|
|
العقل الفردي والعقل الجمعي: حين تنتصر الشعارات على الواقع
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 21:46
المحور:
قضايا ثقافية
مقدمة: هل يفكر الإنسان بالطريقة نفسها عندما يكون فردًا وعندما يصبح جزءًا من جماعة؟
يختلف عقل الإنسان وسيكولوجيته حين يفكر بوصفه فردًا مستقلًا، عنهما حين يصبح جزءًا من جماعة أو شعب أو أمة. وليس الاختلاف هنا مجرد فرق في حجم التفكير أو في عدد العقول المشاركة فيه، بل هو اختلاف في طبيعة التفكير ذاته، وفي مصادر الأحكام، وفي العلاقة بين الواقع والمعتقد، وبين المصلحة والمبدأ، وبين التجربة المباشرة والصورة الذهنية الموروثة. فالإنسان الفرد، عندما يواجه مشكلة تمس حياته اليومية أو مصالحه الشخصية، يجد نفسه مضطرًا، في كثير من الأحيان، إلى الاحتكام إلى الواقع. إنه يريد أن يأكل، وأن يعمل، وأن يتجنب الخسارة، وأن يحمي نفسه وأسرته، وأن يحقق قدرًا من الاستقرار والأمان. ولذلك، فإن تجاربه المباشرة كثيرًا ما تجبره على مراجعة أفكاره، حتى لو كانت هذه المراجعة مؤلمة أو مناقضة لما يؤمن به. أما حين يذوب الفرد في جماعة واسعة، فقد تتغير طبيعة علاقته بالواقع. إذ لا يعود يفكر دائمًا انطلاقًا من تجربته الشخصية، بل قد يفكر من خلال منظومة من الشعارات والرموز والمعتقدات والقيم المتوارثة، التي تمنحه شعورًا بالانتماء، وتحدد له ما ينبغي أن يحب، وما ينبغي أن يكره، ومن ينبغي أن يعتبره عدوًا أو صديقًا. وهنا تنشأ مفارقة تستحق التأمل: قد يكون الإنسان واقعيًا وعقلانيًا في إدارة شؤونه الشخصية، ثم يصبح أقل واقعية وأكثر استعدادًا لتصديق الأوهام عندما يفكر باسم جماعته أو وطنه أو عقيدته. كيف يحدث ذلك؟ وما الذي يجعل الجماعات والشعوب تتمسك أحيانًا بأفكار تتعارض مع مصالحها الفعلية، بل قد تقودها إلى نتائج تناقض الغايات التي تعلنها؟
أولًا: العقل الفردي تحت ضغط الواقع
يمتلك الفرد، في العادة، اتصالًا مباشرًا نسبيًا بنتائج قراراته. فإذا اتخذ قرارًا خاطئًا في عمله، أو أساء تقدير شخص يتعامل معه، أو أنفق أمواله بطريقة غير عقلانية، فإنه يواجه عواقب ملموسة قد تدفعه إلى إعادة النظر في حساباته. فالواقع هنا لا يظهر باعتباره فكرة مجردة، بل قوة عملية تفرض نفسها من خلال الربح والخسارة، والنجاح والفشل، والألم واللذة، والأمان والخطر. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المصلحة الشخصية تؤدي دورًا مهمًا في ضبط التفكير الفردي؛ لأنها تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه التناقض بين ما يتصوره وما يحدث بالفعل. لكن الوضع ليس هكذا دوماً وبصورة مطلقة. فالمصلحة الشخصية لا تجعل الإنسان في جميع الحالات عقلانيًا بالضرورة؛ إذ يحدث أن يخدع الفرد نفسه، وأن يبرر أخطاءه، وأن يندفع وراء رغباته، وأن يتجاهل الحقائق التي تهدد صورته عن ذاته. كما أن الخوف والتحيز والتفكير الرغائبي قد تجعل الفرد منفصلًا عن الواقع حتى في أكثر شؤونه خصوصية. ومع ذلك، تظل هناك آلية تصحيح مهمة: عندما تصبح نتائج الخطأ مكلفة ومباشرة، تزداد احتمالات أن يضطر الإنسان إلى مراجعة موقفه. إن الواقع، بهذا المعنى، يعمل أحيانًا بوصفه معلمًا قاسيًا، لكنه فعال.
ثانيًا: العقل الجمعي وتحرر الاعتقاد من الاختبار المباشر
عندما ينتقل الإنسان من المجال الفردي إلى المجال الجمعي، تتغير الشروط التي يتشكل في ظلها وعيه. فالجماعة لا تتكون من مصالح مادية فحسب، وإنما تجمعها أيضًا ذاكرة مشتركة، ورموز، وأساطير تأسيسية، وقصص عن الماضي، وصور عن الذات والآخر، ومجموعة من القيم التي تمنح أفرادها شعورًا بأنهم ينتمون إلى كيان أكبر من ذواتهم الفردية. هذه العناصر ليست سلبية في ذاتها؛ فهي تسهم في بناء التضامن، وتوفير الثقة المتبادلة، وتأسيس الهوية، وتمكين البشر من التعاون على نطاق واسع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الرموز والمعتقدات إلى حقائق محصنة ضد النقد، وعندما يصبح الولاء للفكرة أهم من اختبار صحتها، وعندما تُقاس قيمة المعلومة بمدى توافقها مع هوية الجماعة، لا بمدى مطابقتها للواقع. في هذه الحالة، لا يعود السؤال الأساسي هو: هل هذا الاعتقاد صحيح؟ بل يصبح: هل يتفق هذا الاعتقاد مع ما تؤمن به جماعتنا؟ وهل يهدد التشكيك فيه مكانتنا أو انتماءنا أو صورتنا عن أنفسنا؟ وهكذا قد يتراجع معيار الحقيقة لمصلحة معيار الولاء. إن الفكرة التي يمكن للفرد أن يتخلى عنها عندما يكتشف خطأها قد تصبح، داخل الجماعة، جزءًا من تعريفه لذاته. وعندئذ لا يعود نقدها مجرد تصحيح معرفي، بل يبدو وكأنه اعتداء على الهوية نفسها. وهذه إحدى الآليات الأساسية التي تفسر مقاومة الجماعات للأدلة التي تتعارض مع معتقداتها الراسخة.
ثالثًا: لماذا تصبح الشعارات أقوى من الوقائع؟
تمتلك الشعارات ميزة نفسية لا تمتلكها الوقائع المعقدة: إنها تقدم إجابات مختصرة عن أسئلة صعبة.
فالواقع الاجتماعي والتاريخي متشابك، وتفسيره يحتاج إلى معرفة ومقارنة وتحليل واستعداد للاعتراف بالخطأ. أما الشعار، فيستطيع اختزال هذا التعقيد كله في عبارة سهلة الحفظ، قوية التأثير، ومشحونة بالعاطفة. قد يقول الشعار إن الأمة عظيمة، أو إن الماضي كان عصرًا ذهبيًا، أو إن الجماعة تمتلك الحقيقة، أو إن جميع مشكلاتها ناتجة عن مؤامرة خارجية، أو إن العودة إلى نموذج قديم كفيلة بحل أزماتها المعاصرة. وتكمن جاذبية هذه الشعارات في أنها لا تقدم تفسيرًا للعالم فحسب، بل تمنح المؤمن بها شعورًا باليقين والكرامة والانتماء. فبدلًا من مواجهة سؤال صعب من قبيل: لماذا تعثرت مؤسساتنا؟ ولماذا فشلنا في تحقيق أهدافنا؟ وما الأخطاء التي ارتكبناها؟ يصبح من الأسهل إلقاء المسؤولية على الأعداء، أو على خيانة بعض الأفراد، أو على ابتعاد المجتمع عن نموذج مثالي متخيل. وبدلًا من الاعتراف بأن بعض الموروثات قد تكون غير ملائمة للظروف الجديدة، يصبح التمسك بها دليلًا على الأصالة والوفاء. وبدلًا من قياس النجاح بالنتائج، قد يُقاس بالإخلاص للشعار نفسه. وهكذا نجد أن المفاهيم والقيم المفارقة للواقع والمنتهية الصلاحية، التي قد يهملها أو يتخلى عنها الفرد في الحياة الشخصية، قد نجده في المجال العام يتشبث بها وبالدفاع عنها، وقد يقاوم بضراوة من يشكك فيها. وهنا يحدث انقلاب خطير في العلاقة بين الفكر والواقع: لا يعود الفكر أداة لفهم الواقع وتغييره، بل يصبح الواقع هو الذي يُعاد تفسيره وتأويله باستمرار لكي يتوافق مع الفكر الموروث. فإذا نجحت الجماعة، اعتُبر نجاحها دليلًا على صحة عقيدتها. وإذا فشلت، قيل إن السبب هو عدم التزامها الحقيقي بالعقيدة، أو وجود أعداء عرقلوا مسيرتها، أو أن النصر يحتاج إلى مزيد من الصبر والتضحية. وبهذه الطريقة، تتحول الفكرة إلى منظومة مغلقة تستطيع استيعاب النجاح والفشل معًا من دون أن تسمح لأي منهما بإبطالها. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعقل الجمعي هو أن يفقد القدرة على تخيل الظروف التي يمكن أن يثبت فيها خطأ معتقداته. فالفكرة التي لا يمكن لأي دليل أن يدحضها قد تتحول من أداة للمعرفة إلى أداة للانتماء والتبرير.
رابعًا: الهوية الجماعية وتضخم صورة الذات
لا تتعلق معتقدات الجماعات بالحقيقة وحدها، بل ترتبط أيضًا بالحاجة إلى الشعور بالقيمة والتفوق والتميز. فالإنسان لا يرغب في أن يرى نفسه مجرد فرد محدود الإمكانات، وإنما قد يجد في انتمائه إلى أمة عظيمة، أو حضارة استثنائية، أو جماعة مختارة، مصدرًا لتعويض شعوره الفردي بالعجز أو القصور. ومن هنا يمكن أن تتحول مكانة الجماعة المتخيلة إلى بديل عن الإنجاز الفردي والمؤسسي الفعلي. فقد يشعر الفرد بالفخر لأنه ينتمي إلى حضارة أنجزت اكتشافات عظيمة قبل قرون، حتى لو لم يسهم هو أو مجتمعه المعاصر في إنتاج معرفة جديدة. وقد يتحدث عن أمجاد أسلافه بوصفها دليلًا على تفوقه الحالي، مع أن العلاقة بين الإنجاز التاريخي والقدرة الراهنة ليست علاقة تلقائية. إن المجد الموروث لا ينتقل إلى الأجيال اللاحقة بوصفه قدرة جاهزة؛ بل يحتاج إلى إعادة إنتاجه من خلال العلم والعمل والإبداع والمؤسسات. لكن العقل الجمعي قد يتعامل مع الماضي كما لو كان رصيدًا دائمًا من التفوق، لا تجربة تاريخية انقضت ظروفها، ولا إنجازًا يحتاج إلى فهم أسبابه وإعادة بناء شروطه. وهكذا تصبح الذاكرة التاريخية، بدلًا من أن تكون مصدرًا للتعلم، وسيلة للتعويض النفسي عن الحاضر. ولا يقتصر الأمر على تمجيد الماضي؛ فقد يحدث العكس أيضًا، حين تتبنى جماعة صورة ثابتة عن نفسها بوصفها ضحية أبدية، وتفسر كل إخفاقاتها من خلال هذه الصورة، فتجد في المظلومية تفسيرًا شاملًا يعفيها من فحص مسؤوليتها الذاتية. وفي الحالتين، سواء تعلق الأمر بوهم التفوق المطلق أو بوهم العجز المطلق، تكون النتيجة واحدة: تتحول الهوية من إطار لفهم الذات إلى حاجز يمنعها من رؤية نفسها كما هي.
خامسًا: لماذا يدافع الفرد عن معتقدات قد تضر بمصالحه؟
قد يبدو غريبًا أن يدافع الإنسان عن أفكار أو أنظمة أو سياسات تؤدي إلى تدهور ظروف حياته، لكن هذا السلوك يصبح مفهومًا عندما ندرك أن المصالح الإنسانية ليست مادية فقط. فالفرد لا يبحث عن الدخل والأمان والمأوى وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى الاعتراف الاجتماعي، والشعور بالكرامة، والقبول من الجماعة، والاطمئنان إلى أن حياته تستند إلى معنى. وقد يضحي ببعض مصالحه المادية المباشرة من أجل الحفاظ على مكانته داخل الجماعة، أو تجنب العزلة، أو حماية صورته عن نفسه. كما قد يجد صعوبة في الاعتراف بخطأ اعتقاد كرّس له سنوات من حياته، أو دافع عنه أمام الآخرين، أو بنى عليه قرارات مصيرية. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يصبح التراجع عن الاعتقاد مكلفًا اجتماعيًا؛ إذ قد يُتهم صاحبه بالخيانة أو الجبن أو التخلي عن المبادئ. في هذه الظروف، لا يعود التمسك بالفكرة مجرد نتيجة لاقتناع عقلي، بل يصبح وسيلة لحماية الذات من الشعور بالعار أو فقدان الانتماء. وتظهر هنا مفارقة أخرى: قد يكون الفرد قادرًا على اكتشاف الخطأ، لكنه لا يكون مستعدًا لتحمل الثمن النفسي والاجتماعي المترتب على الاعتراف به. وهذا يفسر لماذا لا يكفي تقديم المعلومات الصحيحة دائمًا لتغيير المعتقدات الراسخة. فالمشكلة قد لا تكون في غياب المعلومات، بل في ارتباط المعتقد بوظائف نفسية واجتماعية تتجاوز محتواه المعرفي. ولذلك، فإن تغيير الوعي الجمعي لا يتطلب كشف الأخطاء الفكرية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى بناء بيئة تسمح بالمراجعة من دون إذلال، والاختلاف من دون تخوين، والاعتراف بالخطأ من دون إقصاء.
سادسًا: من سيكولوجية الجماعة إلى سيكولوجية الشعوب
عندما نتحدث عن سيكولوجية شعب، ينبغي أن نكون حذرين من التعامل معه كما لو كان فردًا واحدًا يمتلك عقلًا موحدًا وإرادة متجانسة. فالشعوب ليست كائنات نفسية متجانسة، ولا يفكر جميع أفرادها بالطريقة نفسها. داخل كل مجتمع توجد تيارات متعارضة، وطبقات اجتماعية مختلفة، ومصالح متباينة، وتجارب تاريخية متناقضة. ومع ذلك، يمكن أن تنشأ أنماط واسعة من التفكير المشترك بفعل التعليم والإعلام والخطاب السياسي والمؤسسات الدينية والثقافية، فضلًا عن الذاكرة التاريخية والخبرات الجماعية. وهذه الأنماط لا تنتج بالضرورة من اتفاق واعٍ بين الأفراد، بل قد تتشكل تدريجيًا من خلال التكرار والتنشئة الاجتماعية وتحديد ما يُعد مقبولًا أو مرفوضًا داخل المجتمع. فعندما تتكرر رواية معينة عن التاريخ، وتُقدم بوصفها حقيقة نهائية، وتُربط بالولاء الوطني أو الديني، قد تتحول بمرور الزمن إلى جزء من الوعي العام، حتى لدى أشخاص لم يفحصوا أدلتها بأنفسهم. وعندما تُهمَّش الأسئلة النقدية في التعليم، أو يُعاقب الاختلاف في المجال العام، أو يُختزل الانتماء الوطني في ترديد شعارات بعينها، يصبح من الصعب على المجتمع أن يطور آليات فعالة لتصحيح أخطائه. وهنا تبرز أهمية المؤسسات. فالمجتمع الذي يمتلك جامعات مستقلة، وإعلامًا قادرًا على التحقيق، وقضاءً يحمي الحقوق، ومؤسسات تسمح بمحاسبة المسؤولين، يمتلك أدوات أفضل لاختبار الروايات السائدة ومراجعتها. أما المجتمع الذي تُحتكر فيه الحقيقة، أو تُقدَّم السلطة باعتبارها معصومة من الخطأ، أو يُعامل النقد بوصفه عداءً للجماعة، فإنه يكون أكثر عرضة لتحول الأفكار المهيمنة إلى حقائق محصنة.
سابعاً: العقل الجمعي بين التضامن والعمى
مع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا نقد العقل الجمعي إلى الاعتقاد بأن الجماعة مصدر لللاعقلانية بالضرورة، أو أن الفرد المستقل أفضل دائمًا في اكتشاف الحقيقة. فالجماعات قادرة أيضًا على إنتاج معرفة لا يستطيع الفرد الواحد إنتاجها، وعلى جمع الخبرات، وتصحيح الأخطاء، وتطوير العلوم، وإنجاز مشروعات تتجاوز قدرات الأفراد المنفردين. بل إن كثيرًا من الإنجازات العلمية والحضارية الكبرى لم تكن لتتحقق من دون تعاون جماعي ومؤسسات منظمة وتقسيم للعمل وتبادل للمعلومات. لكن الفرق الأساسي يكمن في طبيعة العلاقة التي تقيمها الجماعة بين الانتماء والحقيقة. فثمة جماعة تعتبر الاختلاف مصدرًا للمعلومات، والنقد وسيلة للتحسين، والاعتراف بالخطأ علامة على النضج. وثمة جماعة أخرى ترى الاختلاف تهديدًا لوحدتها، والنقد إهانة لرموزها، والاعتراف بالخطأ ضعفًا ينبغي تجنبه. الأولى تستطيع أن تحول التنوع إلى قوة معرفية، لأن أفرادها لا يحتاجون إلى الاتفاق على كل شيء كي يتعاونوا. أما الثانية، فقد تحول التضامن إلى نوع من الرقابة المتبادلة، حيث يتعلم الأفراد إخفاء شكوكهم، وترديد ما يُنتظر منهم، وتجنب الأسئلة التي قد تزعج الأغلبية. وهكذا يمكن أن تنتج الجماعة بيئة عقلانية تتجاوز حدود الفرد، كما يمكن أن تنتج بيئة غير عقلانية تعاقب الفرد على استخدام عقله. إذن، ليست المشكلة في وجود عقل جمعي، بل في الكيفية التي يعمل بها، وفي مدى انفتاحه على الأدلة، وفي قدرته على تصحيح نفسه.
ثامناً: كيف يمكن تحرير الوعي الجمعي من سطوة الشعارات؟
إذا كان انفصال العقل الجمعي عن الواقع ناتجًا عن تداخل عوامل نفسية وثقافية ومؤسسية، فإن معالجته لا يمكن أن تتحقق بمجرد مطالبة الناس بأن يكونوا أكثر عقلانية. فالعقلانية ليست فضيلة فردية فحسب، وإنما تحتاج إلى شروط اجتماعية تسمح لها بالعمل. وأول هذه الشروط هو التمييز بين قيمة الإنسان وصحة أفكاره. فليس من الضروري أن يكون المرء خائنًا أو جاهلًا أو سيئ النية كي يخطئ في الاعتقاد. وما دام الخطأ ممكنًا لدى الجميع، فإن مراجعة الأفكار ينبغي ألا تتحول إلى محاكمة أخلاقية لأصحابها. وثانيها هو ترسيخ ثقافة السؤال، بحيث يتعلم الإنسان أن يسأل عن الأدلة، وأن يميز بين الادعاء والبرهان، وبين الرغبة والواقع، وبين الرواية التاريخية والقراءة الأيديولوجية للتاريخ. وثالثها هو إخضاع الشعارات للنتائج. فإذا أعلنت جماعة أنها تسعى إلى العدالة، وجب تقييمها وفق ما تحققه من عدالة فعلية، لا وفق عدد المرات التي تردد فيها كلمة العدالة. وإذا رفعت شعار الحرية، وجب النظر إلى مقدار الحرية التي يتمتع بها أفرادها، لا إلى مكانة الحرية في خطابها الرسمي. ورابعها هو تطوير التعليم من مجرد نقل المعلومات والموروثات إلى تدريب العقل على المقارنة والتحليل والنقد والاستدلال. وخامسها هو حماية المؤسسات التي تتيح تصحيح الأخطاء، لأن المجتمع لا يستطيع اكتشاف الحقيقة إذا كانت المعلومات محجوبة، أو كانت محاسبة السلطة مستحيلة، أو كان الاعتراض على الرأي السائد محفوفًا بالعقوبات. وأخيرًا، لا بد من الفصل بين الانتماء والامتثال الفكري. فالإنسان يستطيع أن يحب وطنه من دون أن يبرر أخطاءه، وأن يحترم تراثه من دون أن يقدس كل عناصره، وأن ينتمي إلى جماعة من دون أن يتنازل عن حقه في نقدها. بل إن هذا النوع من النقد قد يكون أحد أصدق أشكال الانتماء؛ لأنه لا يسعى إلى حماية صورة الجماعة على حساب واقعها، وإنما يسعى إلى تحسين واقعها حتى تصبح أقرب إلى القيم التي تعلن الإيمان بها.
خاتمة: هل يستطيع العقل الجمعي أن يتعلم من الواقع؟
تكمن المعضلة الكبرى في أن الإنسان لا يعيش بالحقائق وحدها، بل يعيش أيضًا بالمعاني التي تمنح حياته قيمة، وبالهويات التي تجعله يشعر بأنه ليس وحيدًا في العالم. ولهذا لا يمكن مطالبة البشر بالتخلي عن انتماءاتهم ورموزهم وموروثاتهم، كما لا يمكن بناء مجتمع متماسك على أساس المصالح الفردية وحدها. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين أن تمنحنا الهوية معنى، وأن تمنعنا من رؤية الحقيقة؛ وبين أن نستمد من الماضي خبرة، وأن نجعله سلطة تعطل الحاضر؛ وبين أن نعتز بقيمنا، وأن نعتبرها صحيحة لمجرد أننا ورثناها. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الشعارات، بل في تحولها إلى بديل عن التفكير. ولا يكمن في احترام الموروث، بل في تحصينه ضد النقد. ولا يكمن في الانتماء إلى الجماعة، بل في جعل الانتماء شرطًا للتخلي عن الاستقلال العقلي.
وإذا كان الفرد يضطر، في كثير من الأحيان، إلى مراجعة أفكاره حين تصطدم بمصالحه المباشرة، فإن الجماعة قد تستطيع تأجيل هذه المواجهة طويلًا، لأن كلفة الوهم موزعة بين أفرادها، ولأن الاعتراف بالفشل قد يبدو تهديدًا لصورتها عن نفسها. لكن هذه القدرة على تأجيل المواجهة لا تعني القدرة على إلغاء الواقع. فالمجتمعات التي ترفض التعلم من تجاربها لا تتوقف عن ارتكاب الأخطاء، بل تتوقف عن فهم أسبابها. وقد تعيد إنتاج الإخفاق نفسه، في كل مرة تحت شعار جديد، أو في صيغة مختلفة من الرواية القديمة. وعندما يحدث ذلك، يصبح التاريخ سلسلة من الأزمات المتكررة التي لا تتعلم منها الجماعة بقدر ما تبحث عن مبررات لتكرارها. إن المعيار الحقيقي لنضج شعب ليس مقدار ما يعلنه من أمجاد، ولا عدد الشعارات التي يرفعها، ولا درجة يقينه بأنه يمتلك الحقيقة، بل قدرته على إخضاع معتقداته ومؤسساته وقراراته لاختبار الواقع. فالشعب الناضج ليس هو الذي لا يخطئ، وإنما هو الذي يمتلك الشجاعة الفكرية والمؤسساتية للاعتراف بأخطائه وتصحيحها. وليس هو الذي يتخلى عن ماضيه، بل الذي يستطيع أن يتحرر من سلطة الماضي حين يتحول إلى عائق أمام المستقبل. وليس هو الذي يفتقر إلى العقائد والقيم، بل الذي يستطيع التمييز بين القيمة التي تستحق الدفاع عنها، والفكرة التي تحتاج إلى مراجعة، والشعار الذي فقد صلته بالواقع. إن الفارق بين جماعة تتقدم وجماعة تراوح مكانها ليس بالضرورة في مقدار ما تمتلكه من الشعارات والقيم، بل في طبيعة العلاقة التي تقيمها بين هذه الشعارات والواقع: هل تستخدم الواقع لاختبار أفكارها، أم تستخدم أفكارها لإعادة اختراع الواقع كلما خالفها؟ في الإجابة عن هذا السؤال تكمن، إلى حد بعيد، المسافة بين الوعي الذي يتعلم والوعي الذي يكرر نفسه؛ بين مجتمع يجعل العقل أداة لتحرير الإنسان، ومجتمع يجعل الإنسان أداة لحماية أفكاره الموروثة. ولعل أخطر صور التخلف ليست أن يجهل المجتمع بعض الحقائق، فكل المجتمعات تعرف الجهل بدرجات متفاوتة، وإنما أن يفقد القدرة على اكتشاف جهله، وأن يخلط بين اليقين والحقيقة، وبين التمسك بالمعتقد وصحته، وبين الدفاع عن الهوية والدفاع عن الأوهام التي استقرت داخلها. فحين يصبح الحفاظ على صورة الجماعة أهم من فهم واقعها، لا تعود الأفكار خادمة للحياة، بل تصبح الحياة نفسها مطالبة بالتضحية كي تظل الأفكار بمنأى عن النقد.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة في قابلية التحضر وإعادة إنتاج التخلف
-
من المنظومات الفكرية المغلقة إلى عالم مرتهن بالتجربة والتخطئ
...
-
الاعتزاز بالهوية والموقف من الآخر
-
العقل بين التسليم وملكة النقد
-
ارتباط مصير شعب بقرار سلطان
-
المسيحية الوجودية وبناء شخصية الإنسان
-
الإيديولوجيات الشريرة وآليات الشر
-
من صناعة القادة إلى إحكام الهيمنة
-
حين تتنكر الحضارة لثوابتها
-
الحرية مابعد حرية الفعل
-
المادية الجدلية واغتيال الديالكتيك بحتميتها
-
الموت والعدم: لماذا اخترع الإنسان الخلود؟
-
نظرية الانتماء وإنتاج الآخر بين التفاضل والتكامل
-
الخصوصية والذاتية- من الأنا والآخر إلى فلسفة المجتمع الحر
-
الهوية بين مركزية الكلمة ومركزية الفعل
-
ثقافة الصراع- من العقل الصفري إلى العقل التكاملي
-
من وهم رأس الهرم إلى فاعلية القاعدة
-
الشرخ الأمريكي ومستقبل قاطرة الحضارة الإنسانية
-
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
المزيد.....
-
لأول مرة في الشرق الأوسط.. -وجهات نظر عالمية-
-
الأمن الفيدرالي الروسي يوقف مراهقا على خلفية التحضير لهجوم إ
...
-
طفل فلسطيني يخطف الأنظار بأداء -الدحية- في عرس شعبي
-
مستشار المرشد الإيراني: عقيدتنا الدفاعية تتطور سريعا ونطاق ا
...
-
الدفاعات السعودية تسقط مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه الجنوب
...
-
مصر.. السجن المشدد لـ11 متهما في قضية -داعش التجمع-
-
ترامب يقر بأن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية
...
-
لواء إسرائيلي ينصح بعدم شن ضربة جديدة على إيران ويحذر من ورق
...
-
هجوم على ناقلة غاز قطرية في مياه الخليج يثير تحركا مصريا لدع
...
-
جماعة أنصار الله: غارات سعودية تستهدف ميناء الحديدة ومناطق ع
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|