أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان















المزيد.....

المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 08:14
المحور: قضايا ثقافية
    


الحرية والضمير والأصالة والمسؤولية: من بولس الرسول ويسوع إلى كيركجارد وهايدجر وسارتر

الأخلاق الإنسانية السامية الأصيلة، ليست عبر الطاعة الصارمة لوصايا خارجية فوقية مفروضة على الإنسان تعسفياً. بل هي تلك الناتجة عن بناء وتشكيل شخصية تنتج لنفسها بنفسها القيم والمعايير التي تراها تليق بها.
كما أن الحرية ليست أن يستطيع الإنسان فعل كل ما يشاء، بل أن يمتلك القدرة على مساءلة ما يشاء، وأن يميّز بين ما يقدر عليه وما يستحق أن يفعله. فثمة مسافة واسعة بين إنسان تفتح أمامه الإمكانات أبوابها، وإنسان يعرف أي الأبواب ينبغي أن يدخل، وأيها ينبغي أن يترك مغلقًا. في المسافة بين القدرة والاختيار تتكوّن الشخصية.
من هذا المنطلق يمكننا أن نقرأ بعض النصوص الإنجيلية قراءة تتجاوز حدود الوعظ المباشر، من دون أن تفصلها عن سياقها الديني والأخلاقي. ففي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس ترد العبارة الشهيرة: «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ» (1 كورنثوس 6:12، بحسب ترجمة فاندايك).

تضعنا هذه العبارة أمام مفارقة أخلاقية عميقة: قد يكون الشيء ممكنًا، وقد لا يكون محرّمًا في ذاته، ومع ذلك لا يكون اختياره حكيمًا أو بنّاءً. فالحرية لا تُقاس فقط بعدد الخيارات المتاحة أمام الإنسان، وإنما كذلك بقدرته على ألّا يتحوّل أيٌّ من هذه الخيارات إلى قوة تستولي عليه.

أولًا: حين تصبح الحرية شكلًا آخر من العبودية
اعتاد الإنسان أن يرى العبودية في صورتها الظاهرة: سلطة تقهره، أو قانون يسلبه إرادته، أو شخص يفرض عليه ما لا يريد. غير أن أشكالًا أخرى من العبودية تنشأ داخل الإنسان نفسه؛ فقد يصبح أسير شهوة، أو أسير خوف، أو تابعًا لحاجة دائمة إلى الاعتراف الاجتماعي، أو خاضعًا لرغبة لا يستطيع مقاومتها حتى حين يعرف عواقبها.
وهنا تكتسب عبارة بولس «لا يتسلط عليَّ شيء» قوتها الفلسفية. فهي لا تكتفي بالسؤال عما إذا كان الفعل مسموحًا، بل تنتقل إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يفعل هذا الفعل بفاعله؟ هل يظل الإنسان قادرًا على الاختيار بعد ممارسته، أم أن تكراره يحوّل الرغبة إلى سيّد، والإنسان إلى تابع؟
بهذا المعنى، لا تكون المشكلة دائمًا في الشيء الذي نرغب فيه، بل في العلاقة التي تنشأ بيننا وبينه. فقد يبدأ الأمر اختيارًا حرًّا، ثم يتحول إلى عادة، ثم يصبح حاجة قهرية، حتى يغدو الإنسان عاجزًا عن تخيّل نفسه من دون موضوع رغبته.
إن الحرية الناضجة ليست إنكارًا للرغبات ولا إعلان حرب على الجسد (كتلك التي نجدها في عبارات أخرى لبولس، مثل قوله "أقمع جسدي وأستعبده")، وإنما هي القدرة على تنظيم العلاقة بالرغبة، بحيث تظل جزءًا من الحياة الإنسانية ولا تتحول إلى مركز يستولي على الحياة كلها.
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان لا يُبنى بمجرد إشباع رغباته، بل أيضًا بتعلّم كيفية التعامل معها. فالشخصية ليست مجموع ما نمتلكه من إمكانات، وإنما الطريقة التي نرتب بها هذه الإمكانات، ونمنح بعضها الأولوية، ونرفض بعضها الآخر حين يتعارض مع ما نراه جديرًا بأن نكونه.

ثانيًا: ليست كل حرية بنّاءة
في موضع آخر يقول بولس: «كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي. لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ أَيْضًا» (1 كورنثوس 10:23–24، بحسب ترجمة فاندايك).

هنا ينتقل التفكير من علاقة الإنسان بنفسه إلى علاقته بالآخرين. فليس معيار الفعل مجرد مشروعيته أو مقدار المنفعة التي يحققها لصاحبه، بل ما إذا كان يسهم في البناء أو يؤدي إلى الإضرار بالآخرين.
إن هذه النقلة مهمة؛ لأنها تضع حدًّا لفكرة الحرية حين تُفهم بوصفها امتيازًا فرديًا مطلقًا. فالإنسان لا يعيش في فراغ، ولا تتحرك أفعاله داخل عالم خاص لا يمسّ سواه. كل اختيار تقريبًا يترك أثرًا، مباشرًا أو غير مباشر، في شبكة العلاقات التي يتكوّن منها المجتمع.
قد يستطيع الإنسان أن يقول: هذا حقي، وهذا قراري، وهذه حياتي. لكن هذه العبارات لا تعفيه من السؤال عن نتائج أفعاله، ولا تجعل الآخرين مجرد عناصر هامشية في مشروعه الشخصي.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا الأخلاقية: أن يكون الإنسان حرًّا لا يعني أن يكون غير مسؤول عن أثر حريته في الآخرين.
لا يطالبنا هذا المبدأ بالتضحية الدائمة بالذات، ولا يجعل إرضاء الآخرين غاية الحياة، وإنما يدعونا إلى إدراك أن استقلال الإنسان لا يتعارض بالضرورة مع مسؤوليته الاجتماعية. بل قد يكون احترام حرية الآخرين شرطًا من شروط اكتمال حريته هو.
إن الشخصية التي لا ترى إلا مصلحتها قد تنجح في تحقيق مكاسب كثيرة، لكنها تظل عاجزة عن بناء عالم مشترك. أما الشخصية الناضجة فتدرك أن بعض الأفعال، وإن كانت ممكنة ومفيدة لصاحبها، قد تكون مدمرة للثقة أو للكرامة أو للروابط الإنسانية التي تمنح الحياة معناها.

ثالثًا: من الداخل يبدأ التغيير
في إنجيل متى، ضمن الموعظة على الجبل، يستخدم يسوع صورًا شديدة اللهجة عن العين التي تعثر الإنسان واليد التي تعثره، داعيًا إلى التخلص مما يقود إلى السقوط (متى 5:27–30). ولا يصح التعامل مع هذه الصور بوصفها دعوة حرفية إلى إيذاء الجسد؛ فهي جزء من خطاب أخلاقي يستخدم المبالغة للتشديد على خطورة ما يقود الإنسان إلى الانحراف.
وتكمن أهمية هذا المقطع في أنه يوجّه الانتباه إلى منابع الفعل، لا إلى مظهره الخارجي وحده. فالسلوك الإنساني لا يبدأ لحظة ظهوره أمام الآخرين، بل تسبقه عمليات داخلية من الرغبة والتخيّل والتبرير والاعتياد.
قد ينجح الإنسان في إخفاء أفعاله، لكنه لا يستطيع أن يبني شخصية متماسكة إذا ترك دوافعه تعمل من دون فحص. وقد يلتزم بالقواعد خوفًا من العقوبة، بينما تظل دواخله أسيرة ما يحاول إخفاءه. لذلك لا يكتمل الإصلاح بمجرد ضبط المظهر؛ إنه يحتاج إلى مواجهة الأسباب التي تنتج السلوك.
لكن هذه المواجهة لا تعني احتقار الذات أو إنكار الطبيعة البشرية. فالإنسان لا يتجاوز ضعفه بمجرد أن يكرهه، وإنما حين يفهمه، ويتعرف إلى الظروف التي تقوّيه، ويتعلم كيف يمنع تحوله إلى قوة مهيمنة على حياته.
إن بناء الشخصية يبدأ من لحظة يتوقف فيها الإنسان عن الاكتفاء بتبرير نفسه، ويشرع في مساءلتها. لماذا أريد هذا؟ ما الذي يدفعني إليه؟ هل أختاره حقًّا، أم أستجيب لعادة تستولي عليّ؟ وهل أستطيع تحمّل النتائج التي تترتب عليه؟
هذه الأسئلة لا تصنع إنسانًا معصومًا من الخطأ، لكنها تصنع إنسانًا أكثر وعيًا بما يفعل، وأكثر قدرة على مراجعة نفسه حين يكتشف أنه أخطأ.

رابعًا: المصالحة بوصفها شرطًا لاستقامة العلاقة
يقول يسوع في إنجيل متى: «اذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ» (متى 5:24، بحسب ترجمة فاندايك).
تأتي العبارة في سياق يتناول المصالحة قبل تقديم القربان، ولذلك لا ينبغي فصلها عن دلالتها الدينية. ومع ذلك، يمكن أن نستخلص منها، في قراءة فلسفية، مبدأ أخلاقيًا يتجاوز حدود الطقس: لا يمكن للإنسان أن يتعامل مع علاقته بالمطلق وكأنها منفصلة تمامًا عن علاقته بالآخرين.
فما قيمة التدين إذا ظل الإنسان مصرًّا على الإهانة أو الظلم، ثم اكتفى بممارسة الشعائر وكأنها تعفيه من إصلاح ما أفسده؟ وما قيمة الخطاب الأخلاقي إذا لم يظهر أثره في الطريقة التي نتعامل بها مع من حولنا؟
لا يعني ذلك أن المصالحة ممكنة دائمًا، أو أن المظلوم ملزم بالعودة إلى علاقة مؤذية، أو أن التسامح يلغي المحاسبة والعدالة. فقد تتطلب المصالحة الاعتراف بالخطأ، وردّ الحقوق، ووضع حدود تحمي الإنسان من تكرار الأذى. لكنها، في أفضل صورها، ترفض أن يتحول الخلاف إلى ذريعة دائمة لإنكار إنسانية الآخر.
إن الاعتراف بالخطأ ليس انتقاصًا من قيمة الذات، بل قد يكون دليلًا على قوتها. فالإنسان الذي لا يستطيع الاعتذار يصبح أسير الصورة التي يريد الحفاظ عليها أمام نفسه والآخرين. أما الذي يملك شجاعة الاعتراف، فإنه يفضّل حقيقة علاقته بالواقع على وهم كماله الشخصي.
ومن هذه الزاوية، تصبح المصالحة امتحانًا للشخصية: هل نريد أن نكون على حق دائمًا، أم نريد أن نفهم ما حدث ونصلح ما يمكن إصلاحه؟ هل نستخدم كرامتنا ستارًا للكبرياء، أم نتمسك بها من دون أن ننكر كرامة سوانا؟

خامسًا: من الأخلاق الإنجيلية إلى سؤال الوجودية
تتيح هذه النصوص حوارًا فلسفيًا مع الوجودية الحديثة، حيث كل من المسيحية والوجودية هكذا تقيمان من الإنسان محاكماً وقاضياً لنفسه، ومصدراً لإنتاج القيم والمعايير التي يحاسب نفسه عليها.
لكن هذا الحوار يحتاج إلى دقة. فالمسيحية ليست مذهبًا وجوديًا بالمعنى التاريخي الحديث، كما أن بولس ويسوع لم يستخدما مفاهيم الفلاسفة الوجوديين اللاحقين. إنما تتقاطع النصوص هنا مع أسئلة ستصبح مركزية في الفلسفة الحديثة: الحرية، والمسؤولية، والأصالة، والاختيار، وتكوين الذات.

عند سورين كيركجارد، تبرز أهمية القرار الشخصي وعلاقة الإنسان بذاته وبالإيمان، في مواجهة الاكتفاء بالذوبان في الجمهور أو الأنظمة الفكرية الجاهزة. فالإنسان لا يصبح ذاته لمجرد أنه يعيش بين الآخرين؛ عليه أن يواجه وجوده بوصفه مسؤولية شخصية. ومن هذه الزاوية، يمكن مقارنة دعوة بولس إلى عدم الخضوع لشيء بالسؤال الكيركجوردي عن القوى التي تجعل الإنسان يفقد علاقته الحقيقية بذاته. غير أن كيركجارد يضع هذا السؤال في أفق مسيحي خاص، لا يختزل في الانضباط الأخلاقي وحده.

أما مارتن هايدجر، فيحلل في كتابه «الوجود والزمان» إمكان أن يعيش الإنسان وفق ما يفرضه عليه المألوف وما يقوله الناس، أو يخضع ذليلاً لوصايا مفروضة. بدلًا من أن يواجه إمكاناته الوجودية مواجهة أصيلة. ولا تعني الأصالة عنده مجرد التمرد على المجتمع، بل إدراك أن الوجود الشخصي ليس شيئًا يستطيع الإنسان أن يفوض مسؤوليته عنه بالكامل إلى الآخرين.

ومن الممكن أن نرى صلة تأويلية بين هذا التحليل وبين دعوة الإنسان إلى فحص دوافعه: ففي الحالتين لا يكفي أن يكرر المرء ما يفعله الجميع، ولا أن يستعير من محيطه تبريرًا جاهزًا لاختياراته. لكنه اختلاف لا ينبغي إغفاله؛ فأصالة هايدغر مفهوم وجودي معقد، وليست مرادفًا مباشرًا للطاعة الدينية أو الفضيلة الأخلاقية.

وعند جان بول سارتر، تكتسب الحرية معنى أكثر راديكالية؛ فالإنسان لا يستطيع أن يتخلص بسهولة من مسؤوليته عن اختياراته بالاحتجاج على الظروف أو الادعاء بأنه مجرد نتاج لها. إننا نكشف عن أنفسنا من خلال ما نختار وما نفعل، حتى حين نحاول التهرب من الاختيار.

وهنا يبرز تقاطع واضح مع السؤال الذي طرحناه: ليس المهم فقط ما إذا كان الفعل متاحًا، بل ما الذي يجعلنا نختاره، وما الذي نتحمل مسؤوليته نتيجة ذلك. ومع ذلك، يختلف سارتر عن التصور المسيحي في أساسه الفلسفي، ولا سيما في موقفه من الإله ومن طبيعة القيم. لذلك فالمقارنة بينه وبين النصوص الإنجيلية مقارنة في المشكلات والأسئلة، لا في المنطلقات والنتائج.

تكشف هذه المقارنات أن سؤال بناء الإنسان لا ينتمي إلى مدرسة فلسفية واحدة. فالتقاليد الدينية والفلسفات الوجودية، على اختلافها، تستطيع أن تضعنا أمام مشكلة مشتركة: كيف يصبح الإنسان مسؤولًا عن حياته بدلًا من أن يظل مجرد منفذ لرغباته أو أسيرًا لتوقعات الآخرين؟

لكن الإجابات تظل متعددة. فالتصور المسيحي يربط الحرية والمسؤولية بعلاقة الإنسان بالله وبمحبته للآخر، بينما تختلف الوجودية الحديثة في فهمها للإيمان والأساس الذي تستمد منه القيم. وإبقاء هذا الاختلاف ظاهرًا هو ما يجعل الحوار الفلسفي أكثر جدية، لا أقل.

سادسًا: بناء الذات ليس مشروعًا فرديًا مغلقًا
من السهل أن نفهم بناء الشخصية على أنه مشروع فردي غايته الوصول إلى نسخة أكثر قوة أو نجاحًا من الذات. لكن هذا التصور يظل ناقصًا إذا لم يتضمن سؤالًا عن طبيعة علاقتنا بالآخرين.
فالإنسان لا يتكون في عزلة تامة. لغته، ومعاييره، وصورته عن نفسه، وقدرته على الثقة، كلها تنشأ وتتطور داخل علاقات إنسانية. ولذلك لا يمكن أن تكون الشخصية المتماسكة مجرد شخصية تعرف كيف تحقق أهدافها؛ ينبغي أن تكون أيضًا قادرة على إدراك حدودها، والاعتراف بغيرها، وتحمل مسؤولية أثرها في العالم.
من هنا يمكن قراءة قول بولس «ليس كل الأشياء تبني» بوصفه تمييزًا بين ما يمنح الفرد إشباعًا آنيًا وما يسهم في بناء الحياة الإنسانية. وقد يقتضي هذا التمييز أن يتنازل المرء أحيانًا عن منفعة قريبة من أجل قيمة أبعد، أو أن يراجع موقفًا يمنحه شعورًا بالانتصار لكنه يهدم علاقة مهمة، أو أن يرفض ممارسة شائعة لأنه يرى ما تخلّفه من ضرر.
ولا يعني ذلك أن كل تضحية فضيلة، أو أن مصلحة الجماعة تبرر سحق الفرد. فالتاريخ مليء بأمثلة استُخدمت فيها شعارات المصلحة العامة لتبرير القمع. إنما المقصود أن الحرية تحتاج إلى وعي متبادل: فلا يتحول الفرد إلى أداة في يد الجماعة، ولا تتحول الجماعة إلى مجرد مجال يستغله الأفراد لتحقيق مصالحهم.
إن بناء الإنسان هو، بهذا المعنى، محاولة لإقامة توازن متحرك بين استقلال الذات والاعتراف بالآخر؛ توازن لا يحل جميع الصراعات، لكنه يمنعنا من اعتبار رغباتنا الخاصة المعيار الوحيد لكل شيء.

