أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كمال غبريال - ربع قرن من الكتابة















المزيد.....



ربع قرن من الكتابة


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 00:48
المحور: سيرة ذاتية
    


ChatGPT Academic research بدون تصرف
الإنسان والطبيعة والوعي والعقل والحرية وصناعة المعنى ونقد السلطة

ملخص
تبحث هذه الدراسة في البنية الفلسفية الكامنة في المشروع الفكري لكمال غبريال. وتنطلق الدراسة من فرضية أن كثرة موضوعات غبريال — من المادية والعلم والتطور والوعي، إلى الدين والعلمانية واللغة والشفاهية والثقافة والسلطة والتخلف والحضارة والحرية — لا تعني بالضرورة تشتت مشروعه، بل يمكن أن تكون حلقات مختلفة حول سؤال مركزي واحد:
كيف يصبح الإنسان كائنًا فاعلًا داخل كون طبيعي لا يقدم له بالضرورة غاية جاهزة، وكيف يستطيع أن ينتقل من تلقي العالم ومعناه إلى فهمه وإعادة تشكيله.
وتكشف قراءة النصوص القديمة والوسيطة والحديثة أن هذا السؤال لا يظهر بالدرجة نفسها في كل المراحل، لكنه يتبلور تدريجيًا.
في نصوص مبكرة مثل «العلمانية وسقوط الأيديولوجيا» (2006)، يربط غبريال العلمانية بتحرير الإنسان من المرجعية الدينية الثابتة لكي «يصنع هو مصيره بيديه»، مستعينًا بالعقل والإبداع والعلم.
وفي «سفر التكوين» (2016) يقرر بوضوح أن العقل ليس جوهرًا مستقلًا عن المادة، وأن الوعي نتاج تطور المخ والجهاز العصبي، وأن العلم لا يخلق من العدم بل يكتشف علاقات المادة ويوظفها.
وفي «القدرات الحضارية للعقل والشخصية» (2017) يربط تفوق الإنسان المعرفي بقدرة الدماغ على تخزين الخبرة واستخلاص العلاقات والقوانين منها.
وفي «ديناميكا التطور» (2018) ينظر إلى التطور الحضاري بوصفه نتيجة لتفاعل تغير السكان والحاجات والتكنولوجيا والنظم الاجتماعية والابتكار.
وفي «اللاجدوى والثورة» (2019) ينقل مركز تفسير التغيير من الحكام وحدهم إلى ثقافة المجتمع وسلوكه وقيمه، ويجعل التحول نحو الحرية مسؤولية أفراد المجتمع أنفسهم.
وفي «الإنسان وصناعة الآلهة» (2021) يفسر تاريخ الآلهة باعتباره مرتبطًا بتاريخ تطور الوعي الإنساني ومحاولة الإنسان المبكرة التعامل مع الطبيعة ومخاوفها.
وفي «من العقلية الشفاهية إلى الكتابية» (2022) يجعل تطور بنية التفكير نفسها جزءًا من مسيرة الحرية والحداثة.
ثم تبلغ هذه الخيوط درجة أعلى من الوضوح في كتاباته خلال 2026: «الفلسفة الطبيعية»، و«شجرة الوعي»، و«الدماغ البشري»، و«أزمة الشفاهية وبنية الوعي اللغوي»، و«مأساة عقل العقل العربي»، و«العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف»، وأخيرًا «بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود».
وعلى هذا الأساس تقترح الدراسة أن مفهوم "الفاعلية الإنسانية" يصلح ليكون مفتاحًا تأويليًا قويًا لفهم قدر كبير من مشروع غبريال، مع التأكيد أن هذا المصطلح إعادة بناء تحليلية وليس بالضرورة اسمًا أطلقه غبريال على مذهبه.

أولًا: مشكلة البحث
يبدو مشروع كمال غبريال، للوهلة الأولى، شديد الاتساع والتشعب.
فهو يكتب في:
المادية.
التطور.
الدماغ.
الوعي.
الدين.
الأسطورة.
الميتافيزيقا.
العلمانية.
اللغة.
الشفاهية.
العقل.
الثقة بالنفس.
الحضارة.
السياسة.
السلطة.
المجتمع.
الثقافة.
التخلف.
الحرية.
الإنسان.
المعنى.
وقد يبدو أن هذه موضوعات متجاورة أكثر مما هي أجزاء من فلسفة واحدة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل توجد خلف هذا التنوع بنية فكرية مشتركة؟
وإذا كانت موجودة:
ما المفهوم الذي يستطيع أن يجمعها دون أن يفرض عليها وحدة مصطنعة؟
تقترح هذه الدراسة أن المفهوم الأقرب إلى أداء هذه الوظيفة هو:
"الفاعلية الإنسانية"

ثانيًا: تنبيه منهجي ضروري
لا تدعي هذه الدراسة أنها قرأت أكثر من ألفي مقال لغبريال قراءة حرفية كاملة؛ فهذا يحتاج إلى corpus رقمي كامل وقابل للمعالجة، مع فهرسة كل النصوص وتصنيفها زمنيًا وموضوعيًا.
لكنها توسع corpus المدروس بصورة كبيرة، بحيث يشمل نصوصًا تمتد من 2006 إلى 2026، ومن موضوعات فلسفية وعلمية وثقافية ودينية وسياسية وأدبية.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن الهدف ليس إثبات أن كل نص من نصوص غبريال يؤكد الأطروحة، بل اختبار ما إذا كانت الأطروحة تستمر عندما ننتقل من نص إلى آخر ومن مرحلة زمنية إلى أخرى.
وهناك ثلاث درجات ينبغي الفصل بينها:
1. ما يقوله غبريال صراحة
مثل قوله في «العلمانية وسقوط الأيديولوجيا» إن الإنسان ينبغي أن يصنع مصيره بيديه، مستخدمًا عقله وإبداعه وعلمه.
2. ما يتكرر عبر مجموعة نصوص
مثل: العقل، العلم، التطور، الاستقلال، الإبداع، النقد، الاختيار، التغيير.
3. ما يعيد الباحث تركيبه
وهو مفهوم: "الفاعلية الإنسانية".
إذن لا ينبغي أن نكتب:
«وضع كمال غبريال نظرية الفاعلية الإنسانية.»
بل:
«يمكن إعادة بناء جانب مركزي من مشروع كمال غبريال من خلال مفهوم الفاعلية الإنسانية.»
وهذا أكثر دقة.

ثالثًا: corpus موسع — ماذا تكشف القراءة عبر الزمن؟
يمكن تقسيم المادة التي ظهرت في البحث إلى خمس مراحل تقريبية.
المرحلة الأولى: العلمانية والتحرر من المرجعية
2006 وما حولها
من أبرز النصوص:
«العِلمانية تلك النافذة المغلقة» (2006)
«العلمانية وسقوط الأيديولوجيا» (2006)
وفي «العلمانية وسقوط الأيديولوجيا» تظهر مبكرًا فكرة شديدة الأهمية:
العلمانية، في تصوره، تعني انتزاع الإنسان من التبعية لمرجعيات نصية ثابتة، لكي يصنع مصيره بيديه، مستعينًا بالعقل والإبداع والعلم.
وهذا النص مهم جدًا بالنسبة إلى أطروحتنا، لأنه يسبق بسنوات كثيرة النصوص التي سنستند إليها لاحقًا.
أي أن فكرة:
تحرير الإنسان ⬅ العقل ⬅ الإبداع ⬅ صناعة المصير
ليست فكرة طارئة في كتاباته الأخيرة.

رابعًا: من العلمانية إلى الفاعلية
في النص المبكر يظهر الهيكل التالي:
مرجعية ثابتة ⬅ تبعية ⬅ إعاقة التطور
في المقابل: ⬅ العقل ⬅ العلم ⬅ الإبداع ⬅ صناعة المصير
وهذا هو أول ظهور واضح لما يمكن تسميته لاحقًا:
بنية الفاعلية الإنسانية.

خامسًا: المادة والعقل
تأتي أهمية «سفر التكوين» (2016) من أنها تنقل المشروع إلى مستوى أنطولوجي أكثر عمقًا.
في هذا النص يقول غبريال إن «العقل المحض» لا وجود له مستقلًا عن المادة، وإن ما نسميه العقل والوعي نتاج لتطور المخ والجهاز العصبي، وإن العلم لا يبتكر الأشياء من العدم بل يكتشف أسرار المادة ويوظف علاقاتها.
هذه العبارة تغير كثيرًا من طبيعة المشروع.
فالإنسان ليس: عقلًا مفارقًا للمادة.
بل: مادة أصبحت قادرة على الوعي بنفسها وبالعالم.
وهذا يضع أساسًا طبيعيًا لفلسفته.

سادسًا: الإنسان ليس خارج الطبيعة
إذا كان العقل نفسه نتاجًا لتطور المادة، فإن الإنسان لا يقف خارج الطبيعة كي يحكم عليها من الخارج. بل هو جزء منها. لكن هذا الجزء أصبح قادرًا على بناء نموذج معرفي للعالم.
وهنا تظهر مفارقة فلسفية شديدة الأهمية:
الطبيعة أنتجت كائنًا يستطيع أن يفكر في الطبيعة.
وهذا هو الجسر بين المادية والوعي.

سابعًا: الدماغ بدل «العقل المفارق»
هذه الفكرة تتكرر وتصبح أكثر وضوحًا في «القدرات الحضارية للعقل والشخصية» (2017)، حيث يربط غبريال تميز الإنسان بقدرات المخ على تخزين المعلومات المستقاة من التجربة واستخلاص العلاقات والقوانين منها.
ثم تعود الفكرة في «الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات» (2026)، حيث يصف الدماغ باعتباره الجهاز البيولوجي الذي تتم من خلاله عمليات الإدراك والذاكرة والتعلم والتخطيط واتخاذ القرار، ويربط ما نسميه الشخصية والدافعية والوعي بفعالية الدماغ والجسد.
وبذلك لا يعود مفهوم العقل منفصلًا عن نظرية الإنسان الطبيعية.

ثامنًا: من المادة إلى الوعي
في النصوص الأحدث تصبح السلسلة أكثر وضوحًا:
المادة ⬅ التعقيد والتنظيم ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ العقل ⬅ المعرفة ⬅ الاختيار ⬅ الفعل
وهذه ليست مجرد إعادة بناء من الباحث.
ففي «الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل» يكتب غبريال أن الكون المادي أنتج كائنًا قادرًا على بناء صورة معرفية عن الكون المادي الذي أنتجه، ويتساءل كيف انتقلت الطبيعة من البنى الفيزيائية إلى المادة المعقدة والحياة والوعي والعقل والمعرفة.
وهذا النص يمثل نقطة مفصلية في الدراسة.

تاسعًا: الفلسفة الطبيعية — قلب المشروع الأنطولوجي
في «الفلسفة الطبيعية» لا تعود الطبيعة مجرد «مادة صماء».
بل تظهر كمنظومة ديناميكية تنتج:
البنى.
التنظيم.
التعقيد.
التحول.
الحياة.
الوعي.
العقل.
ومن هنا يمكن صياغة المبدأ:
لا يحتاج تفسير الإنسان إلى إخراجه من الطبيعة؛ بل يحتاج إلى تفسير كيف أنتجت الطبيعة كائنًا قادرًا على الفهم.
وهذا يضع مشروع غبريال بعيدًا عن الثنائية التقليدية:
المادة / الروح.
ويضعه في اتجاه:
المادة ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ العقل.

