أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل















المزيد.....

جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:51
المحور: قضايا ثقافية
    


هذا الكون الرائع فائق الاتساع، لابد وأن يثير في الإنسان الرغبة في التجول في أنحائه. فيتنقل بين المجرات التي تفصل بينها ملايين السنين الضوئية. لكن المشكلة المستحيلة أن عمر الإنسان يعد مجرد ثوان معدودة مقارنة بالأزمنة اللازمة لأقصر رحلة من تلك الرحلات الكونية.
لكن رغم استحالة أو جنونية مجرد الحلم بهذا، إلا أن علم الرياضيات والفيزياء يبقيان باباً ولو ضئيلاً من الأمل في إمكانية تحقق هذا الحلم يوماً ما، حين يحدثاننا عن "الثقوب الدودية"، التي يمكن عن طريقها التنقل بين طرفي الكون في أقل من غمضة عين!!

الثقب الدودي (Wormhole) — والمعروف في الفيزياء النظرية بجسر أينشتاين-روزين (Einstein-Rosen Bridge) — هو حل رياضي ناتج عن معادلات النسبية العامة لأينشتاين، يُصوِّر وجود ممر أو "نفق" يصل بين نقطتين متباعدتين جداً في النسيج الكوني (الزمكان)، أو حتى بين كونين مختلفين.
تخيل ورقة مسطحة تمثل الكون؛ بدلاً من السفر عبر سطح الورقة كله للوصول من طرف إلى آخر، يتم طي الورقة وثقبها لنفس المسافة فوراً عبر ممر قصير.
الثقب الدودي هو تشويه وانحناء شديد في نسيج الزمكان. فإذا كانت المسافة بين نقطتين عبر الفضاء العادي هي 1000 سنة ضوئية، فإن المسافة داخل نفق الثقب الدودي (Throat) قد تكون بضعة كيلومترات أو أمتار فقط. المسافة تقل بشكل هائل مقارنة بالطريق الخارجي، لكنها تظل قيمة رياضية وفزيائية أكبر من الصفر.
كذلك الأمر من حيث الزمن. الجسم الذي يعبر الثقب الدودي يستغرق زمناً ذاتياً (Proper Time) حقيقياً وملموساً للعبور من الفتحة الأولى إلى الفتحة الثانية. والملاحظ الموجود داخل الثقب سيمر عليه الوقت، وساعته ستستمر في التكتكة، ولن يتوقف الزمن بالنسبة له.

الآن هل يمكن وجود الثقب الدودي في عالم الماكرو (الكبير) كما هو بالعالم الكمومي؟
من الناحية النظريّة، الفرق بين المستوى الكمومي والمستوى الجاهز للرؤية بالعين المجردة (الماكرو) يكمن في الحجم والاستقرار:
- على المستوى الكمومي (Quantum Foam): ينص ميكانيكا الكم على أن نسيج الزمكان على مقياس بلانك ليس أملساً، بل مليء بالتقلبات والاضطرابات العنيفة. يُعتقد أن "ثقوباً دودية كمومية" تنشأ وتختفي باستمرار في هذا النطاق، لكنها مجهرية للغاية ولحظية العمر.
- على مستوى الماكرو (الكبير): معادلات النسبية العامة لا تمنع وجود ثقوب دودية كبيرة في الأبعاد، لكن التحول من المجهري إلى الماكرو يواجه عقبة فيزيائية هائلة:
* الانهيار الجاذبي: الثقب الدودي بطبيعته غير مستقر إطلاقاً؛ فمجرد دخول جسم أو حتى جسيم ضوئي واحد يتسبب في انهيار الحلق (Throat) فوراً وتحوله إلى ثقب أسود.
* شرط المادة الغريبة (Exotic Matter): لإبقاء الثقب الدودي في عالم الماكرو مفتوحاً وقابلاً للعبور، تتطلب الحسابات وجود مادة ذات "ضغط سالب" وكتلة سلبية وتُعرف بالمادة الغريبة. هذه المادة تعمل كقوة طرد عكسية ضد الجاذبية لمنع الحلق من الانغلاق. وحتى الآن، لم يثبت وجود هذه المادة بكميات ماكروية في الطبيعة، باستثناء ظواهر كمومية محدودة كأثر كاسيمير (Casimir Effect).
النتائج العملية لوجودها على إمكانية سفر الإنسان عبر الكون:
لو تفادينا عقبة المادة الغريبة ونجحنا في تثبيت ثقب دودي في عالم الماكرو، فستكون التبعات الفلكية والتكنولوجية كالتالي:
- تجاوز سرعة الضوء الظاهرية: لا يمكن لأي جسم أن يتجاوز سرعة الضوء داخل النسيج الكوني، لكن الثقب الدودي يُقصر المسافة الفيزيائية نفسها. السفر إلى مجرة أندروميدا (يبعد 2.5 مليون سنة ضوئية) قد يستغرق ثواني أو دقائق معدودة دون خرق قوانين الفيزياء.
- آلة زمن نظريّة: وفقاً للنسبية، إذا تحركت إحدى فتحتي الثقب الدودي بسرعات قريبة من سرعة الضوء أو وُضعت بالقرب من مجال جاذبية قوي ثم أُعيدت إلى جوار الفتحة الأولى، فإن الفارق الزمني بين الفتحتين يجعل الثقب يعمل كـ آلة زمن للانتقال بين الماضي والمستقبل، مما يثير معضلات فيزيائية كلاسيكية كمعضلة الجد (Grandfather Paradox).

خلاصة القول: الثقوب الدودية في عالم الماكرو هي متسقة رياضياً مع النسبية العامة، لكنها حتى اليوم تفتقر إلى الإثبات الرصدي، وتصطدم بحاجز الحاجة لمادة ذات طاقة سلبية لإبقائها مفتوحة ومستقرة لأي استخدام بشري عملي.

ما الفرق بين المادة المظلمة والمادة الغريبة في الفيزياء النظرية؟

المادة المظلمة (Dark Matter) والمادة الغريبة (Exotic Matter) مفهومان مختلفان تماماً في الفيزياء النظرية، والخلط بينهما شائع بسبب استخدام كلمة "مظلمة" و"غريبة" للإشارة إلى ما هو غير مألوف، لكن خصائصهما ودورهما في الكون متناقضان:

وجه المقارنة
التعريف الأساسي:
المادة المظلمة: مادة لا تتفاعل مع الضوء (لا تبعثه ولا تمتصه)، ولكن لها كتلة وجاذبية موجبة طبيعية.
المادة الغريبة: فرضية فيزيائية لمادة تمتلك كتلة سلبية وضغطاً سلبياً عكس المادة المألوفة.
الحالة الرصدية:
المادة المظلمة: موجودة فعلياً في الطبيعة برصيد دلالات جاذبية قوية (تشكل حوالي 27% من محتوى الكون).
المادة الغريبة: افتراضية تماماً؛ لم يتم رصدها في عالم الماكرو، وتظهر فقط كظواهر كمومية مجهرية.
سلوك الجاذبية:
المادة المظلمة: تَجذِب المادة (جاذبية تجاذبية عادية) وتساعد على تماسك المجرات.
المادة الغريبة: تَطرُد المادة وتُقاوم الانكماش (جاذبية تنافرية).
الدور الكوني الرئيسي:
المادة المظلمة: تشكيل "الهيكل العظمي" للكون وتماسك دوران المجرات وحزم المادة.
المادة الغريبة: إبقاء الثقوب الدودية مفتوحة ومستقرة، وتوليد طاقة تشغيل محركات الالتواء الزمكاني (Alcubierre drive).

تفصيل الفروق الأساسية
المادة المظلمة:
تُسمى "مظلمة" لأنها لا تصدر أي إشعاع كهرومغناطيسي، وبالتالي لا نراها بالتلسكوبات العادية. لكننا نعرف يقيناً أنها موجودة بسبب تأثيرها الجاذبي على النجوم والمجرات (مثل السرعة العالية لدوران أطراف المجرات والتي كانت ستتفكك لولا وجود كتلة غير مرئية تمسك بها). المادة المظلمة تُعتبر جزءاً أساسياً من النموذج الكوني Standard Model of Cosmology.
المادة الغريبة:
تُسمى "غريبة" لأنها تكسر أحد أهم الشروط في النسبية العامة وهو "شرط الطاقة الإيجابية" (Positive Energy Condition). إذا وُجدت قطعة من المادة الغريبة ووضعتها على ميزان، فستعطي قراءة أقل من الصفر، وإذا دفعتها لليمين فستتحرك لليسار! هذا السلوك السلبي للطاقة والضغط هو ما يمنحها القدرة على فتح "حلق" الثقب الدودي ومنعه من الانهيار تحت تأثير جاذبيته الخاصة.

تنبيه: يُميز الفيزيائيون أيضاً بين "المادة الغريبة" وبين الطاقة المظلمة (Dark Energy)؛ فالأخيرة هي القوة المجهولة التي تسبب تسارع توسع الكون ككل، بينما المادة الغريبة تشير تحديداً لأجسام أو جسيمات ذات كتلة سلبية ومحلية.
خلاصة القول: الثقب الدودي هو "اختصار هندسي" في نسيج الزمكان (Short-cut)، يُغير شكل الخريطة وطول الطريق، لكنه لا يلغي وجود المسافة ولا يوقف سريان الزمن.

هكذا سيظل حلم البشرية في التجول في الكون معلقاً بتحقق وجود المادة الغريبة في عالم الماكرو، أي في عالمنا الكبير الرائع.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...
- مصر ومسيرة السقوط المقدس
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية
- الحضارة الأوروبية. . چينات ومحددات هوية
- مصر بين أولاد البطة البيضاء وأولاد السوداء
- تعقيب على مقالي: الحضارة الأوروبية مسيحية أم لامسيحية الهوية
- الحضارة الأوروبية، مسيحية أم لامسيحية الهوية
- التجديف في المخاضة الإيرانية
- شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع
- الهجرة غير الشرعية وخيار الانتحار
- هل تصمد روح الكرة أمام طوفان الاستثمار؟
- قراءة في فلسفة الوعي والضمير الجمعي
- بين الظمأ إليها والخوف من كفالتها: العبودية المختارة وصراع ا ...
- توحد الراديكالية وتقويض أعمدة الحضارة المعاصرة
- في مخاضة كائنات الشرق الأوسط
- جدلية الوحشية الفطرية وطموح التسامي
- ضرورة مكروهة: أن تكون القبضة الحديدية شراً لابد منه
- عروش على أشلاء السودان


المزيد.....




- كارولين ليفيت -أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض- تكشف عما ستفعل ...
- وعود ترامب بتقليص العجز تذهب أدراج الرياح
- الحوار يتقدم: روسيا مستعدة لمناقشة مقترحات ويتكوف وكوشنر
- فانس يشتكي من رداءة المعجنات في واشنطن
- روبيو يتوقع له الأسوأ.. هل سيفقد رئيس كولومبيا الجديد منصبه ...
- عون يدعو من إيطاليا للضغط على إسرائيل لتنفيذ -اتفاق الإطار- ...
- كاتبة أمريكية: هل تغيرت نظرة الأمريكيين للفساد في عهد ترمب؟ ...
- -ليست فكرتي-.. ترامب يتنصل من -التدخل في أسواق السندات- ويكش ...
- تركيا تعتزم إصدر مذكرة توقيف بحقه.. نتنياهو يصف أردوغان بـ-د ...
- ترامب يعلق على فرضية -القدرات العسكرية المحدودة ضد إيران-


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل