كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 01:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تعقيب الصديق الأستاذ/ أحمد نوزاد
جوانب جوهرية في الموضوع لم يتعرض لها المقال:
القطب الأول: عدم التطرق لتأثير الفلسفة والتراث اليوناني، الروماني شكل فجوة جعلت طرح المقال منقوصاً من هذه الناحية.
كفة التراث اليوناني أم كفة المسيحية في تشكيل الوعي والضمير الاوربي؟
- الفلسفة اليونانية كانت أداة تأسيسية في صياغة العقل المسيحي نفسه. الآباء المؤسسون، من أوغسطين إلى توما الأكويني، لم يقوموا بنبذ الفلسفة اليونانية، بل استخدموا أفلاطون وأرسطو تحديدًا كأدوات عقلية لصياغة العقيدة. قال الأكويني عبارته الفاصلة في تلخيص اللاهوت بالعقل الأرسطي. لقد كانت الفلسفة في هذا السياق "خادمة اللاهوت"، لكنها في عملية الخدمة هذه صبغت اللاهوت المسيحي الغربي بصبغة عقلانية فريدة، لا نجد لها نظيرًا في المسيحية الشرقية التي حافظت على التراث الفلسفي كتقليد آبائي غير خاضع للنقد الأكويني الجريء. هذه العقلنة المبكرة زرعت بذرة النقد في قلب الإيمان.
- وامتد هذا الإرث الوضعي إلى القانون والسياسة. حجر الزاوية في القانون المدني الأوروبي هو إعادة اكتشاف وتدريس القانون الروماني، وتحديدًا "مجموعة القانون المدني" (Corpus Juris Civilis) التي طورها فقهاء وثنيون مثل غايوس وأولبيان، وذلك في جامعة بولونيا بدءًا من القرن الحادي عشر. هذا قانون وضعي، وثني النشأة، طورته الإمبراطورية قبل المسيحية، وهو الأساس المباشر للقانون المدني في معظم أوروبا. سياسيًا، نجد أن مفهوم "المواطنة" و"الجمهورية" هو إرث روماني-يوناني خالص، تم استعادته مباشرة في عصر النهضة، وكان الأساس النظري لتحدي شرعية الملك الإلهي ونشوء فكرة "العقد الاجتماعي" و"السيادة الشعبية". هذه المفاهيم الثورية لم تولد من رحم الفكر المسيحي الذي كان يميل تاريخيًا لتبرير السلطة القائمة، كما في رسالة بولس الرسول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة".
القطب الثاني: المسيحية كحقل ديناميكي للمرونة والانشقاق.
ليست المسيحية كتلة واحدة. المسيحية الأوروبية تحديدًا (اللاتينية ثم البروتستانتية) هي التي مرت بسلسلة من الثورات الداخلية العنيفة: البابوية الغريغورية، الإصلاح البروتستانتي، الإصلاح الكاثوليكي المضاد، ثم العلمنة. كل انشقاق كان يعيد تعريف علاقة الفرد بالله، بالسلطة، وبالنص، مما خلق "عقلية نقدية" فريدة. لماذا لم تنتج المسيحية الشرقية الأرثوذكسية حداثة مشابهة؟ لأنها لم تمر بنفس حدة الصراعات بين السلطة الزمنية والدينية، ولم تحتك بالتراث الفلسفي اليوناني بطريقة نقدية، بل حافظت عليه كإرث آبائي مغلق.
المرونة هنا ليست عرضًا طارئًا، بل هي في الحمض النووي للمسيحية منذ اللحظة الأولى: إنها "ثورة تأويلية دائمة". أدركت الكنيسة كمؤسسة بذكاء عملي أن المرونة هي سر البقاء. النموذج الأسمى هو رسالة البابا غريغوري الكبير إلى المبشر أوغسطين القنطبربري، حيث نصحه بعدم تدمير المعابد الوثنية، بل رشها بالماء المقدس وتحويلها لكنائس، وعدم إلغاء الأعياد الوثنية بل تحويلها لأعياد شهداء. هذه سياسة احتواء واستيعاب واعية (Inculturation) سمحت للشعوب بالاحتفاظ بقديسيها المحليين كبديل عن آلهتهم المحلية. لكن هذه المرونة المؤسسية نفسها حملت بذور الانفجار الذاتي، إذ ماذا لو رفضت جماعة ما هذا الدمج، وقرأت النص وحدها، ووجدت أن هذه التراكمات المؤسسية والطقوس المعقدة ليست من صلب الإنجيل بل هي "وثنية متخفية"؟ هذا ما فعله الإصلاح البروتستانتي لاحقًا.
القطب الثالث: الروح الجرمانية الوثنية الكامنة (المستقبِل الفاعل)
وهنا ندخل إلى العنصر الأهم الذي يتم تجاهله: المستقبِل. ما يُسمى في الأنثروبولوجيا الدينية بـ "دمج المعتقدات" أو "التنصير السطحي"، حيث تتبنى الشعوب الدين الجديد لكنها تسقط عليه بنيتها الذهنية القديمة، يفسر لنا الكيفية التي تلقى بها الجرمان والكلت والإسكندنافيون المسيحية. عندما تنصّر هؤلاء، لم يتحولوا إلى شرق أوسطيين روحيًا. لقد فهموا المسيحية من خلال منظارهم الوثني. "الله" أصبح أشبه بالزعيم القبلي الأعلى، و"المسيح" أصبح المحارب البطل الذي هزم الموت، كما في قصيدة "الحلم على الصليب" الأنجلوسكسونية، حيث يُصور المسيح كمقاتل شجاع يركض نحو الصليب، لا كحمل وديعة. هذا يختلف تمامًا عن روحانيات البحر المتوسط.
هنا تكمن "الفردانية الجرمانية": المجتمع القبلي قام على رابطة الولاء الشخصي المباشر بين المحارب الحر وزعيمه، لا على الخضوع لمؤسسة إمبراطورية مجردة. هذا الحس العميق بالاستقلالية الشخصية والكرامة الفردية للمحارب الحر هو نواة "الفردانية" الأوروبية. عندما اعتنقوا المسيحية، نقلوا هذا التمرد الكامن ضد السلطة المركزية إلى المجال الديني.
الانفجار: البروتستانتية كثورة جرمانية كامنة والإلحاد كامتداد عضوي
من هذا المنظور الاجتماعي-التاريخي، لم تكن البروتستانتية مجرد خلاف لاهوتي، بل كانت تمردًا ثقافيًا للروح الجرمانية/الشمالية على المركزية الرومانية/اللاتينية. ما فعله لوثر بترجمته للإنجيل إلى الألمانية كان إعادة إحياء للعقلية القبلية القديمة في قالب مسيحي. رفضه للبابوية (كمؤسسة إمبراطورية بعيدة) لصالح العلاقة المباشرة بين الفرد والله (علاقة المحارب بسيده)، واستخدامه لخاصية المسيحية الجوهرية (العودة للنص الأول والتأويل الفردي) لنسف المرونة المؤسسية للكاثوليكية. لقد وجد الشمالي الوثني في المسيحية ما يلائمه: فردانيته تجاوبت مع "المخلص الشخصي"، وحس التمرد لديه تعلق بصور المسيح الواقف ضد المؤسسة الدينية الفاسدة. المسيحية لم تخلق هذه النزعة، بل قدستها.
أما في الجنوب (إسبانيا، إيطاليا، اليونان)، حيث الإرث الإمبراطوري والقبلي الأبوي قوي، تفاعلت المرونة المسيحية بشكل معاكس تمامًا. تطورت مريم العذراء لتصبح "والدة الإله" لتشبع الحاجة للأمومة والإلهة الأنثوية. تطورت هيكلية الكنيسة الأسقفية لتعكس الهيكل الإمبراطوري الروماني. الطقس الحسي والغني استوعب الحاجة الفلسفية-الجمالية للتأمل المرئي. نفس النص المرن أفرز كنيستين مختلفتين تمامًا لأنه تم تفعيل إمكانياته المختلفة بواسطة ثقافتين مختلفتين.
والإلحاد الشمالي المعاصر (في السويد، الدنمارك، آيسلندا) ليس انحدارًا مفاجئًا، بل هو امتداد عضوي لهذه الفردانية المتطرفة. الروح التي قالت "لا أريد وسيطًا بيني وبين الله" (البروتستانتية) قالت لاحقًا بمنتهى السلاسة "لا أريد الله نفسه إذا كان يمثل سلطة خارجية عليّ". إنها المرحلة النهائية لتفكيك السلطة العمودية التي بدأتها العقلية الوثنية وطورتها البروتستانتية. في الجنوب، ظل الدين مرتبطًا بالجماعة والمؤسسة والطقس الحسي، مما جعله أكثر مقاومة للذوبان في الفردانية البحتة.
التوليفة السياسية الكبرى: شارلمان "أبو أوروبا" والمفارقة الجوهرية
هذه العناصر الثلاثة تجسدت سياسيًا لأول مرة في شخص شارلمان، "أبو أوروبا" بالمعنى الحضاري-السياسي. مشروعه لم يكن استلهامًا من مصدر واحد، بل كان محاولة لصهر العناصر في بوتقة واحدة، لكن بنسب مختلفة أدت إلى تناقض داخلي أصبح محرك التاريخ الأوروبي:
الأساس المسيحي (الأقوى): كان استلهامه المباشر هو المسيحية الكاثوليكية الجامعة. لقبه "إمبراطور روماني" الذي توج به البابا عام 800م لم يكن حنينًا لروما الوثنية، بل إعلانًا عن قيام "مدينة الله" على الأرض. الإمبراطورية كانت مشروعًا دينيًا لتوحيد القبائل الجرمانية تحت سقف الكنيسة.
الإطار الإمبراطوري الروماني (الشكل): استلهم شكل الإمبراطورية الإداري، كفكرة القانون المكتوب فوق العادات القبلية، والإدارة المركزية، ولقب "أغسطس". هذا هو الجانب اليوناني-الروماني: العقلانية في الإدارة وإرث الدولة المركزية.
الواقع الجرماني (المتناقض): مع ذلك، ظل شارلمان ملكًا جرمانيًا في ممارسته. قامت إمبراطوريته على الولاءات الشخصية الإقطاعية الناشئة، وكان يتنقل كزعيم قبلي كبير بلا عاصمة ثابتة.
وهنا بيت القصيد: هذا التناقض الجوهري نفسه بين المركزية الإمبراطورية (مسيحية-رومانية) والروح المحلية المتمردة (جرمانية-وثنية كامنة) هو الذي أدى إلى تفكك إمبراطوريته بعد وفاته، وإلى صراع الكهنة والإمبراطور، وإلى ولادة الدول القومية، وإلى الإصلاح البروتستانتي لاحقًا. باختصار، أوروبا هي الحضارة الوحيدة التي جعلت العقل (اليوناني) حكمًا على الوحي (المسيحي) في صراعاتها الداخلية، بينما كانت الروح (الجرمانية) تسحب البساط من تحت أقدامهما معًا نحو فردانية مطلقة انتهت إلى العلمنة. هذا الصراع الثلاثي هو "العبقرية الأوروبية" في حالة سيولة دائمة.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