مظهر محمد صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:26
المحور:
قضايا ثقافية
كم هي موجعة آلام البشر حين يفقد الجوهر مسالك إقامته في عوالم الحياة، وحين تُطمَر جواهر النفوس تحت ركام المظاهر، فيما تتصارع الأزمنة فوق هشيم الوجود، غافلةً عن كنوزها الحقيقية التي ترقد في أعماق الإنسان، كما ترقد جواهر الأرض بين طبقات الرُّغام، تحجبها أتربة متراكمة وشوائب توارثتها الأجيال عبر قرون من الإهمال والنسيان.
فكم من جوهرة إنسانية تعيش غريبة في موطنها، وكم من قيمة نبيلة تحاصرها بيئة لا ترى في الإنسان إلا صورته، ولا تقيس مكانته إلا بما يمتلك من مال أو شهرة أو مكانة اجتماعية. وكأن الجواهر، في باطن الأرض وفي أعماق البشر، تشترك في محنة واحدة: كلاهما قد يكون ثميناً في حقيقته، مطموراً في موطنه، غريباً عن العيون التي تمر فوقه دون أن تدرك قيمته.
ولعلّ أبا الطيب المتنبي، وهو يستشعر غربته بين قومه، قد اختصر هذه المفارقة الإنسانية في بيته الشهير:
«وما أنا منهم بالعيش فيهمُ
ولكنْ معدنُ الذهبِ الرُّغامُ».
فليس كل ما يعلو سطح الأرض نفيساً، وليس كل ما يختبئ تحت ترابها عديم القيمة، إذ قد يكون الرُّغام في أعماقه موطناً للذهب، كما قد تكون المجتمعات في أعماقها موطناً لجواهر إنسانية لا تجد طريقها إلى الظهور. وهنا تتجاوز حكمة المتنبي حدود المفاضلة بين الإنسان وبيئته، لتصبح تعبيراً عن مأساة الجوهر حين لا يجد مناخاً يليق بقيمته، وعن اغتراب النفيس وسط من لا يدركون نفاستَه.
وبين القرن الذي عاش فيه المتنبي وعصرنا الحاضر، تتجدد هذه المعضلة في تأملات المفكر حسين العادلي، الذي يعيد للجوهر مكانته بوصفه حقيقة الإنسان التي لا تستطيع الأقنعة إخفاءها إلى الأبد. ففي رؤيته تتجلى الجوهرة الإنسانية عبر مجموعة من الحكم والتأملات العميقة:
«الجوهرُ: ما يبقى حينَ ينتهي مفعولُ الأقنعة.
للمالِ إغراءٌ، وللسلطة إباحةٌ، وللخصومةِ ذريعةٌ، فامتحنْ جواهرَ الناسِ بها.
أشقُّ العبورِ: مِن صورةٍ تُتقنُ إظهارَها لهم، إلى جوهرٍ تعجزُ عن إخفائِه عنك.
يُمتَحَنُ الجوهرُ حينَ تكونُ الفضيلةُ خسارةً، والرذيلةُ فرصةً، والخيانةُ نجاة.
مَن اتّخذَ مِن ماضيهِ حصانةً، أباحَ لحاضرِهِ الخيانة.
اعرف جوهرَ السياسةِ بجواهرِ أهلِها، فمَن خانَ مبدأَهُ خاسراً، باعَ عهدَهُ منتصراً.
محكُّ جوهرِ المجتمعِ: كرامةُ ضعيفِه، وحرّيّةُ مختلفِه، وحسابُ متنفّذِه.
أوجعُ اغترابٍ: أن تُقبَلَ صورتُكَ فيهم، ويُرفَضَ جوهرُكَ بينهم».
إنها ليست مجرد حكم عن أخلاق الأفراد، بل محاولة لقراءة البنية العميقة للنفس الإنسانية وعلاقتها بمحيطها الاجتماعي، حيث تصبح المواقف اليومية والاختبارات الأخلاقية مرايا تكشف حقيقة الإنسان. فالمال لا يصنع الجوهر، لكنه قد يكشفه، والنفوذ لا يمنح الفضيلة بالضرورة، لكنه قد يمتحنها، والخصومة لا تخلق الخيانة، بل قد تزيح الغطاء عن جوهر كان مستتراً خلف المصالح. وكذلك تفعل الشهرة والمنافسة والإغراء، إذ تكشف في الإنسان ما قد لا تظهره ظروف الحياة العادية.
وفي هذا السياق، نجد أن الفلسفة القديمة قد سبقت إلى مساءلة العلاقة بين الظاهر والباطن ، فقد انشغل أفلاطون في فلسفته بالتمييز بين عالم المظاهر المتغيرة والحقيقة التي ينبغي للعقل أن يسعى إلى إدراكها. وفي رمزية الكهف الأفلاطوني، ينشغل الناس بالظلال ويحسبونها الحقيقة، بينما تبقى الحقيقة أعمق من الصور التي تألفها العيون. وكأن الجوهرة الحقيقية لا تكمن فيما يراه الناظر على السطح، بل فيما ينكشف للعقل حين يتجاوز قشور الأشياء إلى حقائقها.
أما الفيلسوف إيمانويل كانط، فقد وضع كرامة الإنسان في مرتبة لا تقبل المقايضة، مؤكداً في فلسفته الأخلاقية أن الإنسان ينبغي أن يُعامل بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين. فالمال يمكن أن تكون له قيمة سوقية، والأشياء يمكن أن تُقدّر بأثمانها، أما الكرامة الإنسانية فلا تُختزل في سعر أو منفعة. وهنا تبرز المفارقة الكبرى بين ذهب الأرض وذهب الروح: الأول يُوزن بالموازين، والثاني يُعرف بالمواقف ، والأول قد يُحتكر في الخزائن، أما الثاني فلا تصونه إلا النفوس التي تتمسك بمبادئها.
ومن زاوية أخرى، يفتح الفيلسوف كارل ماركس باباً لفهم اغتراب الإنسان عن ذاته وعمله، حين تنفصل ثمرة جهده عن إحساسه بقيمته الإنسانية، وتتحول علاقته بعمله إلى علاقة يغلب عليها الشعور بالغربة وفقدان المعنى. فالإنسان الذي لا يجد في عمله تعبيراً عن قدراته وإبداعه، ولا يرى في جهده اعترافاً بإنسانيته، قد يصبح غريباً عن عمله وعن عالمه، وربما عن ذاته أيضاً. وكأن الجوهرة الإنسانية هنا لا تُطمَر في التراب وحده، بل قد تُطمَر تحت طبقات من الظروف والعلاقات التي تختزل الإنسان في وظيفته أو منفعته أو قدرته على الإنتاج والاستهلاك.
وهكذا تلتقي هذه الرؤى الفلسفية، على اختلاف منطلقاتها، عند سؤال إنساني عميق: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جوهره وسط عالم تتزاحم فيه المظاهر والمصالح؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يكتشف جواهره الحقيقية، بدلاً من أن يتركها مطمورة تحت ركام الأحكام المسبقة والأقنعة الاجتماعية؟
إن الجوهرة المطمورة ليست بالضرورة جوهرة مادية، فقد تكون عقلاً مبدعاً لم يجد من يحتضنه، أو عالماً لم يجد من ينصفه، أو صاحب رأي لم يجد من يصغي إلى فكرته، أو إنساناً نبيلاً ضاقت به بيئة لا تمنح الاعتبار إلا لمن يجيد ارتداء الأقنعة.
وكم من إنسان يمتلك من الحكمة والنزاهة ما يجعله ثروة لمجتمعه، لكنه يعيش مهمّشاً، فيما تتصدر المشهد شخصيات لا تمتلك من الجواهر سوى بريق المظاهر! إنها مفارقة لا تكشف خللاً في تقدير الأفراد فحسب، بل تكشف أزمة في معايير المجتمع نفسه، حين يصبح البريق بديلاً عن القيمة، والصورة بديلاً عن الحقيقة، والشهرة بديلاً عن الاستحقاق.
ومن هنا، فإن امتحان الجوهر لا يكون في أوقات الرخاء وحدها، بل في اللحظات التي تتعارض فيها الفضيلة مع المنفعة، والمبدأ مع المكسب، والوفاء مع الإغراء. ففي تلك اللحظات تتساقط الأقنعة، وتنكشف المعادن، ويظهر الفرق بين من يحمل الذهب في خزائنه ومن يحمل جوهرة في ضميره.
