أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مفارقة الخلود: عندما تُطلب الأبدية في كونٍ يحتضر














المزيد.....

مفارقة الخلود: عندما تُطلب الأبدية في كونٍ يحتضر


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:26
المحور: قضايا ثقافية
    


لقد كان حلم الخلود دائماً هو المحرك الخفي لرحلة الوعي البشري. في غابر الأزمان، تطلع الإنسان إلى السماء، والتمس الإجابة عند الكهنة وسدنة المعبد؛ فوعدوه بحياة أخرى، ورسموا له معالم الطريق بجسدٍ أثيري وروحٍ شفافة تفلت من أسر المادة وقوانين الفناء.
واليوم، في عصر العلم والتقنية، لم يتغير الحلم، بل تغير زي الكهنة فقط. لقد استبدل الإنسان المعاصر بملابس الكهنة معاطف المختبرات البيضاء، وأصبح يتلمس حلم الأبدية على يد علماء الفيزياء النظرية والمستقبليين، وعلى رأسهم عبقري الفيزياء ميتشيو كاكو (Michio Kaku).
في كتابه "مستقبل البشرية"، يقدم كاكو نبوءة علمية لا تقل سحراً عن أساطير الأقدمين: رقمنة الوعي البشري (Connectome).
يتحدث العلم هنا عن إمكانية رسم الخريطة الكاملة للمخ البشري بمليارات الروابط العصبية، وتحويل الوعي إلى بيانات رقمية تُحمل على "شعاع ليزر" يتم إطلاقه في فضاء الكون الفسيح بسرعة الضوء. وبذلك، يسافر وعي الإنسان إلى القمر في ثانية، وإلى المريخ في دقائق، وإلى النجوم البعيدة في سنوات، ليُعاد استقباله هناك وزرعه في "أجساد آلية" أو هياكل مادية مهيأة. إنها النسخة العلمية الحديثة من "الكائنات الضوئية الخالدة".
ولكن، خلف هذا البريق التكنولوجي الأخاذ، تكمن معضلة كبرى. المشكلة الحقيقية هنا لا تكمن في مدى دقة إجابات الكهنة أو إمكانية تحقق نبوءات الفيزيائيين؛ المشكلة تكمن في السؤال نفسه: سؤال الإنسان عن الخلود.
مفارقة السؤال: وعيٌ يطلب ما لا يملكه الكون
إن رغبة الإنسان في الخلود هي رغبة متناقضة ومفارقة لطبيعة الكون الذي نعيش فيه. نحن نطالب بالخلود في منظومة مادية أصل تكوينها وجوهرها هو "التغير والفناء".
الكون الذي رصدته عقولنا، وحللته معادلاتنا الفيزيائية، لا يعرف الثبات؛ إنه يعرف النشأة، ثم التطور، فالانفجار أو الضمور، وأخيراً الموت والاضمحلال. هذه السيرورة الصارمة تسري على أصغر الجسيمات دون الذرية، مروراً بالكائنات الحية التي تولد وتشيخ وتموت، وصولاً إلى النجوم العملاقة والمجرات السديمية التي تفوق وعينا بما لا يُقاس.
حتى النجوم، تلك المصابيح الكونية التي تبدو لنا سرمدية، تخضع لذات القانون الصارم. عندما ينفد وقودها النووي، تنفجر في مستعرات عظمى (Supernovae) أو تنكمش على نفسها لتتحول إلى أقزام بيضاء أو ثقوب سوداء صامتة.
القانون الصارم: حتمية القانون الثاني للديناميكا الحرارية
من المنظور الفيزيائي الصرف، يُحكم على حلم الخلود بالإعدام من خلال أحد أكثر قوانين الطبيعة صرامة وبشاعة: القانون الثاني للديناميكا الحرارية، أو ما يُعرف بمفهوم الإنتروبيا (Entropy).
ينص هذا القانون، في جوهره المادي، على أن النظام في أي نظام مغلق يميل دائماً إلى التحلل، والتشتت، والفوضى بمرور الوقت. الطاقة المفيدة تتحول تدريجياً إلى طاقة غير مفيدة (حرارة متبددة).
هذه الحقيقة الطبيعية البسيطة هي السهم الزمني الذي يشير دائماً نحو الفناء. وبناءً على هذا القانون، فإن النهاية الحتمية للكون ككل – وفقاً لأكثر السيناريوهات الفيزيائية قبولاً – هي "الموت الحراري للكون" (The Big Freeze أو Heat Death).
في تلك المرحلة المتأخرة، بعد مليارات المليارات من السنين، ستتوسع كل المجرات وتتباعد، وتنطفئ آخر النجوم، وتتحلل الثقوب السوداء نفسها عبر إشعاع هوكينغ، لتصبح حرارة الكون بأكمله قريبة من الصفر المطلق. لن توجد طاقة، لن يوجد بناء، ولن توجد حركة.
النتيجة الحتمية: إنه مع الأسف كون غير خالد!!
كيف يمكن إذن لوعيٍ بشري رقمي، حتى لو تحول إلى شعاع ليزر وتنقل بين النجوم في أجساد آلية، أن ينجو في كونٍ يحتضر؟
إن النجوم التي يطمح "كاكو" أن نسافر إليها ستموت بدورها. والأجساد الآلية التي سنستوطنها ستتآكل بفعل الإنتروبيا. وشعاع الليزر الحامل لوعينا سيتشتت ويضيع في فراغ كوني يتسع بلا نهاية ويفقد طاقته تدريجياً.
إن مفارقة الوجود البشري تكمن في هذا الشرخ العميق: نحن الكائنات الوحيدة التي تملك وعياً يفهم معنى "الأبدية" ويشتاق إليها، لكننا نعيش في جسدٍ فادح الهشاشة، وضمن كونٍ محكوم عليه سلفاً بالموت الجسيم.
في النهاية، يبدو أن هروبنا برفقة الفيزيائيين نحو النجوم ليس إلا امتداداً لهروبنا القديم برفقة الكهنة؛ محاولة شجاعة، ويائسة في آن واحد، لإنكار الحقيقة الكونية الكبرى: نحن أبناء كونٍ غير خالد، وكل ما فيه – بما في ذلك وعينا الذي يتأمل النجوم الآن – ليس سوى ومضة عابرة في ظلام سرمدي.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذلك المحيط الكوني الهادر
- أبعاد الزمكان المنبعجة
- جدلية الوعي بين الفردية والجماعية
- الجماهير بين الفاسد والمفسود، وجدلية الدجاجة والبيضة
- اليسار بين النقد العضوي والعداء المفارق
- قوة الوجود ووعيه: ثلاثية المادة والقانون والعقل
- إشكالية استقلالية العلم
- الحرية لماذا ليست الفوضوية
- أمريكا وإيران- من تغيير النظام إلى التوسل لتوافق
- أسطبلات أوجياس الحديثة: عندما يصبح -الروث الفكري- مقدساً
- حوار ساخن مع الذكاء الاصطناعي- مستقبل البشرية
- حين تملي طهران شروطها
- الحضارة الإنسانية ونظرية الأواني المستطرقة
- عندما تحكم عقلية -التاجر- مشهد السياسة
- من السيف إلى السيليكون: كيف تعيد التكنولوجيا صياغة الهياكل ا ...
- الصراع بين أيديولوجيا الخراب واستحقاقات الحداثة
- الشرق الأوسط بين التحديث والتركيع
- التنوع داخل الجنس البشري
- هل هدمت الفيزيقا هياكل الميتافيزيقا؟
- أمن الخليج ووهم -الحياد السويسري-


المزيد.....




- وسط موجات حر قياسية في أوروبا.. شركة تستثمر في قطارات تتحمل ...
- في عيد استقلالها.. جزر البهاما تفجع بكارثة جوية
- جائزة أفضل هدف بدور الـ16 لقذيفة -الظاهرة- هالاند في البرازي ...
- نيبينزيا يحدد طريقة لإيقاف تمجيد النازيين
- -حرب الممرات-.. -وكالة فارس-: الرد على الهجوم الأمريكي على - ...
- رعب في الأجواء.. إنقاذ مسافر سُحب خارج طائرة بعد انفصال إحدى ...
- -ألف صاروخ جاهز-.. ترمب يهدد إيران بالإبادة وطهران تؤكد أنها ...
- مصاحف ممزقة وشوادر بلاستيكية.. كيف يتعلم أطفال غزة القرآن وس ...
- كيف تعيد الحرب في إيران رسم الخريطة الجيوسياسية لأفريقيا؟
- شاهد.. فيضانات مدمرة تضرب ولاية ميسوري الأمريكية بشكل مفاجىء ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مفارقة الخلود: عندما تُطلب الأبدية في كونٍ يحتضر