أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - ضرورة مكروهة: أن تكون القبضة الحديدية شراً لابد منه














المزيد.....

ضرورة مكروهة: أن تكون القبضة الحديدية شراً لابد منه


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 23:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"الحكم بالقبضة الحديدية، لا يأخذ الشعوب إلى تقدم ورفاهية وحداثة. لكنه ضروري لكبح جماح الشعوب، التي إذا تركتها حرة ستعيث في الأرض فساداً، وتخرب أول ما تخرب حياتها. . تحتاج الحرية لأحرار يمارسونها، وإلا ستكون مغامرة أقرب للانتحار الجماعي!!"

تستدعي النقاشات الفكرية والسياسية حول إدارة المجتمعات سؤالاً جوهرياً يتعدى التنظير المثالي والشعارات المقولبة: ماذا يحدث عندما تُمنح الحرية لشعوب غير جاهزة لممارستها؟
تطرح المقولة التي نستهل بها المقاربة رؤية واقعية متجردة من العواطف. فهي لا تمتدح الاستبداد ولا تُروّج للديكتاتورية كنموذج إيجابي. بل تبدأ بالاعتراف بأن "الحكم بالقبضة الحديدية لا يأخذ الشعوب إلى تقدم ورفاهية وحداثة". لكنها في الوقت ذاته، تضع يدها على جرح غائر: القبضة الصارمة هي "ضرورة مكروهة" لكبح جماح مجتمعات لم تصل بعد إلى النضج الذي يؤهلها لممارسة الحرية دون أن تؤذي نفسها وتخرب حياتها.
أولاً: كلفة الحرية دون توفر مقوماتها.. عندما تتحول الميزة إلى تدمير ذاتي:
إن افتراض جاهزية جميع الشعوب للحرية هو انسياق خلف شعارات رومانسية تُعمّم وتتجاهل الواقع التاريخي والاجتماعي. فالحرية ليست مجرد حق يوهَب، بل هي مسؤولية وأهلية سيكولوجية وثقافية.
عندما تُطرح الحرية في بيئة تغيب عنها الثقافة المدنية، وتسيطر عليها العصبيات الأولية (الطائفية، القبيلة، أو الفئوية)، فإن الخيار الديمقراطي والحرية المفتوحة لا ينتجان حداثة، بل يتسببان في:
تفشي فوضى الخراب وليست تلك الفوضى الخلاقة التي تنتج تغييراً إيجابياً. بل تحوّل الحرية إلى منفذ لـ "توحش لأسوأ التيارات الفكرية" السائدة والمضمرة في سيكولوجيا القطيع. مما يشرعن استباحة الأنظمة العامة، والتعدي على حريات الآخرين، وتخريب مؤسسات الدولة.
الارتداد إلى التناحر الداخلي: في غياب الوعي الكافي، يُستغل الهامش الحر لتصفية الحسابات التاريخية والتصارع على النفوذ، لـ تحول ساحة الحرية إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، بدلاً من التنافس على البناء.
في هذه الحالة، لا تكون الحرية أداة للنهضة، بل تصبح مكافئاً موضوعياً للتفكك والانتحار الذاتي.
ثانياً: القبضة الحديدية كـ "دواء مرّ" وحل اضطراري
من هذا المنظر، لا تُقدَّم الديكتاتورية بوصفها غاية أو خياراً مبهجاً. فالمقولة تنفي بداية قدرتها على صناعة رفاهية أو حداثة استثنائية. إنها تُعامل معاملة "الدواء المر" أو "البتر الضروري" في الطب: إجراء قسري، ثقيل، ومكروه، لكنه البديل المتاح لمنع هلاك الجسد بالكامل.
كبح الجماح لحماية المجتمع من نفسه:
تتجلى وظيفة السلطة الصارمة هنا في فرض الانضباط القسري، ومنع المجتمع من الانزلاق إلى صراعات بدائية تخرب حياته اليومية.
توفير الحد الأدنى من الأمن: لا يمكن الحديث عن أي شكل من أشكال التنمية أو التطور دون وجود أمن مستقر، حتى وإن كان هذا الأمن مفروضاً بقوة السلطة ونفوذها المطلق.
ثالثاً: جغرافية التأهيل والواقعية القاسية
إن القبول بالقبضة الحديدية كضرورة واقعية لا يعني استمراءها أو توهّم أنها آلية مثالية. فالغاية الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون الخضوع الدائم، بل استغلال حالة الاستقرار المفروضة للوصول إلى النضج وتدريب المجتمع تدريجياً حتى يصبح مؤهلاً لحرية إيجابية النتائج.
لكن القراءة المنصفة للواقع تفرض علينا الإقرار بحقيقة معقدة: القبضة الحديدية ليست مقدمة مثالية يعقبها التأهيل للحداثة بشكل آلي أو طبيعي.

مفارقة السلطة الصارمة:
إن المفاسد والتشوهات السلوكية التي تصاحب أنظمة القبضة الحديدية غالباً ما تكون كفيلة بزيادة حالة التدهور، وتعميق عدم الأهلية للحرية والحداثة. ومع ذلك، تبقى هذه القبضة -حين لا يكون منها بد- هي الحائل دون السقوط في الهاوية، ليظل احتمال تطور الأمور لما هو أفضل قائماً ومستنداً إلى ظروف كل شعب وقدرته على اقتناص الفرصة. كما يتوقف على ميول وهوية وطبيعة من يمسكون السلطة بقبضتهم الفولاذية.
الخلاصة: إن التحذير من منح الحرية لمن لا يستطيع حمل مسؤوليتها ليس مجرد قسوة، بل هو قراءة واقعية لطبيعة البشرية في مراحل ضعفها الحضاري.
والقبضة الحديدية ليست خياراً نموذجياً ولا طريقاً وردياً للحداثة، بل هي درع حماية مؤلم يُلجأ إليه لمنع المجتمعات العاجزة عن إدارة حريتها من تدمير ذاتها. ورغم أن احتمال التطور في ظلها يشوبه الكثير من المخاطر والمفاسد الجانبية، إلا أن بقاء هذا الاحتمال قائماً -مهما بلغت ضآلته أو اختلفت نسبته بين شعب وآخر- يظل منفذ النجاة المتاح، مقارنة بالفوضى المطلقة والخراب التام.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عروش على أشلاء السودان
- في ذكرى نكبة يوليو 1952
- حينما تغدو الكراهية مرآة للألم: تفكيك آلية الإسقاط النفسي
- غاز الجنون الأيديولوجي: عندما تتحول الأفكار إلى وباء للكراهي ...
- ثورة العبيد.. ترتد وبالاً عليهم
- التجربة الكورية: عندما تكتب السياسة شكل الهيكل العظمي
- كي أكون ذاتي، لا ظلاً مقدساً
- النفور من الجديد، غريزة بقاء أم قيد نفسي
- عندما يسعد الإنسان خارج مظلة الوهم
- بين ديناميكية العلم وجمود الأيديولوجيا: رحلة البحث عن الحقيق ...
- مضيق هرمز ومستقبل القانون الدولي
- الشعوب لا تسقط إلا بإرادتها السقوط
- حوار الذات مع Gemini
- الإنسان ودوائر الوعي: من سجن الذات إلى رحابة الكون
- مفارقة الخلود: عندما تُطلب الأبدية في كونٍ يحتضر
- ذلك المحيط الكوني الهادر
- أبعاد الزمكان المنبعجة
- جدلية الوعي بين الفردية والجماعية
- الجماهير بين الفاسد والمفسود، وجدلية الدجاجة والبيضة
- اليسار بين النقد العضوي والعداء المفارق


المزيد.....




- مع تصاعد التوترات في باب المندب والبحر الأحمر.. كيف تستفيد ا ...
- مدرب بطل العالم يهاجم زملاء ميسي: ما حدث بعد النهائي -غير مق ...
- رعب التماسيح يجتاح السودان.. فواجع وتغيرات بيئية تشدد وطأة ...
- -ترقبوا المزيد-.. ترامب يتوعد الاتحاد الأوروبي بدفع ثمن باهظ ...
- السفارة الأمريكية في بغداد تصدر تحذيرا أمنيا لرعاياها
- سوبيانين: إحباط هجوم لنحو 250 مسيرة في مقاطعة موسكو
- أسلحة نووية أمريكية في أوروبا وخطط فرنسية مشابهة وتحذيرات من ...
- لماذا ارتفعت ديون مصر من 48 إلى 165 مليار دولار؟ رئيس الوزرا ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط مئات المسيرات ويحبط هجوما أوكرانيّا ...
- -الحوثيون-: نفضل مواجهة أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني عل ...


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - ضرورة مكروهة: أن تكون القبضة الحديدية شراً لابد منه