أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل















المزيد.....


الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 09:39
المحور: قضايا ثقافية
    


الفلسفة الطبيعية هي تصور للوجود ينطلق من الطبيعة باعتبارها الواقع الشامل الذي يضم المادة والطاقة والحركة والقوانين والتفاعلات والحياة والعقل والوعي. ووفق هذا التصور المادة والطاقة، بما تتضمنانه من إمكانات وتفاعلات، والقوانين التي تحكم هذه التفاعلات، تشكل الأساس الذي نشأت منه البنى الكونية والحيوية والعقلية.
فالكون ليس مجرد مسرح تتحرك فوقه الموجودات، ولا الطبيعة مجرد مادة خام صماء هامدة. بل إن الطبيعة نفسها منظومة ديناميكية قادرة على إنتاج البنية والتنظيم والتعقيد والتحول.
فالذرات تتجمع في جزيئات، والجزيئات تدخل في تراكيب أكثر تعقيدًا، والتفاعلات الكيميائية تقود في ظروف معينة إلى أنظمة قادرة على المحافظة على تنظيمها والتكاثر والتغير، ثم تتطور الحياة عبر آليات الانتخاب والتوارث، وتنشأ الأجهزة العصبية، ويظهر الوعي، وتتطور القدرات العقلية واللغوية والمعرفية.
وبذلك لا يقف الإنسان خارج الطبيعة، وإنما يمثل أحد أكثر منتجاتها تعقيدًا. والعقل الإنساني ليس عنصرًا هبط على العالم من خارجه، وإنما نتاج تاريخ طويل من التطور البيولوجي والتنظيم العصبي والتفاعل مع البيئة.
ومن هنا تنطلق الفلسفة الطبيعية من فكرة أساسية:
إذا كانت الطبيعة هي المجال الشامل للوجود، فإن تفسير الظواهر ينبغي أن يبدأ من العمليات والعلاقات والقوانين الكامنة في الطبيعة نفسها، لا من افتراض أسباب تقع خارجها.

أولًا: ماذا تعني الفلسفة الطبيعية؟
الفلسفة الطبيعية، بهذا المعنى، ليست مجرد دراسة للظواهر الطبيعية، ولا هي مرادف للعلوم الطبيعية، وإنما هي رؤية فلسفية للوجود تستند إلى ما تكشفه العلوم عن الطبيعة. وتنطلق من أن الخصائص التي تبدو لنا متفرقة في العالم يمكن فهمها بوصفها نتائج لمستويات مختلفة من التنظيم والتفاعل. فالقدرة على إحداث التغير تظهر في الطاقة والقوى والتفاعلات.
والانتظام يظهر في القوانين والعلاقات الثابتة نسبيًا التي تصف سلوك الأنظمة الطبيعية.
والتعقيد يظهر عندما تتجمع مكونات بسيطة في بنى وشبكات ذات خصائص جديدة.
والحياة تظهر عندما يصل التنظيم المادي إلى مستوى يسمح بالاستقلال والمحافظة على البنية والتكاثر والتطور.
والوعي يرتبط بظهور أجهزة عصبية بالغة التعقيد.
والعقل يظهر بوصفه مستوى متقدمًا من معالجة المعلومات والتنبؤ والتعلم والتمثيل الرمزي.
والمعرفة تظهر عندما يصبح أحد منتجات الطبيعة -أي العقل الإنساني- قادرًا على بناء نماذج عن الطبيعة نفسها. ومن ثم يمكن النظر إلى الكون بوصفه سلسلة متصلة من التحولات المادية ومستويات التنظيم، لا مجموعة من العوالم المنفصلة.

ثانيًا: المادة والطاقة أساس الوجود الطبيعي
تنطلق الفلسفة الطبيعية من أن العالم يتكون من أنظمة فيزيائية تخضع للتفاعلات والقوانين الطبيعية. وأن والمادة والطاقة ليستا مجرد كتلة خاملة، بل تدخلان في شبكة هائلة من التحولات والتفاعلات.
تتكون النجوم، وتتفاعل داخلها العناصر، وتتكون عناصر أثقل، ثم تنتشر هذه العناصر في الفضاء، وتدخل لاحقًا في تكوين الكواكب والجزيئات والأنظمة الكيميائية. ومن هذا التاريخ الكوني الطويل أصبحت الشروط اللازمة لظهور الكيمياء المعقدة والحياة ممكنة في بعض البيئات.
وهكذا تنتقل كل مرحلة إلى المرحلة التالية تلقائياً، وبدوافع وتطورات ذاتية. بحيث يمكن فهم التاريخ الكوني باعتباره تاريخًا متصلًا من التحولات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والعصبية.

ثالثًا: من المادة إلى التعقيد
من أهم مفاهيم الفلسفة الطبيعية مفهوم التعقيد. فالمادة البسيطة يمكن أن تدخل في تراكيب أكثر تعقيدًا، وهذه التراكيب يمكن أن تمتلك خصائص لا تظهر في المكونات منفردة. الماء، مثلًا، لا يمكن فهم خصائصه بمجرد جمع خصائص ذرتي الهيدروجين والأكسجين بصورة منفصلة؛ فالخصائص الجديدة تظهر من طريقة ارتباط الذرات وتنظيمها.
وهذه الفكرة تصبح أكثر أهمية في الأنظمة البيولوجية. فالخلية ليست مجرد مجموعة من الذرات والجزيئات، وإنما شبكة هائلة من العمليات والتفاعلات المنظمة التي تسمح لها بالمحافظة على بنيتها واستقبال الطاقة ومعالجة المواد والمعلومات والتكاثر.
ومن هنا يمكن صياغة مبدأ مهم:
كلما ارتفع مستوى التنظيم، يمكن أن تظهر خصائص جديدة لا توجد بالصورة نفسها في المكونات المنفردة.
وهذا هو جوهر مفهوم الانبثاق.

رابعًا: الانبثاق وظهور الخصائص الجديدة
الانبثاق يعني أن مجموعة من العناصر عندما تنتظم في شبكة من العلاقات والتفاعلات قد تنتج خصائص جديدة على مستوى أعلى. ولا يعني ذلك أن هذه الخصائص تأتي من خارج النظام، بل إنها تنشأ من العلاقات بين مكوناته وطريقة تنظيمها. فالخلية تنشأ من تفاعلات جزيئية، لكن الحياة ليست خاصية لجزيء واحد. والدماغ يتكون من خلايا عصبية، لكن التفكير ليس خاصية لخلية عصبية منفردة. واللغة لا توجد في خلية واحدة، وإنما تظهر من نشاط شبكة عصبية واجتماعية وثقافية شديدة التعقيد. والحضارة ليست خاصية لفرد واحد، وإنما نتيجة تفاعل ملايين الأفراد والمؤسسات والمعارف واللغات والتقنيات عبر الزمن.
وهكذا يمكن تصور الطبيعة على أنها تنتج، عبر التنظيم والتفاعل، مستويات متدرجة من الخصائص الجديدة.

خامسًا: التنظيم الذاتي
يشكل التنظيم الذاتي أحد المفاهيم الأساسية في هذه الرؤية. فبعض الأنظمة الطبيعية تستطيع، نتيجة تفاعلات مكوناتها وتبادلها للطاقة والمادة والمعلومات مع البيئة، أن تنتج أنماطًا منظمة دون وجود مدير خارجي يتحكم في كل خطوة. ومن أمثلة ذلك:
* تشكل بعض البنى البلورية.
* ظهور أنماط منظمة في الأنظمة الفيزيائية والكيميائية.
* التنظيم الداخلي للشبكات البيولوجية.
* آليات المحافظة على الاتزان الداخلي للكائنات الحية.
* تكوين بعض الأنماط الجماعية في الكائنات.
* نشوء أنماط معينة في النظم البيئية.
* التنظيم المعقد في الجهاز العصبي.
ولا يعني التنظيم الذاتي أن النظام ينظم نفسه من «لا شيء». فالعملية تعتمد على قوانين طبيعية، وشروط ابتدائية، وتدفقات للطاقة والمادة والمعلومات.
لكن النقطة الفلسفية المهمة هي أن النظام يمكن أن يكون نتيجة للعمليات الداخلية للنظام نفسه، وليس بالضرورة نتيجة تصميم خارجي مباشر.

سادساً: قوانين الطبيعة وبنية الواقع
تمثل قوانين الطبيعة أحد أهم عناصر الفلسفة الطبيعية. فالجاذبية والكهرومغناطيسية والديناميكا الحرارية وميكانيكا الكم والنسبية والتفاعلات الكيميائية والقوانين البيولوجية ليست كيانات مستقلة تقف خلف الطبيعة، وإنما هي صيغ علمية تصف انتظامات وعلاقات قابلة للرصد والقياس والنمذجة. إنها تسمح لنا بفهم كيفية تغير الأنظمة والتنبؤ بسلوكها ضمن حدود معينة. واللافت أن هذه الانتظامات قابلة للصياغة الرياضية. وهنا يظهر أحد أعمق جوانب العلاقة بين الإنسان والكون:
الكون ينتج كائنًا قادرًا على اكتشاف الانتظامات التي تحكم الكون. فالدماغ البشري نتاج للتطور الطبيعي، ومع ذلك يستطيع هذا الدماغ أن يبني معادلات تصف حركة المجرات، وأن يستنتج وجود جسيمات، وأن يعيد بناء تاريخ الكون، وأن يدرس تركيب المادة، وأن يفكك الشفرة الجينية. إنها ليست مفارقة تتطلب تفسيرًا خارقًا؛ وإنما ظاهرة طبيعية شديدة التعقيد:
نظام مادي أصبح قادرًا على بناء نموذج معرفي عن النظام المادي الذي نشأ منه.

سابعًا: الحياة بوصفها مستوى من التنظيم المادي
الحياة ليست مادة مختلفة عن المادة الطبيعية. الكائن الحي يتكون من العناصر نفسها التي تتكون منها بقية الطبيعة، لكنه يختلف عنها في طريقة التنظيم والعلاقات الداخلية وتدفق الطاقة والمادة والمعلومات. فالخلية تحافظ على حدودها الداخلية، وتستقبل المواد والطاقة، وتنتج مركبات جديدة، وتتخلص من الفضلات، وتنسخ مادتها الوراثية، وتتفاعل مع البيئة.
ومن هنا يمكن فهم الحياة باعتبارها نظامًا ماديًا ديناميكيًا قادرًا على المحافظة على تنظيمه والتكاثر والتغير عبر الأجيال.
ولا يعني ذلك أن العلم قد حسم جميع الأسئلة المتعلقة بأصل الحياة. فما زالت هناك مسائل مفتوحة حول الكيفية التفصيلية التي انتقلت بها الكيمياء غير الحيوية إلى أول الأنظمة ذات الخصائص الحيوية.

ثامنًا: التطور بوصفه آلية لإنتاج التعقيد البيولوجي
تقدم نظرية التطور إطارًا أساسيًا لفهم التنوع الحيوي. فالطفرات والتنوع الوراثي والوراثة والانتخاب الطبيعي والانحراف الجيني وتدفق الجينات وغيرها من الآليات تؤدي إلى تغير الجماعات الحية عبر الأجيال. والنتيجة عبر الأزمنة الجيولوجية يمكن أن تكون ظهور تراكيب ووظائف شديدة التعقيد. ومن هنا فإن وجود التعقيد البيولوجي لا يستلزم بالضرورة افتراض أن كل تفصيل فيه نتج عن تصميم مباشر. بل يمكن أن يكون التعقيد نتيجة لتراكم تغيرات صغيرة، وانتقاءات متكررة، وتفاعلات بين الكائنات وبيئاتها، عبر فترات زمنية هائلة.
وبذلك يصبح التطور أحد أهم الأمثلة على قدرة العمليات الطبيعية على إنتاج بنى شديدة التعقيد.

