أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام














المزيد.....

مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 22:14
المحور: قضايا ثقافية
    


حين نرفع أبصارنا إلى السماء في عتمة الليل، تبدو لنا النجوم كأنها حبات لؤلؤ نُثرت بعناية على صفحة سوداء لا نهاية لها. وقد يوحي إلينا هذا المشهد، في لحظة من الغرور البشري القديم، بأن السماء صُنعت لتكون مسرحًا لنا، وأن الكون كله يدور حول هذا الكائن الصغير الذي يقف على كوكب صغير، وينظر إلى الأعلى متسائلًا عن مكانه في الوجود.
لقد احتاج الإنسان إلى قرون طويلة كي يتحرر من وهم أن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس والقمر والنجوم تتحرك من أجلنا. ومع كل خطوة في المعرفة، كان المركز يتراجع بعيدًا، بينما كانت الصورة الكونية تكبر وتزداد اتساعًا ورهبة.
الأرض ليست مركز الكون.
والشمس ليست مركز الكون.
بل إن الشمس نفسها ليست سوى نجم عادي، واحدًا من مئات المليارات من النجوم التي تنتمي إلى مجرة واحدة هي درب التبانة.
وفي أحد أذرعها، في منطقة تُعرف بذراع الجبار، تتحرك مجموعتنا الشمسية في صمت كوني هائل، على مسافة تقارب ستة وعشرين ألف سنة ضوئية من مركز المجرة. والشمس، التي تبدو لنا كل صباح وكأنها ثابتة في السماء، ليست ساكنة على الإطلاق؛ إنها في رحلة مستمرة حول مركز المجرة، بسرعة هائلة، وتحتاج إلى نحو مئتين وثلاثين مليون سنة لتكمل دورة واحدة.
مئتان وثلاثون مليون سنة!
رقم يتجاوز قدرة الذاكرة البشرية على التصور.
وخلال دورة شمسية واحدة حول مركز المجرة، تتغير الأرض، وتتبدل القارات، وتنقرض أنواع، وتظهر أخرى، وتولد حضارات وتسقط إمبراطوريات، ويولد الإنسان نفسه ويكتب تاريخه ثم يختفي أثره.
ومع ذلك، يستمر الكون في صمته.
تمتد درب التبانة لأكثر من مئة ألف سنة ضوئية، وتحتضن في أذرعها الهائلة مئات المليارات من النجوم، وربما أعدادًا لا تحصى من الكواكب والعوالم التي لم تعرف البشرية عنها إلا النزر اليسير.
لكن المفاجأة الأكبر لا تكمن في عظمة المجرة.
إنها في اكتشاف أننا لسنا حتى في مركز المشهد المجري.
فدرب التبانة نفسها ليست إلا جزيرة كونية واحدة وسط محيط هائل من المجرات، والكون المرصود يضم عددًا مذهلًا من المجرات الأخرى، لكل واحدة منها نجومها وأنظمتها وكواكبها وتاريخها الكوني الخاص.
وهنا يبدأ السؤال الوجودي الحقيقي:
إذا لم تكن الأرض مركز الكون، وإذا لم تكن الشمس مركز المجرة، وإذا كانت مجرتنا نفسها مجرد واحدة من عدد هائل من المجرات… فمن أين جاء الإنسان بفكرة أنه مركز الوجود؟
ربما كان ذلك نتيجة طبيعية لضيق مجال رؤيته.
فالإنسان في بداياته لم يكن يرى إلا ما يحيط به. كانت الأرض تبدو ثابتة، والسماء تدور فوقه، والشمس تشرق له كل صباح وتغيب كل مساء. ومن هذا الأفق المحدود نشأ وهم المركزية.
لكن العلم لم يحطم هذا الوهم بضربة واحدة؛ بل أزاحه طبقة بعد طبقة.
كلما اتسعت رؤيتنا للكون، صغر حجمنا فيه.
وكلما ازداد علمنا، تراجع الوهم.
لقد كانت الثورة الكونية الكبرى في تاريخ الفكر البشري أكثر من مجرد تغيير في الخرائط الفلكية؛ كانت تغييرًا في صورة الإنسان عن نفسه.
- فالأرض التي كانت تبدو لنا مسرح الوجود، أصبحت كوكبًا صغيرًا بالغ التفاهة، يدور حول نجم عادي ضئيل، مقارنة بالنجوم الكونية العملاقة.
- والشمس التي عبدتها حضارات قديمة وأدهشت الإنسان منذ فجر التاريخ، أصبحت واحدة من نجوم لا تُحصى.
- والمجرة التي تبدو لنا هائلة إلى حد يستحيل معه تخيل أطرافها، أصبحت بدورها مجرد نقطة في المشهد الأعظم.
وهكذا، كلما ظن الإنسان أنه بلغ حدود الكون، اكتشف أن تلك الحدود لم تكن سوى حدود جهله.
ومع ذلك، فإن صِغرنا الكوني لا يعني بالضرورة انعدام قيمتنا.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر عمقًا.
فالإنسان ليس عظيمًا لأن الكون وضعه في مركزه. إذ لا دليل على وجود مركز كوني مادي مخصص له أصلًا. وليس جديرًا بالدهشة لأنه يسكن أكبر كوكب، أو لأن شمسه أعظم النجوم.
إن قيمة الإنسان، إن كان لها معنى، لا تأتي من حجمه في الكون، بل من قدرته على أن يعرف أنه صغير.
ذرة من المادة استطاعت أن تنظر إلى المجرات.
كائن نشأ على كوكب صغير استطاع أن يعيد بناء تاريخ النجوم، وأن يحسب أعمار المجرات، وأن يتساءل عن أصل الزمان والمكان.
وهنا تنقلب المفارقة:
قد يكون الإنسان صغيرًا جدًا في الكون، لكنه يمتلك وعيًا يستطيع أن يحمل صورة عن الكون كله.
إن أعظم ما كشفه لنا العلم ليس أننا مركز الكون، بل أننا لسنا مركزه.
وهذا الاكتشاف، بدل أن يكون إهانة للإنسان، يمكن أن يكون تحريرًا له.
تحريرًا من نرجسية عمرها آلاف السنين.
فحين ندرك أن الأرض ليست إلا كوكبًا صغيرًا، وأن الشمس ليست إلا نجمًا من نجوم لا تُحصى، وأن مجرتنا ليست إلا واحدة من مجرات هائلة العدد، يصبح من الصعب أن نتمسك بذلك الوهم القديم الذي يجعل الإنسان محور الوجود.
نحن لا نعيش في كون يدور حولنا.
نحن نعيش في كون هائل، قديم، شاسع، لا يبدو أنه يعرف بوجودنا أصلًا.
ومع ذلك، نحن هنا.
نحدق في السماء.
نقيس المسافات التي يستحيل على أجسادنا عبورها.
نحوّل الضوء القادم من نجوم بعيدة إلى معرفة.
ونسأل: من أين أتينا؟ وإلى أين نمضي؟ وما معنى وجودنا في هذا الامتداد الذي يكاد يتجاوز قدرة العقل على التصور؟
لذلك، ربما لا تكون الحكمة الحقيقية في أن نقول:
“نحن مركز الكون.”
بل في أن نمتلك الشجاعة لنقول:
“لسنا مركز الكون… ومع ذلك نستطيع أن نفهم شيئًا منه.”
يمكننا أن نستعرض في لحظة شريط الصور التي رددناها عن أنفسنا وأهميتنا لآلاف السنين. لندرك أنها كانت كما لو أحلام كائن وحيد الخلية، يسكن على سطح ذرة رمل في جبل هائل، ضمن جبال وهضاب صحراء ممتدة بما يفوق القدرة على الإدراك!!
في تلك اللحظة تحديدًا، حين تسقط أوهام المركزية، لا يسقط الإنسان.
بل يولد من جديد.
أصغر حجمًا في الكون…
وأكبر وعيًا به.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...
- مصر ومسيرة السقوط المقدس
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية
- الحضارة الأوروبية. . چينات ومحددات هوية
- مصر بين أولاد البطة البيضاء وأولاد السوداء
- تعقيب على مقالي: الحضارة الأوروبية مسيحية أم لامسيحية الهوية
- الحضارة الأوروبية، مسيحية أم لامسيحية الهوية
- التجديف في المخاضة الإيرانية
- شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع
- الهجرة غير الشرعية وخيار الانتحار
- هل تصمد روح الكرة أمام طوفان الاستثمار؟
- قراءة في فلسفة الوعي والضمير الجمعي


المزيد.....




- تحليل محايد لخبراء الأسلحة يكشف نوع الذخيرة التي قتلت المدني ...
- ترامب يلمح إلى التخلي عن دعم بريطانيا في نزاع جزر فوكلاند إث ...
- ميروشنيك: الغرب يستعمل أوكرانيا كميدان لاختبار الأسلحة
- Open AI تعلن بلوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام بنموذج -أسترا- ...
- كوريا الجنوبية تستعد لنشر أصول عسكرية للمساهمة في حركة مضيق ...
- -إرهاق ترمب- يقلق الجمهوريين
- ترامب يعلن هوية خليفة وزير الجيش المستقيل
- العثور على قارب مهاجرين قرب جزر الكناري الإسبانية بداخله 5 ج ...
- البنتاغون يسحب وثائق سرية من نظام داخلي
- الصفدي: سنضمن أمن وسيادة الأردن


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام