|
|
الحرية مابعد حرية الفعل
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 23:55
المحور:
قضايا ثقافية
كثيرًا ما تُختزل الحرية في قدرة الإنسان على فعل ما يريد، وكأن الإنسان الحر هو الذي لا تقف في طريق رغباته عقبة، ولا تحد من خياراته سلطة، ولا تلزمه قاعدة أو قيمة. غير أن هذا الفهم يخلط بين الحرية ومجرد القدرة على الفعل، وبين تحرر الإنسان من القيود وتحوله إلى أسير لرغباته وأوهامه وموروثاته. فالإنسان قد يفعل ما يشاء، ومع ذلك لا يكون حرًّا بالمعنى العميق للكلمة؛ إذ ربما يكون مدفوعًا بغرائزه، أو خاضعًا لضغوط الجماعة، أو مستسلمًا لأفكار ورثها دون أن يفحصها، أو مطيعًا لسلطة نجحت في إقناعه بأن إرادتها هي إرادته، وأن ما فُرض عليه هو ما اختاره بنفسه. إن الحرية ليست مجرد مساحة فارغة لا يعترض فيها أحد طريقنا، بل هي مساحة إيجابية تتيح للإنسان اكتشاف ملكاته الشخصية وتنميتها والتعبير عن تفرده، والإسهام بما يملكه من إمكانات في إثراء الحياة. إنها ليست فقط أن نتمكن من الاختيار، بل أن نمتلك القدرة على التفكير في اختياراتنا، وفهم دوافعها، ومراجعة ما ورثناه منها، والتمييز بين ما نريده فعلًا وما جرى إعدادنا لكي نريده. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز التعريفات المجردة للحرية إلى اختبارها في واقع الحياة: هل كل ما يختاره الإنسان ممارسة لحرّيته بالضرورة؟ وهل يكفي أن يقول المرء «أنا اخترت» لكي ننتهي إلى أن اختياره تعبير عن إرادة مستقلة؟
أولًا: الحرية بوصفها تحققًا للإنسان يولد الإنسان حاملًا إمكانات متعددة، لكنها لا تتحقق جميعها تلقائيًا. فهناك مواهب تحتاج إلى اكتشاف، وقدرات تحتاج إلى تدريب، وملكات عقلية وإبداعية لا تزدهر إلا في بيئة تسمح بالسؤال والتجريب والخطأ والتعلم. قد تمتلك المرأة قدرات فكرية وفنية وعلمية وإنسانية واسعة، لكنها لا تجد الفرصة لتحقيقها إذا عاشت في مجتمع يحدد لها سلفًا ما ينبغي أن تفكر فيه، وكيف ينبغي أن تعيش، وما الصورة التي يجب أن تتخذها لكي تُقبل اجتماعيًا أو تُعد إنسانة فاضلة. وقد يمتلك الرجل بدوره قدرات لا تجد طريقها إلى التحقق في مجتمع يفرض عليه نموذجًا واحدًا للرجولة، أو يمنعه من التعبير عن اختلافه. فالمشكلة، في جوهرها، ليست مشكلة جنس بعينه، بل مشكلة علاقة الفرد بالسلطة الاجتماعية والفكرية التي قد تختزل الإنسان في صورة جاهزة، ثم تطالبه بالتطابق معها. من هنا تصبح الحرية شرطًا أساسيًا لتحقق الإنسان، لا مجرد امتياز قانوني أو شعار سياسي. فالمجتمع الحر ليس فقط المجتمع الذي يسمح لأفراده بالحركة والكلام والاختيار، بل المجتمع الذي يتيح لهم أن يصبحوا ما يستطيعون أن يكونوه، دون أن يفرض عليهم نموذجًا واحدًا للحياة أو التفكير أو التعبير عن الذات. إن قيمة الحرية تكمن في أنها تفتح أمام الإنسان مجالًا لتطوير إمكاناته، لا في أنها تكتفي بمنحه الإذن بتكرار ما أُريد له أن يكونه.
ثانيًا: هل كل اختيار دليل على الحرية؟ قد يختار الإنسان شيئًا لأنه يريده، لكن الرغبة نفسها قد تكون ثمرة تربية طويلة، أو ضغط اجتماعي، أو خوف من العقاب، أو حاجة إلى القبول والانتماء. وقد يتبنى فكرة لأنه اقتنع بها بعد تفكير مستقل، وقد يتبناها لأنه لم يُتح له يومًا أن يسمع رأيًا آخر. في الحالتين يمكنه أن يقول إنه اختار، لكن ثمة فرقًا بين اختيار نشأ في فضاء مفتوح للمراجعة والنقد، واختيار تشكل داخل بيئة تعاقب على الشك، وتربط القبول الاجتماعي بالطاعة، وتصور الخروج عن المألوف بوصفه انحرافًا أخلاقيًا. وهنا لا تكفي النية الذاتية وحدها للحكم على مدى استقلال الاختيار. فليس كل من يشعر بأنه يريد شيئًا قد اختاره بحرية كاملة، كما أن تأثر الإنسان بثقافته ومجتمعه لا يعني تلقائيًا أنه فاقد للحرية. نحن جميعًا نتشكل داخل بيئات اجتماعية وثقافية، لكن قدرتنا على مراجعة ما تلقيناه، ومقارنته ببدائل أخرى، ورفضه أو إعادة تفسيره، هي من أهم ما يحدد مساحة استقلالنا. والحرية، بهذا المعنى، ليست حالة مطلقة يتحرر فيها الإنسان من كل تأثير، وهو أمر يكاد يكون مستحيلًا، بل قدرة متنامية على الوعي بالتأثيرات التي تشكلنا، ومساءلتها، وعدم الاستسلام لها لمجرد أنها موروثة أو شائعة أو محاطة بهالة من القداسة. إن السؤال الحاسم ليس فقط: ماذا اختار الإنسان؟ بل أيضًا: ما الظروف التي تشكل فيها هذا الاختيار؟ وهل كان قادرًا على اختيار خلافه دون أن يخسر أمنه أو كرامته أو مكانته أو حقه في الانتماء؟
ثالثًا: النقاب بين حرية المرأة وتغييب شخصيتها لنفترض أن امرأة ترتدي النقاب، وتقول إنها تفعل ذلك بإرادتها الحرة، اقتناعًا منها بأنه واجب ديني أو تعبير عن الاحتشام أو اختيار شخصي. هل يكون ارتداؤها النقاب ممارسة للحرية، أم يمكن أن يكون صورة من صور تكفين المرأة ودفن شخصيتها خلف حجاب اجتماعي وثقافي؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد النظر إلى قطعة القماش التي تغطي الوجه، ولا بمجرد الاستماع إلى إعلان المرأة أنها اختارتها. فالمسألة أعمق من المظهر الخارجي، وتتعلق بمفهوم الإنسان الذي يقف وراء الاختيار، وبالظروف التي أحاطت به، وبما إذا كان هذا الاختيار يفتح أمام المرأة مجالًا أوسع لتحقيق ذاتها أم يساهم في اختزالها وإقصائها. المظهر واحد، لكن التجربة الإنسانية قد تكون مختلفة جذريًا. غير أن هذا التمييز لا يعفينا من مناقشة الدلالة الثقافية والفكرية للنقاب، ولا من طرح سؤال أكثر عمقًا: ما التصور عن المرأة الذي يجعل إخفاء وجهها قيمة أخلاقية في ذاته؟ وما العلاقة التي يفترضها هذا التصور بين جسد المرأة، وهويتها، وعلاقتها بالمجتمع؟ حين يتحول تغطية الوجه من خيار شخصي إلى معيار للحشمة والفضيلة، وحين تُقاس أخلاق المرأة بمقدار ما تخفيه من جسدها، وحين يصبح ظهور وجهها أمرًا يستوجب الشك أو الاتهام، فإننا نكون أمام منظومة قيمية قد تختزل المرأة في جسد يُخشى ظهوره، بدلًا من الاعتراف بها شخصًا كاملًا يمتلك عقلًا وإرادة وملكات وقدرات مستقلة. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يجري التعامل مع المرأة باعتبارها إنسانًا له قيمة ذاتية، أم باعتبارها مصدرًا محتملًا للإغراء ينبغي إخفاؤه وضبطه؟ وهل تُمنح الثقة لتكون مسؤولة عن اختياراتها، أم يُفترض أنها مشكلة أخلاقية يجب احتواؤها بواسطة قواعد تفرضها الجماعة عليها؟ إن الاعتراض الفلسفي هنا لا يتعلق بمجرد تغطية الوجه، بل بالمنظومة التي قد تحول تغطيته إلى واجب اجتماعي، وتجعل إخفاء المرأة فضيلة، وظهورها موضع ريبة، وتربط احترامها بمدى امتثالها لصورة محددة سلفًا عن المرأة الصالحة. فإذا كانت قيمة الإنسان تنبع من كونه ذاتًا واعية قادرة على التفكير والاختيار والإبداع، فإن اختزال المرأة في مظهرها، سواء أكان مكشوفًا أم مستورًا، يظل اختزالًا لها. كما أن جعل ستر الوجه دليلًا حاسمًا على الفضيلة، أو جعل كشفه دليلًا على انعدامها، يحول الأخلاق من مسألة تتعلق بالشخصية والسلوك والمسؤولية إلى حكم يستند أساسًا إلى المظهر. المعيار الحقيقي ليس أن تكشف المرأة وجهها أو تخفيه، بل أن تكون صاحبة القرار في جسدها وحياتها، وأن تمتلك القدرة الفعلية على الاختيار والمراجعة والتغيير. ومع ذلك، يظل من حقنا نقد الأفكار التي تجعل إخفاء المرأة قيمة أخلاقية في ذاته، أو تربط كرامتها بمدى انسحابها من المجال العام. فاحترام حق الفرد في الاختيار لا يعني تحصين الأفكار التي تحكم اختياراته من النقد، ولا يعني أن جميع الخيارات متساوية في آثارها الثقافية والاجتماعية.
رابعًا: هل يمكن أن يختار الإنسان سجنه؟ قد يقول قائل إن الإنسان يستطيع أن يختار ما يقيّده، وإن هذا الاختيار نفسه دليل على حريته. لكن هل يصبح القيد حرية لمجرد أن صاحبه قبله؟ وهل يفقد السجن صفته لأن السجين اعتاد جدرانه، أو لأنه أقنع نفسه بأن العالم الموجود خلفها خطر لا ينبغي الاقتراب منه؟ إن التشبيه بالسجن لا يعني أن كل التزام ديني أو عرفي سجن، ولا أن كل من يتبنى تقليدًا موروثًا يفتقر إلى الاستقلال. فالأفراد قادرون على تبني التزامات يختارونها عن وعي، وقد يجدون فيها معنى وطمأنينة وانتماءً. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الالتزام مغلقًا أمام المراجعة، وحين يتعذر الانسحاب منه دون عقاب اجتماعي أو نفسي شديد، وحين تُزرع في الإنسان مخاوف تجعل مجرد التفكير في البديل مصدرًا للذنب أو الرعب. إن الإنسان قد يتبنى قيودًا لأنه يرى فيها قيمة، وقد يخضع لقيود أخرى لأنه لم يتصور إمكان العيش خارجها. والفارق بين الحالتين لا يُحسم بمجرد إعلانه الرضا، بل بالنظر إلى قدرته على التفكير في البدائل، ومعرفة الخيارات المتاحة، ومراجعة موقفه دون تهديد أو ابتزاز. من هنا لا تكون الحرية نقيضًا لكل التزام، بل نقيضًا للإكراه الذي يسلب الإنسان حقه في مراجعة التزاماته. فالإنسان يستطيع أن يختار حياة بسيطة، أو أن يلتزم بمعتقد ديني، أو أن يتخلى عن بعض رغباته، ويظل حرًا ما دام اختياره نابعًا من اقتناع قابل للفحص، لا من خوف يمنعه من التفكير في سواه. المشكلة ليست في أن يختار الإنسان طريقًا له حدود، بل في أن يُمنع من التساؤل عن تلك الحدود، أو يُحرم من حقه في تغيير الطريق.
خامسًا: الحرية ليست فوضى، ولا وصاية قد يُعترض على هذا التصور بأن المجتمع لا يستطيع الاستمرار دون قواعد، وأن ترك الأفراد لاختياراتهم قد يؤدي إلى الفوضى. وهذا صحيح بقدر ما يتعلق الأمر بالقواعد التي تحمي الحقوق المتساوية وتمنع الاعتداء، لكنه لا يبرر تحويل المجتمع إلى سلطة شاملة تقرر كيف ينبغي لكل فرد أن يفكر أو يلبس أو يعتقد أو يعيش. هناك فرق بين منع الإنسان من الاعتداء على غيره، ومنعه من التفكير بطريقة مختلفة؛ وبين حماية حقوق المرأة، وفرض نموذج واحد عليها باسم حمايتها؛ وبين تنظيم المجال العام بما يضمن حقوق الجميع، وتحويل الأخلاق إلى نظام للرقابة على الأجساد والضمائر. إن القاعدة العادلة لا تهدف إلى صناعة نسخ متشابهة من البشر، بل إلى توفير الشروط التي يستطيعون في ظلها أن يعيشوا مختلفين دون أن يتحول اختلافهم إلى اعتداء متبادل. فالإنسان لا يفقد حقه في الحرية لأنه يتبنى فكرة نراها خاطئة، كما أن الفكرة لا تصبح صحيحة لمجرد أن صاحبها اختارها. الحرية تحمي الإنسان، لكنها لا تمنح جميع أفكاره حصانة من النقد. وهنا يكمن أحد أهم الفروق بين مجتمع يحترم الإنسان ومجتمع يفرض عليه الوصاية: الأول يثق بقدرته على التفكير والتعلم والمراجعة، والثاني يخشى أن يترك له هذه المساحة، فيسعى إلى تقرير ما ينبغي أن يكون عليه بدلًا منه.
سادسًا: الحرية والتفرد الشخصي إن أهم ما تتيحه الحرية للإنسان هو فرصة أن يكون مختلفًا، وأن يحقق ما يميزه عن الآخرين من قدرات وميول ومواهب. فلو كان البشر جميعًا يفكرون بالطريقة نفسها، ويؤمنون بالأفكار ذاتها، ويختارون أنماط الحياة نفسها، لتحولت الحياة الإنسانية إلى تكرار باهت. إن ثراء الحياة لا يأتي من التشابه الكامل بين البشر، بل من تنوعهم، ومن تعدد طرقهم في الفهم والإبداع والعمل والتواصل. وقد يضيف عالم إلى معرفتنا، وفنان إلى حساسيتنا الجمالية، وفيلسوف إلى قدرتنا على التساؤل، ومصلح اجتماعي إلى وعينا بالظلم، وإنسان بسيط إلى حياتنا من خلال تعاطفه أو أمانته أو قدرته على تخفيف آلام الآخرين. لكن هذه الإضافات لا يمكن أن تتفتح في بيئة تُختزل فيها قيمة الفرد في مدى امتثاله للنموذج السائد. فالمرأة التي تُعرَّف أولًا من خلال جسدها ولباسها، والرجل الذي يُعرَّف من خلال دوره الاجتماعي المفروض عليه، كلاهما قد يُحرمان من مساحة اكتشاف الذات خارج الحدود التي رسمها المجتمع. ولا يعني ذلك أن اللباس أو المعتقد أو الدور الاجتماعي أمور عديمة القيمة، بل يعني ألا تتحول إلى تعريف كامل للإنسان، وألا تحجب شخصيته الفعلية وما يمتلكه من قدرات عقلية وإبداعية وإنسانية. إن المجتمع الذي يمنح المرأة حقها في التعليم والعمل والتفكير والإبداع والاختيار، ويحترمها بصرف النظر عن مدى تطابقها مع صورة اجتماعية نمطية، يفتح أمامها مجالًا أوسع لتحقيق إمكاناتها. أما المجتمع الذي يختزلها في لباسها، فيحجب جانبًا من إنسانيتها حتى لو أعلن أنه يفعل ذلك تكريمًا لها.
سابعًا: الغثاء والعواء والخوار، أم حرية ذات مضمون؟ حين نقول إن الحرية تتيح للإنسان تحقيق ملكاته الشخصية التي تضيف ثراء للحياة، فإننا نميز بين مجرد ممارسة الفعل وبين القيمة الإنسانية لما نفعله. ليس كل صوت تعبيرًا عن فكرة، وليس كل كلام إضافة إلى المعرفة، وليس كل اختيار دليلًا على استقلال صاحبه. فقد تتحول حرية التعبير إلى تكرار أجوف، وقد يصبح الكلام ضجيجًا، وقد تتحول الممارسة العامة إلى استعراض للانفعالات بدلًا من أن تكون مجالًا للحوار والإبداع. لكن هذا التمييز يجب ألا يتحول إلى ذريعة لسلب الناس حقوقهم لأننا لا نرى قيمة فيما يقولون أو يفعلون. فحق التعبير شيء، والقيمة الفكرية لمضمون التعبير شيء آخر. وحق الإنسان في اختيار لباسه شيء، وتقييمنا الثقافي أو الأخلاقي للأفكار التي تقف وراء هذا الاختيار شيء آخر. إن الدفاع عن الحرية لا يعني تعليق العقل، بل إتاحة الفرصة له لكي يعمل. ولا يعني اعتبار كل الاختيارات متساوية في قيمتها، بل حماية حق الإنسان في الاختيار، مع إبقاء الأفكار والنتائج والممارسات قابلة للنقد والتقييم. فالحرية التي لا تسمح بالنقد تتحول إلى عقيدة مغلقة، والحرية التي لا تحمي الاختلاف تتحول إلى امتثال مقنّع.