ولعل أوجع صور الاغتراب أن يعيش الإنسان بين أهله ومجتمعه، لكنه لا يجد موطناً لقيمه، وأن يُحتفى بصورته فيما يُغفل جوهره، وأن يُستقبل حين يجامل، ويُبتعد عنه حين يصارح، وأن يُقدّر حين يوافق الأذواق السائدة، ويُساء فهمه حين يتمسك باستقلال رأيه. عندها لا يعود الاغتراب مسافة جغرافية تفصل الإنسان عن وطنه، بل يصبح مسافة نفسية وأخلاقية تفصل روحه عن البيئة التي يعيش فيها.
وهنا تتجلى المفارقة بين جوهرة باطن الأرض وجوهرة باطن الإنسان ، فالذهب المطمور ينتظر من يكتشفه ويزيل عنه طبقات الرُّغام، أما الجوهر الإنساني فيحتاج إلى مجتمع يمتلك بصيرة الإنصاف، ويؤمن بأن الكفاءة والنزاهة والعلم والفضيلة ثروات إنسانية لا تقل قيمة عن الثروات الطبيعية.
فكم من بلد يزخر بالذهب والنفط والمعادن، لكنه لا يحسن اكتشاف جواهره البشرية وصيانتها! وكم من مجتمع يمتلك العقول والطاقات والضمائر الحية، لكنه يتركها في عتمة الإهمال والتهميش، ثم يتساءل عن أسباب تعثر نهضته. والحقيقة أن الثروة الطبيعية قد تمنح الدولة قوة اقتصادية، لكن الثروة الإنسانية هي التي تمنح المجتمع القدرة على بناء الحضارة واستدامة النماء.
إن استعادة الجوهر تبدأ باستعادة معايير القيمة ، بأن يُقدَّر الإنسان بعلمه لا بمظهره، وبنزاهته لا بما يمتلكه، وبما يقدمه من معرفة وإبداع وخير لا بما يستأثر به من امتيازات. وأن يصبح الإنصاف ثقافة اجتماعية تتيح للكفاءات أن تظهر، وللعقول أن تبدع، وللنفوس النبيلة أن تعيش بكرامة، بعيداً عن أسر الأحكام المسبقة والمظاهر الخادعة.
وبهذا، فمن يمسك بطرفي الاغتراب بين جواهر البشر وجواهر الرُّغام، يدرك أن المأساة ليست في ندرة الجواهر، بل في غياب البصيرة التي تكتشفها، وفي العوائق التي تحول دون ظهور الجوهرتين المادية والإنسانية على سطح واحد من اللمعان. فكم من ذهب يلمع تحت الشمس، وكم من إنسان يضيء في أعماقه ولا يجد من يراه!
إن المتنبي رأى الذهب في الرُّغام، والعادلي رأى الجوهر فيما يبقى بعد سقوط الأقنعة، وأفلاطون دعا إلى تجاوز الظاهر نحو الحقيقة، وكانط صان كرامة الإنسان من منطق الأثمان، فيما كشف ماركس وجهاً من وجوه اغتراب الإنسان عن ذاته وعمله. وعلى اختلاف هذه الرؤى، تلتقي جميعها عند حقيقة إنسانية عميقة: ليست قيمة الأشياء فيما يظهر منها، وليست قيمة البشر فيما يملكونه، بل فيما يختزنونه من حقيقة وفضيلة وكرامة.
فالجوهرة لا تفقد قيمتها لأنها مطمورة، كما أن الإنسان لا يفقد نبله لأنه مهمّش ، إنما المأساة أن يعيش الذهب في الرُّغام، وأن تعيش الجواهر الإنسانية بين أناس لم يتعلموا بعد كيف يكتشفونها.
ذلك هو اغتراب الجوهر: أن تكون نفيساً في حقيقتك، غريباً في محيطك، وأن تحمل في داخلك ضوءاً لا تراه العيون التي اعتادت بريق الأقنعة. فليست أعظم خسائر الأمم أن تنضب مناجمها، بل أن تُطمَر جواهرها الإنسانية، وأن تمرّ أجيالها فوق كنوزها الحقيقية دون أن تدرك أنها تمشي فوق ذهب من نوع آخر: ذهب العقول والضمائر والكرامة.
#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