|
|
الإيديولوجيات الشريرة وآليات الشر
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 08:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كيف تتحول الأفكار إلى أدوات لإطلاق الوحش الكامن في الإنسان؟
«الإيديولوچيات الشريرة تكاد لا تزرع الشر في نفوس أبرياء، وإنما بالأكثر تشجع نوازع الشر البدائية الوحشية، في نفوس لديها استعداد مسبق».
العلاقة بين الطبيعة البشرية والفكر الإيديولوجي، وتفتح الباب أمام سؤال يتجاوز السياسة والدين والتاريخ إلى صميم علم النفس الأخلاقي: هل تصنع الأفكار الشر في الإنسان، أم أنها تجد فيه استعدادات كامنة، فتوقظها وتمنحها المبررات التي تحتاج إليها لكي تتحول إلى أفعال؟
إن خطورة الإيديولوجيات التي نجازف بتسميتها بالشريرة، لا تكمن بالضرورة في قدرتها على تحويل الإنسان البريء إلى إنسان شرير، بقدر ما تكمن في قدرتها على استثارة نوازع عدوانية موجودة، وإعادة تشكيلها، وإلباسها ثيابًا أخلاقية أو دينية أو وطنية أو عرقية. فهي تستطيع أن تجعل صاحبها لا يرى في عدوانه شرًّا، بل واجبًا؛ ولا يرى في قسوته جريمة، بل بطولة؛ ولا يرى في إلغاء الآخر اعتداءً على إنسانيته، بل ضرورة لتحقيق غاية كبرى. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يصبح الشر مقتنعًا بأنه خير، وحين يتحول الإنسان من شخص يحتاج إلى تبرير أفعاله الشريرة إلى شخص يعتقد أنه يؤدي واجبًا أخلاقيًّا بارتكابها.
الأطروحة المركزية: الإيديولوجيا لا تكتفي بتبرير الشر، بل تعيد تعريفه
الإيديولوجيات الشريرة تستمد جانبًا أساسيًّا من قوتها التدميرية من قدرتها على استثارة نوازع عدوانية كامنة لدى بعض الأفراد، ثم منح هذه النوازع شرعية فكرية وأخلاقية تجعل ممارستها مقبولة في نظر أصحابها. فهي لا تكتفي بتبرير الشر بعد وقوعه، بل قد تهيئ له ذهنيًّا وأخلاقيًّا، بتحويل الكراهية إلى غيرة على الجماعة، والتعصب إلى تمسك بالمبدأ، والانتقام إلى عدالة، والقسوة إلى بطولة. وبذلك ينشأ أخطر أشكال الشر حين يفقد الإنسان القدرة على التعرف على شروره، لا لأنه فقد بالضرورة معرفته المجردة بالخير والشر، بل لأنه أخضع معاييره الأخلاقية لمقتضيات إيديولوجيته. فيصبح معيار الصواب لديه هو مدى خدمة الفعل لقضيته، لا مدى عدالته في ذاته، ويغدو الولاء للفكرة أهم من الوفاء للإنسان. ولا تفترض هذه الأطروحة أن كل متطرف كان شريرًا قبل اعتناق إيديولوجيته، أو أن الاستعداد العدواني شرط لازم لكل تطرف. فالأفكار قد تسهم أيضًا في تشكيل دوافع جديدة، كما قد تدفع بعض الأفراد إلى العنف تحت تأثير التلقين والخوف والطاعة والضغط الجماعي. لكن فهم الدور الذي تؤديه الإيديولوجيا يقتضي الانتباه إلى قدرتها على تحويل الميول البشرية، سواء أكانت سابقة عليها أم نشأت في ظلها، إلى سلوك يجد صاحبه له مبررًا. ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من أين يأتي الشر؟ بل أيضًا: كيف يصبح الشر مقبولًا في نظر من يمارسه، بل كيف يستطيع أحيانًا أن يتحول إلى مصدر للفخر والاعتزاز؟ أولًا: هل يولد الشر مع الإنسان أم تصنعه الأفكار؟ ليس من الدقة اختزال الطبيعة البشرية في صورة واحدة، فنعتبر الإنسان شريرًا بطبعه، أو نراه كائنًا بريئًا تفسده الظروف وحدها. فالإنسان كائن معقد، تتداخل في تكوينه دوافع البقاء والخوف والانتماء والتعاطف والتنافس والرغبة في السيطرة. وقد يحمل الفرد الواحد استعدادات متعارضة: قدرة على الرحمة وأخرى على القسوة، ميلًا إلى التعاون وآخر إلى العدوان، رغبة في العدل وأخرى في الانتقام. ولا يعني وجود هذه الاستعدادات أن جميعها ستتحول إلى سلوك فعلي. فبين الدافع والفعل مسافة تتدخل فيها التربية والضمير والتفكير النقدي والخبرة الشخصية والقوانين والظروف الاجتماعية. قد يشعر الإنسان بالغيرة من غير أن يتحول إلى معتدٍ، وقد يخاف من الآخرين من غير أن يكرههم، وقد يطمح إلى التفوق من غير أن يسعى إلى إخضاع أحد. لكن الإيديولوجيا المتطرفة تستطيع إعادة تفسير هذه المشاعر، فتجعل الغيرة دفاعًا عن التفوق، والخوف مبررًا للكراهية، والرغبة في السيطرة حقًّا مشروعًا، والانتقام استعادة للكرامة. وهكذا لا يكون التحول بالضرورة تغييرًا كاملًا في طبيعة الدافع، بل قد يكون تغييرًا في معناه وفي الحكم الأخلاقي الصادر عنه. فالإنسان الذي كان يخجل من نزعة الانتقام قد يتوقف عن الشعور بالخجل حين تقنعه إيديولوجيته بأن خصمه يستحق العقاب لمجرد انتمائه. والشخص الذي كان يرى في التمييز ظلمًا قد يقبله حين يُقنع بأن جماعته أعلى منزلة من غيرها. إن الفكرة لا تلغي دائمًا الدافع القديم، وإنما قد تمنحه لغة جديدة، وتضعه داخل قصة كبرى يبدو فيها مبررًا ومشروعًا.
ثانيًا: الإيديولوجيا تمنح الشر ضميرًا زائفًا لعل أخطر ما تستطيع الإيديولوجيا الشريرة فعله هو الاستيلاء على اللغة الأخلاقية للإنسان وإعادة توجيهها. فالإنسان الذي يدرك أنه يؤذي شخصًا بريئًا قد يشعر بالذنب أو التردد أو الخجل. لكن إذا اقتنع بأن ضحيته عدو للإنسانية، أو خطر على المجتمع، أو عضو في جماعة لا تستحق الحقوق نفسها، فقد يتراجع شعوره بالتعاطف، ويبدأ في النظر إلى الأذى باعتباره عملًا مشروعًا. في هذه الحالة، لا يختفي الضمير بالضرورة، بل قد يتحول إلى ضمير خاضع لإيديولوجيا تحدد له مسبقًا من يستحق الرحمة ومن يستحق العقاب. بدلًا من أن يسأل الإنسان: هل ما أفعله عادل؟ يصبح سؤاله: هل ما أفعله يخدم قضيتنا؟ وبدلًا من أن يتساءل: هل أعتدي على إنسان بريء؟ يسأل: هل ينتمي هذا الإنسان إلى الجماعة التي تعلمت أن أخشاها أو أحتقرها؟ وبدلًا من أن يرى أمامه إنسانًا له حقوقه وآلامه وكرامته، يراه رمزًا لعدو متخيل، أو عقبة ينبغي إزالتها، أو وسيلة لتحقيق غاية أكبر. وهنا يتغير موقع الأخلاق في حياة الفرد. فبدلًا من أن تكون معيارًا مستقلًا يحكم به على أفعال جماعته وأفعال خصومه، تصبح أداة تمنح جماعته البراءة المسبقة، وتدين خصومها بصرف النظر عن سلوكهم الفعلي. فما يعد جريمة إذا ارتكبه الخصم، يصبح بطولة إذا ارتكبه الحليف، وما يعد ظلمًا حين يقع علينا، يصبح عدلًا حين نمارسه على الآخرين. إن الإيديولوجيا، بهذا المعنى، لا تحتاج إلى إقناع الإنسان شرير بأنه بطل؛ يكفي أن تقنعه بأنه صاحب رسالة نبيلة، وأن ما يفعله من أذى ليس إلا ثمنًا ضروريًّا لتحقيق الخير.
ثالثًا: لماذا تجد الإيديولوجيات الشريرة صدى لدى بعض النفوس؟ لا تتلقى جميع النفوس الأفكار بالطريقة نفسها. فالفكرة التي تثير الاشمئزاز لدى شخص قد تمنح شخصًا آخر شعورًا بالقوة والانتماء والتفوق. قد يجد من يعاني شعورًا عميقًا بالنقص تعويضًا في إيديولوجيا تعده بأنه ينتمي إلى جماعة متفوقة. وقد يجد الخائف من عالم معقد تفسيرًا مريحًا لمخاوفه في خطاب يحدد له عدوًّا واضحًا. وقد يجد من يحمل رغبة في الانتقام مبررًا أخلاقيًّا يسمح له بممارستها دون أن يشعر بأنه ينتقم. وقد تجتذب الإيديولوجيات المتطرفة أيضًا أشخاصًا يبحثون عن اليقين، فتقدم لهم إجابات نهائية عن أسئلة شائكة، وتقسم البشر إلى أخيار وأشرار، وتختصر التاريخ في مؤامرة، والاختلاف في خيانة، والنقد في عداء. إنها قد تمنح أتباعها ثلاثة أشياء شديدة التأثير: - هوية يشعرون من خلالها بالقوة. - وتفسيرًا مبسطًا يريحهم من عناء التعامل مع تعقيد الواقع. - وترخيصًا أخلاقيًّا يتيح لهم القيام بأفعال كانوا سيترددون في ارتكابها لولا ذلك التبرير. لكن ينبغي الحذر من تحويل هذه الفكرة إلى حكم مطلق على البشر. فليس كل من يتبنى إيديولوجيا متطرفة صاحب نزعة شريرة سابقة، وليس كل من ينضم إلى جماعة متشددة مدفوعًا برغبة في العدوان. فقد يدخل بعض الناس هذه الجماعات تحت تأثير التضليل أو الخوف أو الضغط الاجتماعي أو الرغبة الصادقة في إصلاح العالم. وقد يتطور التطرف تدريجيًّا من خلال التلقين والعزلة والتكرار والطاعة، حتى يصبح الإنسان مستعدًا لقبول ما كان سيرفضه في ظروف أخرى. لذلك، فإن العلاقة بين الاستعداد النفسي والإيديولوجيا علاقة متبادلة ومعقدة. فقد تستثمر الإيديولوجيا نوازع موجودة، وقد تعمقها، وقد تسهم في إنشاء أنماط جديدة من التفكير والسلوك. غير أن إحدى وظائفها الأخطر تظل قدرتها على منح الدوافع العدوانية معنى أخلاقيًّا يجعلها قابلة للتعبير والممارسة.
رابعًا: من الكراهية إلى نزع الإنسانية عن الآخر تبدأ الإيديولوجيات الخطرة غالبًا عندما تتوقف عن التعامل مع الاختلاف بوصفه حقيقة طبيعية في حياة البشر، وتبدأ في اعتباره عيبًا ينبغي استئصاله أو خطرًا ينبغي القضاء عليه. فالاختلاف الديني قد يتحول إلى اتهام أخلاقي، والاختلاف السياسي إلى خيانة، والاختلاف الفكري إلى تهديد، والانتماء إلى جماعة أخرى إلى سبب كافٍ للاشتباه في الإنسان قبل معرفة أفعاله. وفي هذه اللحظة، يتراجع الفرد الحقيقي أمام الصورة النمطية. لا يعود الآخر شخصًا مستقلًّا يمكن تقييمه وفق أفعاله، بل يصبح ممثلًا لجماعة كاملة تُحمَّل ذنوب الماضي ومخاوف الحاضر وتصورات المستقبل. إن هذه الآلية تمهد الطريق لنزع الإنسانية عن الخصم؛ أي تجريده، في الوعي، من الصفات والحقوق التي تجعل الاعتداء عليه أمرًا يستدعي التردد الأخلاقي. وتؤدي اللغة دورًا مهمًّا في هذه العملية. فعندما توصف جماعة كاملة بأنها وباء أو حشرات أو خونة بالفطرة، لا يكون الأمر مجرد استخدام لعبارات قاسية، بل قد يصبح جزءًا من عملية تطبيع نفسي واجتماعي مع التمييز والإقصاء والعنف. فإذا جرى تصوير الآخر باعتباره مصدرًا دائمًا للخطر، أمكن تقديم الاعتداء عليه باعتباره دفاعًا عن النفس. وإذا صُوّر على أنه عدو للخير، أمكن اعتبار الرحمة به ضعفًا أو خيانة. وإذا حُمّل مسؤولية كل ما تعانيه الجماعة، أمكن تبرير معاقبته على أفعال لم يرتكبها أصلًا. وهكذا يتحول الإنسان من فرد له مسؤولية شخصية عن أفعاله إلى هدف جماعي بسبب هويته أو انتمائه. ومن هنا، لا ينبغي قياس خطورة أي إيديولوجيا فقط بما تعلنه من أهداف نبيلة، وإنما أيضًا بالطريقة التي تنظر بها إلى البشر، وبالحقوق التي تمنحها لأتباعها وتحرم منها خصومها. فالإيديولوجيا التي تتحدث عن العدالة، لكنها تنكر حق المخالف في الكرامة والحرية، تحمل تناقضًا أخلاقيًّا قد يتحول إلى ممارسة قمعية. ولا يمكن لعدالة حقيقية أن تقوم على إنكار إنسانية بعض البشر.
خامسًا: كيف يتحول الشر الفردي إلى شر جماعي؟ قد تكون نوازع العدوان موجودة لدى أفراد، لكن تحولها إلى ظاهرة جماعية واسعة يحتاج عادةً إلى عوامل إضافية. وهنا تظهر أهمية العلاقة بين الإيديولوجيا والسلطة والجماعة والمؤسسات. فالسلطة تستطيع منح الأفراد القدرة على تنفيذ ما كانوا عاجزين عن تنفيذه منفردين. والإيديولوجيا تستطيع منحهم التبرير. والجماعة قد توفر لهم شعورًا بالتضامن والحماية. والخوف قد يضعف استعدادهم للاعتراض. والدعاية تستطيع إعادة تعريف الضحية وتصوير الاعتداء عليها بوصفه ضرورة. وعندما تتكامل هذه العناصر، يمكن أن تتحول القسوة من فعل يستدعي التردد إلى ممارسة روتينية تشارك فيها مؤسسات كاملة. ولا تصنع الأنظمة الاستبدادية جرائمها الكبرى بالضرورة على أيدي أشخاص يستمتعون جميعًا بالتعذيب أو القتل. فقد يشارك فيها أشخاص عاديون تدفعهم الطاعة أو الخوف أو الطموح المهني أو الرغبة في الاحتفاظ بمكانتهم أو الاعتقاد بأنهم ينفذون أوامر مشروعة. وهنا ينبغي التمييز بين من يحمل نزعة عدوانية، ومن يتعلم تبرير العدوان، ومن يشارك فيه تحت ضغط السلطة، ومن يغض الطرف عنه لمصلحة شخصية. وقد تتلاقى هذه الأنماط داخل منظومة واحدة، فتنتج شرًّا يتجاوز ما كان أي فرد قادرًا على ارتكابه منفردًا. ولذلك من الخطأ تفسير الجرائم الجماعية بالبحث عن أفراد أشرار فحسب. فالمشكلة لا تكمن فقط في الأشخاص الذين ينفذون الأفعال، وإنما أيضًا في البنية التي تسمح لهم بالعمل، والنظام الذي يكافئ الولاء على حساب الضمير، واللغة التي تجعل الاعتراض خيانة، والمؤسسات التي تعطل المحاسبة. إن الشر الجماعي لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون جميع المشاركين فيه أشرارًا بالمعنى نفسه؛ فقد يكفي أن تتوزع المسؤولية بينهم، بحيث ينفذ كل فرد جزءًا من الفعل، ويقنع نفسه بأنه لا يتحمل مسؤولية النتيجة الكاملة. وهكذا يصبح تقسيم العمل وسيلة محتملة لتقسيم المسؤولية الأخلاقية وإضعاف الشعور بها، من دون أن يؤدي ذلك إلى إلغائها.
سادسًا: الطاعة حين تصبح بديلًا عن الضمير تستطيع الإيديولوجيا أن تبلغ درجة خطيرة من التأثير حين تقنع الفرد بأن طاعته للجماعة أو للقائد أو للعقيدة أعلى قيمة من حكمه الأخلاقي المستقل. في هذه الحالة، لا يعود الإنسان يسأل عما إذا كان الأمر الذي تلقاه عادلًا، بل عما إذا كان صادرًا عن السلطة التي يلتزم بها. ويصبح الاعتراض دليلًا على ضعف الانتماء، والمراجعة علامة على الخيانة، والتردد الأخلاقي نقصًا في الإخلاص. وقد يجد الفرد نفسه، تدريجيًّا، يتخلى عن مسؤوليته الشخصية لصالح سلطة خارجية تقرر له ما ينبغي فعله وما ينبغي رفضه. لكن الطاعة لا تفسر كل شيء، ولا تعفي أحدًا من المسؤولية. فالخوف والضغط قد يفسران بعض السلوك، لكنهما لا يجعلان كل فعل مشروعًا. كما أن وجود الأوامر لا يلغي أهمية مساءلة من أصدرها ومن نفذها، كلٌّ بحسب دوره وقدرته على الاختيار والامتناع. وتكمن الخطورة في أن الإيديولوجيا قد تحول التنازل عن الضمير إلى فضيلة، وتجعل الفرد يفتخر بأنه أطاع دون أن يسأل، بدلًا من أن يفخر بقدرته على التمييز بين الأمر العادل والأمر الظالم. إن المجتمع الذي يربي أفراده على الطاعة المطلقة يهيئ ظروفًا يمكن أن تستغلها السلطة، بينما المجتمع الذي يشجع التفكير المستقل والمساءلة يجعل تحويل الأفراد إلى أدوات أكثر صعوبة. فالمسؤولية الأخلاقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن انتماءه لا يعفيه من التفكير، وأن إخلاصه لقضيته لا يمنحه حق انتهاك حقوق الآخرين.
سابعًا: هل تكفي مواجهة الأفكار بالأفكار؟ قد يبدو أن مواجهة الإيديولوجيات الشريرة لا تحتاج إلا إلى كشف مغالطاتها وتقديم الحقائق. والحقيقة أن المعرفة ضرورية، لكنها ليست كافية دائمًا. فالإنسان لا يختار معتقداته على أساس الأدلة وحدها؛ إذ تتدخل في ذلك هويته ومصالحه وعلاقاته ومخاوفه وحاجته إلى الانتماء. وقد يرفض دليلًا واضحًا لأنه يشعر أن قبوله سيهدد مكانته داخل جماعته، أو سيجبره على الاعتراف بأنه ظلم آخرين، أو سيحرمه من اليقين الذي يستمد منه شعوره بالأمان. ولهذا قد لا ينجح تفنيد الفكرة وحده إذا كانت تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية عميقة في حياة صاحبها. فمواجهة التعصب تحتاج إلى تقديم بدائل للانتماء، ومواجهة الخوف تحتاج إلى بيئة أكثر أمنًا، ومواجهة الشعور بالإذلال تحتاج إلى عدالة تحفظ الكرامة، ومواجهة التفكير المغلق تحتاج إلى تعليم ينمي القدرة على السؤال والتحليل والمراجعة. ولا يعني ذلك أن الظلم أو الإقصاء يؤديان حتمًا إلى التطرف، أو أن الظروف الاجتماعية تبرر العنف؛ بل يعني أن الوقاية الفعالة تتطلب فهم العوامل التي قد تستغلها الإيديولوجيات المتشددة، إلى جانب رفض ممارساتها ومساءلة المسؤولين عنها. وتحتاج المواجهة أيضًا إلى مؤسسات قانونية مستقلة، وحرية في النقد، وحماية لحقوق الأقليات والمخالفين، وثقافة لا تحول المراجعة الفكرية إلى إهانة شخصية. والأهم من ذلك كله هو ترسيخ مبدأ لا يجوز تعليقه باسم أي قضية: "لا تمنحنا نبل الغاية المفترضة حق انتهاك كرامة الإنسان." فإذا كانت الفكرة تدعو إلى العدالة، وجب أن تخضع أفعال أصحابها لمعيار العدالة نفسه. وإذا كانت تدافع عن الحرية، فلا يجوز أن تجعل الحرية امتيازًا لأتباعها وحدهم. وإذا كانت تتحدث باسم الإنسان، فلا بد أن تعترف بإنسانية من يختلف معها.
ثامنًا: ليست المشكلة في وجود الإيديولوجيا، بل في تحصينها من النقد ليس كل فكر منظم إيديولوجيا شريرة، وليس كل انتماء إلى قضية أو عقيدة مقدمة للاستبداد. فالأفكار قد تلهم التضامن والتحرر ومقاومة الظلم، وقد تساعد البشر على تنظيم حياتهم والسعي إلى أهداف مشتركة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الفكرة من أداة لفهم الواقع إلى سلطة مطلقة فوقه؛ عندما تصبح محصنة ضد النقد، وتعتبر نفسها مالكة للحقيقة النهائية، وتمنح أتباعها امتيازًا أخلاقيًّا لمجرد انتمائهم إليها. في هذه الحالة، لا يعود الواقع قادرًا على تصحيح الفكرة، بل تصبح الفكرة هي التي تعيد تشكيل الواقع في أذهان أتباعها، حتى لو اضطروا إلى إنكار الوقائع وتبرير الجرائم. وقد تتحول الإيديولوجيا إلى منظومة مغلقة تفسر كل اعتراض بوصفه مؤامرة، وكل دليل مخالف بوصفه خداعًا، وكل نقد بوصفه عداءً. وبذلك تفقد قدرتها على مراجعة نفسها، وتصبح أخطاؤها سببًا لمزيد من التشدد بدلًا من أن تكون دافعًا إلى التصحيح. وتزداد الخطورة عندما يعتقد الإنسان أن انتماءه إلى القضية الصحيحة يعفيه من المسؤولية عن أفعاله. فالتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة أخلاقية مسبقة، ولا توجد جماعة تستطيع أن تجعل كل ما يصدر عن أعضائها عادلًا لمجرد أنهم يدافعون عن اسمها أو رايتها. إن الاختبار الحقيقي لأي فكرة ليس فقط ما تعد به، وإنما أيضًا ما تسمح به، وما تحرمه، وكيف تعامل الإنسان الذي يقف خارج دائرتها، ومدى استعدادها للاعتراف بأخطائها. فالفكرة التي لا تستطيع قبول النقد قد تتحول إلى سلطة، والسلطة التي لا تقبل المساءلة قد تتحول إلى استبداد، والاستبداد الذي يجد تبريرًا إيديولوجيًّا قد يحول الظلم إلى نظام يراه أتباعه طبيعيًّا أو ضروريًّا.
خاتمة: حين يصبح الشر فضيلة يتمثل محور طرحنا هذا في نقل النقاش من مجرد إدانة الشر إلى محاولة فهم الآليات التي تجعله ممكنًا ومقبولًا. فالشر لا يحتاج دائمًا إلى أن يُزرع في النفس من الخارج؛ قد يجد استعدادات كامنة تنتظر الظروف التي تستثيرها، أو الخطاب الذي يمنحها الشرعية، أو السلطة التي تحولها إلى فعل. لكن هذه الاستعدادات ليست قدرًا محتومًا، ولا حكمًا نهائيًّا على الإنسان. فكما يمكن للخوف أن يتحول إلى كراهية، يمكن للوعي أن يساعد على تحرير الإنسان من أوهامه. وكما يستطيع الانتماء أن يتحول إلى تعصب، يمكنه أن يصبح مصدرًا للتضامن. وكما تستطيع الجماعة أن تضغط على الفرد لكي يتخلى عن ضميره، تستطيع المؤسسات العادلة والثقافة النقدية أن تحمي استقلاله الأخلاقي. إن أخطر ما تفعله "الإيديولوجيا الشريرة" ليس أنها تقول للإنسان: كن شريرًا، بل إنها قد تقول له: أنت على حق حتى عندما تظلم؛ وأنت بطل حتى عندما تقسو؛ وأنت تخدم الخير حتى عندما تسحق إنسانًا آخر. وحين يصدق الإنسان هذه الرسالة، قد لا يعود محتاجًا إلى إسكات ضميره بالقوة، لأنه يكون قد أعاد تفسير صوت الضمير نفسه. تصبح الرحمة ضعفًا، والتسامح خيانة، والتردد الأخلاقي جبنًا، والعدوان واجبًا. وهنا نصل إلى جوهر الأطروحة: الإيديولوجيا الشريرة لا تكمن خطورتها في أنها تطلب من الإنسان أن يفعل الشر فحسب، بل في أنها قد تجعله يفعل الشر وهو يعتقد أنه يفعل الخير. وبذلك لا تعود المعركة بين الخير والشر واضحة دائمًا في وعي الإنسان؛ فقد يصبح الصراع الحقيقي بين قدرته على مراجعة أفكاره وقدرة أفكاره على الاستيلاء على ضميره. ولعل الوقاية الأعمق من شرور الإيديولوجيات لا تكمن في استبدال إيديولوجيا مطلقة بأخرى، بل في بناء إنسان لا يسمح لأي فكرة، مهما بدت مقدسة أو نبيلة، بأن تعفيه من مسؤوليته عن كرامة الآخرين. إن الإنسان لا يُختبر حقًّا حين يدافع عن حقوق من يحبهم ويشبهونه، بل حين يعترف بأن المختلف عنه، والخصم الذي يرفض أفكاره، يظل إنسانًا له حقوق لا يجوز انتهاكها. فإذا كانت الإيديولوجيا تمنح الإنسان هوية، فلا ينبغي أن تسلبه استقلاله الأخلاقي. وإذا منحته قضية يدافع عنها، فلا ينبغي أن تجعله أداة عمياء في خدمتها. وإذا وعدته بعالم أفضل، فلا يجوز أن تجعل طريقه إلى ذلك العالم قائمًا على سحق البشر الذين يفترض أن يكون العالم الأفضل من أجلهم. إن الإيديولوجيا قد تمنح الشر راية، وقد تمنحه لغة ومبررًا ووسائل للانتشار، لكنها لا تستطيع أن تعفي حاملي الراية من مسؤولية ما يفعلون تحتها. فالشر الذي يرتكب باسم الخير يظل شرًّا، والظلم الذي يمارَس باسم العدالة يظل ظلمًا، والإنسان الذي يسحق كرامة الآخرين باسم قضية نبيلة لا يصبح نبيلًا بمجرد إيمانه بنبلها. وهذه، في النهاية، هي المحنة الكبرى التي تضعنا أمامها "الإيديولوجيات الشريرة": ليس فقط كيف نمنع الإنسان من فعل الشر، بل كيف نحول دون أن يفقد القدرة على التعرف عليه عندما يرتكبه بيديه، وتحت رايته، وباسم أسمى القيم التي يؤمن بها.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من صناعة القادة إلى إحكام الهيمنة
-
حين تتنكر الحضارة لثوابتها
-
الحرية مابعد حرية الفعل
-
المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
-
الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
-
نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
-
الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
-
الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
-
ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
-
من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
-
الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
-
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
-
حرية الفكر وتكلفة الانتماء
-
ربع قرن من الكتابة
-
العلمانية تسبق الديمقراطية
-
هويتنا التي لم نكنها بعد
-
الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
-
أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
-
من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما
...
المزيد.....
-
العلماء يتوقعون حدوث عاصفة نيزكية فوق الأرض عام 2099
-
خدمة ستارلينك ليست لقتل المدنيين
-
البنتاغون يجهز القواعد العسكرية الأمريكية للعمل ذاتيا لفترات
...
-
-علينا أن نكمل المهمة التي بدأناها-.. ترامب يطالب الإسرائيلي
...
-
لولا دا سيلفا يفوز بولاية رئاسية رابعة في البرازيل
-
ترامب يتراجع عن تصريحاته ويشيد بـ-صمود- الشعب الليبي بعد أزم
...
-
دميترييف يؤكد أن ماسك يريد السلام وزيلينسكي يريد الحرب والما
...
-
مغنية راب كولومبية تدوس على علم إسرائيل وتمسح حذاءها به خلال
...
-
-وول ستريت جورنال-: صواريخ حوثية تقتل 75 على الأقل في معسكر
...
-
صربيا: فوتشيتش يقر بهزيمته في الانتخابات البرلمانية الحاسمة
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|