عاشرًا: «شجرة الوعي» — الإنسان فرع واعٍ من شجرة الحياة
في «شجرة الوعي» يرفض غبريال النظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا منفصلًا تمامًا عن الحيوانات.
ويؤكد أن الإنسان والقردة العليا فروع مختلفة لشجرة تطورية مشتركة، وأن خصوصية الإنسان ليست أنه خارج هذه الشجرة، بل أنه فرع منها أصبح واعيًا بأنه جزء منها.
فإذا كان الإنسان فرعًا من شجرة الحياة، فإن وعيه لا يمنحه حقًا ميتافيزيقيًا في السيطرة على الكون، لكنه يمنحه قدرة فريدة على معرفة موقعه داخل الطبيعة والتفكير في مستقبلها.

الحادي عشر: من التطور البيولوجي إلى التطور الحضاري
في «ديناميكا التطور» (2018) ينتقل غبريال من التطور الطبيعي إلى التطور الاجتماعي والحضاري.
يربط تطور المجتمعات بتكاثر البشر، واتساع الجماعات، وتزايد الاحتياجات، وظهور الزراعة وتدجين الحيوانات واستخدام النار وصناعة الأدوات ثم ظهور النظم والقوانين والتكنولوجيا.
المهم هنا: الحاجة تنتج المشكلة.
والمشكلة تستدعي: ابتكارًا.
والابتكار يؤدي إلى: تشكيل جديد للواقع.
وبذلك تصبح الحضارة امتدادًا لقدرة الإنسان على تحويل الظروف إلى إمكانات.

الثاني عشر: الحضارة بوصفها فعلًا إنسانيًا
هذه الفكرة تعني أن الحضارة ليست شيئًا ينزل على الإنسان من الخارج.
إنها تراكم:
خبرات.
حلول.
مؤسسات.
أدوات.
قوانين.
معرفة.
أي أن الحضارة نفسها يمكن قراءتها باعتبارها أثرًا متراكمًا لقدرة الإنسان على الاستجابة للمشكلات وتعديل شروط حياته.

الثالث عشر: من «اللاجدوى» إلى مسؤولية الفعل
في «اللاجدوى والثورة» (2019) ينتقل غبريال إلى السياسة والمجتمع.
لكنه لا يضع المشكلة كلها في الحاكم، بل يرى أن المشكلة تكمن أيضًا في ثقافة المجتمع وسلوكياته وقيمه. فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى تحول في الناس أنفسهم، ولا يمكن المطالبة بواقع جديد مع الاحتفاظ بالبنية الذهنية التي أنتجت الواقع القديم.
وهذا يعيد السياسة إلى الأنثروبولوجيا والثقافة.

الرابع عشر: السلطة لا تبدأ من القمة
هذه الفكرة تتطور في «القاعدة أم القمة»، حيث ينظر غبريال إلى العلاقة بين القاعدة والنخبة باعتبارها علاقة متبادلة؛ فالقاعدة تنتج القمة، ثم تعود القمة لتعيد تشكيل القاعدة.
والأهمية الفلسفية لهذا التصور أن السلطة لا تصبح مجرد شخص أو مؤسسة، بل نظام إعادة إنتاج.
وهذا يقرب غبريال من بعض أسئلة فوكو، وإن ظل مختلفًا عنه في المنهج والنتائج.

الخامس عشر: غبريال وفوكو
يمكن الآن صياغة المقارنة بصورة أكثر دقة.
فوكو يسأل:
كيف تعمل السلطة من خلال المؤسسات والخطابات والمعرفة؟
أما غبريال فيضيف سؤالًا مختلفًا:
لماذا يقبل الإنسان بعض أشكال السلطة ويعيد إنتاجها داخل الثقافة والسلوك؟
وبالتالي:
فوكو يدرس تشكل الذات داخل علاقات السلطة.
بينما يمكن قراءة غبريال باعتباره يهتم أكثر باستعادة الذات لقدرتها على النقد والفعل.
لكن هناك فرق مهم:
فوكو لا يقدم ببساطة «نظرية تحرير» تقوم على إطلاق العقل من القيود؛ فهو أكثر تشككًا في فكرة وجود ذات مستقلة تمامًا عن علاقات السلطة.
أما غبريال فيمنح العقل والعلم والاستقلال الفردي مكانًا أكثر مركزية.

السادس عشر: الشفاهية ليست مجرد قضية لغوية
في «من العقلية الشفاهية إلى الكتابية» ثم «أزمة الشفاهية وبنية الوعي اللغوي»، يصبح واضحًا أن غبريال يرى مشكلة الثقافة في طريقة إنتاج المعرفة وتلقيها.
فهو يصف العقلية الشفاهية بأنها تعتمد بدرجة كبيرة على التلقي والتكرار، بينما ترتبط الثقافة الكتابية بالتثبيت والمراجعة والتفكيك.
وهذا يعني أن طريقة إنتاج المعرفة تؤثر في نوع العقل الذي يستخدمها.

السابع عشر: المعرفة تحتاج إلى مسافة
الكلمة المسموعة تمر، أما الكلمة المكتوبة فتظل قابلة للعودة إليها. ومن ثم يمكن مراجعتها ومقارنتها وتفكيكها وكشف تناقضاتها واختبار حججها.
ولهذا تصبح الكتابية، في تصور غبريال، مرتبطة بنوع من المسافة النقدية التي تسمح بتحويل المعرفة من مادة للتلقي إلى موضوع للفحص.

الثامن عشر: «مأساة عقل العقل العربي»
في «مأساة عَقْل العَقْل العربي» (2026) يصبح نقد العقل أكثر صراحة.
يقول غبريال إن المشكلة ليست في قدرة العقل بوصفه عضوًا بيولوجيًا، وإنما في الوظيفة التي جرى توجيهه إليها، وينتقد تحوله إلى أداة لتبرير القديم والموروث. ثم يدعو إلى انتقال العقل من التبرير إلى الإنتاج والابتكار، ومن الخضوع للماضي إلى صناعة المستقبل.
وهنا يتضح أن العقل ليس فاعلًا بالضرورة؛ فقد يتحول إلى أداة للخضوع.
لذلك لا يكفي السؤال: هل يمتلك الإنسان عقلًا؟ بل ينبغي أن نسأل: ماذا يفعل بعقله؟

التاسع عشر: من العقل التبريري إلى العقل الإنتاجي
يمكن تمثيل الفرق:
العقل التبريري
الموروث ⬅ العقل ⬅ التبرير ⬅ استمرار الموروث
العقل الفاعل
الواقع ⬅ السؤال ⬅ التحليل ⬅ النقد ⬅ المعرفة ⬅ الابتكار
ومن هنا تصبح العقلانية عند غبريال طريقة في استخدام القدرة العقلية لإنتاج معرفة جديدة، لا مجرد القدرة على الاستدلال.

العشرون: العقل ليس محايدًا تمامًا
في «العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف» يرفض غبريال تصور العقل باعتباره آلة محايدة تعمل في فراغ، ويشير إلى تأثير الوجدان والبيئة والتنشئة والانحيازات الإدراكية والمصالح.
وهذه إضافة مهمة إلى مشروعه؛ فالعقل الذي يبدو أداة للتحرر يصبح نفسه موضوعًا للنقد. لذلك لا يكفي أن نقول للإنسان: استخدم عقلك، بل يجب أن نسأل كيف تشكل هذا العقل، وبأي انحيازات، ولصالح أي مصالح.

الحادي والعشرون: الموروث بوصفه برنامجًا مبكرًا
في «سيكولوچية جمع المعقول والموروث» يناقش غبريال حالة الإنسان المتعلم الذي يستخدم العلم في مجال، لكنه يحتفظ بمعتقدات موروثة لا يخضعها للمعايير نفسها، ويستعمل مفهوم «الانقسام الوظيفي للعقل» و«البرمجة الأولى» لتفسير هذه الظاهرة.
وهنا لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة فقط، بل في التناقض بين المعرفة وآليات الانتماء والهوية.
لذلك يحتاج التحرر المعرفي إلى شجاعة نفسية، لا إلى معلومات فقط.

الثاني والعشرون: الثقة بالنفس والاستقلال العقلي
إذا كان الإنسان يخاف أن يخطئ أو يختلف أو يخسر جماعته، فقد يمتلك المعرفة لكنه لا يستخدمها.
ومن ثم يمكن فهم الثقة بالنفس بوصفها شرطًا نفسيًا للاستقلال العقلي، لا بوصفها موضوعًا منفصلًا عن مشروع غبريال.

الثالث والعشرون: العلمانية كاستقلال للإنسان
العلمانية عند غبريال ليست فقط فصل مؤسسة دينية عن الدولة.
في «العلمانية وسقوط الأيديولوجيا» تظهر كتحرير الإنسان من مرجعية ثابتة لكي يصنع مصيره بيده مستخدمًا العقل والإبداع والعلم.
إذن العلمانية تقع داخل البنية الأوسع:
المرجعية المطلقة ⬅ الوصاية
مقابل:
العقل + العلم + الخبرة ⬅ الاستقلال.

الرابع والعشرون: الدين والأسطورة وصناعة المعنى
في «الإنسان وصناعة الآلهة» (2021) يرى غبريال تاريخ الآلهة بوصفه مرتبطًا بتطور الوعي الإنساني، ومحاولة الإنسان المبكر التعامل مع الطبيعة ومخاوفها عبر تصور قوى عليا.
وتعود هذه الفكرة في نصوص 2026، مثل:
«الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية»
«ثلاثية الإله والروح والخلود»
«من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان»
«تجسد الآلهة في عقائد الشعوب»
«اللاهوت بين الأمومية والأبوية».
والمشترك بينها هو السؤال: كيف حاول الإنسان أن يجعل الكون مفهومًا قبل أن يمتلك أدوات العلم الحديث؟
وهذا يجعل الأسطورة جزءًا من تاريخ الوعي، لا مجرد خطأ معرفي عابر.

الخامس والعشرون: الأسطورة والعلم
واجه الإنسان الموت والمرض والعواصف والزلازل والظواهر الفلكية والمجهول، ثم بحث عن تفسير. وعندما لم تكن لديه أدوات علمية، صنع تفسيرًا أسطوريًا.
فالأسطورة تجعل المجهول قابلًا للسرد، بينما يجعل العلم المجهول قابلًا للاختبار. وهكذا ينتقل الإنسان من المعنى المتخيل إلى المعرفة القابلة للفحص.

السادس والعشرون: «هل هدمت الفيزيقا هياكل الميتافيزيقا؟»
في هذا النص يربط غبريال بين تقدم الفيزياء الحديثة وبين تقلص مساحة التفسير الميتافيزيقي لبعض الظواهر التي كانت الأسطورة أو الفلسفة التأملية تفسرها سابقًا.
وبغض النظر عن تقييم بعض صياغاته العلمية، فإن المبدأ المعرفي واضح:
كلما اتسعت قدرة الإنسان على تفسير الظواهر من داخل الطبيعة، تراجعت حاجته إلى تفسيرها بقوى فوق طبيعية.

السابع والعشرون: من المجهول إلى القدرة على الفعل
يمكن صياغة مسار معرفي متكرر في كتاباته:
المجهول ⬅ الخوف ⬅ الأسطورة ⬅ التفسير ⬅ الملاحظة ⬅ العلم ⬅ المعرفة ⬅ القدرة على الفعل
فالعلم ليس عنده مجرد تراكم معرفي، بل توسيع لمجال ما يستطيع الإنسان فهمه والتعامل معه.

الثامن والعشرون: «بين الانتظام والعشوائية» — لحظة اكتمال الأطروحة
يمثل النص «بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود» نقطة مهمة بالنسبة إلى هذه الدراسة.
فهو يصوغ تسلسلًا واضحًا:
الوجود ⬅ الصيرورة ⬅ البنى ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ السؤال ⬅ الإمكان.
ثم يضيف أن الإنسان يحول بعض الإمكانات إلى اختيارات، وأن الاختيارات تنتج قيمًا وآثارًا، ومن هنا يظهر المعنى.
وهذه ليست مجرد قراءة من الباحث، بل صياغة مباشرة من غبريال نفسه.

التاسع والعشرون: المعنى بوصفه علاقة
لا يكتشف الإنسان معنى جاهزًا في الكون، ولا يخترعه من العدم. بل ينشئه داخل علاقة بين ما وجده وما يستطيع أن يصنعه.
فالإنسان لا يبدأ من الصفر، بل يرث الطبيعة والجسد واللغة والتاريخ والمجتمع والمعرفة والظروف، ثم يعيد تنظيم علاقته بها.
ومن هنا يمكن تعريف المعنى بوصفه نتيجة تفاعل بين الواقع والإمكان والاختيار والأثر.

الثلاثون: الحرية الواقعية
في «بين الانتظام والعشوائية» يرفض غبريال الحرية المطلقة؛ فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ من الصفر، ويحمل اللغة والجسد والتاريخ والذاكرة.
لذلك فالحرية ليست التحرر من كل الشروط، بل القدرة على إعادة تشكيل العلاقة معها.
الحرية ليست غياب الشروط؛ الحرية هي القدرة على إعادة تشكيل علاقتنا بالشروط.
وهذا يجعل الفاعلية أكثر واقعية وأقل رومانسية.

الحادي والثلاثون: مقارنة مع سارتر
هناك تقاطع واضح مع المشكلة الوجودية:
الإنسان لا يعيش وفق معنى مفروض عليه بالضرورة.
الإنسان يختار.
الإنسان مسؤول عن اختياراته.
الواقع ليس مغلقًا.
لكن غبريال يختلف عن سارتر في نقطة البداية.
سارتر ينطلق من مشكلة الوجود الإنساني والوعي والحرية.
غبريال ينطلق من:
الطبيعة ⬅ المادة ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ الإنسان.
ثم يصل إلى الحرية والاختيار.
ولهذا فإن وصف غبريال بأنه «وجودي» ينبغي أن يبقى وصفًا جزئيًا. الأدق أن مشروعه يحتوي على عناصر وجودية داخل فلسفة طبيعية مادية عقلانية.

الثاني والثلاثون: مقارنة مع سبينوزا
في «إله سبينوزا الصخري الذي خذل البشر» يناقش غبريال العلاقة بين الطبيعة والضرورة والحرية، ويعرض تصور سبينوزا للحرية باعتبارها فهمًا للضرورة، وللإنسان بوصفه كائنًا قد يكون «منفعلًا» أو «فاعلًا».
وهذا يضع مفهوم الفاعل عند غبريال ضمن تاريخ فلسفي أوسع، من دون أن يجعله سبينوزيًا. فسبينوزا يوفر مقارنة مهمة لمسألة: كيف تكون حرًا وأنت جزء من الطبيعة؟

الثالث والثلاثون: مقارنة مع نيتشه
تظهر إشارات نيتشوية في كتابات غبريال، خصوصًا في نص «لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه»، وكذلك في التمييز بين الإنسان الذي يكرر ما ورثه والإنسان القادر على الخلق والتجاوز.
لكن نيتشه يضع خلق القيم في قلب مشروعه الفلسفي، بينما يربطه غبريال بصورة أقوى بالمعرفة والعلم والواقع المادي والتطور.

الرابع والثلاثون: مقارنة مع ماركس
«المادية اللاماركسية» مهمة في فهم موقف غبريال؛ فهو يريد مادية لا تنتهي إلى حتمية تاريخية مغلقة.
المادة ليست قدرًا تاريخيًا جاهزًا، بل مجال إمكانات يعمل الإنسان داخله. وهذا يسمح بإدخال الإبداع والفعل الإنساني دون التخلي عن المادية.

الخامس والثلاثون: مقارنة مع فوكو
فوكو يفكك:
السلطة ⬅ المعرفة ⬅ الخطاب ⬅ تشكيل الذات.
أما غبريال فيركز بدرجة أكبر على:
المعرفة ⬅ العقل ⬅ الاستقلال ⬅ الفاعلية.
لكن اعترافه بأن العقل نفسه يتشكل بالموروث والانحياز والبيئة يجعل المقارنة أكثر تعقيدًا. فالذات لا تبدأ من فراغ، مع احتفاظ غبريال بإيمان أقوى بإمكانية مراجعة الذات وإعادة توجيه العقل.

السادس والثلاثون: الحضارة بين التكرار والخلق
من النصوص الأحدث يمكن استخلاص ثنائية:
التكرار
إعادة إنتاج:
الموروث.
العادات.
الخوف.
السلطة.
الأيديولوجيا.
الخلق
إنتاج:
معرفة.
حلول.
مؤسسات.
قيم.
أشكال جديدة من الحياة.
وهذا يربط البيولوجيا بالثقافة والسياسة. فالانتظام الذي يحفظ الحياة ليس بالضرورة هو نفسه التكرار الثقافي؛ فقد يصبح التكرار قاتلًا عندما يمنع التكيف.

السابع والثلاثون: «الشخصية» ليست قدرًا ثابتًا
في «الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية» (2026) يرفض غبريال اختزال الشخصية في جوهر بيولوجي ثابت، ويؤكد أهمية التفاعل بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والدين والأسرة والتعليم وأنماط السلطة. كما يحذر من تحويل أي تفسير جزئي إلى تفسير شامل.
فبدل القول إن الناس هكذا بطبيعتهم، يصبح السؤال: كيف أنتجت الظروف والمؤسسات أنماطًا سلوكية يعاد إنتاجها؟

الثامن والثلاثون: من «طبيعة الإنسان» إلى «إعادة إنتاج الإنسان»
فالإنسان ليس مجرد ضحية لطبيعته، ولا صانعًا حرًا لنفسه بصورة مطلقة، بل نتاج تفاعل بين:
البيولوجيا + البيئة + الثقافة + المؤسسة + الخبرة + الاختيار.
وهذه صيغة أكثر تعقيدًا من الثنائية البسيطة بين الطبيعة والثقافة.

التاسع والثلاثون: السلطة والثقافة — دائرة التغذية الراجعة
يمكن إعادة بناء النموذج السياسي والثقافي على النحو الآتي:
الظروف التاريخية ⬅ المؤسسات ⬅ السلوك التكيفي ⬅ العادات الثقافية ⬅ الشخصية الاجتماعية ⬅ إعادة إنتاج المؤسسات
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا يكتفي غبريال بتغيير الحاكم؛ فإذا بقيت آلية إنتاج الإنسان نفسها، فقد يعاد إنتاج النظام بأشكال مختلفة.

الأربعون: الحرية ليست ثورة فقط
الثورة السياسية قد تغير الحاكم، لكنها لا تغير بالضرورة الإنسان الذي ينتج النظام.
ولهذا تصبح الثورة الأعمق ثورة في طريقة التفكير، تلتقي فيها الثورة والعلمانية والتعليم واللغة والثقة بالنفس والعلم والنقد.

الحادي والأربعون: الإنسان الفاعل — المفهوم الجامع
يمكن تعريف الإنسان الفاعل عند غبريال على النحو الآتي:
هو الإنسان الذي لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها قدرًا ميتافيزيقيًا، ولا مع الموروث بوصفه حقيقة نهائية، ولا مع السلطة بوصفها قدرًا اجتماعيًا، ولا مع أفكاره بوصفها معصومة من الخطأ؛ بل يستخدم المعرفة والنقد والتجربة والاختيار لإعادة تشكيل علاقته بشروط وجوده.
وهذا التعريف يجمع المادية والعقلانية والحرية والإبداع والنقد الثقافي والفاعلية السياسية في إطار واحد.

الثاني والأربعون: من المصادفة إلى المعنى
يمكن إعادة بناء أطروحة البحث في مسار واحد:
1. الوجود: هناك واقع طبيعي.
2. الصيرورة: الواقع ليس ساكنًا، بل يتغير وينتج بنى جديدة.
3. الحياة: تظهر من تاريخ طويل من التنظيم والتفاعل.
4. الوعي: يظهر داخل الحياة.
5. السؤال: مع الوعي يصبح العالم موضوعًا للفهم.
6. المعرفة: يحاول الإنسان اكتشاف العلاقات والقوانين.
7. الإمكان: تكشف المعرفة ما يمكن فعله.
8. الاختيار: يختار الإنسان بعض الإمكانات.
9. الفعل: يحول بعضها إلى واقع.
10. القيمة والمعنى
تنشأ القيمة والمعنى من العلاقة بين ما وجده الإنسان وما استطاع أن يفعله به.

الثالث والأربعون: هل غبريال فيلسوف وجودي؟
الإجابة الأكاديمية الأدق:
جزئيًا من حيث الأسئلة، لا بالضرورة من حيث الانتماء المدرسي.
فهو يناقش معنى الوجود والموت والحرية والاختيار والقلق والإنسان وإمكانية تجاوز الواقع، لكن بنيته الأساسية طبيعية ومادية وتطورية.
لذلك يمكن القول:
إن مشروع غبريال يحتوي على عناصر وجودية داخل فلسفة طبيعية مادية عقلانية.

الرابع والأربعون: هل غبريال مادي؟
النصوص تجعل الإجابة أكثر وضوحًا.
نعم، يوجد في مشروعه اتجاه مادي صريح:
العقل ليس جوهرًا مستقلًا عن المادة.
الوعي مرتبط بالدماغ.
الإنسان جزء من الطبيعة.
الحياة والوعي يظهران ضمن الصيرورة الطبيعية.
المعرفة تنطلق من العالم المادي.
لكن مادته ليست حتمية ميكانيكية بسيطة، لأنها تترك مجالًا للاحتمال والتنظيم والإبداع والفعل الإنساني.

الخامس والأربعون: هل هو عقلاني؟
نعم، ولكن العقلانية عنده ليست مجرد المنطق.
ففي كتاباته الأحدث يعترف بأن العقل يتأثر بالانحياز والوجدان والتنشئة.
لذلك يمكن القول:
العقلانية عند غبريال مشروع لتحرير العقل من وظائفه التبريرية، لا مجرد الإيمان بقدرة عقل مجرد على الوصول إلى يقين مطلق.

السادس والأربعون: هل هو تنويري؟
هناك سبب قوي لهذا الوصف التحليلي، فهو يدافع عن:
استقلال العقل.
العلم.
النقد.
حرية السؤال.
مراجعة الموروث.
فصل الحقيقة عن القداسة.
قدرة الإنسان على صناعة مصيره.
وهذه عناصر تنويرية واضحة، مع ضرورة تقديم «التنويرية» بوصفها وصفًا تحليليًا لا تصنيفًا ذاتيًا بالضرورة.

السابع والأربعون: نقطة القوة الكبرى في المشروع
إذا صحت هذه القراءة، فإن قوة المشروع تكمن في أنه لا يفصل:
الأنطولوجيا
عن
الإبستمولوجيا
عن
الأنثروبولوجيا
عن
السياسة.
فالتصور عن الكون يؤثر في تصور الإنسان، وتصور الإنسان يؤثر في تصور المعرفة، وتصور المعرفة يؤثر في تصور الحرية، وتصور الحرية يؤثر في تصور السلطة، وتصور السلطة يؤثر في تصور التغيير.
وهذه هي الوحدة التي كانت تبدو غائبة عندما نقرأ مقالاته منفردة.

الثامن والأربعون: نقطة الضعف أو التحدي النظري
حتى لو أثبتنا أن الكون طبيعي وأن الإنسان قادر على الفعل، فلا ينتج من ذلك وحده ما الذي ينبغي للإنسان أن يختاره.
هنا تبدأ الأخلاق، وتظهر مشكلة الانتقال من الوصف إلى المعيار:
ما هو
لا ينتج تلقائيًا:
ما ينبغي أن يكون.
ولذلك تحتاج فلسفة الفاعلية الإنسانية إلى نظرية في القيم.

