أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - حين يُثمر الحقلُ ويجدبُ الضمير - البيدر: نقاءُ النماء















المزيد.....

حين يُثمر الحقلُ ويجدبُ الضمير - البيدر: نقاءُ النماء


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 00:47
المحور: قضايا ثقافية
    


لا تزدهر الحياة في بيادر الغلال وحدها، بل في البيادر التي يحرس نماءها ضمير يقظ، وتؤطّر وفرتها عدالة لا تساوم على الحق، ولا تتوارى خلف الظلال. فليس كل بيدر عامر دليلًا على الخير، كما أنّ ليست كل وفرة شاهدًا على البركة، إذ قد تمتلئ المخازن وتفرغ الذمم، وقد تثقل الموازين بالحبوب فيما تخفّ كفّة الحق، ويضيع نصيب الزارع بين يد تجمع الثمرة ويد تصادر معناها.

إنّ خير البيادر ما نبتت سنابله بماء المطر، واشتدّت أعواده بحرارة الشمس، واكتمل موسمه بعرق الكادحين، فالمطر يمنح الأرض سرّ الحياة، والشمس تمنح الزرع قوة النضج، أمّا الضمير فيمنح الثمرة معناها الإنساني، ويمنع الوفرة من أن تتحوّل إلى وسيلة للهيمنة والاستئثار. وكأنّ الشمس والضمير، على اختلاف طبيعتيهما، يلتقيان في وظيفة أخلاقية واحدة: كلاهما يكشف ما ينمو في العلن، ويفضح ما يتوارى في العتمة، فشمس الأرض تنضج سنابلها، وشمس الضمير تنضج عدالة اقتسامها.

وفي تأملات المفكّر حسين العادلي في «البيدر»، تتجاوز الحبوب حدود الغلّة لتغدو امتحانًا للعدل، ويتحوّل الحصاد من واقعة زراعية إلى سؤال أخلاقي عن حصيلة العمل ومصير الحق. فالبيدر، في جوهره، ليس المكان الذي تُجمع فيه الثمار فحسب، بل هو الموضع الذي تنكشف فيه حقيقة الموسم: ماذا أثمرت الأرض؟ ومَن صان جهد الزارع؟ ومَن استأثر بالحصاد؟ وماذا أبقى الميزان للذين حملوا عبء الزرع حتى نضج؟

ولا تنفصل هذه الرؤية عن تأملات الفلاسفة في العدالة والحق الإنساني ، فقد رأى أفلاطون، في كتابه «الجمهورية» أنّ العدالة تتحقق حين يؤدي كل فرد دوره، ويحصل على ما يستحقه دون أن يعتدي على نصيب الآخرين، وكأنّ البيدر العادل هو ذلك الذي لا تختلط فيه أدوار الزارعين بالمستحوذين، ولا تضيع فيه حقوق أصحاب الجهد عند اقتسام الثمار. أما الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، فقد ربط في فلسفته عن الملكية بين العمل وحق الإنسان في ثمرة جهده، واضعاً حدوداً أخلاقية للاستحواذ، بحيث لا تتحول الملكية إلى وسيلة لحرمان الآخرين مما يكفيهم. ومن هنا يلتقي الفكر الفلسفي مع رمزية البيدر: فالثمرة ليست مجرد حيازة مادية، بل حق يرتبط بالعمل والاستحقاق، والوفرة لا تكتسب معناها الإنساني إلا حين تقترن بالإنصاف.

إنّ قيمة البيدر لا تُقاس بما احتشد فيه من حبّ، بل بما تجسّده وفرته من إنصاف، فهناك فرق بين غلّة تفيض بالخير، وغلّة تفيض بالظلم. الأولى تطعم الأفواه وتعزّز الثقة بالحياة، والثانية تشبع المحتكر وتترك في نفوس الكادحين جوعًا أعمق من جوع الخبز: جوعًا إلى العدالة والاعتراف بالحق. ومن هنا، فإنّ المكيال ليس أداة لقياس الحبوب وحدها، بل رمز لسلامة الضمير، فإذا اختلّ العدل في المكيال، غدت الوفرة نفسها شاهدًا على الاختلال، وصار امتلاء البيدر قرينة على فراغ المعنى.

ولعلّ أخطر ما يصيب البيادر ليس قلّة الغلّة، بل فساد الحساب، حين يُسوّى بين الحبّ والقشّ، وبين مَن زرع ومَن نهب، وبين مَن صبر على مشقّة الموسم ومَن ظهر عند الحصاد ليحتكر ثمرته. عندها لا يعود الظلم مجرّد اقتطاع من نصيب الزارع، بل يصبح اعتداءً على منطق الحياة ذاته، إذ يُكافأ الاستحواذ ويُهمَل الإنتاج، ويُتَّهَم الشاهد الذي يكشف الحقيقة، بينما يتزيّن الناهب بصفة الأمين. وفي مثل هذا البيدر تنقلب المعايير: يغدو الإخلاص تهمة، ويصبح الصمت فضيلة زائفة، ويُعاد تعريف الحق بما يناسب يد الأقوى لا بميزان العدالة.

وحين يحتكر فرد أو فئة بيدر الجميع، فإنّ الاستئثار لا يقتصر على الحبوب وحدها، بل يمتدّ إلى معنى الموسم، فيتحوّل الجهد المشترك إلى امتياز خاص، وتغدو الثمرة التي صنعتها أيادٍ كثيرة حكرًا على يد واحدة. وما أشدّ مفارقة الحياة حين تُسرق بيادرها ثم تُلام الأرض على الجدب! إذ يُحجب عن الكادحين محصول عملهم، ثم يُطلب منهم أن يصدّقوا أنّ الفقر قدر لا صلة له بسوء التدبير أو فساد القسمة. والحقيقة أنّ الأرض قد تُنبت ما يكفي، لكنّ الظلم قادر على أن يجعل الوفرة فقرًا، وأن يحوّل النعمة إلى نقمة، وأن يزرع في النفوس يأسًا أشدّ وطأة من قحط المواسم.

إنّ البيادر العادلة لا تكافئ مَن أدرك الغلّة عند نضجها وتنسى مَن احتمل مشقّة الموسم، فهي تحفظ الصلة بين الثمرة وأصلها، وبين المنفعة والجهد، وبين الامتياز والاستحقاق. فليس من العدل أن يُنسب الحصاد إلى اليد التي جمعته، ويُمحى أثر الأيدي التي زرعته وسقته وحمته. وليس من النماء أن تكبر الثروة في طرف فيما تتآكل الكرامة في أطراف أخرى، لأنّ الوفرة التي لا تنصف الإنسان قد تراكم الأشياء، لكنها تعجز عن بناء حياة يتقاسم فيها الناس ثمار العمل بطمأنينة وكرامة.

وهنا تتجلّى حكمة البيدر بوصفه صورة مصغّرة للحياة الإنسانية، فالحياة، مثل الحقول، لا تُقاس بما تنتجه فحسب، بل بما تمنحه من إنصاف، وما تصونه من حقوق، وما تحفظه من كرامة. فليس النجاح أن يجمع المرء أكثر مما يحتاج، بل أن يدرك أنّ للثمرة حقًا يتجاوز يده، وأنّ قيمة ما يملك لا تنفصل عن عدالة ما يمنح، ونزاهة ما يكتسب، وصدق ما يتركه في نفوس الآخرين.

وهكذا يلتقي البيدر في رمزيته مع حكمة الفلاسفة، فعند أفلاطون تتجلى العدالة في انتظام الحقوق والواجبات، وعند جون لوك تتصل الثمرة بجهد من أنتجها، وفي تأملات حسين العادلي يتحول الحصاد إلى امتحان للضمير. إنها ثلاث رؤى تلتقي عند حقيقة واحدة: ليس العدل أن تمتلئ البيادر، بل أن يصل خيرها إلى مستحقيه.

وهكذا، بين إنسان يمتزج عرق جبينه بنقاء ضميره، فيرعى البيدر ليكون ثمرة للجهد المشترك، وآخر يُخفي ضميره في ظلال الأطماع ليجعل من حصاد الجميع غنيمة لنفسه، تتحدّد المسافة الفاصلة بين الخير والشر، وبين النماء والاستنزاف، وبين نفسٍ تجد في العطاء معنى لوجودها ونفسٍ لا ترى في الوجود إلا فرصة للاستحواذ.

فالبيدر ليس ما تجمعه الأيدي في نهاية الموسم، بل ما تكشفه الضمائر عند اقتسام الحصاد، والنماء ليس وفرة الغلال وحدها، بل نقاء الطريق الذي أنتجها، وعدالة الميزان الذي يوزّعها، وكرامة الإنسان الذي أسهم في صنعها.

ذلك هو نقاء النماء: أن تشرق الشمس على الحقل فلا تخجل الأرض من محصولها، وأن تشرق شمس الضمير على البيدر فلا يخجل العدل من ميزانه. فحين يتعانق عطاء الأرض مع نزاهة الإنسان، يصبح الحصاد خيرًا مشتركًا، وتغدو الوفرة بركة، ويغدو البيدر مرآة لحياة لم تنسَ أنّ أعظم الثمار ليست ما يُخزّن في الصوامع، بل ما يُصان في الضمائر من حق وكرامة وإنصاف.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مملكة الضجيج، للصمت سيادة
- حين تتضرع النساء إلى صور الكلاب في معبد بطوكيو
- الهبة الديمغرافية العراقية: تكامل الوعي والتنمية في بناء الد ...
- الغربال والمرآة: حين نحاكم الآخرين وننسى أنفسنا
- السيدة نجمة… وبياض القيمر في ذاكرة وطن
- الحصانة الذاتية وسيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية: من أوهام ا ...
- رهانات الحياة في حانة بريطانية.
- المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
- معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
- غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية ...
- العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
- عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
- حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...


المزيد.....




- -بينانس- تعلن تزايد السحوبات مع عودة المنصة للعمل بعد سرقة 6 ...
- خلاف داخل الشاباك حول توسيع التحقيق في شبهات التدخل القطري ب ...
- الخارجية الروسية: نرفض مساعي الاتحاد الأوروبي لاحتواء روسيا ...
- بولندا.. إجراءات تأديبية مرتقبة بحق رئيس المحكمة الدستورية و ...
- -صوّتنا لكم، فهل هذا ما نحصل عليه؟- عرب ديربورن بين خيبة الأ ...
- الاستحمام بالماء البارد.. ما فوائده الصحية والبيئية؟
- ترامب يبحث ملف إيران مع نتانياهو وسط تصعيد في هرمز واليمن
- كيف أصبحت -أمريكان برايورتيز- قوة جديدة في الانتخابات الأمري ...
- السودان يشكو إثيوبيا لدى مجلس الأمن ومجلس السلم الأفريقي
- كاتب أمريكي: انتخابات التجديد النصفي لعام 1894 ربما تنبئ بما ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - حين يُثمر الحقلُ ويجدبُ الضمير - البيدر: نقاءُ النماء