أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2















المزيد.....


مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 00:36
المحور: قضايا ثقافية
    


نتناول هنا موضوع الوعي بصورة أكثر شمولاً من مقالنا السابق بنفس العنوان: كيف ينشأ الوعي من الدماغ؟
نحن نعرف قدرًا هائلًا عن الدماغ بوصفه جهازًا بيولوجيًا: مليارات الخلايا العصبية، وشبكات هائلة من الوصلات، ونبضات كهربائية، وتبادل للأيونات، وناقلات كيميائية، ونشاط كهربائي وكيميائي يمكن تسجيله وقياسه.
لكن عندما نصل إلى السؤال التالي، تبدأ المشكلة الحقيقية:
كيف تتحول هذه العمليات الفيزيائية والكيميائية إلى تجربة داخلية؟
لماذا لا يكون الدماغ مجرد آلة تعالج المعلومات، بل توجد هناك تجربة ذاتية: لون نراه، ألم نشعر به، صوت نسمعه، ذكرى نستحضرها، وإحساس بأن هناك «أنا» يعيش هذه التجربة؟
هنا تظهر ما تسمى في فلسفة العقل «المشكلة الصعبة للوعي» (Hard Problem of Consciousness). والمقصود بها ليس مجرد معرفة المناطق الدماغية المرتبطة بالوعي، وإنما تفسير لماذا يصاحب النشاط الفيزيائي أصلًا شعورٌ ذاتي.
فنحن نستطيع أن نكتشف الارتباط بين حالة عصبية معينة وتجربة واعية معينة، لكن يبقى السؤال الأعمق:
لماذا تكون لهذه العمليات العصبية خبرةٌ ذاتية من الأساس؟
ومن هنا ظهرت عدة اتجاهات رئيسية، تختلف جذريًا في تصورها لطبيعة الوعي.

1. الاتجاه النشوئي: الوعي خاصية ناشئة من التعقيد
يرى الاتجاه النشوئي (Emergentism) أن الوعي ليس موجودًا بوصفه عنصرًا منفصلًا داخل الخلايا العصبية، وإنما يظهر عندما تصل المنظومة العصبية إلى مستوى معين من التعقيد والتنظيم والتفاعل.
الفكرة الأساسية شبيهة بما نراه في ظواهر أخرى في الطبيعة.
فمثلًا، لا توجد «سيولة» داخل جزيء ماء منفرد بالمعنى نفسه الذي تظهر به السيولة في تجمع هائل من الجزيئات. وكذلك لا يمكن وصف بعض خصائص النظام الكلي بمجرد النظر إلى مكوّن واحد منه.
وبالمثل، يمكن أن تكون الخلية العصبية الواحدة غير واعية، بينما تؤدي شبكة ضخمة من الخلايا العصبية، عندما تتفاعل بطريقة معينة، إلى ظهور حالة جديدة نسميها الوعي. وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة:
الانبثاق لا يعني خلق شيء من العدم. فالخاصية الناشئة تكون ناتجة عن تنظيم مكونات النظام وعلاقاتها المتبادلة، لكنها لا تكون بالضرورة خاصية يمكن اكتشافها في كل مكوّن منفرد.
لكن أين تكمن المشكلة؟
المشكلة أن الأمثلة التقليدية للانبثاق، مثل السيولة والحرارة، تظل خصائص فيزيائية يمكن وصفها من منظور موضوعي.
أما الوعي فيتميز بشيء إضافي: الذاتية.
فيمكنني قياس نشاط دماغك، وتسجيل الموجات الكهربائية، ومراقبة نشاط مناطق معينة من دماغك، لكن لا أستطيع أن أرى مباشرةً «كيف يبدو الألم بالنسبة إليك».
وهنا يظهر السؤال الذي لم يحسمه الاتجاه النشوئي:
هل يكفي التعقيد والتنظيم وحدهما لتفسير ظهور التجربة الذاتية، أم أنهما يفسران فقط السلوك والوظائف المرتبطة بالوعي؟

2. البانسايكزم: هل الوعي موجود بصورة أولية في الطبيعة؟
يذهب البانسايكزم (Panpsychism) إلى موقف أكثر جذرية.
بدلًا من السؤال: كيف ظهر الوعي من مادة لا واعية؟
يسأل: هل كانت هناك أصلًا مادة «غير واعية تمامًا»؟
وفق بعض أشكال البانسايكزم، قد تكون للأنظمة الفيزيائية خصائص أولية شبيهة جدًا، من حيث المبدأ، بالخبرة، ولكن بدرجات أو صور بدائية للغاية. وبذلك يصبح الوعي، أو ما يشكل أساسه، خاصية أساسية من خصائص الواقع، وليس ظاهرة ظهرت لأول مرة عندما تطور الدماغ. لكن يجب الحذر هنا من تبسيط الفكرة إلى القول إن «الإلكترون يشعر مثل الإنسان».
هذا ليس ما تقوله معظم الصيغ الفلسفية الجادة للبانسايكزم.
المقصود هو احتمال وجود مكوّن أولي للخبرة على مستوى أساسي من الطبيعة، لا وجود وعي بشري مصغر داخل كل إلكترون.
المشكلة الكبرى: مشكلة التركيب
إذا كانت هناك وحدات أولية ذات خبرة، فكيف تتجمع هذه الوحدات لتكوين خبرة واحدة موحدة؟
كيف تتحول ملايين أو مليارات من المكونات الأولية إلى تجربة واحدة متماسكة تقول:
«أنا أرى هذا الشيء الآن»؟
هذه المشكلة تعرف باسم مشكلة التركيب (Combination Problem)، وهي من أكبر التحديات التي تواجه البانسايكزم.

3. نظرية المعلومات المتكاملة IIT
هناك اتجاه آخر يحاول التعامل مع الوعي من زاوية مختلفة تمامًا، وهو نظرية المعلومات المتكاملة (Integrated Information Theory – IIT).
في هذه النظرية، لا يكون السؤال الأساسي: ما المادة التي يتكون منها الوعي؟
بل: ما نوع التنظيم السببي والمعلوماتي الذي يجعل النظام واعيًا؟
الفكرة الأساسية هي أن النظام الواعي لا يعالج المعلومات فحسب، وإنما تكون المعلومات فيه متكاملة بحيث لا يمكن اختزال الحالة الكلية بسهولة إلى مجموعة من العمليات المستقلة.
وتستخدم النظرية مفهومًا رياضيًا يسمى Φ (فاي) للتعبير عن مقدار التكامل المعلوماتي في النظام.
كلما كان النظام يمتلك بنية سببية متكاملة بالمعنى الذي تحدده النظرية، ارتفعت قيمة Φ، ومن هنا تربط IIT بين البنية المعلوماتية للنظام وخصائص التجربة الواعية.
وهذا الطرح مثير للاهتمام لأنه ينقل النقاش من:
«ما المادة التي يصنع منها الوعي؟»
إلى: «ما البنية السببية والمعلوماتية التي تجعل وجود تجربة واعية ممكنًا؟»
لكن IIT ليست حقيقة تجريبية محسومة، كما أن قيمة Φ ليست «مقياسًا مثبتًا للوعي» بالمعنى الذي قد توحي به بعض الصياغات المبسطة. فلا يزال هناك نقاش فلسفي وعلمي كبير حول ما إذا كان التكامل المعلوماتي يفسر الوعي نفسه، أم أنه مجرد خاصية ترتبط ببعض الأنظمة التي نعرف أنها واعية.

4. فرضيات الوعي الكمومي

هناك اتجاه أكثر إثارة للجدل يذهب إلى أن الوصف العصبي التقليدي قد لا يكون كافيًا، وأن العمليات الكمومية ربما تلعب دورًا أساسيًا في الوعي.
أشهر هذه الطروحات هو نموذج Orchestrated Objective Reduction (Orch-OR) المرتبط بالفيزيائي روجر بنروز وعالم التخدير ستيوارت هاميروف.
تقترح الفكرة أن عمليات كمومية مرتبطة بـ الأنيبيبات الدقيقة (Microtubules) داخل الخلايا العصبية قد تكون جزءًا أساسيًا من الآلية التي ينتج عنها الوعي.
وهذا يختلف جذريًا عن التصور التقليدي الذي يرى الدماغ أساسًا باعتباره شبكة عصبية كهربائية وكيميائية.
لكن من المهم جدًا التمييز بين: وجود ظواهر كمومية في المادة الحية
وبين: إثبات أن الظواهر الكمومية هي التي تولّد الوعي.
الأول أمر لا يثير الدهشة من منظور الفيزياء الحديثة، لأن المادة نفسها في أساسها كمومية.
أما الثاني فما زال فرضية بحثية مثيرة للجدل ولم تصبح نظرية مثبتة تجريبيًا للوعي.

ولكن هل المشكلة فعلًا هي «تحول الكهرباء إلى وعي»؟
هنا نحتاج إلى صياغة أكثر دقة. فالدماغ ليس مجرد أسلاك كهربائية. النشاط العصبي يتضمن منظومة معقدة من:
* تغيرات جهد الغشاء.
* حركة الأيونات.
* إطلاق النواقل العصبية.
* التفاعلات الكيميائية.
* الشبكات العصبية.
* التغيرات البنيوية في الوصلات العصبية.
* حلقات التغذية الراجعة.
* النشاط المتزامن بين مناطق متعددة من الدماغ.
لذلك فالسؤال العلمي الأدق ليس: كيف تتحول الكهرباء إلى وعي؟
وإنما:
كيف تؤدي الديناميات الفيزيائية والكيميائية المنظمة للدماغ إلى ظهور التجربة الواعية الذاتية؟
وهذا فرق مهم جدًا.
فنحن لا نملك دليلًا على أن هناك «مادة كهربائية» تتحول فجأة إلى مادة أخرى اسمها الوعي.
بل لدينا نظام فيزيائي معقد للغاية، وتظهر فيه حالة نسميها الوعي، والسؤال هو: ما العلاقة التفسيرية الدقيقة بين العمليات الفيزيائية وبين الخبرة الذاتية؟

الارتباط لا يساوي التفسير
لقد حقق علم الأعصاب تقدمًا هائلًا في تحديد الارتباطات العصبية للوعي (Neural Correlates of Consciousness).
نعرف، مثلًا، أن تغيير نشاط الدماغ يمكن أن يؤدي إلى تغيرات جذرية في الإدراك والذاكرة والشعور والوعي.
والتخدير العام يقدم مثالًا واضحًا: تغيير ديناميات الدماغ يمكن أن يؤدي إلى فقدان الوعي، ثم عودة الوعي عند استعادة الحالة العصبية المناسبة.
لكن هذه المعرفة تجيب أساسًا عن سؤال: ما العمليات العصبية التي ترافق الوعي أو تسمح به؟
ولا تجيب بصورة نهائية عن السؤال الأصعب: لماذا تكون هذه العمليات مصحوبة بتجربة ذاتية أصلًا؟
وهنا يجب التفريق بين مستويين:
المستوى الأول: مشكلة علم الأعصاب
كيف يعمل الدماغ لكي ينتج الإدراك والانتباه والذاكرة والقدرة على التقرير والسلوك؟
هذه الأسئلة تحقق فيها العلوم العصبية تقدمًا كبيرًا.
المستوى الثاني: مشكلة الوعي الذاتي
لماذا تكون هناك تجربة داخلية مصاحبة لهذه العمليات؟
لماذا لا يكون الدماغ مجرد نظام فيزيائي يقوم بكل هذه العمليات من دون أن «يشعر» بأي شيء؟
هذا هو الجزء الذي ما زال أكثر غموضًا.
- هل يعني ذلك أن الوعي «غير مادي»؟
- ليس بالضرورة.
وهذه نقطة فلسفية شديدة الأهمية.
عدم امتلاك العلم تفسيرًا كاملًا للوعي لا يثبت أن الوعي جوهر غير مادي. فمن الناحية المنهجية هناك فرق بين: «لا نعرف كيف يفسر العلم الظاهرة»
وبين: «لقد ثبت أن الظاهرة لا يمكن تفسيرها ماديًا».
الأولى صحيحة في حالة مشكلة الوعي.
أما الثانية فلم تثبت.
وفي المقابل، فإن القول إن الوعي «مجرد نشاط عصبي» لا يحل المشكلة تلقائيًا أيضًا؛ إذ يبقى علينا تقديم تفسير يوضح كيف ولماذا تكون بعض الديناميات العصبية مصحوبة بتجربة ذاتية.

