|
|
أوهام الانتفاضة وآفاق الثورة: شروط التغيير الاجتماعي في عصر الرأسمالية الهمجية
أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 18:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نظرة نقديّة في انتفاضات عصرنا الراهن من الأهمية بمكان للشباب والطبقة العاملة إدراك الجوهر المفاهيمي لكل من الانتفاضة والثورة، والتمييز الفارق بينهما. الـثورة تمثّل تحولاً جذرياً وبنيوياً في الركائز السياسية والاقتصادية للمجتمع؛ وتتجلى عياناً في انتقال السلطة من الطبقة البرجوازية إلى طبقة الشغيلة (الطبقة العاملة)، وتغيير نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية وإحلال نمط الإنتاج الاشتراكي محلّها. أما الانتفاضة، فلا تتجاوز في أحسن حالاتها حدود تغيير النظام السياسي (أي استبدال الحكومة، وأجهزة السلطة، وتحقيق بعض المكتسبات في الحقوق المدنية والاقتصادية)؛ وبناءً على ذلك، فإن الانتفاضات الجماهيرية المناهضة للفساد والقمع تعجز عن زحزحة الأسس الاقتصادية الرأسمالية للمجتمع. إن الانتفاضة المقتصرة على مناهضة الفساد والاستبداد تظل حبيسة الأفق الديمقراطي الليبرالي، ولذا لا تتعدى تخوم استبدال طاقم حاكم بطاقم آخر ضمن بنية الدولة البرجوازية ذاتها، دون أن تفضي إلى المساس بالقاعدة الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي. وبتعبير آخر، تنحصر وظيفة الانتفاضة في نقل السلطة من طور الديكتاتورية إلى طور الديمقراطية، وإبدال جهاز دولة غارق في الفساد العلني بدولة قانون ذات مؤسسات تتمتع بموازنات شفافة، وما إلى ذلك. وقد تتشابه الانتفاضة والثورة في ديناميكيات الفعل العنيف والسريع؛ إذ غالباً ما تتبدى كلتاهما في شكل انفجار جماهيري عارم ومفاجئ، يجسّد صداماً بين قوتين متناقضتين أو أكثر: قوة السلطة القديمة المستميتة في الدفاع عن بقائها، والقوة الجماهيرية الساخطة الساعية لإسقاط السلطة والنظام. وبهذا المعنى، غدت الانتفاضة والثورة تجسيداً لصراع سياسي بين إرادتين تتقاتلان على حيازة السلطة. حتى هذا الحد، يرتكز تعريفنا للانتفاضة والثورة على اعتبارهما قوة وهدفاً مرئياً ومحدداً، مقتصرين في ذلك على مقاربة الحقل السياسي وبُعده الأحادي. بيد أن الثورة تنطوي ــ فضلاً عن هذا المشهد المرئي والمجال السياسي البحت ــ على مشهدٍ متوارٍ وقوةٍ تاريخية كامنة تمثّل المحرك الأساسي للإرادة والتغيير؛ أي أن الثورة في وجهها الخفي تمتلك بعداً اجتماعياً، ومصالح طبقية، وغايات اقتصادية أرحب، تستهدف إحداث تحول جذري في الأنماط الاقتصادية للمجتمع. بالنسبة للاشتراكيين، تتماهى الثورة مع الصيرورة المشتركة للتحول السياسي والاقتصادي معاً؛ إذ يكمن الهدف الأسمى للثورة في تقويض سلطة الطبقة البرجوازية وتأسيس سلطة الطبقة العاملة، وتغيير نمط الإنتاج وعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وإنهاء الانقسام الطبقي للمجتمع، فضلاً عن تذويب الفوارق بين المدينة والريف، وإلغاء الثنائية التراتبية بين العمل المادي (الجسدي) والعمل الفكري. أما بالنسبة لليبراليين، فإن الثورة لا تعدو كونها تحولاً في الفضاء السياسي المحض، يرمي إلى نيل الحريات الفردية وأنسنة الدولة عبر الديمقراطية. الثورة في منظور ألكسيس دي توكفيل وماركس تُمثّل الثورة ظاهرة شديدة التعقيد؛ وتكمن الإشكالية المركزية في دراستها في تفكيك