تاسعًا: الجهاز العصبي وظهور الوعي
يمثل الوعي واحد من أصعب المسائل الفلسفية والعلمية. لكن الفلسفة الطبيعية تبدأ من حقيقة واضحة: الوعي الذي نعرفه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالدماغ والجهاز العصبي. وتغير حالة الدماغ يؤدي إلى تغيرات في الإدراك والذاكرة والمشاعر والانتباه والقدرات المعرفية. ومن هنا يمكن النظر إلى الوعي بوصفه ظاهرة مرتبطة بمستوى معين من التنظيم العصبي. وهذا لا يعني أن مشكلة الوعي قد حُلت بالكامل. فلا تزال هناك أسئلة عميقة حول كيفية ارتباط العمليات العصبية بالتجربة الذاتية، وكيف تنشأ الخبرة الواعية من النشاط العصبي.
لكن المنهج الطبيعي يرى أن الطريق الصحيح لمعالجة هذه المشكلة هو دراسة البنية العصبية والعمليات الفيزيولوجية ومعالجة المعلومات والتفاعلات الدماغية.

عاشرًا: العقل بوصفه نتاجًا طبيعيًا
العقل ليس جسمًا مستقلًا عن الطبيعة، بل هو مستوى من مستويات التنظيم الوظيفي للدماغ والجهاز العصبي، نشأ وتطور في سياق بيولوجي واجتماعي طويل. فالذاكرة والتعلم والإدراك والتخطيط واللغة والاستدلال كلها مرتبطة بشبكات وعمليات عصبية معقدة.
ومع ذلك فإن القول بأن العقل طبيعي لا يعني اختزاله إلى مجموعة بسيطة من الذرات.
فكما أن الحياة لا تختزل إلى قائمة بالعناصر الكيميائية، فإن التفكير لا يُفهم بمجرد تعداد الذرات الموجودة في الدماغ. المهم هو البنية والعلاقات والعمليات والتدفقات المعلوماتية. ولهذا يمكن القول أن العقل ليس مادة أخرى غير المادة، ولكنه تنظيم آخر للمادة.

حادي عشر: الإنسان بوصفه جزءًا من تاريخ الكون
الإنسان ليس مركز الكون من الناحية الفيزيائية. فالكون أقدم منه بما يقارب عمر الكون المعروف، والمجرات والنجوم والكواكب نشأت قبل ظهور الإنسان بزمن هائل. لكن الإنسان يمثل مرحلة مميزة من تاريخ التنظيم الطبيعي، لأنه يمتلك قدرة متقدمة على:
* الإدراك.
* التعلم.
* التذكر.
* التخيل.
* اللغة.
* بناء النماذج.
* الاستدلال.
* التخطيط.
* إنتاج المعرفة.
والإنسان بهذا المعنى ليس منفصلًا عن الكون، وإنما نتاج تاريخ كوني طويل انتهى بظهور كائن قادر على دراسة ذلك التاريخ.
ومن هنا يمكن استخدام عبارة فلسفية دقيقة:
العقل الإنساني هو أحد الطرق التي أصبحت بها الطبيعة قادرة على تمثيل نفسها معرفيًا.
ولا تعني هذه العبارة أن الكون يمتلك عقلًا شخصيًا، بل تعني أن أحد مكوناته الطبيعية أصبح قادرًا على بناء صورة معرفية عن الكل الذي ينتمي إليه.

ثاني عشر: وحدة الطبيعة وتعدد مستوياتها
لا تعني وحدة الطبيعة أن كل الأشياء متطابقة. فالذرة ليست خلية، والخلية ليست إنسانًا، والإنسان ليس مجرة. لكن هذه المستويات المختلفة تشترك في أنها جزء من نظام كوني واحد.
ويمكن تمثيل هذا النظام على النحو التالي:
المادة والطاقة —> الجسيمات والذرات —> الجزيئات —> التراكيب المعقدة —> الأنظمة الكيميائية —> الحياة —> الجهاز العصبي —> الوعي —> العقل —> اللغة والمعرفة والثقافة
هذه المستويات ليست منفصلة، بل مترابطة.
والانتقال بينها لا يعني ظهور مادة جديدة من خارج الكون، وإنما ظهور تنظيمات جديدة للمكونات الطبيعية الموجودة أصلًا.

