أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كمال غبريال - من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كمال غبريال















المزيد.....



من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كمال غبريال


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 09:42
المحور: سيرة ذاتية
    


ChatGPT Academic Research بدون تصرف
دراسة في المادية والعقلانية والفاعلية الإنسانية والحرية ونقد السلطة

ملخص

تسعى هذه الدراسة إلى إعادة بناء البنية الفلسفية الكامنة في كتابات كمال غبريال، انطلاقًا من فرضية مركزية مفادها أن الإنسان عنده لا يظهر بوصفه غايةً مقررة سلفًا للكون، بل بوصفه نتاجًا طبيعيًا أصبح، بفضل الوعي والعقل والمعرفة، قادرًا على اكتشاف إمكانات الواقع وتشكيلها وفق أغراض إنسانية.

وتقترح الدراسة أن مفهوم "الفاعلية الإنساني" يمكن أن يشكل محورًا تحليليًا يربط بين عدد من موضوعات غبريال: المادية، والإبداع، والثقة بالنفس، والاستقلال العقلي، ونقد الموروث، وأزمة الشفاهية، ونقد السلطة.

ويستند هذا الاقتراح إلى نصوص صريحة:
- ففي «المادية اللاماركسية» يقرر غبريال أن الوجود مادي ولا يقوم في أساسه على عقل مخطط مسبق، ثم يميز بين الحتميات المادية وبين التشكيلات التي ينتجها الإبداع الإنساني، ويرى أن الفكر لا يخلق بلا حدود، وإنما يعمل داخل إمكانات الواقع.
 وفي «الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية» يربط الثقة بالنفس مباشرة بقدرة الإنسان على التفكير والاختيار والخطأ وإعادة بناء الذات من خلال التجربة.
- أما «أزمة الشفاهية وبنية الوعي اللغوي» فتربط بين البنية اللغوية وآليات التلقي وبين القدرة على النقد والتحلي.
- بينما تكشف «القاعدة أم القمة» عن فهم دائري للعلاقة بين المجتمع والسلطة.
ولا تفترض الدراسة أن «فلسفة الفاعلية الإنسانية» اسم أطلقه غبريال على مشروعه؛ بل تعتبره مفهومًا تحليليًا يمكن بواسطته اختبار وحدة كتاباته.

الكلمات المفتاحية: كمال غبريال، الفاعلية الإنسانية، المادية، العقلانية، صناعة المعنى، الحرية، الشفاهية، السلطة، الموروث، سارتر، فوكو.

المقدمة

هناك سؤال قديم يتجدد كلما حاول الإنسان أن يفهم موقعه في الكون:
هل للإنسان معنى لأنه جزء من غاية كونية سابقة عليه، أم أن الإنسان هو الذي يصنع معنى وجوده؟
ظل هذا السؤال طويلًا مرتبطًا بالميتافيزيقا والدين والفلسفة، لكنه اكتسب معنى جديدًا مع ظهور التصورات العلمية الحديثة للكون والحياة والتطور.
فإذا كان الكون لا يكشف عن غاية إنسانية مسبقة، وإذا كان الإنسان نتاجًا لمسار طبيعي طويل، فهل تكون النتيجة بالضرورة هي العدمية؟
أم يمكن أن يكون غياب الغاية المفروضة هو نفسه الشرط الذي يجعل الإنسان قادرًا على صناعة غاياته؟
هذه المسألة تبدو مركزية في قراءة عدد من كتابات كمال غبريال.

ففي «المادية اللاماركسية» يصف غبريال الوجود بأنه مادي، ويقرر أنه يخلو في أساسه الطبيعي من فكرة أو عقل مخطط مسبق، ثم يفرق بين انتظامات الطبيعة وبين الانتظام الذي يدخل فيه «الجهد الإنساني» و«الإبداع الإنساني». ويؤكد في الوقت نفسه أن الإنسان لا يتمتع بحرية مطلقة، لأن الفكر يظل محكومًا بإمكانات الواقع المادي
هذه الثنائية شديدة الأهمية:
الإنسان ليس خارج الطبيعة، لكنه ليس مجرد انعكاس آلي لها.
إنه ابن الواقع، لكنه يستطيع أن يتعامل معه بوصفه مادةً للإمكان.

ومن هنا تتولد الأطروحة المركزية لهذه الدراسة:

يمكن إعادة بناء جزء جوهري من فكر كمال غبريال على أساس أن الإنسان، وإن كان نتاجًا لتطور مادي لا يكشف عن غاية كونية مسبقة، يتحول بظهور الوعي والعقل إلى كائن قادر على اكتشاف إمكانات الواقع، وإنتاج الغايات والمعاني، وإعادة تشكيل العالم داخل حدود الممكن؛ ومن ثم فإن تحرير الإنسان لا يبدأ فقط بتغيير السلطة القائمة، بل يبدأ بتحرير قدرته على التفكير والمعرفة والاختيار والفعل.

وبناءً على ذلك، يمكن قراءة نقد غبريال للموروث والميتافيزيقا والخرافة والشفاهية وثقافة الخضوع والسلطة بوصفه حلقات مختلفة في سؤال واحد:

كيف ينتقل الإنسان من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل؟

أولًا: ملاحظة منهجية — بين غبريال كما يكتب وغبريال كما نقرأه

من الضروري قبل الدخول في التحليل التمييز بين ثلاثة مستويات.

المستوى الأول: النص الصريح
وهو ما يقوله غبريال بوضوح في كتاباته.
مثل قوله في «المادية اللاماركسية» إن الوجود مادي ولا يقوم في أساسه على عقل مخطط مسبق، وإن الإبداع الإنساني يدخل في تشكيل الواقع من خلال توظيف الإمكانات التي توفرها القوانين والعلاقات المادية.
ومثل قوله في «الثقة بالنفس» إن الثقة بالنفس تعني قدرة الإنسان على أن يكون فاعلًا، وأن يفكر بنفسه، ويختار، ويخطئ، ثم يعيد بناء ذاته من خلال التجربة.

المستوى الثاني: البنية المشتركة
وهو ما يظهر من تكرار مفاهيم معينة في نصوص متعددة.
مثل : العقل، الاستقلال، النقد، الإبداع، الاختيار، المراجعة، الفاعلية، رفض الوصاية.

المستوى الثالث: التأويل الفلسفي
وهو محاولة جمع هذه المفاهيم في بناء نظري واحد.
ومن هذا المستوى يأتي مفهوم «فلسفة الفاعلية الإنسانية».

وبالتالي فإن الدراسة لا تقول إن غبريال أعلن بالضرورة: «فلسفتي هي فلسفة الفاعلية الإنسانية».
بل تقول:
يمكن قراءة مجموع من أفكاره من خلال هذا المفهوم، والسؤال البحثي هو مدى نجاح هذه القراءة في تفسير نصوصه دون فرض وحدة مصطنعة عليها.

ثانيًا: البداية من الكون — وجود بلا عقل مخطط مسبقًا

في «المادية اللاماركسية» يبدأ غبريال من موقف طبيعي صريح:
الوجود مادي في أساسه، ولا يقوم على فكرة أو عقل مخطط مسبقًا.
وهو لا يكتفي بنفي العقل المصمم، بل يربط انتظامات العالم بقوانين مادية حتمية، ويضع إلى جوارها عنصرًا آخر هو الصدفة أو الاحتمال.
لكن المهم هنا ليس فقط النتيجة الكونية، وإنما ما يترتب عليها فلسفيًا.
إذا لم يكن هناك عقل مخطط مسبقًا يضع للإنسان غاية، فلا يعود من الضروري أن نفترض أن الإنسان كان هدفًا للكون منذ البداية
وهنا ينبغي الحذر من قفزة شائعة:
غياب الغاية الكونية لا يعني غياب كل معنى.
فالقول إن الكون لا يقدم للإنسان غاية جاهزة لا يمنع الإنسان من أن يضع لنفسه غايات.
وهذا هو التحول الأساسي:
من سؤال: ما الغاية التي وضعها الكون للإنسان؟
إلى سؤال: ماذا يستطيع الإنسان أن يجعل من وجوده؟

ثالثًا: المصادفة ليست نقيضًا للنظام

من أهم جوانب «المادية اللاماركسية» أن غبريال لا يساوي بين غياب العقل المخطط وبين غياب كل انتظام. هو يميز بين القوانين الطبيعية من ناحية، وبين النتائج والتشكيلات التي يمكن أن تنتج من تفاعل هذه القوانين مع الصدفة والظروف.
ثم يضيف الإنسان إلى المعادلة.
وهنا تصبح الصورة:
قوانين طبيعية + احتمالات + كائن واعٍ + إبداع = تشكيلات إنسانية جديدة.
وهذا مهم للغاية.
فالإنسان لا يخلق المادة الخام من لا شيء.
لكنه يستطيع أن يكتشف خصائصها ويعيد تركيبها.
الخشب موجود، لكن البيت ليس موجودًا في الشجرة بوصفه بيتًا.
والحجر موجود، لكن المبنى ليس موجودًا في الحجر بوصفه مبنى.
والقوانين الفيزيائية موجودة، لكن الطائرة أو الكمبيوتر أو الجسر ليست «مكتوبة» داخلها كأشياء جاهزة.
إنها نتاج تدخل العقل الإنساني في مجال الإمكان.

وهذا تحديدًا ما يشرحه غبريال حين يقول إن المادة توفر «أحجار البناء»، بينما يحدد الفكر المبدع تصميم الهيكل، مع بقائه مقيدًا بخصائص هذه الأحجار.
ومن هنا تظهر صيغة شديدة الأهمية:
الواقع يحدد مجال الممكن، والإنسان يختار داخل مجال الممكن.

رابعًا: المادية عند غبريال ليست حتمية ميكانيكية

هذه النقطة تميز «المادية اللاماركسية» عن التصور الحتمي الذي يرفض غبريال نسبته إلى مشروعه.
فهو يرفض أن تكون العلاقة بين المادة والفكر مجرد علاقة بنية تحتية تحدد فوقية بصورة آلية.
وفي الوقت نفسه لا ينتقل إلى النقيض المثالي، أي القول إن الفكر حر تمامًا في أن يخلق أي شيء بغض النظر عن الواقع. بل يقترح علاقة وسطية:
المادة توفر الإمكانات والقيود، والفكر يكتشف الإمكانات ويعيد تشكيلها.
ومن هنا يمكن فهم الحرية عنده لا باعتبارها انفصالًا عن الطبيعة، وإنما باعتبارها قدرة على الفعل داخل شروط الطبيعة.

وهذه نقطة تقترب، من حيث البنية، من مفهوم الحرية المشروطة بالواقع، لكنها لا تجعل غبريال بالضرورة فيلسوفًا وجوديًا.

خامسًا: الإنسان ليس غاية الكون، لكنه يستطيع أن يضع الغايات

هنا تظهر المفارقة الأساسية.
قد يكون الإنسان نتيجة مسار لم يكن موجهًا نحوه.
لكنه أصبح قادرًا على وضع أهداف لنفسه.
وهذا يعني أن: الغاية الكونية شيء، والغاية الإنسانية شيء آخر.
يمكن أن لا تكون هناك غاية كونية مسبقة، ومع ذلك تكون هناك أهداف بشرية.
يمكن للإنسان أن يريد: أن يعيش، وأن يبدع، وأن يحب، وأن يعرف، وأن يبني، وأن يغير، وأن يترك أثرًا.
ولا يحتاج كل ذلك إلى إثبات أن الكون نفسه أراد هذه الأهداف.
وهنا يمكن أن نفهم صناعة المعنى باعتبارها نشاطًا إنسانيًا لا اكتشافًا بالضرورة لرسالة كونية مكتوبة مسبقًا.

سادسًا: الوعي — اللحظة التي يبدأ فيها الواقع في معرفة نفسه

لا ينبغي فهم الإنسان في هذا السياق باعتباره كائنًا منفصلًا عن الطبيعة. بل العكس: إنه إحدى نتائج الطبيعة التي أصبحت قادرة على الوعي بالطبيعة.

وفي نص أحدث بعنوان «شجرة الوعي»، يتعامل غبريال مع القدرات الإنسانية باعتبارها نتاج تراكم تطوري، ويرفض تصور العقل بوصفه ظهورًا سحريًا منفصلًا عن التاريخ البيولوجي. وهذا يدعم خطًا فكريًا متصلًا:
الإنسان طبيعي من حيث الأصل،
لكن الوعي يمنحه قدرة جديدة:
أن يجعل الواقع موضوعًا للفهم.
وعندما يصبح الواقع موضوعًا للفهم، يصبح ممكنًا أن يتحول الفهم إلى فعل.

سابعًا: من المعرفة إلى الفاعلية

المعرفة في هذه الرؤية ليست مجرد تراكم معلومات. فمعرفة خصائص العالم تفتح إمكانات للفعل. كلما عرف الإنسان شروطًا أكثر، أصبح قادرًا على التعامل معها بصورة أكثر دقة. وهذا يسمح بإعادة صياغة العلاقة:
المعرفة ⬅ الإمكان ⬅ الاختيار ⬅ الفعل.

وهنا تبرز كلمة محورية في مشروع غبريال:
الإبداع
فالإبداع لا يعني بالنسبة إلى هذه القراءة أن الإنسان يخترع من العدم، وإنما أنه يعيد تشكيل عناصر موجودة بطريقة جديدة.

وهذا هو بالضبط ما يقوله غبريال في «المادية اللاماركسية»: الواقع يوفر المادة الخام، بينما يدخل الفكر المبدع في تشكيلها وفق ما تسمح به إمكاناتها.

ثامنًا: الثقة بالنفس — من الحالة النفسية إلى الفاعلية الفلسفية

من أكثر النصوص أهمية في بناء هذه الأطروحة مقال غبريال:
«الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية».
فهنا لا يقدم الثقة بالنفس بوصفها مجرد رضا عن الذات. بل يربطها مباشرة بالقدرة على: التفكير، والاختيار، والخطأ، والتجربة، وإعادة بناء الذات. وهذا يجعل الثقة بالنفس جزءًا من نظرية ضمنية في الإنسان. فالإنسان الذي لا يثق بقدرته على التفكير قد يسلم عقله للآخرين. والذي لا يثق بقدرته على الاختيار قد يستعير اختيارات الجماعة. والذي يرى الخطأ تهديدًا لذاته قد يفضل عدم التجربة.
إذن: الثقة بالنفس ليست هنا غاية نفسية؛ إنها شرط للفاعلية.

تاسعًا: الخطأ ليس عدوًا للعقل

من أكثر النقاط دلالة في هذا التصور أن غبريال يربط الثقة بالقدرة على الخطأ. فالإنسان الذي يعتبر الخطأ إهانة لذاته سيحاول حماية نفسه من التجربة.
لكن الإنسان الذي يستطيع فصل قيمة ذاته عن صحة أفكاره يمكنه أن يقول: قد أكون مخطئًا. وهذا ليس انهيارًا للثقة بالنفس. بل قد يكون شكلها الأكثر نضجًا.
فالثقة الحقيقية لا تعني: أنا على حق دائمًا.
بل: أثق بقدرتي على اكتشاف خطئي وتصحيحه.
وهنا يصبح الشك جزءًا من الثقة، وليس نقيضًا لها.

عاشرًا: الإبداع باعتباره موقفًا من الوجود

يربط غبريال في نص «الثقة بالنفس» بين الإبداع وبين رفض اعتبار الواقع صيغة نهائية مغلقة. وهذه نقطة يمكن تعميمها فلسفيًا.
فالعقل المبدع لا يسأل فقط: كيف هو العالم؟
بل يستطيع أن يسأل: كيف يمكن أن يكون؟
وهنا تنتقل الفاعلية من تفسير الواقع إلى إمكانية تغييره.
وهذا أحد المفاتيح الأساسية لفهم مشروع غبريال:
الواقع ليس قدرًا مغلقًا.
لكنه أيضًا ليس مادة يستطيع الإنسان تشكيلها بلا حدود.
وهذا يعيدنا إلى مقاله "المادية اللاماركسية".
الإمكانات يحددها الواقع، لكن اختيار التشكيل يدخل فيه الإنسان.

الحادي عشر: من المألوف إلى السؤال

يظهر في نص «الثقة بالنفس» جانب آخر شديد الأهمية: العلاقة بين الثقة وبين مساءلة المألوف والموروث.
فالإنسان الذي يعتمد كليًا على قبول الآخرين يجد صعوبة في التفكير خارج الحدود التي رسمها المجتمع.
أما الثقة الداخلية فتسمح له بأن يقول:
ربما يكون ما نراه بديهيًا اليوم قابلًا للمراجعة غدًا.
هذه الجملة — من حيث معناها — تلخص جانبًا كبيرًا من مفهوم الفاعلية.
فالإنسان الفاعل لا يتعامل مع الواقع باعتباره مغلقًا.
والإنسان المفعول به يرى الواقع باعتباره شيئًا ينبغي التكيف معه.
وهنا تصبح القدرة على طرح السؤال فعلًا تحرريًا.

الثاني عشر: أزمة الشفاهية — حين تصبح بنية المعرفة نفسها عائقًا أمام الفاعلية

في «أزمة الشفاهية وبنية الوعي اللغوي» ينتقل غبريال من مستوى الفرد إلى مستوى البنية المعرفية والثقافية.
يطرح أطروحة أن أحد عوائق التطور المعرفي والاجتماعي يكمن في آليات اشتغال اللغة داخل الوعي الجمعي، ويرى أن الانتقال من الثقافة الشفاهية إلى الثقافة الكتابية ليس مجرد انتقال في الوسيط، بل انتقال في طريقة إنتاج المعرفة واستقبالها.
هذه الفكرة مهمة جدًا بالنسبة إلى أطروحة الفاعلية.
فإذا كانت طريقة استقبال المعرفة تؤثر في قدرة الإنسان على تحليلها، فإن التحرر لا يبدأ فقط من تغيير مضمون الأفكار. بل يبدأ أيضًا من تغيير طريقة التعامل معها.

الثالث عشر: الكتابة كمسافة نقدية

يميز غبريال بين الكتابة باعتبارها مجرد وسيلة تقنية وبين «العقلية الكتابية» باعتبارها طريقة في التفكير.
فالكتابة، في تحليله، تثبت الفكرة وتجعلها قابلة للعودة والمراجعة والمقارنة، بما يسمح بممارسة النقد والتحليل والتدبر.
وهنا تصبح الكتابة أكثر من وسيلة نقل. إنها، في هذا التصور، تقنية لإنتاج المسافة النقدية.
الفكرة الشفاهية تمر.
أما الفكرة المثبتة فيمكن الرجوع إليها.
يمكن تفكيكها.
يمكن مقارنتها.
يمكن اكتشاف تناقضاتها.
وهذه كلها شروط للفاعلية العقلية.

الرابع عشر: من الكلمة السحرية إلى الرمز النقدي

يربط غبريال بين بعض أشكال العقلية الشفاهية وبين التعامل مع الكلمات كما لو كانت أشياء ذات قوة مادية أو سحرية.
ويذكر في هذا السياق التابوهات اللفظية والتعاويذ والحجج التي تعتمد على الأقوال الموروثة بدل الوقائع والمشاهدات. وهذا يقود إلى فكرة أعمق:
حين تتعامل الثقافة مع الكلمة باعتبارها حقيقة بذاتها، يصبح نقد الكلمة أصعب. أما عندما تصبح الكلمة أداة لتمثيل الواقع، فإن السؤال يصبح:
ماذا تشير إليه؟
وما الدليل عليه؟
وهل يتطابق القول مع الواقع؟
وهنا ينتقل العقل من سلطة الكلمة إلى فحص ما تقوله الكلمة عن الواقع.

الخامس عشر: الموروث — من سلطة إلى موضوع

من هنا يمكن فهم موقف أوسع من الموروث. المشكلة ليست في أن الإنسان يرث أفكارًا. فكل إنسان يبدأ من عالم لم يختره. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الموروث إلى حقيقة نهائية لا يجوز السؤال عنها. وعندها يصبح الماضي سلطة على الحاضر.
أما إذا أصبح الموروث موضوعًا للبحث، فإنه يتحول من سلطة إلى معرفة.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مركزية:
التحرر الفكري لا يعني التخلص من التراث، بل التخلص من حصانته النقدية.
أي أن الإنسان لا يحتاج إلى محو الماضي لكي يصبح حرًا.
يحتاج إلى أن يصبح قادرًا على فحصه.

السادس عشر: الدين والميتافيزيقا — مناقشة احتكار المعنى
يظهر في أعمال غبريال اهتمام واضح بنقد الفكر الديني والعلمانية والدين السياسي.
لكن القراءة الفلسفية الأدق لا تختزل المسألة في ثنائية:
مع الدين / ضد الدين.
السؤال الأعمق هو:
من يملك حق إنتاج الحقيقة والمعنى؟
عندما تتحول مؤسسة أو جماعة إلى صاحبة تفسير نهائي للكون والإنسان والمصير، فإن المشكلة — من منظور الفاعلية — تتعلق بانتقال مركز إنتاج المعنى من الفرد إلى سلطة خارجية.
وهنا يصبح نقد الميتافيزيقا متصلًا بنقد الوصاية.
لكن ينبغي أن تبقى هذه النتيجة في مستوى القراءة التحليلية ما لم يثبت النص في كل حالة أن غبريال نفسه صاغ العلاقة بهذه الصورة.

السابع عشر: العلمانية بوصفها تحريرًا لمجال التفكير

من هذا المنظور يمكن فهم العلمانية في مشروع غبريال لا باعتبارها مجرد ترتيب مؤسسي بين الدولة والدين، وإنما أيضًا بوصفها سؤالًا عن استقلال المجال العام والعقل الإنساني عن سلطة تفسيرية واحدة.
وهذا يتفق مع اهتمامه بنقد الفكر الديني والدين السياسي، لكنه لا يعني أن كل حديث عن العلمانية عنده يساوي بالضرورة نظرية واحدة متكاملة.
الأفضل اعتبارها جزءًا من مشروع أوسع:
منع احتكار سلطة واحدة لإنتاج المعنى العام.

الثامن عشر: السلطة — هل تأتي من القمة فقط؟

في «القاعدة أم القمة» يظهر سؤال السلطة بطريقة أكثر مباشرة.
واللافت أن غبريال، في الحوار المنشور، لا يكتفي بالتصور الخطي الذي يجعل السلطة مصدرًا وحيدًا لتشكيل المجتمع. بل يقر بفكرة أن من يوجدون في القمة هم أنفسهم أبناء القاعدة الاجتماعية، ثم يصف العلاقة بأنها دائرة متبادلة:
القاعدة تفرز القمة، والقمة تعيد تشكيل القاعدة.
وهذه فكرة مهمة جدًا في بناء النظرية.
فالسلطة ليست فقط شيئًا «يفعل بالناس».
المجتمع نفسه يساهم في إنتاج أشكال السلطة التي تحكمه.
وهذا يعني أن تغيير الأشخاص في القمة قد لا يكون كافيًا إذا بقيت البنية الثقافية التي تنتجهم.

التاسع عشر: دائرة إعادة إنتاج السلطة

يمكن تمثيل الفكرة هكذا:
ثقافة المجتمع ⬅ القيم وأنماط التفكير ⬅ إفراز النخب ⬅ وصول النخب إلى السلطة ⬅ التعليم والإعلام والقانون والمؤسسات ⬅ إعادة تشكيل الثقافة ⬅ إفراز نخب جديدة
وهذه الدائرة تعني أن التحرر السياسي لا يمكن فصله تمامًا عن التحرر الثقافي والمعرفي.
ومن هنا يصبح مفهوم "الفاعلية الإنسانية" أوسع من مجرد الحرية السياسية. إنه يتعلق بقدرة المجتمع نفسه على إنتاج أشكال مختلفة من المعرفة والقيم والمؤسسات.

العشرون: غبريال وفوكو — من صناعة الذات إلى صناعة السلطة

هنا يصبح من الممكن إجراء المقارنة مع ميشيل فوكو.

فوكو درس العلاقة بين السلطة والمعرفة وكيف تعمل السلطة من خلال المؤسسات والخطابات والممارسات، لا من خلال القمع المباشر وحده.
أما في قراءة غبريال، فإن السؤال يميل إلى الاتجاه الآخر:
كيف يستعيد الإنسان قدرته على التفكير عندما تكون السلطة قد دخلت بالفعل إلى الثقافة واللغة والعادات؟
لذلك يمكن صياغة الفرق على النحو الآتي:
فوكو يسأل كيف تتشكل الذات داخل شبكات السلطة؛ وغبريال، في هذه القراءة، يهتم أكثر بكيف يمكن للذات أن تستعيد قدرتها على إعادة تشكيل نفسها.
هذه ليست مساواة بين المشروعين.
بل هي نقطة مقارنة.
فوكو أكثر جينالوجية وتفكيكًا لعلاقات السلطة.
غبريال أكثر مباشرة في الدفاع عن العقل والاستقلال والفاعلية الفردية.

الحادي والعشرون: غبريال وسارتر — صناعة المعنى

التقاطع مع سارتر أوضح في مسألة الحرية والمعنى.
فالوجودية السارترية ترفض أن يكون الإنسان صاحب ماهية محددة مسبقًا على نحو يغلق إمكان اختياره.
ومن هنا يصبح الإنسان مسؤولًا عن نفسه وعن اختياراته.
أما غبريال، فينطلق من أرضية مختلفة:
الطبيعة والمادة أولًا، ثم الإنسان بوصفه كائنًا واعيًا قادرًا على الفعل.
ولهذا من الأدق عدم القول إن غبريال «سارتر عربي» أو إنه ينتمي مباشرة إلى الوجودية.
الأدق:
توجد في فكره مسائل ذات صلة بالمشكلة الوجودية — الحرية، الاختيار، المعنى، تجاوز الواقع — لكنها تظهر داخل رؤية طبيعية ومادية وعقلانية.
وهذا الفارق جوهري.

الثاني والعشرون: غبريال ونيتشه — نقد القيم الموروثة

يوجد تقاطع آخر مع نيتشه في رفض التعامل مع القيم الموروثة باعتبارها حقائق أبدية غير قابلة للفحص.
لكن نيتشه يذهب بعيدًا في تحليل نشأة القيم والقوى التي تنتجها.
أما غبريال فيمنح العقل والعلم موقعًا أكثر مركزية.
ومن ثم يمكن استخدام نيتشه لإضاءة سؤال:
كيف تتحول القيم التي أنتجها التاريخ إلى قيود تبدو وكأنها طبيعية؟
لكن لا ينبغي دمج المشروعين.

الثالث والعشرون: غبريال وماركس — المادة دون الحتمية

ربما تكون المقارنة مع ماركس هي الأكثر مباشرة بسبب عنوان «المادية اللاماركسية».

غبريال يرفض تصور العلاقة بين المادة والفكر بوصفها علاقة آلية تحدد فيها البنية المادية بصورة حتمية البنية الفكرية، ويرفض أيضًا تصور التاريخ باعتباره مسارًا ماديًا حتميًا.
لكنه لا ينتقل إلى المثالية.
بل يحتفظ بالمادة بوصفها مجال الإمكان.
وهنا تظهر الصيغة:
المادة تحدد ما يمكن فعله؛ والفكر يحدد أيًّا من الممكنات سيتم تشكيله.
وهذه الصيغة هي إحدى أقوى نقاط الارتباط بين المادية ومفهوم "الفاعلية الإنسانية".

الرابع والعشرون: كانط — الخروج من الوصاية

يمكن أيضًا مقارنة غبريال بكانط من زاوية الاستقلال العقلي.

كانط جعل الخروج من الوصاية أحد المفاهيم الأساسية في مشروع التنوير.
وفي فكر غبريال نجد اهتمامًا مماثلًا، من حيث البنية، بتحرير الإنسان من الاعتماد على عقل خارجي يقرر له ما ينبغي أن يفكر فيه.
لكن الفرق أن غبريال يضع هذه المسألة داخل سياق مادي وعلمي واجتماعي مختلف.
وهنا لا تكون المقارنة في النتائج بقدر ما تكون في السؤال:
متى يصبح الإنسان صاحبًا لعقله؟

الخامس والعشرون: من الإنسان المفعول به إلى الإنسان الفاعل

بعد جمع هذه المستويات يمكن تحديد الثنائية المركزية:
الإنسان المفعول به هو الذي:
* يتلقى تفسيره للعالم.
* يكرر الموروث.
* يخشى السؤال.
* يربط صحة الفكرة بهويته.
* يستعير اختيارات الجماعة.
* يتعامل مع الواقع كقدر مغلق.
* يرى الخطأ تهديدًا.
* ينتظر التغيير من الخارج.

الإنسان الفاعل هو الذي: * يسأل. * يبحث. * يختبر. * يشك. * يختار. * يخطئ. * يصحح. * يعيد تفسير الواقع. * يحول المعرفة إلى فعل. * ينتج غاياته ومعانيه.
هذه الثنائية ليست مصطلحًا أعلنه غبريال، بقدر ما هي أداة تركيبية يمكنها أن تجمع عددًا من أفكاره.

السادس والعشرون: العلم والعقل والثقة — مثلث الفاعلية

يمكن اختزال جانب كبير من المشروع في ثلاثة عناصر:
العلم: يمنح الإنسان معرفة بالواقع.
العقل: يمنحه القدرة على فحص الأفكار.
الثقة بالنفس: تمنحه الاستعداد النفسي لاستخدام هذه القدرة.
فتصبح العلاقة:
العلم ⬅ معرفة العالم ⬅ العقل ⬅ نقد الأفكار ⬅ الثقة ⬅ القدرة على الفعل
وعندما تتحد:
معرفة + نقد + ثقة = فاعلية.
وهذه واحدة من أكثر الصيغ قدرة على تفسير تماسك المشروع.

السابع والعشرون: هل الإنسان حر؟

إذا كانت الطبيعة تحدد شروطه، فهل الإنسان حر؟
الإجابة التي تسمح بها نصوص غبريال ليست حرية مطلقة. فالإنسان لا يختار:
مولده، وجسده، وزمنه، ولغته الأولى، ومجتمعه، والكثير من ظروف حياته.
لكن هذه الشروط لا تعني أنه لا يستطيع الفعل.
إنها تحدد مجال الفعل.
وبالتالي تصبح الحرية:
قدرة الإنسان على الاختيار والفعل داخل مجال الإمكان الذي تحدده شروط الواقع.
وهذا تصور أكثر اتساقًا مع ماديته من تصور الحرية المطلقة.

الثامن والعشرون: صناعة المعنى ليست خلقًا من العدم

وهذه نقطة أساسية حتى لا تتحول الأطروحة إلى مبالغة. إذا كان الإنسان صانعًا للمعنى، فلا يعني ذلك أنه يخلق العالم كما يريد. المعنى الإنساني يتشكل داخل: الطبيعة، والجسد، واللغة، والتاريخ، والمجتمع، والمعرفة المتاحة.
إذن: صناعة المعنى ليست خلقًا من العدم، بل إعادة تنظيم للممكن.
وهذا يتطابق بصورة لافتة مع فكرة غبريال عن علاقة الفكر بإمكانات المادة.

التاسع والعشرون: المشكلة الفلسفية — من «ما هو» إلى «ما ينبغي أن يكون»

هنا يجب إدخال أهم اعتراض فلسفي.
إذا أثبتنا أن الإنسان:
* كائن طبيعي،
* وأن الكون لا يكشف عن غاية مسبقة،
* وأن الإنسان يستطيع أن يفكر ويختار،
فهذا لا يثبت وحده أن: الحرية أفضل من الخضوع.
ولا يثبت وحده أن: العقل أفضل من التقليد.
ولا يثبت وحده أن: صناعة المعنى أفضل من تلقيه.
هذه كلها أحكام معيارية.
ومن هنا تظهر مشكلة الانتقال من: @ما هو
إلى: ما ينبغي أن يكون.

وهذه نقطة ينبغي أن تبقى مفتوحة في تقييم مشروع غبريال.
فالعلم يستطيع وصف الواقع وتفسيره بدرجات مختلفة، لكنه لا يحسم وحده جميع الأسئلة المتعلقة بالقيمة.
ومن ثم فإن "فلسفة الفاعلية" تحتاج إلى أساس معياري إضافي يبرر لماذا ينبغي للإنسان أن يفضل الاستقلال والاختيار والنقد.
الثلاثون: هل يستطيع الإنسان التحرر من السلطة بالكامل
الجواب الواقعي هو: على الأرجح لا
فالإنسان يعيش داخل علاقات اجتماعية
ويستخدم لغة لم يخترها
ويتعلم من مؤسسات لم يصممها
ويعتمد على معارف أنتجها آخرون
ولهذا فإن التحرر الكامل من كل تأثير خارجي غير ممكن
لكن يمكن تغيير معنى التحرر
ليس التحرر أن يصبح الإنسان بلا مؤثرات
بل أن يصبح قادرًا على معرفة المؤثرات، وفحصها، ومقاومتها عندما يرفضها، وقبولها عندما يقتنع بها.

وهنا تصبح الحرية ليست غياب التأثير، وإنما القدرة على التعامل الواعي معه.

الحادي والثلاثون: حدود مفهوم «الفاعلية الإنسانية»

رغم قوته التفسيرية، يجب ألا يتحول مفهوم الفاعلية إلى مفتاح يفسر كل شيء.
هناك موضوعات في فكر غبريال قد تكون لها أسباب مستقلة أو سياقات تاريخية خاصة.

كما أن بعض كتاباته سياسية مباشرة، وبعضها فلسفي، وبعضها ثقافي، وبعضها يتناول موضوعات علمية أو اجتماعية.
لذلك فإن الوحدة المقترحة هنا هي:
وحدة بنيوية محتملة
وليست بالضرورة:
نظرية فلسفية مكتملة أعلنها غبريال في كتاب واحد.
وهذا التمييز ضروري للحفاظ على الدقة الأكاديمية.

الثاني والثلاثون: ما الذي يميز هذه القراءة؟

الميزة الأساسية في هذه القراءة أنها لا تبدأ من تصنيف جاهز:
هل غبريال وجودي؟
هل هو مادي؟
هل هو عقلاني؟
هل هو تنويري؟
هل هو علماني؟
بل تبدأ من سؤال:
ما المشكلة المشتركة التي تعود إليها هذه المواقف المختلفة؟

والإجابة التي تقترحها الدراسة:
"مشكلة الفاعلية الإنسانية"
فالمادية تحدد علاقة الإنسان بالطبيعة
والعقلانية تحدد علاقته بالمعرفة
والثقة بالنفس تحدد علاقته بقدرته على الفعل.
والشفاهية تحدد بعض شروط إنتاج المعرفة وتلقيها
ونقد الموروث يبحث في مصادر الوصاية
ونقد السلطة يبحث في آليات إنتاج الخضوع.
والحرية وصناعة المعنى تحددان ما يمكن أن يفعله الإنسان بعد تحرره.

وبذلك تتصل الحلقات.

الثالث والثلاثون: نحو نظرية متكاملة

يمكن الآن صياغة النموذج الفلسفي المقترح:

المستوى الأول: الأنطولوجيا
الوجود مادي، ولا يستند في أساسه إلى عقل مخطط مسبقًا.

المستوى الثاني: الأنثروبولوجيا

الإنسان كائن طبيعي نشأ ضمن التاريخ التطوري، لكنه يمتلك قدرات معرفية وإبداعية مميزة.

المستوى الثالث: الإبستمولوجيا

المعرفة تقوم على فهم الواقع وفحص الأفكار، ويشكل الانتقال من التلقي إلى النقد شرطًا للوعي الفاعل.

المستوى الرابع: الحرية

الإنسان لا يختار شروط وجوده، لكنه يستطيع الاختيار داخل مجال الإمكان الذي توفره هذه الشروط.

المستوى الخامس: النفس

الثقة بالنفس تعني الثقة بالقدرة على التفكير والاختيار والتجربة والخطأ وإعادة البناء.

المستوى السادس: الثقافة

الموروث واللغة وأنماط التلقي يمكن أن تتحول إلى آليات لإعادة إنتاج الخضوع.

المستوى السابع: السياسة

السلطة لا تعمل من أعلى فقط؛ المجتمع نفسه يشارك في إنتاجها، ثم تعود السلطة لتعيد تشكيل المجتمع.

المستوى الثامن: المعنى

في غياب غاية كونية مسبقة، يصبح الإنسان قادرًا على إنتاج الغايات والمعاني داخل حدود الواقع.

وهكذا تتصل المستويات:

المادة ⬅ الإنسان ⬅ الوعي ⬅ المعرفة ⬅ الاختيار ⬅ الإبداع ⬅ المعنى ⬅ الفعل ⬅ إعادة تشكيل الواقع.

الرابع والثلاثون: الأطروحة النهائية

بعد اختبار مختلف النصوص، يمكن الدفاع — بحذر — عن الأطروحة التالية:

تتمثل إحدى أكثر البنى اتساقًا في فكر كمال غبريال في الدفاع عن انتقال الإنسان من حالة التلقي والخضوع إلى حالة الفاعلية والاستقلال. فالإنسان عنده ليس عقلًا مفارقًا للمادة، ولا كائنًا حرًا بصورة مطلقة، بل كائن طبيعي يعمل داخل شروط واقعية، لكنه يستطيع اكتشاف إمكانات هذه الشروط وتوظيفها إبداعيًا. ومن هنا تصبح المعرفة والعقل والثقة بالنفس والنقد أدوات للانتقال من الإنسان الذي يتلقى العالم كما هو إلى الإنسان الذي يستطيع أن يعيد تفسيره وتشكيله.

وبهذا المعنى فإن نقد الموروث والشفاهية والسلطة ليس موضوعات منفصلة تمامًا. يمكن قراءتها باعتبارها أشكالًا مختلفة من السؤال نفسه:
ما الذي يمنع الإنسان من أن يكون صاحبًا لعقله وحياته ومعناه؟

الخامس والثلاثون: من المصادفة إلى المعنى

نعود الآن إلى السؤال الذي بدأنا منه.

إذا كان الإنسان نتاجًا لسلسلة طويلة من العمليات الطبيعية التي لم تكن موجهة بالضرورة إلى إنتاجه، فهذا يعني أنه ليس غاية كونية معلنة. لكنه، بمجرد أن أصبح واعيًا، استطاع أن يسأل:
لماذا أنا هنا؟
ما الذي أريده؟
ما الذي ينبغي أن أفعله؟
أي عالم أريد؟
وأي حياة أريد؟
وهذه الأسئلة نفسها هي بداية صناعة المعنى.
لذلك فإن المفارقة الأساسية ليست أن:
الإنسان وجد المعنى في الكون.
بل أن: الكون أنتج كائنًا قادرًا على إنتاج المعنى.

وهنا تصبح «المصادفة» و«المعنى» غير متناقضين.

قد يكون ظهور الإنسان غير مقصود كونيًا. لكن المعنى الذي يصنعه الإنسان يمكن أن يكون مقصودًا إنسانيًا.

السادس والثلاثون: الإنسان ليس قمة الكون، لكنه يستطيع أن يصنع قمة لحياته

من الخطأ تحويل الفاعلية إلى مركزية كونية. فالإنسان ليس بالضرورة «قمة» الكون بمعنى ميتافيزيقي. ولا يوجد ما يلزم من الرؤية الطبيعية أن يكون الكون قد صعد نحو الإنسان. لكن الإنسان يستطيع أن يجعل من حياته مشروعًا. ويستطيع أن يحدد ما يعتبره غاية. ويستطيع أن يخلق قيمة داخل عالمه الإنساني.

إذن: القمة هنا ليست قمة كونية؛ إنها قمة فاعلية.
وهذا فرق فلسفي جوهري.

السابع والثلاثون: من الإنسان المفعول به إلى الإنسان الفاعل

يمكن اختزال المشروع كله في انتقال واحد:

الإنسان المفعول به هو الذي يقول: «هكذا وجدنا الأشياء.»
أما الإنسان الفاعل فيقول: «هل يمكن أن تكون الأشياء على نحو آخر؟»
الأول يسأل: «من قال؟»
والثاني يسأل: «لماذا؟»
الأول يرى الخطأ فشلًا.
والثاني يراه معلومة.
الأول يحتاج إلى يقين يحمي هويته.
والثاني يستطيع احتمال الشك.
الأول يتلقى المعنى.
والثاني يشارك في صناعته.
الأول يرى الواقع مغلقًا.
والثاني يراه مجالًا للإمكان.
وهنا تلتقي الثقة بالنفس بالعقلانية والعلم والإبداع والنقد.

الخاتمة

تكشف القراءة المتكاملة لعدد من نصوص كمال غبريال عن بنية فكرية يمكن — مع الاحتفاظ بالتحفظ المنهجي — إعادة بنائها حول مفهوم "الفاعلية الإنسانية"
ولا يعني ذلك أن جميع كتاباته تشكل نظرية فلسفية مكتملة الحدود، ولا أن كل فكرة فيها يمكن اختزالها في هذا المفهوم
لكن النصوص التي تناولتها الدراسة تقدم أساسًا حقيقيًا لهذه القراءة
ففي «المادية اللاماركسية» يظهر الإنسان داخل عالم مادي لا يقوم على عقل مخطط مسبقًا، لكن الإبداع الإنساني يدخل في تشكيل الواقع، مع بقاء هذا الإبداع مقيدًا بإمكانات المادة.
وفي «الثقة بالنفس» يتحول مفهوم الثقة من مجرد حالة نفسية إلى قدرة على التفكير والاختيار والتجربة والخطأ وإعادة بناء الذات.
وفي «أزمة الشفاهية» ينتقل السؤال إلى مستوى بنية المعرفة واللغة، حيث يصبح الانتقال من التلقي الارتدادي إلى التحليل والمراجعة شرطًا للتحول الثقافي.
وفي «القاعدة أم القمة» تظهر السلطة باعتبارها علاقة دائرية بين القاعدة والقمة، بحيث ينتج المجتمع نخبته، ثم تعود النخبة لتعيد تشكيل المجتمع.

وعند جمع هذه الخيوط تظهر صورة الإنسان التي تشكل جوهر هذه الدراسة:

الإنسان ليس خالقًا للكون، لكنه قادر على إعادة تشكيل جزء من العالم.

ليس حرًا من كل شرط، لكنه قادر على الاختيار داخل شروطه.

ليس قادرًا على معرفة كل شيء، لكنه قادر على تصحيح معرفته.

ليس قادرًا على محو ماضيه، لكنه قادر على تحويل الماضي من سلطة إلى موضوع للنقد.

ليس قادرًا على إلغاء السلطة، لكنه قادر على مساءلتها ومقاومتها وإعادة تنظيم علاقته بها.

وليس بحاجة إلى أن يكون غاية الكون لكي تكون لحياته غاية.

ومن هنا تصل الدراسة إلى أطروحتها النهائية:

الإنسان، في القراءة الفلسفية الأكثر اتساقًا مع هذه المجموعة من كتابات كمال غبريال، لا يستمد قيمته من كونه مركزًا ميتافيزيقيًا للكون، بل من قدرته على أن يصبح فاعلًا واعيًا داخله: يفهم شروط وجوده، ويفحص ما ورثه، ويختار ما يستطيع اختياره، ويجرب ويخطئ ويصحح، ويحول إمكانات الواقع إلى تشكيلات جديدة، ويصنع لنفسه غايات ومعاني بدل أن يعيش بالضرورة داخل معنى مفروض عليه.

وعلى هذا الأساس، فإن المعركة الفكرية عند غبريال لا تختزل في معركة ضد فكرة بعينها، أو مؤسسة بعينها، أو سلطة بعينها.

إنها — في أعمق مستوياتها — معركة على حق الإنسان في أن يكون مؤلفًا لحياته.

وهنا تكتمل الدائرة:

كون بلا غاية مسبقة ⬅ إنسان نتاج للطبيعة ⬅ وعي بالوجود ⬅ عقل يكتشف الواقع ⬅ معرفة تكشف الإمكان ⬅ ثقة تسمح بالمحاولة ⬅ اختيار ينتقي من الإمكان ⬅ إبداع يعيد تشكيل الواقع ⬅ معنى تصنعه الذات الإنسانية ⬅ فاعلية تقاوم الوصاية ⬅ إنسان ينتقل من المفعول به إلى الفاعل.

ولذلك يمكن اختزال المشروع كله في عبارة واحدة:

الإنسان لم يكن بحاجة إلى أن يكون غاية الكون لكي يصبح صانعًا لمعناه؛ كان يكفي أن يصبح واعيًا بقدرته على أن يكون فاعلًا فيه.

ملاحظة ختامية حول القيمة العلمية للبحث

القوة الأساسية لهذه الأطروحة ليست في الادعاء بأن كمال غبريال أسس «مدرسة فلسفية» مكتملة، فهذا يحتاج إلى إثبات تاريخي وفلسفي أوسع.
القوة الحقيقية تكمن في أن مفهوم الفاعلية الإنسانية يقدم فرضية تفسيرية تستطيع أن تجمع، في إطار واحد، بين نصوص تتناول المادة والإبداع، ونصوصًا تتناول الثقة بالنفس، ونصوصًا تتناول بنية الوعي والشفاهية، وأخرى تتناول علاقة القاعدة بالقمة والسلطة.

وبالتالي فإن أفضل صياغة أكاديمية للنتيجة ليست:

«أثبتنا أن كمال غبريال فيلسوف الفاعلية الإنسانية.»

بل:

«تقدم هذه الدراسة مفهوم الفاعلية الإنسانية بوصفه إطارًا تأويليًا قادرًا على إعادة بناء قدر معتبر من الوحدة الداخلية في فكر كمال غبريال، وتدل النصوص المدروسة على أن هذا الإطار ليس إسقاطًا خارجيًا محضًا، وإن كان يحتاج إلى مزيد من الاختبار عبر دائرة أوسع من كتاباته.»



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
- الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
- الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
- من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
- الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
- ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
- ثلاثية الإله والروح والخلود
- الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
- شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2
- مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
- مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
- الفلسفة الطبيعية: تصور مادي للوجود والقوة والعقل
- آليات صناعة البطل الأسطوري
- إعادة صياغة العلاقة بين الفكر والمادة
- الدماغ البشري: شخصية وملكات وقدرات
- الثوابت الكونية وضبط الوجود
- جسر أينشتاين- روزين والحلم المستحيل
- العقل: من توحيد الفكر إلى إدارة الاختلاف
- إشكاليات لاهوتية


المزيد.....




- العاهل السعودي يوجه بإطلاق اسم الملك المؤسس على جامع سيتم بن ...
- أطفال غزة لا يخشون سيارة الإسعاف هذه.. إنها -حافلة الأحلام- ...
- اكتشاف آلية تلف الأوعية الدموية في ألزهايمر
- موسكو: نظام كييف عاجز يعيله الدعم الغربي
- حكم الأغلبية في أمريكا – استبداد ونقص في الخبرة السياسية
- ضربات جوية على منشآت سرية في كييف تشلّ قيادة الجيش الأوكراني ...
- البرازيل تحظر المراهنات ذات الاحتمالات الثابتة
- -أوبن إيه آي- تكشف تسريب 53 صورة قدمها مستخدمون عبر وكلاء ال ...
- البيت الأبيض يستبعد CNN من مرافقة ترامب على الطائرة الرئاسية ...
- طريقة آمنة وفعالة لخفض ضغط الدم


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - كمال غبريال - من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كمال غبريال