أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - الديموقراطية. . هل ماتزال تصحح أم تدمر الآن نفسها؟














المزيد.....

الديموقراطية. . هل ماتزال تصحح أم تدمر الآن نفسها؟


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 00:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


نشأنا، جيلاً بعد جيل، على فكرة راسخة: أن الديمقراطية والليبرالية نظامان يملكان قدرة ذاتية على التصحيح. قيل لنا إنهما كالجسم الحي، إذا أصابهما خلل، تحركت فيهما آليات المناعة: الانتخابات، حرية التعبير، استقلال القضاء، الصحافة الحرة، والتداول السلمي للسلطة. هذه الآليات كفيلة بأن تُخرج النظام من أزماته، وتعيد التوازن، وتمنع الاستبداد أو الفوضى.
كان هذا الإيمان جزءاً من السردية الكبرى التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، ثم ترسخت بعد سقوط جدار برلين. الديمقراطية الليبرالية بدت وكأنها نهاية التاريخ، النظام الوحيد القادر على تصحيح أخطائه من داخله، بينما تسقط الأنظمة الأخرى تحت وطأة جمودها.
لكن الواقع الذي نعيشه اليوم يطرح سؤالاً مزعجاً: ماذا لو كانت هذه الآليات نفسها قد بدأت تعمل ضد النظام؟ ماذا لو تحولت أدوات التصحيح إلى أدوات تدمير ذاتي؟
من التصحيح الذاتي إلى التفكك الذاتي
المشكلة ليست في وجود أزمات. كل نظام يواجه أزمات. المشكلة في طبيعة الاستجابة.
في العقود الأخيرة، شهدنا ظاهرتين مترابطتين:
الأولى: تصاعد الاستقطاب الهوياتي. لم يعد الصراع السياسي يدور حول السياسات الاقتصادية أو أولويات الحكم، بل أصبح صراعاً حول الهوية والانتماء والذنب التاريخي. في ظل هذا المناخ، تحولت حرية التعبير من أداة للوصول إلى الحقيقة إلى ساحة لتصفية الحسابات. من يحاول حماية ذاته وحماية الليبرالية من تدمير نفسها واحتضان أعدائها لتدميرها، يُتهم بـ«خطاب الكراهية» أو «عدم الحساسية» ويُقصى، ولا يُناقَش. والنتيجة أن المجال العام يضيق تدريجياً، وتصبح القدرة على تصحيح الأخطاء أضعف، لأن من يمتلكون الرأي المخالف يُدفعون إلى الصمت أو إلى الهامش.
الثانية: تحول المؤسسات التي كان يُفترض أن تكون حارسةً للنظام إلى أطراف في الصراع. الجامعات، وسائل الإعلام الكبرى، بعض الأجهزة البيروقراطية، وحتى أجزاء من القضاء في بعض الدول، لم تعد تبدو محايدة. أصبحت جزءاً من مشروع أيديولوجي يرى أن مهمته ليست حماية القواعد الليبرالية، بل إعادة صياغة المجتمع وفق رؤية معينة للعدالة. وحين تفقد المؤسسات الثقة بأنها محايدة، يفقد النظام قدرته على تصحيح نفسه من الداخل، لأن أدوات التصحيح نفسها أصبحت محل نزاع.
بهذا المعنى، لم يعد التهديد الأكبر يأتي فقط من الخارج أو من أنظمة معادية، بل أيضاً وبالدرجة الأولى من داخل المنطق الليبرالي نفسه، حين يُدفع إلى أقصى حدوده: حين تتحول الحرية إلى ترخيص لتفكيك الروابط الاجتماعية، وحين تتحول المساواة إلى إنكار لأي تراتب طبيعي أو تاريخي، وحين تتحول التعددية إلى رفض لأي هوية مشتركة.
هل هو انهيار أم تصحيح مؤلم؟
نعم قد يكون هذا كله مجرد مرحلة انتقالية قاسية. يقولون إن الديمقراطية دائماً ما عاشت لحظات اضطراب، وإن الأجيال الجديدة ستعيد اكتشاف قيمة القيود والاعتدال بعد أن تجرب نتائج الإفراط. يستشهدون بأن الأنظمة الليبرالية ما زالت تنتج ثروة ومعرفة وتكنولوجيا تفوق ما ينتجه خصومها، وأن القدرة على النقد الذاتي لا تزال موجودة، حتى لو ضعفت.
وقد تكون «الديمقراطية والليبرالية تدمر نفسها بنفسها».
قد يكون ما يحدث ليس اختلالاً مؤقتاً، بل نتيجة منطقية لأسس معينة في الفكر الليبرالي الحديث: التشكيك المستمر في كل سلطة وتقليد، وتحويل الفرد إلى وحدة القياس الوحيدة، ورفض أي سردية مشتركة تتجاوز الرغبات الفردية. هذه الأسس، حين تُؤخذ إلى نهايتها، لا تُنتج مجتمعاً حراً مستقراً، بل مجتمعاً مفككاً عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أو عن إعادة إنتاج شروط استمراره.
والأخطر أن هذا التفكك لا يحدث بالضرورة عبر انقلاب أو حرب أهلية واضحة. قد يحدث بهدوء: بانخفاض الثقة، وانهيار معدلات الخصوبة، وتزايد معدلات الهجرة من مناطق التخلف الحضاري، ومراكز شيوع العقائد المعادية بحكم تكوينها للحضارة وأهلها، وتصاعد العنف الرمزي والمادي، وصعود قوى سياسية راديكالية، وفقدان الأجيال الشابة لأي التزام عاطفي بالنظام الذي وُلدت فيه.
ماذا يبقى؟
السؤال لم يعد نظرياً. الدول التي بنت هويتها على أنها النموذج الليبرالي الديمقراطي تواجه اليوم تحدياً وجودياً:
هل تستطيع استعادة القدرة على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين المساواة والتسوية القسرية، وبين التسامح ورفض أي معيار مشترك؟
هل تستطيع الليبرالية التفرقة بين السمكة والثعبان؟

الإجابة ليست سهلة. فالعودة إلى صيغ قديمة من السلطة أو الهوية قد تكون هي نفسها مدمرة. لكن الاستمرار في إنكار أن شيئاً جوهرياً قد انكسر في آلية التصحيح الذاتي قد يكون أخطر.
ما نشأنا عليه كان إيماناً بقدرة النظام على إصلاح نفسه.�ما نراه الآن يفرض علينا أن نسأل: هل ما زال هذا الإيمان مبرراً؟ أم أننا نشهد، للمرة الأولى منذ زمن طويل، نظاماً بدأ يأكل شروط بقائه من الداخل؟
هذا ليس حكماً نهائياً. لكنه سؤال لم يعد من الممكن تأجيله.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صدمة النور وعواء الكهوف: قراءة في أزمة الثقافة والوعي المصري
- من ادّعاء الفضيلة إلى سُعار الجسد
- العقل الفردي والعقل الجمعي: حين تنتصر الشعارات على الواقع
- قراءة في قابلية التحضر وإعادة إنتاج التخلف
- من المنظومات الفكرية المغلقة إلى عالم مرتهن بالتجربة والتخطئ ...
- الاعتزاز بالهوية والموقف من الآخر
- العقل بين التسليم وملكة النقد
- ارتباط مصير شعب بقرار سلطان
- المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان
- الإيديولوجيات الشريرة وآليات الشر
- من صناعة القادة إلى إحكام الهيمنة
- حين تتنكر الحضارة لثوابتها
- الحرية مابعد حرية الفعل
- المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
- الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
- نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
- الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
- الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
- ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
- من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة


المزيد.....




- من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق ...
- أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر ...
- زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
- غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
- الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
- فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو ...
- وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته ...
- -شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت ...
- جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا ...
- محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - الديموقراطية. . هل ماتزال تصحح أم تدمر الآن نفسها؟