أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - الثاني من أيار 1955 دموع الطفولة… وقطعة حلوى















المزيد.....

الثاني من أيار 1955 دموع الطفولة… وقطعة حلوى


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 23:54
المحور: سيرة ذاتية
    


كانت طفولتي يومذاك تختبئ في صباحٍ لم يكن يشبه سائر الصباحات. كان فجر يوم الاثنين، الثاني من أيار عام 1955، يتهيأ لكتابة صفحة مختلفة في ذاكرة مدينتنا، وربما في ذاكرة العراق كله.

استيقظت المدينة على مشهد لم تألفه العيون ، مواكب من السيارات الحكومية، تتقاطر في الطريق العام المؤدي غرباً، نحو الحبانية. سيارات من عهد المملكة العراقية، تتلألأ ألوانها في ضوء الصباح، وقد استأثر اللون النيلي اللامع بعيني الطفل الذي كنته. وعلى مقدمات بعضها ارتفعت أعلام العراق، فيما حمل بعضها الآخر إشارات الهيئات والبعثات الدبلوماسية.

كنت أرقب المشهد من نافذة بيتنا المطلة على الطريق، وأصغي إلى همسات الكبار المتجمهرين في الأسفل. كان الخبر يتنقل من فم إلى آخر، كأنه بشارة طال انتظارها: اليوم يتسلم الجيش العراقي قاعدة الحبانية من القوات البريطانية التي اتخذت منها معسكراً استراتيجياً منذ العام 1936 ، في تلك البقعة الساحرة المطلة على مياه الفرات.

لم أكن أفهم يومها كل أبعاد السياسة ولا معنى السيادة في حسابات الدول، لكنني كنت أفهم شيئاً واحداً، بفطرة طفل أحب وطنه قبل أن يعرف كيف يشرح حبه: إن علم العراق سيرتفع اليوم فوق أرض عراقية، وإن علماً آخر سيغادر ساريتها.

كانت الموسيقى البريطانية، بمزاميرها وإيقاعاتها العسكرية، حاضرة في خيالي. تخيلت الفرقة الموسيقية بزيها الاسكتلندي وهي تعزف النشيد الوطني العراقي، وتخيلت لحظة إنزال العلم البريطاني ورفع علمنا، عالياً، شامخاً، كأنما يستعيد العراق شيئاً من روحه.

يا إلهي، كم كان ذلك المشهد كبيراً في عيني الصغيرة!

سمعت أن طلبة المدارس المتوسطة والثانوية يستعدون للانطلاق في موكب من الدراجات باتجاه الحبانية، قاطعين مسافة تزيد على عشرة أميال، ليشهدوا احتفال يوم السيادة. لم أحتج إلى من يقنعني بالذهاب. كان قلبي قد سبقني إلى هناك، وكانت عيناي تريان العلم العراقي يرفرف فوق المعسكر قبل أن أصل إليه.

انطلقت جموع الشباب، دراجة تلو أخرى، تتعاقب في الطريق، فيما كانت السيارات الرسمية والدبلوماسية تشق طريقها نحو الحبانية.

أما أنا، فقد حاولت أن ألحق بهم.

تسارعت خطواتي الصغيرة، وامتلأت عيناي بصورة الموكب وهو يبتعد. أردت أن أكون بينهم، أن أرى بأم عيني لحظة ارتفاع علم بلادي، أن أصفق مع الآخرين، وأن أعود إلى البيت وأنا أحمل في ذاكرتي مشهداً لا يمحوه الزمن.

لكن الطفولة، مهما اتسع حلمها، لها خطوات قصيرة.

ابتعد الموكب، وبقيت أنا في مكاني.

وهنا غلبتني دموعي.

لم تكن دموع حزن عابر، ولا بكاء طفل حُرم نزهة أو لعبة. كانت دموعاً أكبر من عمري، دموعاً لم أكن أعرف لها اسماً آنذاك. كنت أبكي لأنني لم أستطع الوصول إلى فرحة وطني، ولأن الطريق إلى ذلك المشهد الذي ملأ خيالي كان أطول من قدرة ساقيّ الصغيرتين.

يا لقلب الطفل حين يحب! إنه لا يعرف المسافات كما يعرفها الكبار، ولا يقيس الفرح بالوقت، بل يتصور أن العالم كله ينبغي أن يتوقف حتى يبلغه.

لم يكن أمامي سوى أن أعود إلى نافذتنا، أراقب السيارات الرسمية والدبلوماسية وهي تعود شرقاً صوب العاصمة. كنت أتطلع إلى وجوه الركاب، كأنني أبحث في عيونهم عن جواب لسؤالي الصامت: هل حدث ما تمنيت؟ هل ارتفع علم العراق؟ هل أصبح المكان لنا حقاً؟

وكانت العودة تحمل الخبر الذي انتظرته بكل جوارحي: لقد ارتفع علم العراق فوق قاعدة الحبانية، وانتهى زمن الوجود البريطاني فيها.

في تلك اللحظة، شعرت أن دموعي لم تذهب سدى، وأن الحلم الذي عجزت قدماي عن بلوغه قد تحقق هناك، على ضفاف الفرات، بعيداً عن نافذتي الصغيرة.

وقبل أن يأخذ الغروب مكانه، محتضناً قرص الشمس في أفق المدينة، بدأت مواكب الشباب تعود. عاد رجال مدينتنا وطلبتها على دراجاتهم، وقد علت وجوههم فرحة لا تخطئها عين. كانوا يحملون معهم حكاية اليوم، أما أنا فكنت أنتظر أن أرى في وجوههم صورة العلم الذي لم أتمكن من رؤيته.

وعندها اكتملت فرحتي بطريقة لم أكن أتوقعها.

عاد شقيقي الذي شارك في موكب الدراجات، ولم ينسَ أخاه الصغير الذي بقي في البيت أسير دموعه. اقترب مني، وفي يده قطعة حلوى بريطانية الصنع، من تلك الحلويات الفاخرة والنادرة التي كانت تباع في محال السلع الأجنبية.

ناولني إياها بمحبة، وكأنه يقدم لي جائزة صغيرة عن بكاء كبير.

قال لي، بمعنى ما زلت أسمعه في أعماق ذاكرتي، إن هذه القطعة لك يا أخي الصغير، لقد غادرت بريطانيا الحبانية، وهذه آخر قطعة حلوى اشتريتها من ذلك المحل، فلتكن لك.

يا لها من قطعة حلوى!

لم تكن مجرد حلوى لذيذة في يد طفل، بل كانت تحمل في مذاقها حكاية يوم كامل: حكاية علم ارتفع، وأرض عادت إلى سيادة جيشها، وطفل بكى لأنه لم يشهد اللحظة، وأخٍ كبير حاول أن يمسح دموعه بهدية صغيرة.

أكلت الحلوى، وربما لم أكن أعرف أن طعمها سيبقى في ذاكرتي أطول من طعم كل ما أكلته بعدها. فقد ذابت الحلوى في فمي، لكن حلاوتها لم تذب من روحي. بقيت هناك، معلقة بين دموع الصباح وابتسامة المساء.

ومرت السنوات، وكبر الطفل، وتغيرت المدن والوجوه، وتعاقبت على العراق أيام كثيرة، حلوة ومرة. لكن نافذة بيتنا ظلت مفتوحة في ذاكرتي على ذلك الطريق المؤدي إلى الحبانية، وظلت الدراجات تمر في مخيلتي، وظل شقيقي يعود إليّ بقطعة الحلوى نفسها.

كلما تذكرت ذلك اليوم، أدركت أن بعض الهدايا لا تُقاس بثمنها، وأن بعض الدموع لا تحتاج إلى من يمسحها بقدر ما تحتاج إلى من يفهم معناها.

لقد كانت قطعة الحلوى الصغيرة أكبر من حجمها، وكانت فرحتي بالعلم أكبر من طفولتي، وكان حب الوطن في قلبي أوسع من الطريق الذي عجزت عن قطعه.

واليوم، بعد كل هذه العقود، لا أستعيد الثاني من أيار 1955 بوصفه يوماً سياسياً فحسب، بل أستعيده بوصفه يوماً إنسانياً يسكن وجداني: أرى فيه طفلاً صغيراً يبكي عند نافذة بيته، وشقيقاً يعود من الاحتفال حاملاً قطعة حلوى، ومدينة تتنفس الفرح، وعلماً عراقياً يرفرف عالياً فوق أرض احتضنتها مياه الفرات.

رحم الله تلك الأيام، ورحم الله من شاركونا أفراحها، وبقيت ذكراهم في القلب.

فقد تكبر الأوطان في أعين أبنائها بالأحداث العظيمة، لكنها تسكن قلوبهم أحياناً بتفصيل صغير: دمعة طفل، ويد أخٍ حنون، وقطعة حلوى.

وما زلت، إلى هذه اللحظة، أتذوق حلاوة ذلك اليوم…

لأنها لم تكن حلاوة الحلوى وحدها، بل حلاوة العراق حين ارتفع علمه.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يُدان البياض… صناعة كبش الفداء في عالمٍ يتهرّب من تبعات ...
- جواهر مغتربة… حين يغيب الذهب ويضيق المكان
- حين يُثمر الحقلُ ويجدبُ الضمير - البيدر: نقاءُ النماء
- في مملكة الضجيج، للصمت سيادة
- حين تتضرع النساء إلى صور الكلاب في معبد بطوكيو
- الهبة الديمغرافية العراقية: تكامل الوعي والتنمية في بناء الد ...
- الغربال والمرآة: حين نحاكم الآخرين وننسى أنفسنا
- السيدة نجمة… وبياض القيمر في ذاكرة وطن
- الحصانة الذاتية وسيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية: من أوهام ا ...
- رهانات الحياة في حانة بريطانية.
- المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
- معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
- غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية ...
- العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
- عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
- حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر


المزيد.....




- عراقجي يوجه رسالة إلى أمريكا بشأن فتح مضيق هرمز.. ويهدد بـ-ا ...
- ترامب يتحدث لـCNN عن موقفه من استئناف الحرب ومصير المحادثات ...
- زعيم الديمقراطيين في الكونغرس يؤيد عزل وزير الحرب
- مشاهد توثق حريق سفينة تعرضت لاستهداف في مضيق هرمز
- بعد كارثة العياط.. مطالبات حزبية بإقالة وزير النقل في مصر
- مصر.. مشادة بين وزير النقل ومواطن بسبب ضحايا قطاري العياط (ف ...
- ترامب يستبعد تجدد الحرب مع إيران ويشترط اتفاقا قويا
- الدفاع الروسية: إسقاط 50 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة
- قائد سابق لقوات الناتو في أوروبا: على هيغسيث اتخاذ -القرار ا ...
- -ما هو شعورك وأنت خاسر؟-.. صحفي يباغت ترامب بسؤال مباشر (فيد ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - الثاني من أيار 1955 دموع الطفولة… وقطعة حلوى