أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - مصر ومسيرة السقوط المقدس














المزيد.....

مصر ومسيرة السقوط المقدس


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 19:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بين قسرية التحديث والعودة للانكفاء المقدس:
قراءة في مسار الدولة المصرية (1805 - 1952 وما بعدها)

لم تكن تجربة التحديث التي بدأها محمد علي باشا عام 1805 واستمرت حتى منتصف القرن العشرين سوى حركة فوقية معزولة عن العصب الحقيقي للأمة المصرية بكافة مكوناتها.
لقد حاولت الأسرة العلوية استيراد وفرض مظاهر المدنية والحضارة الأوروبية على مجتمع ظلّ في أغلبه مشدوداً إلى الماضي، متشبثاً بتدين تقليدي مكافئ للانغلاق والجمود. وعندما وقع انقلاب الضباط في يوليو 1952، لم يكن مجرد تغيير في نظام الحكم، بل كان بمثابة "انتصار لروح الشعب" الحقيقية التي ظلت ترقب التحديث الغربي بتوجس وريبة، لتعلن بدء رحلة النكوص والعودة إلى ما كانت عليه.

أولاً: التحديث الفوقي.. تغريب بلا جذر شعبي (1805 - 1952)
منذ أن قفز محمد علي إلى الحكم، تعامل مع مصر كمزرعة خاصة ومشروع عسكري لتثبيت أركان حكمه. استورد العلوم والتنظيمات الإدارية والعسكرية من أوروبا، واستنسخ الخديوي إسماعيل العمارة والنظم الفرنسية في "القاهرة الخديوية"، لكن هذا البناء العالي أُقيم على أرضية شعبية لم تتغير جوهرياً:
- العزلة بين النخبة والشعب:
عاشت الطبقة الحاكمة والنخبة الفكرية المتأثرة بأوروبا في عالم منفصل عن بقية المجتمع. كانت الأوبرا، والصالونات الأدبية، ودساتير 1923، والممارسة الحزبية الليبرالية تمارسها فئة قليلة، بينما بقي العقل الجمعي في القرى والأرياف أسير الفكر السلفي والكتاتيب والوعي القديم. (وليس من المستغرب الآن أن نسمع عن العودة للكتاتيب في مصر القرن الحادي والعشرين!!).
- الرفض الضمني لقيم العصر: استوردت الدولة الآلة والنظام من الغرب، لكنها فشلت في غرس "العقلانية" أو "روح العصر" في المكون الشعبي. ليظل التدين الشكلي والمغرق في التقليد هو الحاكم الحقيقي لسلوك الأفراد، ورأى الكثيرون في مظاهر التحديث الخديوي والأوروبي نوعاً من "التغريب" والمروق عن الهوية.

ثانياً: انقلاب يوليو 1952.. التعبير الصريح عن العقل الجمعي
جاءت حركة الضباط عام 1952 لتضع حداً لهذه المفارقة. لم يكن الضباط الذين استولوا على السلطة قادمين من الأكاديميات الفكرية أو الصالونات الليبرالية، بل كانوا نتاجاً خالصاً للطبقة الوسطى والريفية، يحملون نفس مخاوفها، وتطلعها للحلول الأبوية الشمولية، وانغلاقها الفكري:
1. تصفية مظاهر العصر: بتصفية الحياة النيابية، وإلغاء الأحزاب، ومصادرة الصحافة الحرة، تم تجريف القشرة المدنية الرقيقة التي تشكلت على مدار قرن ونصف، والعودة بالمجتمع إلى نمط الحكم السلطوي التقليدي الذي يفضل "المستبد العادل" على النظام الديمقراطي المؤسسي.
2. شيطنة الغرب والحضارة الحديثة: استُبدل الشغف بالتطور العلمي والفكري الأوروبي بخطاب قومي وشعبي يقتات على التوجس من الآخر، ويعادي مفهوم الحريات الفردية والمدنية باعتبارها واردات غربية مشبوهة.

ثالثاً: تجليات الردة الشعبية.. تيار الإخوان وانكفاء الكنيسة
إن أسطع دليل على أن 1952 كانت "استعادة للروح الأصلية" وليس مجرد عارض سياسي، هو ما آلت إليه الخريطة الدينية والاجتماعية في مصر لاحقاً؛ حيث ظهر عمق الارتداد الشعبي في تمظهرات لم يستثنَ منها أحد:
- صعود "الإخوان المسلمين" كممثل لعمق الشارع:
لم يكن نجاح جماعة الإخوان المسلمين وتمددها الكاسح في العقود التالية مجرد نتيجة لتنظيم سري أو انتهازية سياسية، بل كان تجسيداً أميناً لـ "عمق الردة الشعبية". لقد وجد الملايين من أبناء الشعب في أدبيات حسن البنا وسيد قطب تعبيراً صادقاً عن وجدانهم المتطلع للماضي، ورفضهم لقيم العصر والمدنية، فكان تيار الإخوان هو الفائز الطبيعي بأصوات العقل الجمعي عندما تُركت له حرية الاختيار، لأنه يتكلم لغته المفضلَة: لغة النكوص والتاريخ.
- انكفاء المسيحيين الأقباط داخل أسوار الكنيسة:
لم يسلم الأقباط -الذين كانوا جزءاً أصيلاً من الحركة الوطنية والدولة المدنية في ثورة 1919- من آثار هذه الردة الشاملة. أمام تصاعد الشحن الديني في الشارع وتراجع مفهوم المواطنة المدنية، ردّ أقباط مصر بالانكفاء والانعزال داخل مؤسستهم الكنسية. تحولت الكنيسة بالنسبة لهم من مؤسسة عبادة إلى مأوى وملاذ اجتماعي وسياسي يُدير حياتهم، في حالة نكوص طائفية واضحة تعكس عجز الدولة والمجتمع عن استيعابهم داخل فضاء مدني حديث.

رابعاً: ارتداد استمر عقوداً.. مفارقة العصر
إن ما شهدته مصر بعد عام 1952، وحتى وقتنا الحالي، هو النتيجة الطبيعية لانتصار العقل الجمعي التقليدي على محاولة التحديث القسري. لقد عادت الروح الجمعية إلى ملجأها القديم:
- الهرب إلى الماضي: أدى الاستبداد السياسي والتعثر الاقتصادي إلى الارتماء الكامل في أحضان التدين المغلق، واستعادة أفكار وقيم القرون الوسطى للتغلب على تحديات الواقع، بدلاً من إنتاج معارف وأفكار تناسب العصر.
- مفارقة العصر: بينما يركض العالم نحو الثورات الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، وسيادة القانون، بقي الشارع بمختلف طوائفه مشغولاً بسجالات عقائدية وفقهية وانعزالية تعود إلى مئات السنين.
خلاصة
إن قراءة تاريخ مصر الحديث بعيداً عن المساحيق التجميلية تكشف عن حقيقة ساطعة:
التحديث الذي قادته أسرة محمد علي كان زراعة لغرسة غربية في تربة غير هيأة لها.
وما حدث في 1952 لم يكن سوى اقتلاع لهذه الغرسة وعودة تلقائية للشعب إلى روحه الأولى؛ وهي الردة التي تمثلت جلياً في سيطرة الفكر الإخواني على السواد الأعظم من الشارع المسلم، وتقوقع الشارع المسيحي داخل أسوار الكنيسة، ليثبت المجتمع ببراعة أنه ما زال وفياً للقديم المقدس، ومفارقاً للحضارة الحديثة.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية
- الحضارة الأوروبية. . چينات ومحددات هوية
- مصر بين أولاد البطة البيضاء وأولاد السوداء
- تعقيب على مقالي: الحضارة الأوروبية مسيحية أم لامسيحية الهوية
- الحضارة الأوروبية، مسيحية أم لامسيحية الهوية
- التجديف في المخاضة الإيرانية
- شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع
- الهجرة غير الشرعية وخيار الانتحار
- هل تصمد روح الكرة أمام طوفان الاستثمار؟
- قراءة في فلسفة الوعي والضمير الجمعي
- بين الظمأ إليها والخوف من كفالتها: العبودية المختارة وصراع ا ...
- توحد الراديكالية وتقويض أعمدة الحضارة المعاصرة
- في مخاضة كائنات الشرق الأوسط
- جدلية الوحشية الفطرية وطموح التسامي
- ضرورة مكروهة: أن تكون القبضة الحديدية شراً لابد منه
- عروش على أشلاء السودان
- في ذكرى نكبة يوليو 1952
- حينما تغدو الكراهية مرآة للألم: تفكيك آلية الإسقاط النفسي
- غاز الجنون الأيديولوجي: عندما تتحول الأفكار إلى وباء للكراهي ...
- ثورة العبيد.. ترتد وبالاً عليهم


المزيد.....




- -الوقائع العسكرية-: اقتران -سوخوي-25- مع مسيرات -غيران- الرو ...
- - قاع الهامور- يصعد إلى الترند في مصر، ما القصة؟
- مسلحون يقطعون طريق دمشق – السويداء.. والامتحانات الثانوية ره ...
- أوكرانيا وروسيا في سباق خطير.. موسكو وبكين تطوران بديلًا لـ- ...
- حرب إيران وقواعد أمريكا في الخليج.. نهاية عصر الحصون الكبرى؟ ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يتوغل في قرية أم العظام في ريف القن ...
- -أكسيوس-: اجتماع -نادر ومثمر- بين وزير الخارجية السوري ورئيس ...
- -واشنطن بوست-: هل تنفذ إيران ضربة استباقية قبل انتخابات التج ...
- الجيش اليوناني ينقل بطارية باتريوت إضافية إلى جزيرة كريت
- -مناهضو الحرب في السودان- يرفضون مقترح الحوار ويطرحون مسارا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - مصر ومسيرة السقوط المقدس