أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أسفرت جولة (سيرك الانتخابات)-الانتخابات النصفية الأخيرة في الولايات المتحدة عن انتزاع الديمقراطيين لأغلبية مقاعد الكونغرس بمجلسيه. وبالتوازي مع هذا الصراع الانتخابي بين القطبين المهيمنين على المشهد السياسي الأمريكي، يلاحظ المتابعون صعوداً ملموساً لتيار يساري متجدد، يقوده جناح الاشتراكيين الديمقراطيين الذين فرضوا حضورهم كقوة صاعدة داخل الحزب الديمقراطي. هنا يطرح المفكرون السؤال التالي: هل يمتلك الحزب الديمقراطي، بكلا جناحيه، خارطة طريق لحل الأزمات الاقتصادية والسياسية في أمريكا؟.
من جانبهم، نشر ترامب وفريقه سنة 2025 خارطة طريق لم تكن سوى مزيج من الأحلام الوردية (الخيالية) والانتقادات الموجهة للدول الأوروبية.
الملاحظة الأولى: أحلام ترامب الوردية
(نحن نطمح إلى بناء أقوى قاعدة صناعية في العالم. إن القوة الوطنية لأمريكا تعتمد على قطاع صناعي قوي يمتلك القدرة على تلبية احتياجات الإنتاج في حالتي السلم والحرب). المصدر: استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية / صفحة 4.
ومن هذا المنطلق، يعد هذا الحلم بفرص العمل والرفاهية للشعب الأمريكي.
ولكن، على نقيض أحلام ترامب الوردية ووعوده، يشهد العالم في السنوات الأخيرة ارتفاعاً في معدلات البطالة -خاصة في السنوات القليلة المقبلة- بسبب تطور وسائل الإنتاج مثل "الروبوتات، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والآلات ذاتية الحركة"، فضلاً عن أزمة رأس المال التي أدت إلى إفلاس العديد من المصانع وقطاعات الخدمات.
إن فرص العمل ستتقلص لأن العملية الإنتاجية لن تعود بحاجة ماسة إلى الأيدي العاملة البشرية، لا سيما في الدول المتقدمة تكنولوجياً (مثل أمريكا وأوروبا... إلخ)؛ حيث يدار الإنتاج في هذه البلدان داخل ”المصانع المظلمة” أو ”المصانع بلا مداخن”، وهي مصانع تعمل بأقل عدد ممكن من العمال.
بناءً على ذلك، فإن وعد ترامب بإعادة الصناعة إلى أمريكا وزيادة فرص العمل ليس سوى كذبة كبرى، نابعة من عقلية أشخاص لا يزالون يظنون أن العمل في العالم الرأسمالي اليوم يشبه العمل في مصانع عام 1900. وفي حين تتحدث تقارير المؤسسات والخبراء الاقتصاديين عن زيادة البطالة عالمياً بسبب النمو التكنولوجي، يمكن لترامب وفريقه خداع بعض الناس على المدى القصير بأحلامهم الوردية المدرجة في خارطة طريقهم، لكن الاحتجاجات ضد البطالة ستنفجر في وجوههم لاحقاً كالقنبلة.
البطالة هي قنبلة موقوتة تبدو هادئة في البداية، لكنها تنفجر في لحظة معينة لتهز أركان المجتمع. على سبيل المثال، في السويد، يعاني شاب من بين كل أربعة شباب من البطالة، وهو أمر كارثي بكل تأكيد، خاصة عندما يرى وزير العمل في ذلك البلد أن حل البطالة يكمن في تقليص إعانات البطالة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن: (الذئاب الجائعة تصطاد بشكل أفضل). انظر مقال: البطالة قنبلة موقوتة / يان أندرسون – باللغة السويدية.
مشكلة اللاجئين:
من (نحن بحاجة إليك) إلى (لسنا بحاجة إليك)
مع وصول ترامب وفريقه إلى البيت الأبيض في أمريكا، أصبح العالم أكثر تعقيداً ومليئاً بالأزمات. وتحديداً فيما يتعلق بملف اللاجئين والمهاجرين الذين لا يملكون تصاريح إقامة رسمية؛ إذ تتعامل المؤسسات معهم وكأنهم مجرمون، لدرجة أن الأنباء تشير إلى إمكانية نقل جزء من هؤلاء اللاجئين إلى معتقل "غوانتانامو" الذي كان مخصصاً لعناصر طالبان وداعش. بطبيعة الحال، هذه ليست سوى بداية موجة ترحيل المهاجرين، والتي ما زالت تأخذ شكلاً ناعماً، وهي سياسة متبعة منذ سنوات في بريطانيا والسويد وغيرهما. ففي السويد تحديداً، يتم تشجيع اللاجئين -عبر وعود بمنحهم مبالغ مالية- على التنازل عن إقاماتهم وجوازات سفرهم والعودة إلى بلدانهم الأصلية. وبلا شك، فإن البيئة الاقتصادية والسياسية وغياب الأمان داخل السويد وأوروبا خلال السنوات القليلة المقبلة، ستجبر جزءاً من هؤلاء اللاجئين على الهجرة المعاكسة نحو البلدان التي أتوا منها، والتي يقع معظمها في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أي دول الجنوب العالمي.
تبدو أسباب طرد اللاجئين في الظاهر متمثلة في هيمنة الجناح اليميني المتطرف على فكر وسياسات المجتمعات وحكوماتها، ولكن في الحقيقة، فإن أساس هذه الظاهرة يعود إلى الظروف الاقتصادية العالمية وأزمات النظام الرأسمالي. وهنا، تحول كل ما يتعلق باللاجئين من شعار (نحن بحاجة إليك) إلى (لسنا بحاجة إليك)، كسبيل تلجأ إليه الرأسمالية المتوحشة لحل أزماتها.
قبل أكثر من ستين عاماً، كانت السويد ترحب بكل سرور بوصول أولى موجات العمال المهاجرين (من اليونان وإيطاليا)، ومنذ التسعينيات فصاعداً، بدأت أعداد اللاجئين (من العراق، إيران، الصومال، البوسنة، أفغانستان، إلخ) في التزايد. وبالتأكيد، كان المشهد مشابهاً في دول غرب أوروبا وأمريكا. في تلك الدورة من نمو الرأسمالية، كانت المصانع وقطاعات الخدمات لا تزال بحاجة إلى قوة عاملة، وكان بإمكان اللاجئين الحفاظ على المستوى المطلوب لـ (الجيش الاحتياطي من الأيدي العاملة/ العاطلين عن العمل) بنسبة مناسِبة تضمن تحقيق الأرباح الرأسمالية؛ ولذلك كان شعار (نحن بحاجة إليك) هو المشهد العام للرأسمالية في تلك السنوات. أما في السنوات الأخيرة، ومع تطور وسائل الإنتاج من "روبوتات وتكنولوجيا ذكية وآلات ذاتية الحركة"، وإلى جانب البيئة الفكرية والسياسية المناهضة للاجئين، فقد تحول المشهد في جزء كبير من الدول الرأسمالية إلى: (لسنا بحاجة إليك).
في مقابل الوعود الحمائية والأحلام الوردية التي يطرحها ترامب لإعادة إحياء الصناعة، يبرز السؤال الجوهري حول البديل الذي يمتلكه الحزب الديمقراطي؛ كيف يخطط الديمقراطيون ، بجناحيهم المؤسسي والاشتراكي، لمعالجة معضلات أمريكا الهيكلية؟ وتحديداً: كيف يواجهون العجز المزمن في الميزان التجاري؟ وما هي استراتيجيتهم للتعامل مع كرة الثلج المتعاظمة للديون السيادية الأمريكية وتجنب أزمة مالية طاحنة؟ وكيف يمكنهم تمكين القطاع الصناعي من منافسة التمدد الصيني، بالتوازي مع كبح جماح البطالة والفقر ووقف التآكل المستمر في خدمات دولة الرفاه.
هل يملكُ اليسارُ الحلَّ؟:
يتلخص الحل السحري الذي يطرحه الفكر اليساري عالمياً، وليس في أمريكا وحدها، لمواجهة الأزمات الهيكلية للرأسمالية في حزمة من السياسات المالية والضريبية، والتي تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
• تحصين الإنفاق الاجتماعي: الرفض المطلق لسياسات التقشف واليمين التي تسعى لتقليص عجز الموازنة على حساب شبكات الأمان، مع التمسك بتمويل قطاعات الرعاية الصحية، والتعليم، وضمان الشيخوخة باعتبارها ركائز دولة الرفاه.
• إعادة التوزيع عبر الضرائب التصاعدية: تعظيم إيرادات الدولة من خلال إلغاء الامتيازات والإعفاءات الضريبية الممنوحة للشركات الكبرى، وفرض ضرائب تصاعدية مشددة على المليارديرات والأرباح الرأسمالية الضخمة، لاسيما تلك الناتجة عن قطاعات الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
• الاستثمار الحكومي التحفيزي: تبني رؤية اقتصادية ترى في الإنفاق الضخم على البنية التحتية والطاقة النظيفة أداة لتحفيز النمو المستدام؛ حيث يؤدي هذا الاستثمار —رغم رفعه للدين على المدى القصير— إلى توسيع الوعاء الضريبي مستقبلاً، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تلقائياً.
يكمن تميز اليسار في امتلاكه للتشخيص الأدق لأزمات الرأسمالية؛ فهو يدرك أن أزمة البطالة واللاجئين الحالية ليست عيباً عارضاً، بل هي نتيجة حتمية لنمط الإنتاج التكنولوجي الحديث الذي يستغني عن الإنسان.
ومع ذلك، فإن "الحل السحري" الذي يقدمه اليسار (عبر فرض ضرائب أعلى) يواجه تحدياً بنيوياً؛ ففي عالم معولم، يمتلك رأس المال "أجنحة" تمكنه من الهروب الفوري نحو الملاذات الضريبية بمجرد التلويح بزيادة الضرائب.
"بناءً على ذلك، يتضح أن ما يقدمه اليسار اليوم لا يتعدى كونه حلاً مؤقتاً أو مسكناً للأزمة؛ إذ تقتصر أطروحته على حماية الإنسان ديموغرافياً عبر مظلة دولة الرفاه والاستثمار الأخضر. إن الأطروحات القائمة على مظلة دولة الرفاه والاستثمار الأخضر ليست جديدة؛ فقد تبناها اليسار وطبقها لسنوات طويلة في أوروبا، وتحديداً في السويد وفنلندا وفرنسا وغيرها.
ولم يقتصر هذا التراجع على التجربة الأوروبية فحسب، بل امتدت هذه الديناميكية السياسية لتشمل دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، والأرجنتين، وكولومبيا؛ حيث واجهت الحكومات اليسارية هناك أزمات اقتصادية وهيكلية حادة، قادت في نهاية المطاف إلى تقلبات سياسية كبرى وعودة التيار اليميني والمحافظ إلى الواجهة.
أن المحصلة التاريخية لهذه السياسات اليسار انتهت بالفشل في الحفاظ على استقرارها، مما مهد الطريق لعودة اليمين بقوة إلى سدة الحكم وقيادة دفة السياسة. هذا الإخفاق العملي يثبت أن تلك الإصلاحات تظل قاصرة ما لم تلامس جوهر الأزمة البنيوية للنظام الاقتصادي.
أما الحل الحقيقي والجذري، فيتطلب ما هو أبعد بكثير من مجرد سياسات مالية وإصلاحات داخلية. إنه يستلزم ثورة في السياسات الاجتماعية لملكية الثروة ورأس المال، مدفوعة بتشريعات صارمة تمنع الشركات العابرة للقارات من تهريب ثرواتها خارج البلاد. إن المخرج الحقيقي يكمن في إعادة تعريف مفهومي العمل والدخل في عصرٍ تكنولوجي متسارع، لم يعد فيه المصنع التقليدي هو محرك التاريخ.
أما على صعيد التحديات المستقبلية، فإن المصاعب الأبرز التي تواجه اليسار الأمريكي تتبدى في ملف السياسة الخارجية؛ إذ يجد نفسه أمام معضلة مواجهة توجهات ترامب ونخبة الحرب والمال (المجمع الصناعي العسكري والمالي) التي تمتلك نفوذاً متجذراً داخل الحزب الديمقراطي نفسه. وتبرز هذه المعضلة في كيفية منع خوض حرب محتملة ضد إيران، والتعامل مع ملفات فنزويلا، والصراع الروسي الأوكراني، والتوترات المحتدمة بين الصين وتايوان.
يقول الكاتب اليميني الأمريكي توماس فريدمان في مقال له بعنوان ”لقد دمرنا أمريكا”، المنشور في صحيفة نيويورك تايمز- عام 2020:
(اليوم نحن نعلم يقيناً أن الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ ليست سوى بيت بغاء سياسي لا أكثر. لقد تحول ميتش ماكونيل إلى القوّاد الإداري. كما أن ماكونيل وبقية الجمهوريين مستعدون لتأجير أنفسهم ليلياً لأي جهة تملك القدرة على تعزيز القواعد الانتخابية للحزب الجمهوري، وذلك من أجل البقاء في السلطة وضمان المنافع الاقتصادية لكبار المانحين الأثرياء).
إن فريدمان الذي قضى حياته بأكملها في خدمة الدولة الأمريكية والطبقة البرجوازية، يصف بهذا الأسلوب فرداً فرداً من طاقم السلطة الرأسمالية الأمريكية. وفي السياق نفسه، نجد أن معظم السياسيين الأمريكيين من كلا الحزبين يتحدثون علانية عن دعمهم لإسرائيل، بل ويعلنون أنفسهم صهاينة، وهو ما يعادل تقديم الدعم لـ(اليهود المتطرفين).
إن التحالفات والاتفاقات السياسية العميقة بين اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري ويمين الحزب الديمقراطي لا تزال تشكل جبهة أقوى بكثير من اليسار الأمريكي. وأمام هذا الانسداد البنيوي، يبدو أن الخيار الأكثر راديكالية وجدوى لهذا اليسار هو الانشقاق عن عباءة الحزب الديمقراطي، وتأسيس حزب مستقل بذاته، يتيح له بناء تحالفات أممية واسعة مع قوى اليسار والشيوعيين حول العالم.
المصادر:
(1) National Security Strategy of the United States of America – November 2025
(2) Jan G Andersson : Arbetslösheten – en tickande bomb / 8 december 2025 – Sydöster tidning
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