طبيعة العلاقة بين دور القوة الواعية والإرادة الإنسانية من جهة، ودور حتمية الصيرورة التاريخية الموضوعية التي تفعل فعلها بمعزل عن رغبات البشر من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، تبدو الثورة وكأنها فِعلٌ أنجزه البشر، أو كأنهم غيّروا جملة من الأشياء استجابةً لضرورات الصيرورة التاريخية الحتمية. إن هذه الإشكالية (العلاقة بين الإرادة الإنسانية والنية البنيوية/الصيرورة التاريخية) تُعد المعضلة الأساسية المتكررة في متون كل من ” ألكسيس دي توكفيل وكارل ماركس ”. بيد أن القضية الأكثر أهمية في تفسير الثورة تتجلى في تحديد حقول التغيير وميادينه؛ إذ ذهب كل من دي توكفيل وماركس إلى أن الثورة تشكّل تحولاً سياسياً واجتماعياً في آن واحد. فالثورة لا تقتصر على تقويض أركان الدولة القديمة فحسب، بل تُغيّر الركيزة الاقتصادية والعلاقات الطبقية للمجتمع أيضاً. وعلى سبيل المثال: لم تضع الثورة الفرنسية حداً للسلطة الملكية والكنيسة وحسب، بل حوّلت الاقتصاد الإقطاعي إلى اقتصاد رأسمالي. وبناءً على ذلك، تنشط الثورة في حقلين وميدانين للتغيير: التحول السياسي للدولة، وتغيير القاعدة الاقتصادية للمجتمع. وهذا الأخير يعني ــ في نظر ماركس ــ تغيير علاقات الإنتاج الرأسمالية، وإنهاء الانقسام الطبقي للمجتمع، أي تحويل البنية الاقتصادية والسياسية الرأسمالية نحو بنية الاقتصاد السياسي الاشتراكي. التمايز بين الإصلاح والثورة (إن كل محاولة تُبذل لتغيير بنية البناء الفوقي القانوني والسياسي للدولة، حتى وإن اقترنت بتغيير الشروط الاقتصادية، تظل مُعرَّفة بوصفها عملاً إصلاحياً، ما دامت منبثقة عن الطبقة المهيمنة والمالكة للسيادة السياسية والاقتصادية في المجتمع. وعلى النقيض من ذلك، تُعرَّف الممارسات التغيرية بأنها ثورة، حين تصدر عن طبقة مضطَهَدة اقتصادياً وسياسياً، وتؤول إليها السلطة السياسية اليوم، وتكون من مصلحتها المباشرة إحداث تحولات سياسية واقتصادية متسارعة،،.) ـ الثورة الاجتماعية / كارل كاوتسكي. وبناءً على ذلك: ووفقاً لرؤية كاوتسكي، «لا تتحول الثورة السياسية إلى ثورة اجتماعية ما لم تقم بها الطبقة المضطهَدة (الخاضعة) دفاعاً عن مصالحها الطبقية الخاصة». وفي المجتمع الرأسمالي، تمثّل الطبقة العاملة (البروليتاريا) الطبقةَ الواقعة تحت وطأة الاضطهاد؛ لذا، حينما تفجر هذه الطبقة ثورتها، فإنها قطعاً لن تقف عند حدود تغيير السلطة السياسية فحسب، بل ستعمد إلى تغيير علاقات الإنتاج والوجود الطبقي للرأسمالية (أي تحويل البنية الاقتصادية الرأسمالية إلى اشتراكية)، وعندئذٍ فقط يمكننا القول بأن ثورة اجتماعية قد اندلعت وكتب لها النجاح. أما حينما يقتصر الأمر على مجرد حدوث صدامات عنيفة بين أجنحة الطبقة البرجوازية ذاتها، فلا يسفر ذلك إلا عن تحولات في البناء الفوقي السياسي (كزيادة هوامش الحرية، أو تحسين الحقوق المدنية، أو احترام حقوق المرأة، أو معاقبة الفاسدين، وما إلى ذلك)؛ فإننا نكون هنا إزاء انتفاضة سياسية برجوازية (ديمقراطية) لا غير. وإيجازاً للقول: تستهدف الانتفاضة تغيير البناء الفوقي للمجتمع؛ أي أنها تغيّر الغطاء الخارجي لا القاعدة، في حين أن الثورة تشكّل تغييراً جذرياً يشمل البناءين الفوقي والتحتي للمجتمع معاً. وبهذا المعنى، تُعد الانتفاضة تحولاً محدوداً وغير مكتمل، ينحصر في تغيير جزء أو ميدان معيّن من بنية المجتمع، لاسيما المؤسسات التابعة لتركيبته (السياسية، والقانونية، والدينية). وعلى هذا الأساس، تظل الانتفاضة أصغر حجمًا وأضيق نطاقاً من الثورة من حيث المساحة ونوعية التحول المجتمعي. أما الثورة، فهي إعادة صياغة شاملة لشروط الوجود الإنساني من النواحي (الاقتصادية، والسياسية، والفكرية)، وفعل سياسي راديكالي (عنيف) يرمي إلى الإطاحة بسلطة طبقة اجتماعية برمتها، بغية الانتقال بالمجتمع إلى مرحلة تاريخية جديدة. ومن هذا المنطلق، يجدر بنا أن نتأمل قليلاً ونطرح على أنفسنا التساؤل التالي: ما هي الأيديولوجيا والمنفعة التي تقف وراء تسمية ما يُسمى بـ”ثورات عصرنا الراهن” بهذا الاسم؟ (سواء أكانت ما تُسمى بالثورة المجرية عام 1956، أو الثورة البرتغالية، أو الثورة البرتقالية في أوكرانيا، أو ثورات الربيع العربي، وما إلى ذلك). وهل يعتقد الاشتراكيون حقاً أن تلك الأحداث والظواهر كانت ثورات بالمعنى العلمي والطبقي الكلمة؟. أحلام الجماهير المنتفضة أفضت الاحتجاجات الجماهيرية العارمة، المندلعة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الخانقة في بلدان جنوب آسيا، إلى الإطاحة بعدة حكومات وتغيير طواقمها؛ وعلى سبيل المثال: في سبتمبر/أيلول من عام 2022، أُجبر رئيس سريلانكا "غوتاابايا راجاباكسا" على التنحي عن منصبه، تلاه في أغسطس/آب من العام الماضي إقصاء رئيسة وزراء بنغلاديش "شيخة حسينة" من سدة الحكم، كما شهد هذا الأسبوع استقالة رئيس وزراء نيبال "بي شارما أولي". وإذ تتلخص المطالب المشروعة لتلك الجماهير الساخطة في شعار (الحرية والخبز)، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى جاهدةً إلى ربط هذه الاحتجاجات الجماهيرية في جنوب آسيا بـ (الحلم الأمريكي)، وذلك في سياق استراتيجيتها الرامية إلى تقويض النفوذ الصيني وإضعاف مكانته الإقليمية. ولا يقتصر هذا المشهد على تلك الدول في جنوب آسيا فحسب، بل يمتد ليشمل بلداناً أخرى (مثل الصين، وفيتنام، وإيران، وغيرها من الدول التي تُصنف أنظمتها الحاكمة بأنها مناهضة للنموذج الفكري والسياسي الغربي)؛ حيث يلاحظ أن نموذج الحياة الأمريكي يشكّل مطمحاً وغاية لشرائح واسعة من مجتمعاتها، مما يعكس تجذّر النزعة الموالية لأمريكا والشرق بالغرب (Pro-American/Pro-Western) في أوساط تلك الجماهير. بيد أنه في واقع الأمر، فإن الوعود التي يطرحها (الحلم الأمريكي) بتحقيق السعادة والثراء والرفاه عبر بوابة العمل والجهد الفردي، لم تتحقق قط على نطاق جمعي، بل ظلت حكراً على قلة من الأفراد. وحينما صاغ "جيمس تروسلو آدامز" هذا المصطلح عام 1931، وصفه بأنه حلمٌ متاحٌ: «لكل مواطن بغض النظر عن ظروف ولادته أو مكانته الاجتماعية». لكن هذا الحلم لم يكن بالنسبة للطبقة العاملة وفقراء أمريكا سوى أسطورة ومحض وهم؛ إذ يواجه اليوم قطاع عريض من الشباب والعمال الأمريكيين واقعاً مريرًا أشبه بالجحيم جراء تفاقم معدلات البطالة وتراكم الديون. ومن ثم، بات هؤلاء يتطلعون ويحلمون بنموذج للدولة والمجتمع يضمن لهم (الحرية والرفاهية والأمان)؛ أي أنهم يصبون إلى "دولة الرفاه" التي تكفل خِدْمَاتِ الرعاية الصحية الشاملة للجميع، وتأمين البطالة، ورعاية كبار السن والمشردين. بناءً على ذلك، نجد أن أحلام السواد الأعظم من الجماهير في آسيا تأتي على طرفي نقيض مع تطلعات الأغلبية الساحقة من الجماهير في الغرب. بالنسبة للوعي النقدي، فإن معاينة هذا المفارقة ــ حيث يتحول الجحيم البنيوي لنموذج الحياة والنظام الأمريكي إلى غاية ومطمح للجماهير الآسيوية ــ تقود إلى قناعة مفادها أن هذه الجماهير تفتقر إلى "الوعي الطبقي والموضوعي"؛ إذ التبس عليها الجحيم فرأته نعيماً. وإن هذا لتجليّ طبيعي لعيش تلك الشعوب في ظل ظروف معيشية بالغة التردي، مما يدفعها طردياً نحو الارتهان بأحلام ونماذج لا تشكّل في حقيقتها سوى الوجه الآخر لعملة نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته. كازاخستان - انتفاضة الجماهير ضد الغلاء والفقر - دور العامل الخارجي في الصراع الطبقي والحركات الجماهيرية في عصرنا الراهن: في الثاني من يناير/كانون الثاني عام 2022، وإثر الارتفاع المفاجئ في أسعار الغاز ــ والذي عزته حكومة كازاخستان، بحسب زعمها، إلى زيادة الطلب وتثبيت الأسعار ــ اندلعت موجة من الاحتجاجات في كازاخستان. وتُقدّم كازاخستان نموذجاً جديداً وحياً يوضح كيف يدفع الصراع بين المحاور الرأسمالية الدولية بالصراع الطبقي الداخلي لأي بلد نحو الخلف ويطمسها - أي إزاحة الصراع الطبقي ودَفْعه إلى الخلفية، عبر التغطية عليه بالصراعات الجيوسياسية البينية للدول، وإثارة الهويات الدينية والطائفية والعنصرية بين الجماهير.(*). واليوم، لا يوجد في العالم إلا القليل من الاشتراكيين واليساريين الذين يمكن أن يطلقوا مصطلح "الثورة" على ما جرى في كازاخستان، على الرغم من أن الجماهير المنتفضة ضد الغلاء والفقر قد تمكنت من الإطاحة بالحكومة ومهاجمة مفاصل سلطة الدولة. ويعود السبب في عدم تسمية الانتفاضة الجماهيرية في كازاخستان بالثورة إلى تراكم جملة من التجارب السابقة لأحداث مماثلة وقعت في (أوكرانيا، وتونس، ومصر، وسوريا، والسودان، وغيرها). إن الاشتراكيين مجبرون ــ في سبيل صياغة فهم علمي لظواهر العالم المعاصر ــ على دراسة هذه الحركات الجماهيرية المناهضة للغلاء والفقر، لتبيان كيف يتحول "العامل الخارجي" وتدخل المحاور الرأسمالية إلى سببٍ مباشر لحرف مسار الحركات الجماهيرية وتغيير غاياتها وإفشالها في نهاية المطاف. إن الاقتصار على مقاربة الصراع الطبقي الداخلي لبلد ما، وعدّ هذا الصراع الداخلي وحده عاملاً حاسماً ووحيداً في تغيير السلطة ــ كما تفترض نظرية الماركسية الكلاسيكية ــ سوف يوقعنا في خطأ نظري وفهم غير دقيق للحركات الجماهيرية في عصرنا الراهن. إن أهمية دور العامل الخارجي، المتمثل في صراع الدول الرأسمالية وتأثيره على الحركات الجماهيرية المعاصرة، يُعد أمراً مصيرياً؛ وهو إن لم يكن كافياً لإزاحة الصراع الطبقي الداخلي، فإنه لا يقل عنه أهمية وتأثيراً. ولاسيما في ظل غياب حزب اشتراكي مقتدر وفاعل يقود هذه الحركات الجماهيرية؛ الأمر الذي يؤدي بالجماهير ــ على الرغم من مشروعية مطالبها المناهضة للسلطة الرأسمالية ــ إلى الانحراف والتحول إلى تابع وصدى للصراعات الدائرة بين أجنحة الرأسمالية وأطرافها داخلياً وخارجياً. إن كل انتفاضة تكشف لنا عما تحلم به الجماهير وما تريده، بيد أن كمية وكيفية تحقق هذه الأحلام تظل مشروطة بمستوى "الوعي الطبقي" للجماهير الثورية. ومن ثم، فحينما تتجرأ الجماهير الساخطة على الانتفاض دون تسلح بالوعي الاشتراكي، فإن محصلة فعلها لن تتعدى حدود استبدال نموذج من الدولة البرجوازية بنموذج آخر منها؛ وهنا يمكننا تشبيه هذا النمط من الانتفاضات بـ «حالة السير والتحدث أثناء النوم» لمرءٍ لا قيمة فعلية لما يقوله أو للمكان الذي يتجه إليه. بناءً على ذلك، فإن قسماً من الانتفاضات الجماهيرية في عصرنا الراهن (وربيع العرب نموذجاً)، قد آلت بفعل هيمنة القوى الرجعية عليها إلى نتائج ارتدادية جاءت مناهضة ومضادة لمطالب الشعب المتمثلة في (الخبز، والعدالة، والحرية)، كما جرى في تونس ومصر. وبتعبير آخر، خاض العمال والجماهير الساخطة انتفاضات جمّة ضد المنظومة الرأسمالية، لكن النتيجة بدت شبيهة بمشهد أناس قذفوا قصور الحكام بالحجارة، فارتدت الحجارة لتصيب رؤوسهم هم بالذات. إن عالمنا هذا عالم سريالي؛ لأنه يتجلى في آن واحد عبر صور ومشاهد متعددة ومتباينة، ويعيد إنتاج واقعه وصياغته في قوالب وأشكال شتى بمرونة فائقة. وبفعل تعدد النماذج والأنماط، يغدو جوهر هذا الواقع يكتنفه الغموض والضبابية؛ ومن هنا، فإنه دون نظرية علمية وممارسة (براكسيس) ثورية تستهدف بناء مجتمع (حر، وعادل، ومرفه)، يستحيل لأي انتفاضة أو ثورة أن تكون طريقاً للانعتاق والفكاك من هذا الجحيم. رومانسية السياسية و الاقتصادية: هل يمكن توصيف الانتفاضات الجماهيرية، مثل (الثورة البرتقالية في أوكرانيا والربيع العربي)، بوصفها أحلاماً رومانسية سياسية أو رومانسية اقتصادية شعبوية **؟. نعم، يُمكِن تفكيك وقراءة الثورات الشعبية، مثل الثورة البرتقالية في أوكرانيا (2004) وهبات الربيع العربي (2011)، في سياق التحليلات النقدية لكل من "الرومانسية السياسية" و"الرومانسية الاقتصادية الشعبوية". إذ يُشير قطاع واسع من علماء الاجتماع والعلوم السياسية إلى أن هذه الانتفاضات حملت في طور تشكّلها الملامح الجوهرية للفكر الرومانسي، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة -لاحقاً- على مآلاتها ومصائرها التاريخية. وفيما يلي قراءة تحليلية لتجليات هذين المفهومين في تلك الأحداث التاريخية: 1. من منظور الرومانسية السياسية، استناداً إلى رؤية كارل شميت الفلسفية للرومانسية السياسية ***، يمكن توصيف هذه الانتفاضات من خلال المظاهر الآتية: * هيمنة الشعارات الفضفاضة والغايات الهُلامية (الاستمتاع الجمالي السياسي): اتسمت الشعارات المركزية في بواكير الحراك الجماهيري براديكالية مفرطة وأبعاد أخلاقية عامة، من قبيل: "الشعب يريد إسقاط النظام"، "الحرية"، أو "العدالة والكرامة". وضخّت هذه الهتافات شحنة رومانسية عاطفية أوجدت حالة مؤقتة من التلاحم الوجداني الفريد بين الجماهير (كما تجسد في ميدان التحرير بالقاهرة أو ساحة الاستقلال في كييف)، إلا أنها افتقرت إلى مشروع سياسي ومؤسساتي واضح وقابل للتطبيق في مرحلة ما بعد تقويض السلطة. * الهروب من استحقاقات السلطة وصناعة القرار: انطلق الثوار الرومانيسيون من فرضية واهمة مفادها أن "الاحتشاد في الميادين العامة" و"إزاحة رأس السلطة القديم" كفيلان بمفردهما بتحقيق النصر المستدام. ونتيجة لذلك، أغفلوا السؤال الجوهري في المعترك السياسي: مَن الذي سيمتلك أدوات القوة المادية والاحتكار الشرعي للسلاح؟ ومَن الذي سيصنع القرار السيادي الحاسم؟ هذا الفراغ البنيوي الناتج عن المقاربة الرومانسية فتح الباب على مصراعيه أمام القوى الأكثر تنظيماً (سواء كانت تيارات أيديولوجية راديكالية أو مؤسسات عسكرية ونخب عميقة) لتتسيّد المشهد وتصادر نتائج الحراك. * هشاشة التيار الليبرالي النخبوي وعطالته: إن فئة الشباب المثقف والمنفتح التي أطلقت شرارة الثورات عبر منصات التواصل الاجتماعي، عجزت في مرحلة ما بعد تقويض الأنظمة عن بناء أحزاب وهياكل سياسية متماسكة ذات قبوِل جماهيري؛ إذ غرق هؤلاء في دوامات من السجالات النظرية والصراعات الفكرية العقيمة، في وقتٍ كان فيه الواقع السياسي الصارم يتطلب التعبئة التنظيمية والقرارات الحاسمة والبراغماتية. * ونتيجةً لضعف القوى الاشتراكية، افتقرت هذه الحركات الاحتجاجية إلى أفق اشتراكي موجِّه. 2. من منظور الرومانسية الاقتصادية الشعبوية (استناداً إلى أطروحة لينين): لم تكن هذه الثورات مدفوعة بطلب الحرية السياسية فحسب، بل كانت محركاتها الأساسية تكمن في الأزمات المعيشية، التضخم، البطالة، والفساد الهيكلي. وهنا تحديداً تجلت الأبعاد الرومانسية عبر المظاهر الآتية: * وهم الحلول السحرية والآنية: ساد لدى الجماهير تصور واهم ومبسط مفادها أن مجرد إزاحة العائلات الحاكمة والنخب الفاسدة (مثل أجنحة الحكم في عهد مبارك، بن علي، أو قادة أوكرانيا السابقين) كفيل باسترداد "الأموال المنهوبة" وبث الروح فوراً في عصب الاقتصاد الوطني. وكانت هذه مقاربة شعبوية رومانسية تفتقر إلى الحد الأدنى من إدراك القوانين الموضوعية للاقتصاد؛ والتي تتطلب إصلاحات هيكلية معقدة ومدايات زمنية طويلة للتعافي. * المطالب المتناقضة والمفارقة للواقع: تجلت المفارقة في مطالبة الجماهير -من جهة- بنموذج اقتصادي منفتح ومتطور يحاكي المنظومات الأوروبية (وهي رومانسية الاقتداء بالغرب)، بينما تمسكوا، من جهة أخرى، بضرورة استمرار الدولة الرعائية في تقديم الدعم الشامل والتوظيف الحكومي العشوائي، دون أدنى تساؤل عن قنوات تمويل هذه الالتزامات. هذا التناقض الصارخ بين "الأمنيات العاطفية" و"قوانين السوق الحتمية" مثّل صياغة معاصرة للرومانسية الاقتصادية التي انتقدها لينين تاريخياً. لماذا انكسرت اليوتوبيا؟ لقد شكلت هذه الانتفاضات- بمعناها القيمي- نضالاً مشروعاً وتاريخياً للأمم ضد الديكتاتورية والاستبداد. بيد أن هيمنة "الأحلام الرومانسية" على الرؤية الكلية للنخب الشابة وقادة الحراك، حالت دون قدرتهم على مجابهة المعطيات الصلبة لـ "موازين القوى" و"الحتميات الاقتصادية". وعندما اصطدمت تلك الأخيلة الرومانسية بالواقع السياسي العنيف (المتمثل في الحروب الأهلية، الانقلابات، والتدخلات الإقليمية والدولية)، والواقع الاقتصادي المأزوم (مثل انهيار العملات المحلية وتفاقم معدلات الفقر)، حدثت صدمة ارتدادية عنيفة لدى الجماهير؛ الأمر الذي أفضى، في كثير من الأحيان، إلى نشوء نوستالجيا عكسية تحنّ إلى استقرار "حقبة ما قبل الثورة". في عصرنا الراهن، تتمحور الرومانسية الاقتصادية حول "النزوع الطوباوي نحو اقتصادات الماضي البسيطة، أو الارتكان الأعمى لمنظومات تقنية مفارقة للأزمات، أوهام القوميين واليسار الجديد في بلدان الرأسمالية الطرفية (الهامشية) المتمثلة في الرهان على بناء اقتصاد متطور يرتكز على الإنتاج السلعي الحقيقي. في حين تتلخص الرومانسية السياسية في " الرهان على بناء دولة المؤسسات والديمقراطية، والمواطنة، وسيادة الدولة". هذا التعليق الذي كتبته في عام 2011: (الاسم و موضوع التعليق: أكرم سعيد/ رومانسية و الثورة / التاريخ- October 29, 2011 / الموضوع والكاتب: ثورات أم مؤامرات؟ - مكارم ابراهيم. { تتم مقاربة الحركات الاحتجاجية والثورات في المنطقة العربية من منظور التحليل الماركسي بوصفها حلقةً أساسيةً ضمن سلسلة أزمات النظام الرأسمالي العالمي، وليست مجرد ظاهرة إقليمية معزولة. وبحسب هذا الطرح، فإن هذه الثورات تحمل في جوهرها طابعاً مناهضاً للرأسمالية، حيث تعكس المطالب الاقتصادية المعيشية (وعلى رأسها الخبز) الجذور العمالية والجماهيرية للحراك. وعلى عكس الحالة في بلدان أخرى مثل اليونان وإسبانيا، ترتبط المطالب الاقتصادية في البلدان العربية ارتباطاً وثيقاً بمطلب الحرية؛ نظراً لطبيعة الأنظمة السياسية التي تتسم ببنية تحتية رأسمالية وبنية فوقية دكتاتورية تجمع بين الفقر والاستبداد. وتؤدي هذه الخصائص البنيوية إلى مشاركة واسعة لمختلف الطبقات الاجتماعية في مراحل الثورة الأولى، في حين تُحسم مآلاتها لاحقاً عبر صراع القوى الطبقي بين العمال والبرجوازية. ونظراً لكون الثورة موجهةً في جوهرها ضد النظام الرأسمالي، فإن البرجوازية المحلية تبدو هشة وعاجزة عن تعبئة الجماهير بمواجهة الدكتاتورية بمفردها، مما يدفعها للاعتماد على القوى الخارجية لتعزيز مواقعها. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التدخل الخارجى لا باعتباره مجرد "مؤامرة"، بل كشكل من أشكال التنسيق الطبقي للحفاظ على النظام الاقتصادي الرأسمالي وإعادة إنتاجه عبر تغيير الأغطية الأيديولوجية للنظام السياسي من القومي إلى الإسلامي. ورغم أن النضال الجماهيري اتسم بالطابع السلمي والمدني، وكانت مطالبه عادلة ومشروعة والمتمثلة في "الخبز، الحرية والكرامة"، إلا أن هذه المطالب تحولت إلى ما يشبه "الكابوس" عندما انحرفت مسارات الثورة نحو حروب وحشية ومباشرة بين السلطة الدكتاتورية وقوى الناتو أو التيارات الإسلامية (كما حدث في ليبيا)، أو باتت تلك المطالب مجرد "ذكرى جميلة" تخص أياماً رومانسية شهدتها مرحلة الحراك الأولى، وذلك حين فاز قوى "الرجعية الإسلامية" في الانتخابات (كما حدث في تونس).}. الهوامش: (*) أرسلت روسيا قوات عسكرية لمؤازرة الدولة الكازاخستانية في قمع الجماهير تحت ذريعة مكافحة الإرهاب والفوضى، وهذا النمط يمثّل تجلياً للعامل الخارجي الذي فرضته صراعات المصالح بين الدول الرأسمالية. (**) تُمثل الرومانسية في الحقل الأدبي سيادة الخيال والعاطفة على العقل. أما في حقلي السياسة والاقتصاد، فإنها تعني هيمنة الأوهام والشعارات على الواقع وقوانين القوة. من أول من وظّف المفهوم الرومانسية في حقلي السياسة والاقتصاد؟. جرى نقل هذا المفهوم إلى العلوم الإنسانية عبر مسار تاريخي محدد على النحو الآتي: أولاً: في الحقل الاقتصادي (الرومانسية الاقتصادية): يُعد النقاد الماركسيون، ولا سيما لينين في نهاية القرن التاسع عشر (تحديداً في مؤلَّفه الصادر عام 1897)، أول من استخدم مصطلح "الرومانسية الاقتصادية" (Economic Romanticism) كأداة ومصطلح علمي لتصنيف نمط معين من التفكير الاقتصادي. وقد استعار لينين هذا المفهوم من أفكار الاقتصادي السويسري "جان شارل دي سيسموندي" ومن "الشعبيين" (النارودنيين) الروس؛ وذلك لوصف أولئك الذين سعوا إلى عرقلة التطور الصناعي والرأسمالي، داعين إلى الارتداد نحو اقتصاد زراعي فلاحي صغير المساحة. ثانياً: في الحقل السياسي (الرومانسية السياسية): يُعتبر الفيلسوف والفقيه القانوني الألماني كارل شميت (Carl Schmitt) أبرز وأول من صاغ مفهوم "الرومانسية السياسية" (Political Romanticism) كنظرية نقدية مستقلة في كتابه الصادر عام 1919. وقد وظّف شميت هذا المفهوم لتفكيك وتقويض الأُسس الفكرية لـ "البرجوازية الألمانية والليبرالية" في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مبرهناً على كيفية تسلل الرومانسية من الفضاء الأدبي إلى المعترك السياسي، الأمر الذي أفضى إلى إضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرار. (***) إنني على دراية تامّة بالطابع الرجعي للرؤية الفلسفية لكارل شميت، وانتمائه التاريخي إلى الحزب النازي؛ بيد أن توظيفي لأطروحته حول الرومانسية السياسيه هنا يقتصر حصراً على البُعد الأدواتي والتحليلي، دون أدنى تبنٍّ أو تقاطع مع غايات الكاتب أو منطلقاته الأيديولوجية. بمعنى الاستقلالية المعرفية؛ التفريق الأكاديمي بين الأداة التحليلية والموقف الأخلاقي/السياسي للكاتب. و الإشارة إلى كارل شميت كأداة نقدية لدراسة ظواهر مثل "الرومانسية السياسية" أو "اللاهوت السياسي" هي ممارسة شائعة جداً في العلوم السياسية المعاصرة (حتى لدى المفكرين اليساريين مثل والتر بنيامين وشانتال موف)، طالما تم فك الارتباط بالفاشية الشميتية.
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الاشتراكيون والحرب
-
الهمجية الحديثة ـ قراءة في الرأسمالية المتوحشة
-
شظايا ماركس
-
الوعي البشري: من أسطورة الكهف الأفلاطوني إلى الفضاء الرقمي ا
...
-
من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة
-
أفول الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية ـ صرخة مدوّية من ساك
...
-
الرأسمالية: الأزمة والبربرية
-
مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
-
اللاعقلانية في عالم اليوم
-
اللاهوت السياسي والرأسمالية
-
أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
-
شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
-
جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
-
رسالة الانقلاب الى الاردوغان
-
اردوغان سيصفي من؟!.
-
هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
-
تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
-
صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا
...
-
يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو
...
-
ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
المزيد.....
-
-نتنياهو سوّق أوهام إسقاط النظام-.. يائير غولان يعتبر اغتيال
...
-
مساعد الطيار خطّط لهجوم انتحاري على مطار بن غوريون.. النيابة
...
-
ترامب يفاجئ العالم باتفاق مع بوتين بشأن الديزل الروسي.. ما ا
...
-
من تسجيلات 2017 إلى هجوم 7 أكتوبر.. مسؤول سابق في الشاباك يت
...
-
الأمن السوري يوقف 7 أشخاص في حماة.. اتهامات بارتكاب انتهاكات
...
-
ترامب: روسيا ستزود أمريكا والأسواق العالمية بالديزل
-
محمد السادس يؤكد الشراكة مع إسبانيا -خيار سيادي ولن تكون محل
...
-
نائب في البرلمان الأوروبي يشكك في إيمان القادة الأوروبيين بم
...
-
والتز: ترامب طالب أوكرانيا بوضوح بوقف استهداف مصافي النفط ال
...
-
خرجت لشراء الدواء.. الأمن المصري يحل لغز اختفاء فتاة سودانية
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|