ثالث عشر: المعلومات كعنصر أساسي في التنظيم
يمكن توسيع هذه الرؤية بإدخال مفهوم المعلومات. فالحياة لا تعتمد على المادة والطاقة وحدهما بمعناهما الفيزيائي، بل تعتمد أيضًا على تنظيم المعلومات.
المادة الوراثية تحمل معلومات مرتبطة ببناء البروتينات وتنظيم العمليات الحيوية.
والجهاز العصبي يعالج معلومات عن البيئة والجسم.
والدماغ يبني نماذج داخلية للعالم.
واللغة تسمح بتخزين المعلومات ونقلها عبر الأفراد والأجيال.
والعلم يمثل مستوى أكثر تعقيدًا من تنظيم المعلومات، لأنه يسمح للإنسان ببناء نماذج مجردة عن الواقع واختبارها.
ومن هنا يصبح تاريخ الكون، من زاوية معينة، تاريخًا لتزايد قدرة الأنظمة الطبيعية على تنظيم المادة والطاقة والمعلومات.

رابع عشر: من التنظيم إلى الثقافة والحضارة
لا يتوقف التطور الطبيعي عند ظهور العقل الفردي.
فعندما تتفاعل العقول مع بعضها تظهر اللغة، والتقاليد، والمعرفة المشتركة، والأدوات، والمؤسسات، والعلوم والفنون. وهنا يظهر مستوى جديد من التنظيم: التنظيم الثقافي.
فالمعلومة التي توجد في عقل فرد يمكن أن تنتقل إلى ملايين الأفراد عبر اللغة والكتابة والتعليم والتكنولوجيا. وبذلك تستطيع المعرفة أن تتراكم عبر الأجيال بطريقة تختلف عن انتقال الصفات الوراثية.
وهكذا يصبح الإنسان جزءًا من عملية تطور مزدوجة:
تطور بيولوجي + تطور ثقافي
ويتداخل الاثنان باستمرار.

خامس عشر: الأخلاق بوصفها ظاهرة طبيعية وثقافية
لا تحتاج الأخلاق، في إطار الفلسفة الطبيعية، إلى أن تكون أوامر تأتي من خارج العالم الطبيعي. فالإنسان كائن اجتماعي، تطورت لديه قدرات على التعاون والتعاطف والتبادل والتعلم الاجتماعي، ثم طورت المجتمعات نظمًا أخلاقية وقانونية وثقافية أكثر تعقيدًا. ومن هنا يمكن دراسة الأخلاق على مستويات متعددة:
بيولوجي —> نفسي —> اجتماعي —> ثقافي —> فلسفي
لكن هذا لا يعني أن الطبيعة وحدها تعطينا تلقائيًا جميع الأحكام الأخلاقية.
فمعرفة كيفية تصرف الإنسان لا تجيب وحدها عن سؤال: كيف ينبغي أن يتصرف؟
وهنا تبدأ الفلسفة في تحليل مفاهيم مثل العدالة والحرية والكرامة والمصلحة وتقليل المعاناة.

سادس عشر: الموت والتحول المادي

من المنظور الطبيعي، الموت هو توقف التنظيم البيولوجي الذي يميز الكائن الحي. لكن المواد التي يتكون منها الكائن لا تختفي لمجرد توقف حياته. فالذرات والجزيئات تدخل في دورات أخرى، والطاقة تنتقل وتتبدل صورها، والمادة تعود إلى البيئة. وهكذا يمكن النظر إلى الكائن الفردي باعتباره تنظيمًا مؤقتًا للمادة والطاقة والمعلومات.
يبدأ، يستمر، يتغير، ثم يتفكك، بينما تستمر مكونات النظام في الدخول في عمليات أخرى.
وهذه الرؤية تضع الفرد داخل التاريخ المادي المستمر للكون بدل اعتباره كيانًا منفصلًا عنه.