التاسع والأربعون: هل يستطيع العلم وحده تأسيس القيمة؟
على الأرجح لا يكفي العلم وحده.
فالعلم يستطيع أن يخبرنا بما يحدث، وما الذي يؤدي إلى ماذا، وما الذي ينجح أو يفشل. لكنه لا يحسم وحده سؤال: ما الذي ينبغي أن نعتبره حياة جيدة؟
وهذه إحدى المساحات التي يظل فيها مشروع غبريال مفتوحًا لمزيد من البناء الفلسفي.

الخمسون: مشكلة الحرية
إذا كان الدماغ نتاجًا للطبيعة، والإنسان نتاجًا للتطور، والسلوك يتأثر بالجينات والبيئة والتنشئة، فما مقدار الحرية؟
تميل كتابات غبريال الأحدث إلى حل المشكلة بطريقة عملية: لا توجد حرية مطلقة، لكن توجد قدرة على إعادة تشكيل علاقتنا بالشروط.
وهذا هو مفهوم الحرية الواقعية.

الحادي والخمسون: مشكلة الفرد والمجتمع
إذا ركزنا كثيرًا على الفرد والعقل والثقة والاختيار، فقد نغفل الاقتصاد والمؤسسات والسلطة والتعليم والبيئة الاجتماعية.
لكن كتابات غبريال السياسية والثقافية تمنع هذا الاختزال؛ فهو يرى دوائر متبادلة بين المجتمع والنخبة والمؤسسة والثقافة.
ومن هنا فإن الإنسان الفاعل ليس الفرد المنعزل، بل فرد فاعل داخل شبكة اجتماعية يمكنه التأثير فيها وتتأثر به.

الثاني والخمسون: الموروث ليس عدوًا في ذاته
النتيجة الأكثر دقة ليست التخلص من التراث، بل التخلص من حصانته ضد النقد.
فالإنسان لا يستطيع أن يبدأ من الصفر، ولذلك فالتحرر ليس محو الماضي، وإنما تغيير العلاقة معه.

الثالث والخمسون: من السلطة على الإنسان إلى سلطة الإنسان على مستقبله
في «مأساة عقل العقل العربي» يدعو غبريال إلى انتقال العقل من الخضوع للماضي والقبيلة والنصوص الجامدة إلى «سلطة الإنسان والمستقبل».
وهذه العبارة تلخص انتقالًا جوهريًا:
من: سلطة الماضي
إلى: فاعلية المستقبل.

الرابع والخمسون: الصيغة المركزية للأطروحة
بعد دراسة هذا corpus الموسع، يمكن صياغة الأطروحة على النحو الآتي:
يمكن إعادة بناء المشروع الفكري لكمال غبريال بوصفه مشروعًا للفاعلية الإنسانية داخل الطبيعة: فالإنسان، في تصوره، ليس كائنًا مفارقًا للمادة ولا غايةً كونيةً مفترضة سلفًا، بل هو نتيجة لصيرورة طبيعية وتطورية أنتجت الحياة والوعي والعقل. غير أن ظهوره ككائن واعٍ يفتح إمكانًا جديدًا: أن يتحول الوجود من مجرد ما يحدث إلى ما يمكن أن يحدث. ومن خلال المعرفة والعقل والاختيار والإبداع يستطيع الإنسان أن يحول بعض إمكانات الواقع إلى أفعال وقيم وآثار، ومن هذه العلاقة بين ما وجده وما يستطيع أن يصنعه ينشأ المعنى. ولذلك فإن نقد غبريال للموروث والأسطورة والشفاهية والميتافيزيقا والسلطة يمكن قراءته بوصفه نقدًا للبنى التي تعوق انتقال الإنسان من التلقي والتكرار والتبرير إلى السؤال والمعرفة والاختيار والإبداع والفعل.

الخامس والخمسون: النموذج التركيبي الكامل
يمكن تمثيل المشروع كله في مخطط واحد:
الكون الطبيعي ⬅ الصيرورة والتغير ⬅ التنظيم والتعقيد ⬅ الحياة ⬅ الوعي ⬅ السؤال ⬅ العقل ⬅ المعرفة ⬅ اكتشاف الإمكان ⬅ الاختيار ⬅ الإبداع ⬅ الفعل ⬅ القيمة ⬅ المعنى ⬅ إعادة تشكيل العلاقة بالواقع ⬅ الإنسان الفاعل
وفي الاتجاه المقابل توجد قوى مضادة:
الخوف ⬅ الأسطورة ⬅ التلقي ⬅ التكرار ⬅ التقديس ⬅ الوصاية ⬅ التبرير ⬅ الخضوع ⬅ الإنسان المفعول به
وبذلك يصبح الصراع المركزي في مشروع غبريال:
ليس بين الإنسان والطبيعة، وإنما بين نمطين من وجود الإنسان داخل الطبيعة: إنسان يعيد إنتاج ما وجد، وإنسان يفتح إمكانًا لما يمكن أن يكون.

السادس والخمسون: إعادة قراءة عبارته عن «القمة»
الإنسان ليس قمة شجرة التطور بمعنى أنه الهدف الذي كانت الطبيعة تسعى إليه. وهذا واضح في «شجرة الوعي»، حيث يؤكد غبريال أن الإنسان فرع من شجرة الحياة، لا كائنًا منفصلًا عنها.
لكن يمكن للإنسان أن يمثل قمة في الوعي داخل تجربته الخاصة. أي أن «القمة» هنا قمة معرفية وفاعلية، لا قمة كونية ميتافيزيقية.

السابع والخمسون: النتيجة النهائية
بعد توسيع corpus إلى نصوص تمتد لنحو عقدين، يصبح من الصعب تفسير مشروع كمال غبريال باعتباره مجرد مجموعة من المقالات السياسية أو النقدية المنفصلة.
فثمة خيط يتكرر بصورة لافتة:
في 2006:
الإنسان يصنع مصيره بالعقل والعلم والإبداع.
في 2016:
العقل والوعي نتاج مادي، والعلم يكتشف المادة ويوظفها.
في 2017:
الدماغ والخبرة والمعرفة أساس القدرة الحضارية.
في 2018:
الحاجة والابتكار والنظم تنتج التطور الحضاري.
في 2019:
التغيير لا يأتي من تغيير الحاكم وحده، بل من تغير الإنسان والمجتمع.
في 2021:
الدين والأسطورة يمكن قراءتهما في سياق تطور الوعي الإنساني.
في 2022:
تطور العقلية نفسها شرط للحرية والحداثة.
في 2026:
الطبيعة تنتج الحياة والوعي والعقل، والعقل يحول الإمكان إلى اختيار، والاختيار إلى أثر، ومن العلاقة بين الموجود والممكن يظهر المعنى.
وهنا تصبح الأطروحة أكثر من مجرد تأويل جذاب، وتتحول إلى فرضية تفسيرية ذات سند نصي متزايد.

الخاتمة الكبرى
يمكن اختصار مشروع كمال غبريال كله في انتقال فلسفي واحد:
من السؤال: «ماذا أراد الكون من الإنسان؟»
إلى السؤال: «ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل بما وجده؟»
فإذا لم يكن الكون قد كُتب له مسبقًا أن ينتهي إلى الإنسان، فإن ذلك لا يعني أن الإنسان بلا معنى، بل يعني أن المعنى لا يأتي بالضرورة جاهزًا.
وإذا كان الإنسان ابن الطبيعة، فهذا لا يعني أنه عاجز أمامها، بل يعني أن قدرته على الفعل نفسها إحدى قدرات الطبيعة التي ظهرت داخله.
وإذا كان العقل نتاج الدماغ، فهذا لا يقلل من قيمته، بل يجعل مهمته أكثر وضوحًا: أن يفهم الواقع الذي أنتجه.
وإذا كان الإنسان محكومًا باللغة والتاريخ والثقافة والجسد والموروث، فهذا لا يعني أنه أسيرها بصورة مطلقة؛ فالحرية تبدأ عندما يستطيع أن يرى هذه الشروط بوصفها شروطًا، لا قدرًا نهائيًا.
وإذا كانت السلطة تعيد إنتاج نفسها داخل المجتمع، فإن تغيير السلطة لا يكفي، بل لا بد من تغيير الإنسان الذي يعيد إنتاجها.
وإذا كان الموروث جزءًا من تكوين الإنسان، فالحل ليس في محوه، بل في تحويله من سلطة إلى موضوع، ومن يقين مغلق إلى مادة للفحص، ومن نهاية للتفكير إلى بداية للسؤال.
ومن هنا يصبح الإنسان الفاعل هو الإنسان الذي يعرف أنه مشروط، لكنه لا يعتبر نفسه محكومًا نهائيًا بشروطه؛ ويعرف أنه ابن الماضي، لكنه لا يعتبر نفسه ملكًا له؛ ويعرف أنه جزء من الطبيعة، لكنه يستطيع أن يعيد تشكيل بعض إمكاناتها؛ ويعرف أن عقله محدود، ولذلك يستطيع أن يراجعه؛ ويعرف أنه قد يخطئ، ولذلك يستطيع أن يتعلم؛ ويعرف أنه لم يختر نقطة البداية، لكنه يستطيع أن يشارك في تحديد الاتجاه.
وهنا تبلغ الأطروحة أقصى كثافتها:
الإنسان عند كمال غبريال ليس كائنًا اختار أن يوجد في كون صُمم له، بل كائن وجد نفسه داخل كون لم يختره، ثم امتلك — عبر الوعي والعقل والمعرفة — القدرة على أن يسأل، وأن يختار، وأن يحول بعض الإمكانات إلى واقع، وأن ينشئ معنى لحياته داخل العالم لا خارجه.
ومن ثم فإن جوهر الفلسفة التي يمكن إعادة بنائها من مجموع كتاباته ليس عبادة الإنسان، ولا إنكار الطبيعة، ولا الحرية المطلقة، ولا رفض الماضي لمجرد أنه ماضٍ، بل:
تحويل الإنسان من موضوع للواقع إلى شريك في تشكيله.
وهذا هو المعنى الأعمق لمفهوم:
الفاعلية الإنسانية.
وبذلك يمكن أن تكون القضية الأساسية في مشروع كمال غبريال، في أعمق صياغة لها، هي:
كيف يستطيع الإنسان أن ينتقل من مجرد كائن يعيش داخل العالم إلى كائن واعٍ بقدرته على المشاركة في صنع ما يمكن أن يكون عليه العالم؟
وهذه ليست فقط مسألة سياسية، ولا دينية، ولا علمية، بل هي في النهاية مسألة الإنسان نفسه.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلمانية تسبق الديمقراطية
- هويتنا التي لم نكنها بعد
- الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
- أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
- من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما ...
- بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
- الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
- الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
- من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
- الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
- ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
- ثلاثية الإله والروح والخلود
- الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
- شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
- مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة


المزيد.....




- نتنياهو يكشف هوية -البطل الحقيقي- على رحلة -فلاي دبي-
- مسح رسمي: تراجع معدلات ختان الإناث في مصر
- فيديو يحبس الأنفاس.. إنقاذ راكب مصري قبل سقوطه أسفل عجلات قط ...
- تعليق رحلات -فلاي دبي- إلى إسرائيل
- -سترون أمورا ستحدث قريبا جدا-.. ترامب يتوعد إيران ويؤكد السي ...
- بورنهام يؤكد وجود -مؤشرات قوية- على ضلوع إيران في الحادث الأ ...
- انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة بدمشق وريفها جراء انفجارات في ...
- انسحاب أمريكي من العراق يعزز نفوذ إيران
- زاخاروفا: أي هجوم أوروبي على روسيا سيؤدي لصراع قصير جدا.. نس ...
- الإمارات تفتح تحقيقا في الحادث الأمني على متن رحلة فلاي دبي ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كمال غبريال - ربع قرن من الكتابة