ثامنًا: أي حرية نريد؟ إن السؤال الحقيقي ليس: كم رغبة نستطيع إشباعها؟ ولا: كم قيدًا نستطيع التخلص منه؟ بل: ما نوع الإنسان الذي تتيح لنا حريتنا أن نصبحه، وما نوع الحياة التي تساعدنا على بنائها؟ هل نريد حرية تجعلنا أسرى للاندفاع، أم حرية تمنحنا القدرة على فهم رغباتنا ومراجعتها؟ هل نريد مجتمعًا يفرض على المرأة أن تغطي وجهها، أم نريد مجتمعًا يعترف بأن المرأة إنسان مستقل، له الحق في أن يختار لباسه، وأن يفكر في المعتقدات التي توجه اختياراته، وأن يراجعها دون خوف من العقاب أو الإقصاء؟ إن الحرية التي تستحق الدفاع عنها ليست مجرد غياب المنع، بل وجود شروط التحقق الإنساني: تعليم يحرر العقل بدلًا من تلقينه، وثقافة تسمح بالسؤال، وقانون يحمي الحقوق، ومجتمع يتقبل الاختلاف، وفرص عادلة تتيح للإنسان أن يطور قدراته بدلًا من أن تظل إمكاناته رهينة ظروف لم يخترها. وتزداد أهمية ذلك حين نتحدث عن النساء، لأن حرية المرأة لا تُقاس فقط بما يسمح لها المجتمع بفعله، بل أيضًا بمدى قدرتها على أن تكون صاحبة قرارها، وأن تحضر في المجال العام بوصفها عقلًا وشخصية وذاتًا فاعلة، لا مجرد موضوع للأحكام الأخلاقية أو المخاوف الاجتماعية.
خاتمة: الحرية بوصفها إضافة إلى الحياة الحرية، في جوهرها الإنساني، ليست سباقًا مفتوحًا لإشباع الرغبات، ولا ترخيصًا مطلقًا للفعل، ولا مجرد تحرر من سلطة خارجية. إنها الإمكانية التي تمنح الإنسان فرصة أن يصبح أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على تطوير ملكاته، وأكثر استقلالًا في التفكير والاختيار، وأكثر استعدادًا للمساهمة في حياة الآخرين. فالحرية ليست أن تفعل ما تريد فحسب، بل أن تكون قادرًا على معرفة ما تريد، ومراجعة أسباب رغبتك، واختيار طريقك دون إكراه، وأن تمتلك المساحة التي تتيح لك أن تحقق أفضل ما تستطيع أن تكونه. فالمعيار الأعمق للحرية هو مقدار ما نمتلكه من استقلال ووعي وقدرة على تحقيق إنسانيتنا. وحين تصبح الحرية مجالًا لنمو الإنسان، لا مجرد إذن له بالفعل، فإنها تتجاوز كونها حقًا فرديًا لتصبح قيمة حضارية ومصدرًا لثراء الحياة الإنسانية.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
-
الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
-
نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
-
الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
-
الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
-
ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
-
من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
-
الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
-
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
-
حرية الفكر وتكلفة الانتماء
-
ربع قرن من الكتابة
-
العلمانية تسبق الديمقراطية
-
هويتنا التي لم نكنها بعد
-
الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
-
أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
-
من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما
...
-
بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
-
الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
-
الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
المزيد.....
-
مسؤولون: ترامب اختار كاتي زكريا متحدثة باسم البيت الأبيض وطل
...
-
نجا بأعجوبة.. رجل يركض هرباً من ضربة مسيّرة روسية في أوكراني
...
-
ترامب: بوتين وافق على تصدير الديزل خلال اتصال هاتفي
-
مساعد نتنياهو العسكري السابق يفجر مفاجأة بشأن تحذيرات سبقت ه
...
-
لماذا يتهم إيلون ماسك أغنى رجل في الهند بعرقلة إطلاق خدمات -
...
-
المكسرات ليست مدمرة للحمية.. إليك ما تفعله فعلا بجسمك
-
خلاف بين نتنياهو وزامير بشأن مؤشرات هجوم محتمل على إسرائيل
-
الدفاع الروسية تنشر مشاهد توثق استهداف نقاط انتشار جنود أوكر
...
-
دميترييف: اتصال ناجح بين بوتين وترامب والتعاون في الطاقة سيع
...
-
الولايات المتحدة ترفع القيود عن بيع وتسليم وتفريغ واستيراد ا
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|