سابع عشر: ما الذي لا تدعيه الفلسفة الطبيعية؟
الفلسفة الطبيعية ليست ادعاءً بأن العلم أجاب عن كل شيء. فلا تزال هناك مسائل كبرى مفتوحة، منها:
* طبيعة المادة المظلمة.
* طبيعة الطاقة المظلمة.
* أصل القوانين الفيزيائية.
* أصل الكون في أعمق معنى ممكن.
* أصل الحياة.
* طبيعة الوعي.
* العلاقة الدقيقة بين العقل والدماغ.
* كيفية ظهور التعقيد من الأنظمة البسيطة.

ثامن عشر: الفلسفة الطبيعية ليست بديلًا عن العلم
العلم يدرس الظواهر من خلال الملاحظة والتجربة والقياس والنمذجة الرياضية واختبار الفرضيات. أما الفلسفة الطبيعية فتسأل عن الصورة الكلية التي تكشفها هذه المعرفة.
العلم يسأل:
كيف تتكون النجوم؟
كيف تتفاعل الجسيمات؟
كيف تتطور الكائنات؟
كيف يعمل الدماغ؟
أما الفلسفة الطبيعية فتسأل:
ماذا تخبرنا هذه المعارف عن طبيعة الوجود؟
كيف تنتج الأنظمة الطبيعية مستويات جديدة من التنظيم؟
كيف ينتقل الواقع من البنى البسيطة إلى البنى المعقدة؟
كيف ظهر الوعي داخل تاريخ مادي طويل؟
وكيف أصبح أحد منتجات الطبيعة قادرًا على بناء معرفة عن الطبيعة؟
لذلك فالفلسفة الطبيعية ليست علمًا بديلًا، وإنما إطار فلسفي لتفسير الدلالة العامة لما تكشفه العلوم عن العالم الطبيعي.

تاسع عشر: الفلسفة الطبيعية كفلسفة مفتوحة
القيمة الأساسية لهذا التصور أنه لا يحتاج إلى أن يكون عقيدة مغلقة. إنه تصور قابل للتعديل كلما تغيرت معرفتنا بالطبيعة. إذا اكتشف العلم بنية جديدة للمادة، تتسع الصورة. وإذا اكتشف آليات جديدة لأصل الحياة، تتسع الصورة. وإذا تطورت معرفتنا بالدماغ والوعي، تتغير رؤيتنا للعقل. وإذا اكتشفنا قوانين فيزيائية أعمق، تتغير رؤيتنا للبنية الأساسية للكون.
وبذلك تصبح الفلسفة الطبيعية فلسفة مفتوحة على المعرفة العلمية، وليست نظامًا فكريًا يضع نتائج مسبقة ثم يبحث عن أدلة تؤيدها.

خاتمة: الطبيعة باعتبارها منظومة قادرة على إنتاج ذاتها
الفلسفة الطبيعية، في أقصى صورها، هي محاولة لفهم الوجود من داخله.لا تحتاج إلى عالمين منفصلين، أحدهما مادي والآخر مفارق، لكي تفسر الظواهر. فالكون يحتوي على المادة والطاقة والحركة والقوانين، وهذه تنتج التفاعلات والبنى؛ والبنى تنتج مستويات أعلى من التنظيم؛ وبعض الأنظمة تصبح حية؛ وبعض الكائنات الحية تطور أجهزة عصبية؛ وبعض الأجهزة العصبية تنتج الوعي؛ والوعي يتيح العقل؛ والعقل ينتج اللغة والمعرفة والثقافة والعلم.
وبذلك يمكن النظر إلى تاريخ الكون باعتباره تاريخًا متصلًا من التنظيم والتحول والتعقيد والانبثاق.
المادة ليست شيئًا منفصلًا عن الحياة، والحياة ليست شيئًا منفصلًا عن التطور، والعقل ليس شيئًا منفصلًا عن الحياة والجهاز العصبي. إنها مستويات مختلفة من التنظيم داخل الطبيعة نفسها. ومن هنا يمكن صياغة الفكرة المركزية للفلسفة الطبيعية في عبارة واحدة:
الطبيعة ليست مادة خامًا خامدة. إنها منظومة مادية ديناميكية، تحكمها قوانين وتفاعلات، وتمتلك من خلال بنيتها وآلياتها الداخلية القدرة على إنتاج مستويات متزايدة من التنظيم، حتى ظهور الحياة والوعي والعقل والمعرفة.
وعندما يصل العقل الإنساني إلى مرحلة يستطيع فيها دراسة الذرة والمجرة والجينوم والدماغ وتاريخ الكون، يصبح لدينا مشهد بالغ الدلالة:
الكون المادي أنتج كائنًا قادرًا على بناء صورة معرفية عن الكون المادي الذي أنتجه.
فالإنسان ليس خارج الطبيعة لكي يراقبها، وإنما هو جزء منها يراقبها ويدرسها ويعيد بناء تاريخها في ذهنه.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الأعمق للفلسفة الطبيعية هو:
كيف استطاعت الطبيعة، من خلال قوانينها ومادتها وطاقة أنظمتها وتفاعلاتها وتنظيمها الذاتي وتطورها، أن تنتقل من البنى الفيزيائية الأولى إلى المادة المعقدة، ومن المادة المعقدة إلى الحياة، ومن الحياة إلى الوعي، ومن الوعي إلى العقل، ومن العقل إلى المعرفة التي أصبح بها الكون قابلًا للفهم من داخله؟
وهنا تكمن الفكرة الجوهرية:
ليست الطبيعة إذن مجرد مجموع الأشياء الموجودة.
الطبيعة هي العملية الكونية التي تتشكل فيها الأشياء، وتتفاعل، وتنتظم، وتتطور، وتظهر فيها خصائص جديدة، حتى يبلغ التنظيم درجة يصبح عندها قادرًا على إنتاج الحياة والوعي والعقل والمعرفة.
إنها فلسفة لا تبحث عن تفسير الوجود خارج الوجود، بل تبحث عن إمكانات الوجود الكامنة في بنيته المادية نفسها.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية
- اللاهوت بين الأمومية والأبوية: تحولات الوعي البشري وبنية الم ...
- مصر ومسيرة السقوط المقدس
- اتفاقية أوسلو والتحولات في الضفة الغربية
- الحضارة الأوروبية. . چينات ومحددات هوية
- مصر بين أولاد البطة البيضاء وأولاد السوداء
- تعقيب على مقالي: الحضارة الأوروبية مسيحية أم لامسيحية الهوية
- الحضارة الأوروبية، مسيحية أم لامسيحية الهوية
- التجديف في المخاضة الإيرانية
- شعارات الميكروفون وأمواج المتوسط. . تناقض الخطاب والواقع
- الهجرة غير الشرعية وخيار الانتحار
- هل تصمد روح الكرة أمام طوفان الاستثمار؟
- قراءة في فلسفة الوعي والضمير الجمعي
- بين الظمأ إليها والخوف من كفالتها: العبودية المختارة وصراع ا ...


المزيد.....




- موقع خلاب في الجبال بإيطاليا يكتظ بالسياح بحثًا عن معجنات با ...
- أول ظهور لنيكولاس مادورو بعد 8 أشهر من احتجازه.. ماذا قال لأ ...
- قرقاش: استهداف دول الخليج والأردن أثبت فشله.. المطلوب حلول و ...
- وزارة الدفاع الإمارتية تنفي أنباء استهداف قاعدة المنهاد الجو ...
- قرقاش يعرض -المطلوب- لإنهاء أزمة المنطقة
- إيران تعلن إصابة ناقلة نفط بمضيق هرمز بعد اصطدامها بلغمين
- الدفاع الإماراتية تنفي استهداف قاعدة -المنهاد- وتعلن حالة ال ...
- فاديفول في تونس والجزائر: برلين تبحث عن منطقة قوة مشتركة في ...
- سوريا.. توغلات إسرائيلية بالجملة ومداهمات وحواجز تفتيش في ري ...
- نبوءات ودماء في أيداهو!


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل