أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الإنسان ودوائر الوعي: من سجن الذات إلى رحابة الكون














المزيد.....

الإنسان ودوائر الوعي: من سجن الذات إلى رحابة الكون


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 10:27
المحور: قضايا ثقافية
    


يُولد الإنسان في هذا العالم كصفحة بيضاء تبدأ في التشكل تدريجيًا، ليس فقط من حيث الجسد أو الفكر، بل من حيث المساحة النفسية والإدراكية التي يشغلها في هذا الوجود. هذه المساحة هي ما يمكن أن نسميها "دائرة الوعي".
إن وعي الإنسان ليس حجمًا ثابتًا يُولد به ويموت عليه، بل هو مساحة مرنة، تتسع وتضيق باختلاف الأفراد، وظروفهم، ونضجهم النفسي والروحي. وفي حين قد يعتقد البعض أن الذكاء الخارق أو التحصيل العلمي الغزير هما المحددان الوحيدان لعمق الوعي، فإن الواقع يثبت أن هناك متعلمين يملكون وعيًا ضيقًا لا يتجاوز أرنبة أنوفهم، بينما قد تجد بساطة في العيش تُخفي خلفها وعيًا كونيًا مدهشاً.
فما هي هذه الدوائر؟ وما هي العوامل التي تشكّل اتساعها أو ضيقها؟
مستويات دوائر الوعي: من الأنانية إلى الإنسانية
يمكننا تقسيم دوائر الوعي البشري إلى مستويات متدرجة، تبدأ من المركز الضيق وتتمدد نحو اللانهائية:
1. دائرة الوعي الذاتي الضيقة (الوعي النرجسي)
في هذا المستوى المنخفض، ينكفئ الإنسان على ذاته. تصبح "الأنا" هي مركز الكون ومحوره الوحيد. لا يرى صاحب هذا الوعي إلا احتياجاته، رغباته، ومخاوفه الشخصية. الآخرون في نظره ليسوا سوى أدوات لخدمة أهدافه، وهو ما نسميه في علم النفس بـ النرجسية والأنانية المفرطة. هذا الوعي سجين اللحظة والمصلحة المباشرة. ويعجز حتى عن رؤية مصالحه الشخصية بعيدة المدى، والمتداخلة مع مصالح كثيرين، وقد تمتد لأقصى بقعة بعداً عنه في العالم.
2. دائرة الوعي الجمعي المحدود (القبيلة أو الجماعة)
هنا يتسع الوعي قليلًا ليخرج من سجن الذات الفردية، لكنه يقع في فخ "الأنا الجماعية". يتكامل الفرد مع عائلته، أو قبيلته، أو طائفته، أو حزبه السياسي، أو حتى في حدود وطنه فقط. هو يرى الحق كله في جماعته، والباطل كله فيمن عداها. ورغم أنه وعي يتضمن تضحية من أجل الآخرين، إلا أنه يظل وعيًا مشروطًا بالانتماء وضيق الأفق.
3. دائرة الوعي الإنساني والكوني الرحب
هذا هو السقف الأعلى للوعي البشري. في هذه المرحلة، يتجاوز الإنسان الفوارق العرقية، الدينية، والجغرافية. يصبح آتياً من منطلق "الإنسان أخو الإنسان". يتألم لألم طفل في قارة أخرى، ويهتم بمستقبل كوكبه، ويشعر بالمسؤولية تجاه البيئة، والحيوان، والأجيال القادمة. إنه الوعي الكوني الذي يرى فيه الإنسان نفسه جزءًا من نسيج وجودي ضخم ومترابط.
هناك من يقول: وطني هو العالم (شيلر).
العوامل المؤثرة في اتساع وضيق دائرة الوعي
إن تشكّل هذه الدوائر لا يحدث بمحض الصدفة، بل هو نتاج تداخل معقد بين عوامل داخلية وخارجية، أبرزها:
البيئة والتنشئة الاجتماعية:
التربية التي تتأسس على الخوف، والتشكيك في الآخر، وتقديس المصلحة الشخصية تنتج وعيًا منغلقًا. بالمقابل، التنشئة التي تغرس قيم التعاطف، وقبول الاختلاف، ومساعدة الغير تسهم في تمدد دائرة الوعي منذ الطفولة.
المرونة النفسية والقدرة على التعاطف (Empathy):
الذكاء العاطفي يلعب دورًا يفوق الذكاء العقلي في هذا السياق. القدرة على وضع النفس مكان الآخر ورؤية العالم من منظوره هي المحرك الأساسي لتوسيع دائرة الإدراك. نقابل أحياناً أناساً نطلق عليهم "أصحاب قلب كبير". هم يتمتعون بطاقة نفسية كبيرة واستثنائية، تفيض اهتماماً بدوائر رحبة السعة من الوجود.
التجارب الحياتية والأزمات:
الصدمات، السفر، الاحتكاك بثقافات مغايرة، والانفتاح على تجارب إنسانية مختلفة؛ كلها عوامل تعمل كـ "مطرقة" تكسر جدران الوعي الضيق وتجبر الإنسان على إعادة النظر في مسلماته.
النضج الروحي والفكري:
التأمل والقراءة الواعية والبحث عن غاية الوجود تنقل الإنسان من الاستهلاك السطحي للحياة إلى عمق التدبر، مما يجعل دائرته تتسع لتشمل الكون كله.

الخلاصة
إن اتساع دائرة وعي الإنسان رحلة تحرر مستمرة؛ تحرر من قيود الأنانية الخانقة إلى فضاء الإنسانية الرحب.

ليس الوعي ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة لاستمرار البشرية. فكلما اتسعت دوائر وعينا كأفراد، كلما قلّت الصراعات، والحروب، والظلم، وحلّ مكانها التفاهم والسلام. إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك من علم أو مال، بل بالمساحة التي يشملها بقلبه وعقله في هذا العالم.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفارقة الخلود: عندما تُطلب الأبدية في كونٍ يحتضر
- ذلك المحيط الكوني الهادر
- أبعاد الزمكان المنبعجة
- جدلية الوعي بين الفردية والجماعية
- الجماهير بين الفاسد والمفسود، وجدلية الدجاجة والبيضة
- اليسار بين النقد العضوي والعداء المفارق
- قوة الوجود ووعيه: ثلاثية المادة والقانون والعقل
- إشكالية استقلالية العلم
- الحرية لماذا ليست الفوضوية
- أمريكا وإيران- من تغيير النظام إلى التوسل لتوافق
- أسطبلات أوجياس الحديثة: عندما يصبح -الروث الفكري- مقدساً
- حوار ساخن مع الذكاء الاصطناعي- مستقبل البشرية
- حين تملي طهران شروطها
- الحضارة الإنسانية ونظرية الأواني المستطرقة
- عندما تحكم عقلية -التاجر- مشهد السياسة
- من السيف إلى السيليكون: كيف تعيد التكنولوجيا صياغة الهياكل ا ...
- الصراع بين أيديولوجيا الخراب واستحقاقات الحداثة
- الشرق الأوسط بين التحديث والتركيع
- التنوع داخل الجنس البشري
- هل هدمت الفيزيقا هياكل الميتافيزيقا؟


المزيد.....




- -جريمة بدافع الكراهية-.. شاهد إحراق مجسم لمسجد في أيرلندا ال ...
- قصة مصمّمة تخلّت عن -شانيل- و-لويس فويتون- لإنقاذ الحِرف الم ...
- السلطات السورية: الخلية الإرهابية الموقوفة مسؤولة عن تفجير م ...
- بعد ضبطه... مشتبه بسرقة يعود إلى حريته بسبب رفض المخفر استلا ...
- توسك: الحقيقة تقتضي تخليد أسماء ضحايا مذبحة فولين في وارسو
- إيطاليا تودع بيبينو دي كابري عن عمر ناهز 86 عاما
- مقتل 12 شخصا في حرائق غابات في إسبانيا
- الجزائر تعيد فتح مجالها الجوي أمام طيران مالي وعودة سفيرها إ ...
- الصين: إجلاء أكثر من 900 ألف شخص بسبب الإعصار بافي
- تايم وإيكونوميست تختبران آلية جديدة للمواقع يفهمها الذكاء ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الإنسان ودوائر الوعي: من سجن الذات إلى رحابة الكون