أين يقف العلم اليوم؟
يمكن تلخيص الوضع الحالي في ثلاث درجات مختلفة من المعرفة:
نعرف الارتباط:
هناك علاقات قوية بين حالات الدماغ وحالات الوعي.
نعرف الآليات جزئيًا:
نعرف الكثير عن الشبكات العصبية، والانتباه، والإدراك، والذاكرة، والتكامل بين مناطق الدماغ، وآليات الاستيقاظ والنوم والتخدير.
لكن لا نملك تفسيرًا نهائيًا للتجربة الذاتية:
لا توجد حتى الآن نظرية متفق عليها ومثبتة تجريبيًا تشرح بصورة كاملة لماذا ينتج عن النشاط الفيزيائي للدماغ إحساس ذاتي بالوجود والتجربة.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أعمق مشكلات العلم وفلسفة العقل.

المفارقة الكبرى
المفارقة هي أننا نعرف أن الوعي يعتمد بدرجة هائلة على الدماغ، لكن معرفة اعتماد الوعي على الدماغ ليست هي نفسها معرفة كيف ينشأ الوعي من الدماغ.
نستطيع أن نرى النشاط العصبي.
نستطيع أن نقيسه.
نستطيع أن نغيره.
نستطيع أن نوقف الوعي ونستعيده في ظروف معينة.
لكننا لا نستطيع حتى الآن أن نفتح الدماغ ونجد داخله شيئًا يمكن أن نشير إليه ونقول:
«ها هو الوعي. هذه هي الآلية التي تجعل النشاط العصبي يتحول إلى تجربة ذاتية.»
وهذا هو الحد الفاصل بين الوصف العصبي للوعي والتفسير الجوهري للوعي.
لذلك ربما لا يكون السؤال النهائي: كيف تنتج المادة الوعي؟
بل ربما يكون السؤال الأعمق: هل الوعي خاصية ناشئة من التنظيم المادي، أم خاصية أساسية في بنية الواقع، أم أن مفهومنا الحالي عن «المادة» و«المعلومات» و«التجربة» نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة؟
حتى الآن، لا توجد إجابة علمية حاسمة.
وهذا تحديدًا ما يجعل مشكلة الوعي واحدة من أكثر المسائل إثارةً عند نقطة التقاء علم الأعصاب والفيزياء وفلسفة العقل ونظرية المعلومات.

لكن ……….

إذا قبلنا مؤقتًا أن الوعي يرتبط بنوع معين من التنظيم العصبي، فمن المنطقي أن نسأل:
هل يمكن أن توجد منظومات بيولوجية مختلفة جذريًا عن الجهاز العصبي الإنساني، ومع ذلك تمتلك نوعًا من الوعي مختلفًا جذريًا عن وعينا؟
الجواب العلمي والفلسفي الأقرب للدقة هو: نعم، هذا احتمال معقول، لكنه غير مثبت بصورة مباشرة.

1. الوعي قد لا يكون له «شكل واحد»
نحن نميل إلى تعريف الوعي انطلاقًا من تجربتنا نحن.
نحن نرى الألوان، نسمع الأصوات، نشعر بالألم، نتذكر الماضي، ونعطي أنفسنا إحساسًا مستمرًا بـ«الأنا».
لكن هذه ليست بالضرورة شروطًا عامة للوعي؛ قد تكون فقط الطريقة التي ينظم بها الدماغ البشري تجربته.
فلنتخيل مثلًا كائنًا يمتلك منظومة عصبية مختلفة جذريًا:
* لا يمتلك حاسة بصرية.
* يستقبل المعلومات أساسًا من المجال المغناطيسي.
* لديه مئات أو آلاف المستقبلات الحسية المختلفة.
* ذاكرته موزعة بطريقة لا تشبه الذاكرة البشرية.
* لا يمتلك مفهومًا مستقرًا لـ«الجسد» كالذي نملكه.
* وربما لا يمتلك حتى حدودًا واضحة بين «أنا» و«البيئة».
إذا كان هذا الكائن واعيًا، فمن المحتمل أن تكون بنية تجربته الداخلية مختلفة جذريًا عن تجربتنا.
ليس المقصود أنه يرى «العالم نفسه ولكن بألوان مختلفة»، بل ربما أن طريقة تشكّل العالم لديه مختلفة أصلًا.

2. هنا نصل إلى مفهوم مهم: «عالم الكائن»
في علم الأحياء والسلوك يوجد مفهوم قريب من ذلك هو Umwelt، أي «العالم المحيط كما يظهر للكائن من خلال جهازه الحسي وقدراته».
الإنسان يعيش في عالم مليء بالألوان والأصوات والروائح والأجسام والأشخاص. لكن خفاشًا يعتمد بدرجة كبيرة على تحديد الموقع بالصدى يعيش في عالم حسي مختلف للغاية. بالنسبة إلى الخفاش، المعلومة التي نعتبرها نحن «صوتًا» يمكن أن تكون جزءًا من تمثيل مكاني للبيئة. ومن هنا تظهر فكرة فلسفية شديدة الأهمية:
ربما لا توجد تجربة واعية واحدة اسمها «الواقع»، وإنما توجد طرق متعددة لبناء واقع مُعاش اعتمادًا على البنية العصبية للكائن.

3. والأكثر إثارة: ماذا لو اختلف «مفهوم الذات» نفسه؟
هنا تصبح المسألة أكثر عمقًا. نحن لا نمتلك فقط إدراكًا للعالم الخارجي؛ لدينا أيضًا نموذج داخلي لأنفسنا.
هناك:
جسدي —> مشاعري —> ذكرياتي —> أفكاري —> أهدافي —> تاريخي الشخصي
ومن تفاعل هذه العناصر يتشكل ما نسميه عادةً «أنا».
لكن ليس من الضروري أن تكون كل منظومة واعية منظمة بهذه الطريقة.
يمكن تصور كائن لديه تجربة واعية ولكن:
وعي بالبيئة قوي جدًا + وعي ذاتي ضعيف جدًا.
أو العكس:
وعي ذاتي شديد التعقيد + نموذج مختلف تمامًا للبيئة.
بل يمكن نظريًا تصور منظومة واعية لا تمتلك مفهومًا مشابهًا لمفهومنا عن «أنا» المستمر عبر الزمن.
وهذا يفتح سؤالًا بالغ الأهمية:
هل الوعي والوعي بالذات شيئان متطابقان؟
على الأرجح لا.
يمكن التمييز بين:
الوعي: وجود تجربة ما.
والوعي بالذات: قدرة النظام على تمثيل نفسه باعتباره كيانًا مستقلًا له حالات وذكريات وأهداف.
وبالتالي قد يكون هناك وعي من دون «أنا» بالمعنى الإنساني الكامل.

4. لكن هنا تظهر مشكلة علمية هائلة
كيف نعرف أن كائنًا آخر «يشعر» فعلًا؟
هذه هي مشكلة العقول الأخرى (Other Minds).
أنا أعرف مباشرة أنني واعٍ لأنني أعيش تجربتي. لكنني لا أستطيع الدخول إلى تجربتك لأراها مباشرة.
أنا أستدل على وعيك من:
* سلوكك.
* كلامك.
* بنية دماغك.
* استجابتك للألم.
* قدرتك على التعلم.
* تقاريرك الذاتية.
لكن ماذا عن كائن لا يستطيع الكلام؟
وماذا عن الأخطبوط؟
وماذا عن حيوان له جهاز عصبي مختلف جذريًا؟
وماذا عن كائن افتراضي لا يشبهنا بيولوجيًا على الإطلاق؟
هنا لا يكفي أن نسأل: «هل يتصرف كما يتصرف الإنسان؟»
لأن السلوك والوعي ليسا الشيء نفسه.

5. وهذا يعيدنا إلى النقطة التي بدأنا منها: التنظيم
إذا كان الوعي ناتجًا عن تنظيم معين للمعلومات والعمليات السببية وليس عن مادة معينة بحد ذاتها، فهناك نتيجة مهمة جدًا.
قد يكون لدينا: دماغ بشري —> وعي بشري
لكن ربما توجد منظومة أخرى:
بنية عصبية مختلفة —> تنظيم مختلف —> نوع مختلف من الوعي
وهذا يعني أن السؤال الصحيح ربما لا يكون:
«هل يمتلك هذا الكائن دماغًا مثل دماغنا؟»
بل: «هل يمتلك نوعًا من التنظيم الفيزيائي قادرًا على إنتاج تجربة ذاتية؟»
وهنا تلتقي هذه الفكرة مع بعض صور الوظيفية (--function--alism) ونظريات المعلومات والوعي.

6. وهناك احتمال أكثر غرابة
إذا كانت التجربة الواعية تعتمد على البنية السببية للنظام، فقد لا يكون اختلاف الوعي مجرد اختلاف في «المحتوى». بل قد يكون اختلافًا في هندسة التجربة نفسها.
لنأخذ مثالًا مبسطًا.
لدينا إنسان:
العالم —> الحواس —> الدماغ —> نموذج للعالم —> نموذج للذات —> تجربة واعية
لكن يمكن تخيل كائن آخر:
العالم —> شبكة حسية مختلفة —> معالجة موزعة —> نموذج بيئي جماعي —> تجربة واعية
هنا ربما لا تكون هناك حدود واضحة بين:
«أنا» و«العالم».
وقد يكون ما نسميه نحن «الذات» مجرد خاصية خاصة بالطريقة التي تطور بها الدماغ البشري.

7. والأخطبوط مثال طبيعي مثير جدًا
الأخطبوط مهم جدًا لهذه المناقشة لأن جهازه العصبي مختلف بصورة كبيرة عن جهازنا، كما أن جزءًا كبيرًا من معالجته العصبية موزع في أذرعه.
وهذا يجعل السؤال مثيرًا:
إذا كان الأخطبوط يمتلك تجربة واعية، فهل تجربته تشبه تجربتنا؟
لا نعرف.
وقد يكون السؤال نفسه مضللًا.
ربما تكون تجربة الأخطبوط ليست نسخة أقل تطورًا من التجربة البشرية، وإنما نوعًا مختلفًا من التنظيم الواعي. وهذا فرق مهم جدًا. الاختلاف في الوعي لا يعني بالضرورة الاختلاف في «درجة» الوعي.

8. ويمكن الذهاب خطوة أبعد: هل يمكن وجود «وعي جماعي»؟
هنا ندخل منطقة أكثر افتراضية. إذا كان الوعي خاصية ناشئة من تنظيم عدد كبير من العناصر، يمكن أن نسأل: هل يمكن أن تكون وحدة الوعي أكبر من الفرد؟
مثلًا، إذا كانت مجموعة من الكائنات مرتبطة بشبكة شديدة التكامل والتفاعل، فهل يمكن أن تنتج منظومة واعية أكبر من أفرادها؟
هذه الفكرة تصطدم مباشرةً بـ مشكلة التركيب التي ذكرتها في البانسايكزم، وكذلك بأسئلة IIT.
والنقطة الحاسمة هنا هي:
مجرد وجود اتصال بين أجزاء كثيرة لا يعني ظهور وعي جماعي.
نحن بحاجة إلى معرفة نوع التنظيم السببي الذي يجعل النظام «وحدة واعية» فعلًا.

9. وهنا نصل إلى سؤال فلسفي بالغ العمق
ربما يكون الخطأ في سؤالنا الأصلي:
«كيف يتحول النشاط العصبي إلى وعي؟»
لأن كلمة «تحول» توحي بأن لدينا شيئين منفصلين:
مادة —> ثم شيء آخر اسمه الوعي. لكن ربما الواقع مختلف. قد يكون الأمر أقرب إلى:
تنظيم فيزيائي معين —> له جانب موضوعي يمكن قياسه + جانب ذاتي يُعاش.
إذا كان الأمر كذلك، فلن يكون هناك «لحظة» تتحول فيها الكهرباء إلى تجربة. بل ستكون التجربة الواعية طريقة وجود معينة لنظام فيزيائي منظم. وهذا يقود إلى أحد أكثر الأسئلة إثارة في فلسفة العقل: هل الوعي هو شيء ينتجه الدماغ، أم أن الدماغ هو البنية التي تجعل نوعًا معينًا من الوعي ممكنًا؟
الفرق بين العبارتين صغير لغويًا، لكنه ضخم فلسفيًا.

10. ومن هنا يمكن بناء تصور أوسع
يمكن أن تكون لدينا شجرة احتمالات:
الواقع الفيزيائي —> أنظمة ذات تنظيمات مختلفة —> أنظمة عصبية/معلوماتية مختلفة —> أشكال مختلفة من الوعي —> أشكال مختلفة من بناء الذات والعالم
وبالتالي ربما لا يكون الإنسان هو النموذج الذي نقيس عليه كل وعي ممكن.
بل قد يكون: الوعي البشري حالة واحدة فقط من فضاء واسع جدًا من الحالات الواعية الممكنة.
وهذه الفكرة، هي الامتداد الطبيعي جدًا للسؤال المطروح.
والأهم أن العلم لم يثبت حتى الآن وجود هذه الأشكال الأخرى من الوعي من خلال معيار عام متفق عليه؛ لكنه أيضًا لا يملك أساسًا علميًا يجعل الوعي البشري هو الشكل الوحيد الممكن. بل إن دراسة الحيوانات ذات الأجهزة العصبية المختلفة قد تكون من أفضل الطرق لاختبار هذه الفكرة تجريبيًا.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
- مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...
- مصر ومسيرة السقوط المقدس
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية
- الحضارة الأوروبية. . چينات ومحددات هوية
- مصر بين أولاد البطة البيضاء وأولاد السوداء
- تعقيب على مقالي: الحضارة الأوروبية مسيحية أم لامسيحية الهوية
- الحضارة الأوروبية، مسيحية أم لامسيحية الهوية
- التجديف في المخاضة الإيرانية
- شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع
- الهجرة غير الشرعية وخيار الانتحار


المزيد.....




- طائرة شحن تنحرف عن مسارها في مطار ميامي بالولايات المتحدة
- -خسائر فادحة في العتاد والأرواح-.. القوات الحكومية اليمنية ت ...
- إيران توضح طبيعة إصابات طياريها الأسيرين في قطر وتكشف عن طرق ...
- بعد تثبيت أحكام قضية -التآمر على أمن الدولة-: الاتحاد الأورو ...
- وزير أمريكي يربط بين التوصل لاتفاق نووي مع إيران بوصول إدارة ...
- البرهان يحدد ملامح المرحلة الانتقالية
- لأول مرة.. طهران تعلن اختبار صاروخ مضاد للمدمرات فوق سفينة ح ...
- المبعوثان الأمريكيان يأملان بإجراء مفاوضات ثلاثية بين موسكو ...
- هدم مسجد تاريخي في الهند يثير غضبا واسعا في باكستان واتهامات ...
- حديث عن زلزال سياسي في ألمانيا على وقع نتائج انتخابات ساكسون ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2