أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر















المزيد.....


الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 20:28
المحور: قضايا ثقافية
    


ترد كلمة «الخصوصية» في الخطاب الشرقي المعاصر كثيراً باعتبارها مرادفاً لكلمة «الهوية»، وكأن حماية الخصوصية تعني الحفاظ على مجموعة من السمات الموروثة التي تميز جماعة عن غيرها، وتحويل هذه السمات إلى حدود صلبة تفصل «نحن» عن «هم». غير أن الخصوصية، إذا أُخذت بمعناها الفلسفي، تختلف عن الهوية اختلافاً جوهرياً.

فإذا كانت الهوية، حين تتحول إلى عقيدة، تميل إلى افتراض جوهر ثابت للجماعة، فإن الخصوصية لا تحتاج إلى هذا الجوهر. إنها تشير إلى ما يجعل الفرد أو الجماعة مختلفاً، ومتفرداً، وغير قابل للاختزال في غيره، لكنها لا تفترض أن هذا التفرد ثابت أو مكتمل أو محصّن ضد التغير. ومن هنا يصبح علينا أن نبدأ من الجذر: خصوصية الفرد، قبل أن نتحدث عن خصوصية الشعب أو الأمة أو الدولة.

الإنسان ليس وحدة قابلة للاستبدال
الإنسان فرد فريد، unique، لا يتكرر ولا يقبل الاستبدال.
قد نفقد حيواناً أليفاً فنطالب المتسبب في فقده بتعويض مماثل؛ أما إذا فقدنا إنساناً نحبه، فلا يوجد «بديل» يمكن أن يعوض غيابه. وليس ذلك مجرد حكم عاطفي، بل يكشف عن حقيقة أعمق تتعلق بطبيعة الفرد الإنساني.
فالإنسان ليس كسراً حسابياً من كمية أكبر اسمها المجتمع، وليس مجرد رقم في قائمة سكانية، كما أن الدولة ليست كتلة متجانسة من وحدات متماثلة. المجتمع والدولة، في الحقيقة، كثرة من الأفراد المختلفين، ولكل منهم تكوينه البيولوجي والوراثي، وتاريخه وتجربته وبيئته، والأهم من ذلك كله قدرته على الاختيار والإرادة والفعل.
ولهذا فإن تحويل البشر إلى مجرد كميات إحصائية، وإن كان ضرورياً لأغراض معينة، يصبح خطراً حين يتحول من أداة معرفية إلى تصور للإنسان نفسه.
الفرد ليس «واحداً» من ملايين بالمعنى الحسابي فقط؛ إنه واحد لا يمكن استبداله بواحد آخر.
وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية التي تميز المجتمع الحر عن النظام الشمولي: المجتمع الحر ينظر إلى الفرد باعتباره غاية وفاعلاً، بينما يميل النظام الشمولي إلى رؤيته باعتباره وحدة قابلة للإدماج في الكل.

لكن «أنا» لا توجد وحدها
غير أن القول بتفرد الإنسان لا يعني أنه كائن مكتفٍ بذاته.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية:
أن أكون «أنا» يعني أن أختلف عن «هو».
لكن إذا لم يكن هناك «هو»، فلا معنى لـ«أنا».
فالاختلاف نفسه علاقة.
لا يمكنني أن أكون مختلفاً إلا عن شيء أو شخص آخر، ولا يمكن أن تكون لي خصوصية إلا في عالم توجد فيه خصوصيات أخرى.
إذا كان اسمي «س»، فإن معنى الاسم لا يظهر في الفراغ، وإنما في وجود «ص» و«ع» و«سواهم». وإذا كانت لي صفات تميزني، فإن تميزها لا يصبح ذا معنى إلا داخل فضاء توجد فيه صفات أخرى.
ومن هنا فإن الآخر (هو) ليس تهديداً لوجود الأنا، بل شرطاً من شروط تعينها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية: فالإنسان لا يكتشف ذاته رغم وجود الآخرين، وإنما يكتشفها أيضاً من خلالهم.

الأنا والهو والمشترك
نحتاج هنا إلى بعض الاصطلاحات، لا باعتبارها حقائق نهائية، وإنما باعتبارها أدوات لتحليل الفكرة.
أنا: خصوصيتي، أي ما أختلف به عن الآخرين.
هو: خصوصية الآخر.
نحن: ما هو مشترك بيني وبين الآخر.
وعندئذ يمكن صياغة الذات هكذا:
الذات = أنا/هو + نحن
أي أن الذات الإنسانية تتكون من شقين متلازمين:
الأول هو التفرد والاختلاف، والثاني هو الاشتراك والمشاركة.
فأنا لست مجرد ما يميزني عن الآخرين، ولست مجرد ما أشترك فيه معهم؛ أنا حاصل العلاقة بين الأمرين.
ومن هنا فإن الذات ليست جزيرة مستقلة، وليست ذرة ذائبة في كتلة اجتماعية، وإنما هي بنية علائقية تجمع بين الخصوصية والمشترك.
لا «أنا» بلا «هو»، ولا ذات بلا «نحن»
إذا كان «هو» شرطاً لوجود «أنا»، فإن «نحن» شرط لإمكان الحياة الاجتماعية.
فالإنسان لا يعيش اجتماعياً فقط لأنه مضطر إلى ذلك، وإنما لأن جزءاً من تكوين ذاته يتشكل داخل العلاقة.
إننا نولد في شبكة من العلاقات، ونتعلم اللغة من الآخرين، ونكتسب المعرفة منهم، ونطور أدواتنا بالتفاعل معهم، ونكتشف أنفسنا عبر المقارنة بهم، ونبني عالمنا المشترك من خلال التعاون والاختلاف والصراع والمراجعة.
لذلك ليس المجتمع شيئاً يقع خارج الفرد تماماً.
المجتمع موجود في الفرد بقدر ما يوجد الفرد في المجتمع.
والإنسان، بهذا المعنى، ليس مجرد «حيوان اجتماعي» بالمعنى التقليدي؛ بل يمكن القول إنه كائن منشغل بالآخر، لأن الآخر حاضر في تكوين ذاته.
فالآخر موجود في داخلي على مستويين:
موجود في «أنا» باعتبارها لا تتعين إلا بالاختلاف عنه،
وموجود في «نحن» باعتبار ما أشترك فيه معه.

المصلحة الذاتية والمصلحة العامة
ومن هنا يمكن إعادة النظر في العلاقة التقليدية بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.
عادة ما يُقال إن الإنسان ينبغي أن يتخلى عن جزء من مصلحته الخاصة لصالح المجتمع، وكأن هناك تعارضاً أصلياً بين الطرفين لا يمكن تجاوزه إلا بالأخلاق والتضحية.
لكن إذا كانت الذات نفسها تتكون من «أنا» و«هو» و«نحن»، فإن الأمر أعمق من ذلك.
فالعمل من أجل الذات يمكن أن يؤدي إلى خدمة المجتمع، لا لأن الفرد قد أصبح ملاكاً أخلاقياً، ولا لأنه ضحى بمصلحته من أجل الآخرين، وإنما لأن الآخرين والمشترك جزء من تكوين الذات التي يسعى إلى تحقيقها.
فالإنسان الذي يريد مستقبلاً أفضل لنفسه يحتاج إلى مجتمع مستقر، ومؤسسات موثوقة، وعلاقات سليمة، وقواعد تحمي حقوقه، وبيئة تسمح له بالعمل والإبداع.
وبذلك لا يصبح المجتمع مجرد قيد على الفرد، بل يصبح أحد شروط نجاحه.
وإذا كان هناك تعارض دائم بين الفرد والمجتمع، فإن علينا أن نسأل: هل التعارض حقيقي أم أنه نتيجة لقصر النظر أو لسوء تصميم النظام الاجتماعي؟
فليس من المنطقي أن يكون الكيان الذي لا يستطيع الفرد أن يحقق ذاته إلا من خلاله عدواً تكوينياً له.

الأنانية ليست دائماً ذاتية حقيقية
ومن هنا يمكن التمييز بين «الذاتية» بالمعنى البنيوي وبين الأنانية قصيرة النظر.
الفرد الذي لا يرى إلا مصلحته الآنية قد يعتقد أنه يحمي ذاته، لكنه قد يكون في الواقع يدمر الشروط التي تجعل تحقيق ذاته ممكناً.
إن من يفسد المجتمع الذي يعيش فيه، ويقوض الثقة، ويدمر المؤسسات، ويعتدي على الآخرين، قد يحقق منفعة لحظية، لكنه يقتطع من البيئة التي يحتاج إليها هو نفسه.
ولهذا فالأنانية قصيرة النظر ليست ذاتية مكتملة، لأنها ترى «أنا» ولا ترى «هو» و«نحن»، مع أن «هو» و«نحن» موجودان في بنية «أنا» نفسها.
ومن هنا يمكن القول:
الذاتية الحقيقية لا تعني أن أرى نفسي وحدي، بل أن أفهم نفسي باعتبارها جزءاً من شبكة العلاقات التي تجعل وجودي ممكناً.

الخصوصية ليست عزلة
وهذا يقودنا إلى خطأ آخر شائع: الخلط بين الخصوصية والاستقلال عن الآخرين.
قد يظن البعض أن الإنسان لا يحافظ على خصوصيته إلا إذا ابتعد عن الآخرين، وكلما ازدادت علاقاته بهم فقد شيئاً من ذاته. لكن التاريخ الحضاري يقول شيئاً أكثر تعقيداً. قد تقل العزلة، بينما تزداد الخصوصية.
فالإنسان البدائي قد يكون أقل ارتباطاً بشبكة حضارية واسعة، لكنه يعيش في عالم محدود الخيارات، محدود المعرفة، محدود الأدوات، محدود أنماط الحياة.
أما الإنسان الحديث، فعلى الرغم من اعتماده الهائل على الآخرين، فإنه يمتلك خيارات لا حصر لها في العمل والمعرفة والفكر والموسيقى والملبس والسكن والعلاقات والمشروعات وأنماط الحياة.
إن اتساع العالم الاجتماعي قد يؤدي إلى اتساع مجال التفرد. وهنا تظهر إحدى مفارقات الحضارة:
كلما ازداد تفاعل الإنسان مع الآخرين، ازدادت إمكانات أن يكون مختلفاً عنهم.

الحضارة توسع «النحن» وتوسع «الأنا» في الوقت نفسه
من الأسرة إلى القبيلة، ومن القبيلة إلى القرية، ومن القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الدولة، ثم إلى المجتمع العالمي؛ اتسعت دائماً دوائر العلاقة الإنسانية. وفي كل انتقال كان هناك شيء من الخصوصية يقتطع لصالح مساحة أكبر من المشترك.
لكن حدث في الوقت نفسه شيء آخر: اتسعت الذات نفسها، وتضاعفت إمكانات التفرد داخلها.
فالحضارة تزيد مساحة «نحن»، ومعها تزيد أيضاً مساحة «أنا». كما يزيد مكون "نحن" داخل "أناً.
وهذه ليست مفارقة مستحيلة، بل نتيجة طبيعية لازدياد الخيارات.
فالمجتمع الغني بالعلاقات والمعارف والمنتجات والأفكار لا يفرض بالضرورة التشابه؛ بل قد يمنح الإنسان مواد أكثر لصناعة اختلافه.
لذلك فإن التقدم الحضاري ليس انتقالاً من الفرد إلى الجماعة، وإنما انتقال إلى بنية أكثر تعقيداً يستطيع فيها الفرد أن يكون أكثر فردية داخل شبكة أوسع من المشاركة.

لكن ليس كل اقتطاع من الخصوصية مشروعاً
هنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين تماماً من التنازل عن الخصوصية.
الأول: التنازل الذي يوسع الذات
قد يتنازل الفرد عن جزء من حريته المباشرة لكي يحصل على أمن أو نظام أو معرفة أو فرصة أكبر.
وقد تقبل الدولة بعض القيود على سيادتها المنفردة لكي تستفيد من التعاون الدولي.
وقد يقبل المواطن القانون لأنه يحد بعض خياراته الفردية، لكنه يوفر له في المقابل فضاءً أوسع للحياة.
هذا النوع من الاقتطاع من الخصوصية لا يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الذات، بل قد يؤدي إلى توسيعها.
إنه تنازل له مقابل.
أقتطع جزءاً من «أنا» لكي أشارك في «نحن» أكبر، ثم أعود فأحصل من هذا «النحن» على إمكانات جديدة لتطوير «أنا».
إنه نوع من التبادل الحضاري بين الخصوصية والمشترك.

النوع الثاني: فائض القمع
أما النوع الآخر فهو الاقتطاع الجبري المجاني من الخصوصية.
تفرض سلطة خارجية على الفرد أو الجماعة قيوداً لا لأنها ضرورية لبناء «نحن» مشترك، وإنما لأنها تخدم تضخم «أنا» السلطة نفسها. هنا لا يكون الاقتطاع ثمناً للحصول على منفعة مشتركة، بل يصبح وسيلة لتوسيع سلطة طرف على حساب الأطراف الأخرى.
وهذا ما يمكن تسميته: فائض القمع.
فليس كل قيد قمعاً. قد يحتاج المجتمع إلى قدر من القيود لكي يحافظ على وجوده.لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز القيود ما هو ضروري لتنظيم الحياة المشتركة، وتتحول إلى وسيلة لتضخيم سلطة الحاكم أو الجماعة المسيطرة. عندها لا يعود الأمر توسيعاً لـ«نحن»، وإنما يصبح تضخيماً لـ«أنا» على حساب «أنا» الآخرين.

من هنا نفهم معنى الديمقراطية
إذا أخذنا هذه الرؤية إلى نهايتها، فإن الديمقراطية لا تعني فقط أن يختار الناس حكامهم. إنها أيضاً مجموعة من الآليات التي تمنع «أنا» السلطة من ابتلاع «أنا» الفرد و«نحن» المجتمع.
ولهذا تصبح:
* الشفافية،
* تداول السلطة،
* استقلال المؤسسات،
* احترام الأقليات،
* حرية التعبير،
* حق الاحتجاج،
* النقد،
* المراجعة،
* الفصل بين السلطات،
ليست تفاصيل إجرائية، بل أدوات للحد من فائض القمع.
إن المجتمع الحر ليس المجتمع الذي يخلو من القيود، بل المجتمع الذي يمتلك آليات تمنع القيود الضرورية من التصخم المجاني، والتحول إلى أدوات للهيمنة.
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الديمقراطية باعتبارها محاولة تاريخية للوصول إلى:
أقل قدر ممكن من القمع الضروري، والمنع التام لفائض القمع.

الخصوصية والسلطة
وهنا تتضح العلاقة بين الخصوصية والسلطة.
السلطة لا تصبح خطرة لمجرد أنها قوية، وإنما تصبح خطرة عندما تتحول خصوصيتها المؤسسية إلى حق في ابتلاع خصوصيات الآخرين، أفراداً أو موسسات، سواء كانت حكومية أم أهلية.
الحاكم الذي يرى الدولة امتداداً لذاته يريد أن تصبح «أنا الدولة».
والجماعة التي ترى نفسها تجسيداً حصرياً للمجتمع تريد أن تصبح «أنا الأمة».
والأيديولوجيا التي ترى نفسها الحقيقة الوحيدة تريد أن تجعل «أنا» أفكارها مساوية لـ«نحن» جميع الناس.
وهنا تتحول الخصوصية إلى أداة لإلغاء الخصوصيات.
وهذا هو التناقض الأساسي في كل نظام شمولي:
جماعة تدّعي حماية «نحن» تنتهي إلى إلغاء «أنا» أفرادها.

الهوية: من الانتماء إلى الصنم
من هنا يمكن فهم النقد الموجه إلى مفهوم «الهوية».
فالهوية أدت أدواراً تاريخية إيجابية. فقد ساهمت في تكوين الجماعات، وتوحيد الناس، وبناء الأمم، وتحقيق قدر من التضامن في مراحل معينة.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الهوية من أداة تاريخية إلى حقيقة مقدسة ثابتة.
عندها يصبح السؤال: «من نحن؟» إجابة مغلقة لا تقبل التغيير. ويصبح الآخر تهديداً لمجرد أنه آخر. ويصبح الاختلاف خيانة. ويتحول التاريخ من مجال للتعلم والمراجعة إلى مستودع للأمجاد التي ينبغي تكرارها.
وهنا تتحول الهوية إلى ما يمكن تسميته:
صنماً من جليد: يبدو صلباً، لكنه مصنوع من الماضي، ويتوهم أصحابه أنه أبدي.
أما الخصوصية الحية فلا تحتاج إلى هذا الجمود.
فالخصوصية تستطيع أن تتغير دون أن تختفي.

الخصوصية الحقيقية ليست ما ورثناه فقط
إذا كانت خصوصيتي مجرد ما ورثته من أسلافي، فإنني لا أكون صانعاً لذاتي، وإنما حارساً لمتحف.
أما إذا كانت الخصوصية قدرة مستمرة على التميز والفعل والاختيار، فإنني أستطيع أن أستفيد من الماضي دون أن أكون أسيراً له.
وهنا تصبح الذات مشروعاً لا أثراً.
إنني لا أحافظ على «أنا» بتجميدها، بل أحافظ عليها بإبقائها قادرة على النمو.
ومن هنا يكون النقد الذاتي جزءاً من الخصوصية، لا عدواً لها.
فالذات التي لا تستطيع مراجعة نفسها ليست ذاتاً قوية، وإنما ذات متكلسة.
والذات التي تستطيع أن تتعلم من الآخر دون أن تفقد قدرتها على الاختيار تكون أكثر ثراءً، لا أقل خصوصية.

الاقتباس والتعلم من الآخر لا يعني فقدان الذات
ومن هنا أيضاً يستمد النقل عن الآخر والتأثر به شرعيتهما. فالذات تحتوي مساحة من «نحن»، ولذلك فإن التعلم من الآخر ليس خيانة للذات. المشكلة ليست في أن نأخذ من الآخرين، وإنما في كيفية الأخذ.
أنقل فكرة لأنني وجدتها نافعة، وأختبرها في واقعي، وأعدلها، وأرفض منها ما لا يصلح؛ هنا لا أكون قد فقدت ذاتي، بل أكون قد استخدمت قدرتي على الاختيار.
أما رفض كل ما يأتي من الخارج لمجرد أنه خارجي، فهو ليس حماية للخصوصية، بل خوف مرضي منها.
وفي المقابل، فإن استيراد كل شيء دون نقد ليس انفتاحاً، وإنما إلغاء للذات.
الموقف الصحي يقع بين الاثنين:
أن أتعلم من الآخر دون أن أصبح الآخر، وأن أطور ذاتي دون أن أحبسها داخل ذاتها.

العولمة والخصوصية
ولهذا فإن الخوف من العولمة باعتبارها مؤامرة للقضاء على الخصوصيات يحتاج إلى مراجعة.
لقد سبق أن خاف الإنسان على الأسرة عندما ظهرت القبيلة، وخاف على القبيلة عندما ظهرت الدولة، وخاف على الدولة عندما ظهرت الأمة الحديثة، وها هو يخاف اليوم على الدولة القومية أمام عالم تتسع فيه العلاقات العابرة للحدود.
لكن التاريخ لا يتوقف. كل توسع في دائرة العلاقات الإنسانية يفرض بعض التنازل عن الاستقلال السابق، لكنه يفتح في المقابل إمكانات جديدة. وليس المطلوب أن ننكر هذا الثمن. بل أن نسأل:
ما الذي ندفعه؟ وما الذي نحصل عليه؟ ومن الذي يستفيد من الثمن؟
فالتقدم له ثمن. لكن علينا أن نحرص ألا يتحول هذا الثمن إلى فائض قمع تستولي عليه قوى لا علاقة لها بالتقدم، وإنما تستخدم التغيير ذريعة لتضخيم «أنا» جديدة.

من «مركزية الكلمة» إلى «مركزية الفعل»
وهنا تلتقي فلسفة الخصوصية مع نقد أوسع لطريقة التفكير.
الفكر الذي يبدأ من الكلمة ثم يبحث عن الواقع لكي يطابقها قد يقع في أسر المفاهيم التي صنعها بنفسه.
فإذا بدأنا من تعريف ثابت للهوية، ثم حاولنا إجبار الناس والتاريخ والمجتمع على الانسجام معه، فإننا ننتقل بسهولة من الفكرة إلى الوصاية، ومن الوصاية إلى القمع.
أما الفكر الذي يبدأ من الواقع وعلاقاته المتغيرة، ويجعل العقل أداة لفهمها واختبارها والاستفادة منها، فإنه يترك الباب مفتوحاً للمراجعة والتطوير.
وهنا يمكن التمييز بين: مركزية الكلمة
ومركزية الفعل.
مركزية الكلمة تميل إلى تثبيت الواقع داخل المفاهيم.
أما مركزية الفعل فتنظر إلى الواقع باعتباره شيئاً قابلاً للفهم والتغيير والتطوير.
ومن ثم فإن الذات نفسها لا تصبح حقيقة مكتملة، بل مشروعاً متحركاً.

الذات بين الاختلاف والمشترك
في النهاية، لا ينبغي أن نختار بين «أنا» و«نحن».
فالاختيار نفسه خاطئ.
لا «أنا» بلا «هو».
ولا «ذات» بلا «أنا» و«هو» و«نحن».
ولا مجتمع بلا أفراد مختلفين.
ولا فرد قادر على تحقيق ذاته بلا مجتمع.
وهذا هو جوهر المسألة:
الخصوصية ليست نقيضاً للمشترك، والمشترك ليس نقيضاً للخصوصية؛ إنهما عنصران متلازمان في تكوين الذات الإنسانية.
المشكلة تبدأ عندما يبتلع أحدهما الآخر.
حين تبتلع «أنا» الآخرين تتحول إلى أنانية واستبداد.
وحين يبتلع «نحن» الأنا يتحول إلى شمولية.
أما حين يتفاعل «أنا» و«هو» و«نحن» في علاقة مفتوحة للنقد والمراجعة، فإننا نقترب من المجتمع الحر.