خاتمة: أن نكون أحرارًا من دون أن نصبح عبيدًا
تجمع النصوص التي تناولناها بين ثلاثة أبعاد متكاملة: ألا يستعبد شيء الإنسان، وألا تتحول الحرية إلى فعل يهدم بدلًا من أن يبني، وألا ينفصل السعي إلى الاستقامة عن مسؤولية إصلاح العلاقة بالآخر.
ومن خلال القراءة، يمكن النظر إلى هذه الأبعاد بوصفها مراحل في تكوين الشخصية:
- وعي بالذات، وضبط للعلاقة بالرغبة.
- وإدراك للعواقب، واستعداد لمراجعة النفس. - ومسؤولية تجاه الآخرين.
ليس المقصود أن الإنسان يستطيع بلوغ حالة نهائية من الكمال، أو أن الإرادة وحدها تكفي لتجاوز جميع أشكال الضعف. فالشخصية تتشكل ببطء، وتتأثر بالظروف والتجارب والعلاقات، وتظل معرضة للتناقض والخطأ. لكن هذا لا يلغي مسؤولية الإنسان؛ بل يجعلها أكثر واقعية، لأنها لا تعود ادعاءً بالعصمة، وإنما ممارسة مستمرة للفحص والتصحيح.

ولعل السؤال الأهم الذي تتركه لنا هذه النصوص ليس: كم من الأشياء أستطيع أن أفعل؟
بل: أي إنسان أصبح من خلال ما أفعله؟
هل تزيدني اختياراتي قدرة على التفكير والحب وتحمل المسؤولية؟
أم تجعلني أكثر خضوعًا لما أرغب فيه؟
هل أبني ذاتي على حساب الآخرين، أم أتعلم أن حريتي لا تكتمل بإنكار حريتهم؟

إن الإنسان لا يُقاس فقط بما يملكه من حقوق أو بما يستطيع إنجازه من رغبات، بل أيضًا بقدرته على أن يقول «لا» حين يصبح الاستسلام أسهل من المقاومة، وأن يعترف حين يكون التبرير أسهل من الاعتذار، وأن يختار ما يبني حين يكون الهدم أكثر إغراءً.
فالحرية ليست أن تظل كل الأبواب مفتوحة أمامك؛ إنها أن تعرف أيّ الأبواب يستحق أن تعبره، وأن تظل قادرًا على الرجوع حين تكتشف أنك أخطأت الطريق.
وهكذا يصبح بناء الإنسان فعلًا فلسفيًا وأخلاقيًا مستمرًا: ليس قمعًا للحياة، بل محاولة واعية لمنحها شكلًا ومعنى؛ وليس انسحابًا من العالم، بل مشاركة فيه من دون أن نفقد ذواتنا أو نحول الآخرين إلى وسائل في خدمتنا.
هكذا تقيم الوجودية المسيحية أو المسيحية الوجودية الإنسان سيداً على نفسه وحياته. كما تقيمه رقيباً ومحاكماً لنوازعه الداخلية. وتحرره من عبودية الناموس والوصايا الفوقية المفروضة. والتي ينفذها العبيد صاغرين، خوفاً من عقاب أو طمعاً في ثواب.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإيديولوجيات الشريرة وآليات الشر
- من صناعة القادة إلى إحكام الهيمنة
- حين تتنكر الحضارة لثوابتها
- الحرية مابعد حرية الفعل
- المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
- الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
- نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
- الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
- الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
- ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
- من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
- الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
- الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
- فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
- حرية الفكر وتكلفة الانتماء
- ربع قرن من الكتابة
- العلمانية تسبق الديمقراطية
- هويتنا التي لم نكنها بعد
- الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
- أن تتحول للسباحة في المياه الجارية


المزيد.....




- ميلانيا ترامب تعلن عن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين ...
- طبيبة تشرح ما يحدث للدماغ عند التوقف عن الكلام
- صاروخ روسي جديد يؤدي مهام الدرونات
- الكرملين يوافق على التفاوض مع كييف
- العراق سيطرد أعداء إيران
- متاحف غلاسكو تزيل رفات مومياوات مصرية من العرض أمام الجمهور ...
- بعد عملية الخليل.. ماذا يعني تهديد نتنياهو بـ-67? جديدة؟
- كيف ستؤثر مشاعر الخوف والغضب على انتخابات إسرائيل؟
- تحذيرات استخباراتية تدفع واشنطن لتقليص طواقم سفاراتها بالشرق ...
- حصرياً لـCNN.. تفاصيل اتهام مسؤولين في FBI بـ-عرقلة تحقيق عن ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان