهم دون ضرورة لفهم أفكارهم. وهكذا تتحول الجماعة من إطار اجتماعي للانتماء إلى سلطة معرفية تتحكم في طريقة التفكير. يصبح السؤال علامة شك، والشك علامة انحراف، والاختلاف نوعاً من الخيانة، بينما يتحول تكرار الشعارات إلى دليل على الولاء والاستقامة. والأخطر أن الفرد قد يعتقد أنه يمتلك رأياً شخصياً، بينما هو في الحقيقة لا يفعل أكثر من إعادة إنتاج رأي الجماعة بصياغات مختلفة. إنه يتحدث، لكنه لا يفكر بصوته الخاص. يردد، لكنه لا يفحص ما يردده. ويعارض الآخرين، لا لأنه درس أفكارهم واكتشف خطأها، وإنما لأن جماعته علمته أن يعارضهم.
ثالثاً: لماذا يخاف البعض من القراءة؟
القراءة الحقيقية ليست عملية ترفيهية أو مجرد وسيلة للحصول على المعلومات؛ إنها مواجهة مستمرة مع احتمالات جديدة، وأفكار قد تهدم بعض ما استقر في الذهن. من يقرأ بجدية يكتشف أن العالم أكثر تعقيداً مما تصوره، وأن كثيراً من الإجابات التي تلقاها في طفولته ليست بالضرورة صحيحة، وأن اليقين الذي اعتقد أنه يمتلكه قد يكون مجرد نتيجة للبيئة التي نشأ فيها. ولهذا قد تصبح القراءة تهديداً للإنسان الذي بنى هويته على مجموعة من المسلمات المغلقة. إنه لا يخشى الكتاب بوصفه مجموعة من الصفحات، بل يخشى ما يمكن أن تفعله الأفكار بعالمه الداخلي. فالكتاب الجيد لا يمنحك دائماً إجابة، وإنما قد يسلبك إجابة كنت مطمئناً إليها، ويضعك أمام سؤال لم تكن مستعداً لمواجهته. ومن هنا نفهم لماذا يفضل البعض سماع الخطاب الذي يؤكد قناعاتهم على قراءة كتاب قد يزعزعها. إنهم لا يبحثون عن المعرفة بقدر ما يبحثون عن الطمأنينة.
رابعاً: العقل الذي يتحول إلى زائدة دودية
الإنسان الذي لا يستخدم قدرته على التساؤل والنقد والتحليل يتخلى عملياً عن أهم ما يميزه بوصفه كائناً عاقلاً. ليس المقصود أن قدرته العقلية اختفت، بل إنها أصبحت معطلة بفعل العادة والخوف والتلقين والكسل الذهني. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يسأل نفسه: لماذا أعتقد هذا؟ وما الدليل عليه؟ وهل يمكن أن أكون مخطئاً؟ وقد يكرر فكرة واحدة طوال عمره دون أن يختبرها، ويدافع عن موقف واحد دون أن يراجعه، ويرفض كل جديد لأنه جديد، لا لأنه خاطئ. وهنا تصبح المأساة أن العقل، الذي كان يفترض أن يكون أداة التحرر من الوهم، يتحول إلى أداة لتبرير الأوهام والدفاع عنها. إن أخطر صور العبودية ليست أن يُمنع الإنسان من التفكير، وإنما أن يفقد الرغبة في التفكير، ثم يتصور أن ما يردده هو نتاج عقله المستقل.
خامساً: التفكير المستقل ثمنه الوحدة أحياناً
ليس من السهل أن يفكر الإنسان باستقلال داخل بيئة تقدس الإجابات الجاهزة. فمن يطرح سؤالاً غير مألوف قد يتعرض للسخرية، ومن يراجع فكرة موروثة قد يُتهم بالتمرد، ومن يرفض ترديد الشعارات قد يجد نفسه خارج دائرة القبول الاجتماعي. ولهذا يختار كثيرون السلامة الاجتماعية على حساب الحرية الفكرية. لكن التفكير المستقل لا يعني بالضرورة مخالفة الآخرين، ولا يعني أن يكون الإنسان معارضاً لكل شيء، ولا أن يتخذ من الاختلاف غاية في ذاته. إنه يعني ببساطة أن تكون قناعاتك نتيجة بحثك، لا مجرد ميراث ذهني لم تختبره. أن توافق لأنك اقتنعت، وأن ترفض لأنك وجدت أسباباً للرفض، وأن تغير رأيك عندما تظهر لك أدلة أفضل. فالإنسان الحر فكرياً ليس ذلك الذي لا يخطئ، بل الذي لا يعتبر الاعتراف بالخطأ إهانة لكرامته.
سادساً: المجتمع الذي لا يفكر يعيد إنتاج نفسه
حين تتراجع القراءة، ويغيب التفكير النقدي، وتتحول الثقافة إلى تكرار، يصبح المجتمع أسير دائرة مغلقة. تنتقل الأفكار من جيل إلى جيل دون فحص، وتتوارث الأجيال الأحكام نفسها، وتظل المشكلات قائمة لأن العقل الذي يفترض أن يكتشف أسبابها مشغول بالدفاع عن الموروث الذي أنتجها أو ساهم في استمرارها. إن المجتمع الذي لا يشجع السؤال لا يستطيع أن ينتج معرفة حقيقية، والمجتمع الذي يعاقب الاختلاف لا يستطيع أن يستفيد من تنوع العقول، والمجتمع الذي يضع الولاء فوق الحقيقة يحكم على نفسه بالبقاء داخل حدود ما يعرفه بالفعل. والحضارة لا تتقدم بمجرد زيادة عدد المتعلمين أو الشهادات الجامعية، وإنما بقدرة الإنسان على استخدام معرفته في مساءلة الواقع وتغييره. فكم من مجتمع يمتلك جامعات ومؤسسات تعليمية، لكنه لا يزال أسير ثقافة التلقين؟ وكم من إنسان يحمل شهادات علمية، لكنه لا يستطيع التحرر من الأفكار التي ورثها دون أن يفحصها؟ إن التعليم الذي لا ينتج عقلاً نقدياً قد يتحول إلى مجرد وسيلة أكثر تطوراً لتخزين المعلومات، لا لتحرير الإنسان.
خاتمة: أن تكون إنساناً يعني أن تفكر
إن قيمة الإنسان لا تكمن في قدرته على تكرار ما يقوله الآخرون، وإنما في قدرته على تجاوز ما قيل، وإنتاج أسئلته الخاصة، ومراجعة أفكاره، والبحث عن الحقيقة حتى عندما تكون مخالفة لما اعتاد الإيمان به. ليس المطلوب أن يقرأ الجميع الكتب نفسها، أو أن يصلوا إلى النتائج نفسها، وإنما أن يمتلك كل فرد الحق والقدرة على التفكير دون وصاية. فالعقل ليس زينة نفاخر بها، ولا عضواً بيولوجياً نكتفي بامتلاكه، وإنما هو إمكانية ينبغي ممارستها وتنميتها باستمرار. ولعل أكثر ما يستحق أن يخشاه الإنسان ليس أن يختلف معه الآخرون، وإنما أن يكتشف ذات يوم أنه أمضى عمره كله يردد أفكاراً لم يفكر فيها، ويدافع عن قناعات لم يختبرها، ويعيش داخل عالم لم يختره بعقله، بل اختارته له الجماعة. إن أخطر موت يصيب الإنسان ليس موت الجسد، بل موت السؤال داخله. فحين يتوقف الإنسان عن السؤال، يبدأ عقله في التراجع عن أداء وظيفته، وحين يتوقف عن القراءة، يضيق عالمه، وحين يستبدل التفكير بالترديد، يصبح مجرد صدى لأصوات الآخرين. وعندئذ فقط يصبح تشبيه العقل بالزائدة الدودية أكثر من مجرد استعارة ساخرة؛ يصبح وصفاً لمأساة إنسان امتلك أداة التحرر، لكنه اختار ألا يستخدمها.
ليس أسوأ من أن تعيش وسط سجناء لايدركون أنهم سجناء. وأن تعيش وسط جهلاء على يقين بامتلاكهم الحقيقة المطلقة.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المهزلة العبثية: توظيف الدول للميليشيات
-
الديموقراطية. . هل ماتزال تصحح أم تدمر الآن نفسها؟
-
صدمة النور وعواء الكهوف: قراءة في أزمة الثقافة والوعي المصري
-
من ادّعاء الفضيلة إلى سُعار الجسد
-
العقل الفردي والعقل الجمعي: حين تنتصر الشعارات على الواقع
-
قراءة في قابلية التحضر وإعادة إنتاج التخلف
-
من المنظومات الفكرية المغلقة إلى عالم مرتهن بالتجربة والتخطئ
...
-
الاعتزاز بالهوية والموقف من الآخر
-
العقل بين التسليم وملكة النقد
-
ارتباط مصير شعب بقرار سلطان
-
المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان
-
الإيديولوجيات الشريرة وآليات الشر
-
من صناعة القادة إلى إحكام الهيمنة
-
حين تتنكر الحضارة لثوابتها
-
الحرية مابعد حرية الفعل
-
المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
-
الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
-
نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
-
الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
-
الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
المزيد.....
-
لحظة اصطدام طائرة صغيرة بشاحنة على طريق سريع في فلوريدا
-
سوريا ولبنان بعيون آيزنكوت.. بين إعادة رسم الترتيبات الأمنية
...
-
أضرار في -أرامكو- مع اعتراض 5 صواريخ ومسيّرة واحدة واحدة تست
...
-
بعد الحصار البحري.. واشنطن تشكّل قوة -البوابة الحديدية- لتقي
...
-
مباشر: استهداف مركز الملك عبدالله المالي في الرياض حسب شهود
...
-
انقطاع الكهرباء عن 600 ألف شخص في شرق أوكرانيا إثر هجوم روسي
...
-
التحالف: اعتراض 5 صواريخ أطلقها الحوثيون تجاه الرياض والمنطق
...
-
انقطع صوته في الصلاة على النبي.. نهاية مؤثرة لإمام تركي بملا
...
-
روسيا تضرب شبكة الطاقة الأوكرانية وتستهدف سفينة في البحر الأ
...
-
شهادات تكشف مجازر بحق الرعاة في الرقة خلال حكم النظام السوري
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|