الخلاصة
يمكن تلخيص هذا التصور في مجموعة من المبادئ:
أولاً: الإنسان فرد فريد غير قابل للاستبدال، وخصوصيته ليست وهماً ينبغي إلغاؤه.
ثانياً: لا توجد «أنا» مستقلة عن «هو»؛ فالآخر شرط لتعريف الذات نفسها.
ثالثاً: الذات ليست التفرد وحده، وإنما التفرد والمشترك معاً: الذات = أنا/هو + نحن.
رابعاً: الإنسان لا يعيش في المجتمع رغم ذاته، بل يحقق ذاته من خلال علاقاته الاجتماعية.
خامساً: المصلحة الذاتية والمصلحة الاجتماعية ليستا بالضرورة خصمين؛ فالتعارض الدائم بينهما غالباً ما يكشف عن قصر نظر أو خلل في بنية النظام.
سادساً: الحضارة لا تؤدي بالضرورة إلى ذوبان الخصوصية؛ بل يمكن أن يؤدي اتساع العلاقات والخيارات إلى ازدهار التفرد.
سابعاً: ليس كل اقتطاع من الخصوصية قمعاً؛ فالقيود التي توسع إمكانات الحياة المشتركة قد تكون ثمناً ضرورياً للتقدم.
ثامناً: القمع يبدأ حين يصبح الاقتطاع من خصوصية طرف وسيلة لتضخيم «أنا» طرف آخر، دون مقابل عادل. وهذا هو «فائض القمع».
تاسعاً: الديمقراطية، في أحد أعمق معانيها، هي منظومة للحد من قدرة السلطة على إنتاج فائض القمع.
عاشراً: الهوية تصبح خطرة حين تتحول من أداة للانتماء إلى جوهر مقدس مغلق، يطالب الحاضر بالخضوع للماضي ويجعل الاختلاف تهديداً.
حادي عشر: الخصوصية الحقيقية ليست تحنيط الذات، وإنما قدرتها على التطور والنقد والمراجعة والتعلم.
ثاني عشر: التأثر بالآخر لا يعني فقدان الذات، كما أن الانغلاق عن الآخر لا يعني حماية الذات.
ومن ثم يمكن اختصار الفكرة كلها في عبارة واحدة:

لكي أحافظ على «أناي» لا ينبغي أن أعادي «هو»، ولكي أحافظ على «نحن» لا ينبغي أن أسمح له بابتلاع «أنا». فالذات الحرة لا تقوم على العزلة ولا على الذوبان، وإنما على التفاعل الخلاق بين التفرد والمشاركة.
ولهذا فإن السؤال الحضاري الحقيقي ليس:
كيف نحمي هويتنا من الآخرين؟
بل: كيف نبني ذاتاً قادرة على التفاعل مع الآخرين دون أن تفقد قدرتها على أن تكون ذاتاً؟
فالحضارة التي تحقق ذلك لا تحتاج إلى قتل الخصوصية باسم الجماعة، ولا إلى قتل الجماعة باسم الفرد. إنها توسع الاثنين معاً: توسع دائرة «نحن»، وفي داخلها تفتح للفرد مجالاً أوسع ليصبح «أنا».
وهنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في مسيرة الإنسان:
كلما اتسعت علاقاته بالعالم، لم يكن بالضرورة أقل خصوصية؛ بل ربما أصبح، للمرة الأولى، قادراً على أن يكون نفسه حقاً.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
- ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
- من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
- الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
- الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
- فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
- حرية الفكر وتكلفة الانتماء
- ربع قرن من الكتابة
- العلمانية تسبق الديمقراطية
- هويتنا التي لم نكنها بعد
- الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
- أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
- من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما ...
- بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
- الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
- الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
- من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
- الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
- ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
- ثلاثية الإله والروح والخلود


المزيد.....




- روبيو يحث روسيا على كشف مزيد من التفاصيل بشأن وفاة غامضة لمو ...
- أمير قطر يلتقي وزير الداخلية الإيراني.. وهذا ما بحثاه
- انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسا لمجلس النواب الليبي ...
- الذكاء الاصطناعي لإدارة الأجهزة المنزلية
- لماذا أثار قرار السعودية بتصحيح أوضاع اليمنيين في البلاد تفا ...
- الحوثيون ينفون خسارة -مكتسباتهم الميدانية-.. والقوات الحكومي ...
- إسرائيل ترفع حالة التأهب إلى أقصى درجة عشية ذكرى 7 أكتوبر.. ...
- -الأجواء السعودية أصبحت مسرحًا لعملياتنا-.. الحوثيون يعلنون ...
- -دعوهم يدمرون لوس أنجلوس وسان دييغو-.. تصريح صادم لترامب عن ...
- تطورات جديدة في مفاوضات واشنطن وطهران.. -الاتصالات لم تنقطع- ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر