|
|
أفول الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية ـ صرخة مدوّية من ساكسونيا ـ آنهالت
أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 20:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إثر حصول حزب البديل من أجل ألمانيا AfD مؤخراً على نسبة تاريخية بلغت نحو 44% من الأصوات في انتخابات الولاية، انطلقت صرخة تحذيرية من سكسونيا آنهالت تنبّه الجماهير إلى خطر داهن؛ يتمثل في وصول ( النازيين الجدد) إلى سدة الحكم، أولئك الذين يسوّقون أنفسهم اليوم كمنقذين و"فرسان خلاص" شعبيين. إننا نعيش في خضم الإرهاصات الأولى لتحول سياسي غاية في الخطورة؛ وهي مرحلة انتقالية قلقة تنقل الفضاء الدولي من نظام أحادي القطبية إلى عالم متعدد الأقطاب، وتدفع بالمجتمعات الديمقراطية والمفتوحة في الغرب نحو نماذج سلطوية ومنغلقة، حيث تتركز هذه التهديدات بنيوياً لتستهدف الحقوق الاقتصادية والسياسية للطبقة العاملة واللاجئين على حد سواء. إن هذا التآكل والانحلال في ركائز الحكم الديمقراطي والمنظومة الليبرالية ـ وهي الحالة التي تُصطلح عليها في العلوم السياسية بـ "ما بعد الليبرالية" ـ تجد لها جذوراً ونماذج تاريخية تمت معاينتها منتصف القرن التاسع عشر تحت طائل ظروف وشروط مغايرة من الصراع الطبقي. ففي عام 1848، فكك كارل ماركس الشروط البنيوية التي دفعت بالطبقة البرجوازية الفرنسية إلى الإذعان لدكتاتورية لويس بونابرت صوناً لثرواتها وحمايةً لملكيتها الخاصة. ويُعد تحليل ماركس لارتداد البرجوازية وانقلابها من الديمقراطية إلى الدكتاتورية شَاخصاً فكرياً ونقدياً عميقاً في تاريخ الفلسفة السياسية؛ حيث يبرهن علمياً في كتابه «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» كيف عمدت البرجوازية الفرنسية إلى إجهاض جمهوريتها الديمقراطية والتسليم المطلق لقبضة بونابرت القمعية في سبيل حماية مصالحها المادية والمالية. وتتضح هنا ماهية "المنطق البرجوازي" والمقايضة التاريخية التي تقوم على: (التضحية بالتاج السياسي لحفظ محفظة النقود). وفي الباب الخامس من مؤلَّفه، يصوغ ماركس هذا التواطؤ التاريخي بلغة ممعنة في الوضوح والجلاء، قائلاً: «إن البرجوازية قد أعلنت صراحةً أن مصالحها الطبقية تملي عليها التخلي عن مشاركتها المباشرة في السلطة السياسية؛ وأنه بغية إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد، يتوجب أولاً إسكات برلمانها البرجوازي؛ ولكي يتسنى لها الحفاظ على نفوذها الاجتماعي والاقتصادي (أي حماية مصانعها وبنوكها)، لابد من كسر شوكتها وقوتها السياسية. لقد أدركت البرجوازية أنها لكي تنقذ محفظة نقودها، يتعين عليها رفع التاج عن رأسها، والقبول بظلال ذلك السيف الذي جُلب لحمايتها (أي جيش الدكتاتور)، مع علمها بأنه سيظل معلقاً فوق هامتها كالسيف الديمقليسي المشهر.». علاوة على ذلك، يوضح ماركس كيف أن البرجوازية باتت تنظر إلى الديمقراطية بوصفها مكمن خطر يهدد المنظومة الرأسمالية؛ فما إن عاينت قدرة العمال والشعب على توظيف الآليات الديمقراطية للمطالبة بحقوقهم، حتى ارتدت عليها واعتبرتها نقطة ضعف بنيوية، بل وعدواً وجودياً لها، حتى وإن كانت تلك الديمقراطية من نتاجها التاريخي الذاتي؛ إذ يذكر ماركس: «إن البرجوازية قد أدركت أن الأسلحة كافة التي صاغتها يوماً لدكّ معاقل الإقطاع القديم (من قبيل حرية التعبير، وحق التصويت، والنظام الجمهوري) قد تحولت الآن إلى أسلحة مشهرة ضد صدرها هي... ومن ثمّ، فإن كل ما كانت تصنفه سابقاً في خانة "الحريات التقدمية"، «بإعادة توصيفها للأمر كمهدّدٍ "اشتراكي"، أضفت عليه أبعاداً جرميةً وإدانية؛ ليتأطّر الشعار الضمني لنظامها القائم في حتميةٍ مفادها: "أن الديكتاتورية تمثّل الآلية الوحيدة الكفيلة بضمان بقاء المجتمع البرجوازي وحمايته من الانهيار".» وفي الباب السادس من مؤلَّفه، يستعرض ماركس الطور الختامي الذي سبع انقلاب بونابرت، حين بلغت البرجوازية ذروة الهستيريا جراء اضطراب الأسواق وتعاظم المخاوف من المد الثوري العمالي، مما دفعها للمطالبة العلنية بالحكم الدكتاتوري: «كانت البرجوازية تصرخ عالياً: "نهاية مفجعة، ولا فاجعة بلا نهاية!". وفي سياق متصل، فكك فريدريش أنجلز في مواضع شتى وبنصوص صريحة هذا التراجع التاريخي للبرجوازية وصاغ من خلاله مفهوم "البونابرتية". ومن أبرز الأدلة والنصوص الكلاسيكية التي يمكن توظيفها كمرجع بحثي في هذا الصدد، هي رسالة انجلز إلى ماركس المؤرخة في (13 نيسان/ أبريل 1866)؛ إذ تُعد هذه الرسالة المقتضبة إحدى أوضح الوثائق الفكرية التي يعرّف فيها أنجلز البونابرتية بوصفها:« إن البونابرتية هي الدين الحقيقي للبرجوازية الحديثة. فقد تبيّن لي أن البرجوازية لا تمتلك القدرة على ممارسة الحكم السياسي المباشر للبلاد؛ وعليه، ما لم تكن هناك أوليغارشية تتولى مقاليد السلطة وإدارة الحكم رعايةً لمصالح البرجوازية... فإن دكتاتوريةً شبه بونابرتية ستغدو هي الشكل الطبيعي والاعتيادي لسيادة السلطة. إن هذا النمط من الدكتاتورية يصون المصالح المادية للبرجوازية ويحميها (حتى وإن كان ذلك على الضد من إرادتها السياسية الذاتية)، بيد أنه لا يمنح البرجوازية نفسها أي سهم أو نصيب في سلطة الحكومة الفعلية. ».(المصدر: مراسلات ماركس - أنجلز 1866 / رسالة فريدريش أنجلز إلى كارل ماركس في مارغيت، 13 نيسان/ أبريل 1866). وفي مقدمته للطبعة الثالثة لكتاب ماركس «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» الصادرة عام 1885، يفكك أنجلز التاريخ الفرنسي ويوضح المنطق البنيوي للطبقة البرجوازية قائلاً:« فرنسا هي ذلك البلد الذي خيضت فيه المعارك التاريخية للصراع الطبقي، أكثر من أي بلد آخر، حتى النهاية الحاسمة في كل مرة... وإن البرجوازية الفرنسية عقب عام 1848، حين انكسرت شوكتها أمام خطر الانتفاضة الحمراء (الاشتراكية) للطبقة العاملة، هرعت للاحتماء بالقمع البوليسي والعسكري؛ إذ غدت على أتم الاستعداد للتنازل عن حرياتها السياسية لصالح بونابرت، في سبيل الإبقاء على الاستعباد الاقتصادي للطبقة العاملة والحفاظ على استقرار أسواقها التجارية. ». إن هذا التحليل الذي صاغه ماركس وأنجلز يبرهن بوضوح على أن البرجوازية لا تمتلك أي ولاء مبدئي للديمقراطية أو الليبرالية السياسية، بل تتعاطى معهما بنفعية (براغماتية) بحتة؛ إذ لا تعدو الديمقراطية في المنظور البرجوازي كونها مجرد أداة لإدارة الحكم وتسيير السلطة. فمتى ما شعرت المنظومة الرأسمالية، في خضم دورة من دورات أزمتها الهيكلية العميقة، أن الديمقراطية غدت تشكل تهديداً لوجود ثرواتها، أو أنها تهيئ الأرضية لصعود قوى راديكالية (يسارية)، فإنها تسارع فوراً إلى إلقاء قناعها الليبرالي، وتهرع للاحتماء في عباءة الدكتاتورية (الشمولية) وحكم "الرجل القوي". وهذا المشهد يجسد تماماً عين المخاوف الهواجس الفكرية التي يسقطها النقاد في خطابهم المعاصر على واقع أوروبا الراهن. بيد أن الواقع الأوروبي الحالي لا يتطابق تطابقاً كلياً مع الشروط التاريخية لفرنسا عام 1848؛ ذلك أن الطبقة العاملة والتيارات اليسارية في أوروبا اليوم لا تشكل تهديداً حقيقياً لسلطة البرجوازية. وهذا يحيلنا إلى تباين الشروط التاريخية ومحددات السياق بين عصر ماركس وعصرنا الراهن في مسألة أفول الليبرالية وارتداد البرجوازية من الديمقراطية إلى الدكتاتورية، لاسيما التباين في حدة مستويات الصراع الطبقي بين الشغيلة والبرجوازية. ففي عصرنا الحالي، وجراء غياب الوعي الطبقي لدى الشغيلة وخفوت الصراع ضد البرجوازية، فإن المحرك البنيوي الذي يدفع البرجوازية للمقايضة و(التضحية بالتاج السياسي ـ أي السلطة الليبرالية ـ في سبيل حماية محفظة نقودها) ليس الخوف من اندلاع ثورة اشتراكية، بل يتجسد في التهديد الروسي، والصراعات الدولية، والأزمات الاقتصادية العاصفة. إن الخطر الوجودي الذي يهدد النخب البرجوازية المهيمنة في أوروبا اليوم ليس صعود حركة عمالية ثورية كما كان الحال في فرنسا 1848، بل ينحصر في الأزمات الاقتصادية، والنزاعات الدولية المحتدمة، والتمدد الجيوسياسي لروسيا والصين. وهذا الاختلاف الجوهري يخلق بالفعل واحدة من أكبر المفارقات والألغاز في السياسة الدولية المعاصرة؛ إذ كيف يمكن للنخب البرجوازية الغربية أن تتسامح أو تفرش السجاد الأحمر في الميادين الانتخابية لتيارات اليمين المتطرف (مثل: حزب البديل من أجل ألمانيا، وتيار مارين لوبان في فرنسا، وغيرهم)، في الوقت الذي يثبت فيه يوماً بعد يوم امتلاك هذه التيارات صلات وثيقة وعميقة بروسيا وبوتين، وهو الذي يمثل العدو الجيوسياسي الأول لأوروبا؟ إن هذا "اللغز والسر البنيوي الدفين" يمكن تفكيكه وتحليله عبر الأبعاد الرئيسية التالية، والتي تكشف عن خفايا هذه اللعبة السياسية. لماذا يدعم بوتين اليمين المتطرف؟ ولِمَ تنجذب هذه التيارات إليه؟ إن العلاقة القائمة بين الكرملين وأحزاب مثل "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) أو "التجمع الوطني" في فرنسا لم تعد حيزاً سرياً، بل تندرج ضمن استراتيجية متبادلة المصالح: فبوتين يدرك تمام الإدراك عجز بلاده عن تحقيق انتصار عسكري مباشر على حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو الاتحاد الأوروبي. من هنا، يغدو السلاح الأنجع لإضعاف المنظومة الغربية هو تقويضها من الداخل عبر إسناد الأحزاب القومية (اليمين المتطرف) التي تنادي بتفكيك الاتحاد الأوروبي، وتعليق المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية مع موسكو؛ أي أن "النازيين الجدد" يمثلون في الحسابات الاستراتيجية لبوتين أداةً لتفتيت الرابطة الأوروبية بنيوياً من داخلها. بالمقابل، يرى اليمين المتطرف في شخصية بوتين تجسيداً لأنموذج "الرجل القوي" والكاريزما السلطوية التي تتقاطع أيديولوجياً مع منطلقاته؛ لاسيما في مناهضته للعولمة الليبرالية، ومساعيه لصون القيم المحافظة والتقليدية في مواجهة الأجندات الثقافية الغربية الحديثة. وعلاوة على ذلك، وثقت تقارير استخباراتية غربية عديدة تلقي بعض هذه الأحزاب تمويلات وقروضاً عبر مصارف روسية، فضلاً عن دعمها الممنهج عبر حملات التضليل الرقمي و"الجيوش الإلكترونية الروسية". وفي السياق ذاته، فإن الدعم المتبادل الذي يبديه دونالد ترامب و إيلون ماسك لتيارات اليمين المتطرف في أوروبا إنما يجد محركه الأساسي في تقاطع المصالح السياسية والفكرية المشتركة بين هذه الأطراف. وهنا يبرز سؤال ملحّ يفرض نفسه على بساط البحث: لماذا تتسامح النخب البرجوازية الحاكمة في أوروبا مع هذا الخطر المحدق؟ وإذا كان اليمين المتطرف حليفاً جيو-سياسياً لبوتين، فلماذا لا تعمد السلطات الليبرالية المهيمنة إلى سحقه وتقويض ركائزه؟. تنزع النخب الحاكمة في أوروبا اليوم نحو التفكير البراغماتي (النفعي) وإدارة لعبة سياسية محددة؛ إذ تسعى جاهدةً إلى تحويل مسار الغضب الجماهيري العارم الذي خلّفته الأزمات الاقتصادية الراهنة (المتمثلة في: التضخم، وأزمة الطاقة، وتراجع دولة الرفاه). فبالنسبة للمنظومة الرأسمالية السائدة، يغدو صعود تيارات اليمين المتطرف ـ "التي توجّه سخط الجماهير نحو "المهاجرين واللاجئين والأقليات" ـ خياراً آمناً يشتغل بوصفه "صمام أمان" بنيوي؛ نظراً لأن خطاب هؤلاء النازيين الجدد لا يمسّ جوهر النظام الاقتصادي الرأسمالي، ولا يهدد بنية الملكية الخاصة لرجال الأعمال (على العكس تماماً مما قد يفعله اليسار الراديكالي في حال وصوله إلى السلطة). وعلاوة على ذلك، تجد شريحة من أرباب العمل والمصانع في أوروبا مصالحها تتقاطع مع برامج النازيين الجدد، لاسيما وأنهم يعِدون بخفض الضرائب على رأس المال وإلغاء الضرائب البيئية التي فرضها الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تحويلهم للاستياء الطبقي نحو العمالة الوافدة والمهاجرين؛ ومن ثمّ، لا تبدي الغالبية الرأسمالية ممانعة حقيقية إزاء التسلل التدريجي للتيارات العنصرية نحو سدة الحكم، بل إنها تقدم لها الدعم والتمويل خلف الكواليس إن لم تفعل ذلك علانيةً. وهنا نجد أنفسنا أمام لغز شرعية صناديق الاقتراع (الآلية الديمقراطية)؛ فالنخبة الأوروبية محاصرة ومقيدة بقواعد "المجتمع المفتوح". فإذا ما أقدمت على حظر وإقصاء أحزاب تحظى بنسب تتراوح بين 30% إلى 40% من أصوات الناخبين (كما هو مشهود في ولايات ألمانيا الشرقية وفي فرنسا)، فإنها ستقوض شرعيتها الديمقراطية بذاتها، وتثبت للرأي العام أنها دكتاتورية مقنعة، وهو سيناريو قد يفضي إلى اندلاع ثورات واضطرابات داخلية تفوق خطورتها التهديد الخارجي المتمثل في روسيا. ولعل السر الأكبر في هذه اللعبة يكمن في مراهنة البرجوازية الحاكمة على "تدجين وتطويع" اليمين المتطرف وإعادة تأهيله بمجرد اقترابه من دوائر السلطة الفوقية. ويثبت التاريخ القريب نجاعة هذا الرهان؛ إذ يكفي تأمل نموذج "جورجيا ميلوني" في إيطاليا، والتي صعدت من خلفية يمينية متطرفة وشبه فاشية، وكانت منتقدة شرسة للاتحاد الأوروبي ومقربة من الأطروحات المحافظة، فضلاً عن صلاتها ببوتين، بيد أنها بمجرد اعتلائها هرم السلطة التنفيذية، تحولت إلى حليف مطيع لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتبنت سياسات اقتصادية نيوليبرالية متطابقة مع تطلعات المصارف والمؤسسات المالية الكبرى، وأعلنت دعمها المطلق لأوكرانيا في مواجهتها مع روسيا. إن النخب البرجوازية على قناعة تامة بامتلاكها نفوذاً مالياً و مؤسساتياً واسعاً عميقاً كفيلاً بإجبار أي حزب يميني متطرف على توقيع "صك الولاء" للمنظومة الرأسمالية والسياسة الخارجية بمجرد تسلمه الحقائب الوزارية؛ ومن هذا المنطلق، فإن أي تنظيم نازي جديد يتبوا موقعاً حكومياً، سيسارع فوراً للتضحية بشعاراته الانتخابية وأطروحاته المؤيدة لبوتين صوناً لموقعه الجديد. - ( لقد شهدنا كيف عمدت الإدارة الأمريكية إلى تدجين (تطويع) وتوظيف القوى المحافظة (الرجعية)، والفاشية، بل وحتى التيارات اليسارية على حد سواء؛ وتتبدى تجليات ذلك مثلًا في: تدجين حركتي "طالبان" و"القاعدة" واستخدامهما رأس حربة ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وتدجين الميليشيات الإسلامية في سوريا لمجابهة نظام الأسد، وصولاً إلى تدجين قوى اليسار القومي الكردي في سوريا المتمثلة في (قوات سوريا الديمقراطية )، حيث بات قائدها مظلوم عبدي اليوم بمثابة مستشار لـ"أحمد الشرع" ـ أبو محمد الجولاني. ). إن هذا المشهد الجاري على خشبة المسرح السياسي في أوروبا اليوم لا يمثل مجرد نسخة كربونية أو استنساخاً بسيطاً لأحداث عام 1848، بل هو صياغة هيكلية معقدة لما يمكن تسميته بـ "البونابرتية الجيوسياسية المعاصرة". فالنخب الرأسمالية الحالية تبدي قبولاً بمخاطر النزعة الشوفينية (اليمين المتطرف) وتعمد إلى تطبيعها وتدجينها؛ لا مدفوعةً بالخوف من مدٍّ عمالي ثوري، بل بوصف هذه التيارات أداةً وظيفية لإدارة الأزمات الاقتصادية وامتصاص الصدمات الاجتماعية والمجتمعية. وإن هذه النخب، مدفوعةً بغطرستها وطبيعتها الطبقية الفوقية، تتوهم القدرة المستمرة على كبح جماح هذا الوحش والتحكم في مساراته، ومنعه في نهاية المطاف من تسليم المقادير الجيوسياسية لأوروبا إلى قبضة بوتين. إن القراءة المتأنية لمعادلة البراغماتية المتبادلة بين الدول الأوروبية وموسكو من جهة، وتيارات النازية الجديدة المدعومة سياسياً وإعلامياً من قِبل دونالد ترامب - إيلون ماسك من جهة أخرى، تكشف عن نمط من الممارسات الشبيهة بسلوكيات المافيا التي تنطوي على مخاطر وجودية بالغة. فإذا كان بوتين يرى في هؤلاء النازيين الجدد مجرد "أحجار شطرنج" أو بيادق سياسية وظيفية في صراعه الاستراتيجي مع (الناتو)، فقد تسعفه هذه المناورة على المدى القصير؛ بيد أن المدى البعيد يحمل سيناريو مغايراً تماماً؛ إذ إن هذه القوى القومية المتطرفة التي يزعم بوتين محاربتها في أوكرانيا، إذا ثبت إلى سدة الحكم وبسطت سيطرتها على العمق الأوروبي، فإنها ستنقلب حتماً لشن هجوم على روسيا بمحاكاة تاريخية صريحة للحرب هتلرية. وفي المقابل، ستؤول هذه المعادلة بالنخب الحاكمة في أوروبا إلى خسارة رهان التنافس العالمي أمام الصين؛ نظراً لأن الاقتصاد الأوروبي لن يقوى على الصمود أمام التداعيات الكارثية لعدم الاستقرار الداخلي والمواجهات الدامية المتوقعة بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في الشوارع، وهو ما سيفضي إلى انهيار المنظومة البنيوية للاقتصاد؛ لاسيما وأن أوروبا تفتقر أفقياً إلى القدرة على النمو والاستدامة بدون تدفقات اللاجئين والمهاجرين. إننا نقف اليوم أمام نقاط ارتكاز إستراتيجية وحساسة تعقد المشهد الجيوسياسي الذي تمر به أوروبا في عام 2026. وهنا يعيد التاريخ إنتاج نفسه بوضوح؛ إذ يسقط بوتين في شَرَك "النازيين الجدد" بذات الآلية التي سارت عليها أحداث التاريخ سابقاً؛ حيث توهمت الأنظمة الدكتاتورية دائماً مقدرتها على احتواء القوى الراديكالية الشوفينية وتوظيفها كبيادق لمجابهة خصومها. ويظن الكرملين أن مساندة أحزاب مثل "البديل من أجل ألمانيا" (AfD)، والتي حققت قفزات وصعوداً تاريخياً في عامي 2025 و2026، كفيلة بإضعاف أوروبا وتفكيك رابطتها. بيد أن هذه التيارات القومية المتطرفة إذا ما تسلمت مقاليد السلطة التنفيذية، فإن أيديولوجيتها العنصرية المرتكزة على عقيدة "الاستعلاء القومي الفوقي" ستجعل من روسيا عدواً تاريخياً أزلياً لها؛ تماماً كما انقلب هتلر على الاتحاد السوفيتي عقب توقيع معاهدة عدم الاعتداء "مولوتوف-ريبنتروب". إن التطرف الشوفينية القومية لا يقبل الضبط أو التدجين، وسيكون بوتين الضحية الأولى لهذا الوحش الكاسر الذي ساهم هو نفسه في إيقاظه من سباته. ومع تصاعد هيمنة النازيين الجدد، سيتداعى الاستقرار السياسي والاجتماعي في أوروبا، مما يؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي في مواجهة الصين؛ وهذا يمثل الجانب الأكثر أهمية في أدبيات الاقتصاد السياسي الحديث. فالصراع المحتدم بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي في الداخل الأوروبي سيفضي حتماً إلى شلل الأسواق وزعزعة السلم الأهلي. إن الاقتصاد الأوروبي هو اقتصاد صناعي وخدمي حساس، لا يقوى على تحمل التوترات وحروب الشوارع ذات الطابع الأيديولوجي؛ وإذا ما انشغلت أوروبا محلياً بصراعات الهوية والأيديولوجيا، فإنها ستخلي ساحة التنافس العالمي برمتها لصالح الصين، التي تعمد بهدوء واستراتيجية ممدودة إلى بسط سيطرتها على الأسواق العالمية. وثمة حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهي أن أوروبا ستغدو واهنة بدون اللاجئين والمهاجرين، وهو ما يمثل ذروة التحليل الديموغرافي والاقتصادي المعاصر. إن أوروبا قارة "عجوز"؛ تشهد معدلات الولادات فيها انخفاضاً مستمراً، ولم تعد عمالتها المحلية قادرة على تلبية احتياجات السوق المتنامية. ويدرك الجانب البراغماتي (النفعي) للسلطة البرجوازية أن استمرار النمو الأوروبي، والحفاظ على توازن صناديق التقاعد، وتأمين الأيدي العاملة للمصانع والقطاع الصحي، يتوقف وجودياً على تدفق المهاجرين واللاجئين. وبناءً على ذلك، فإن الشعار الاستراتيجي للنازيين الجدد الداعي لترحيل المهاجرين أو تقليص حقوقهم يمثل، من المنظور الاقتصادي، انتحاراً ذاتياً لأوروبا؛ إذ بدون هذه القوى العاملة الفتية، ستفقد الصناعات الألمانية والفرنسية قدرتها التنافسية كلياً في مواجهة المارد الصيني. بكين وصعود اليمين المتطرف: براغماتية الفرصة والمآل الاستراتيجي تُظهر الدراسات والبحوث السياسية المنجزة في عامي 2025 و2026 أن جمهورية الصين الشعبية تتعاطى مع تنامي نفوذ النازيين الجدد وتيارات اليمين المتطرف في أوروبا وفق منظور براغماتي (نفعي) ثنائي الأبعاد؛ إذ تنظر بكين إلى هذا التحول بوصفه فرصة سانحة على المدى القصير، ومصدر قلق استراتيجي عميق على المدى البعيد، وذلك على النحو الآتي: أولاً: تفكيك الرابطة الأوروبية وسياسة "فرّق تسُد": لطالما شكّل الاتحاد الأوروبي، بوصفه كتلة موحدة ومتناغمة مع الأجندة الأمريكية، عبئاً جيوسياسياً وحجر عثرة أمام الطموحات الصينية. ومن ثمّ، فإن تمدد قوى النازية الجديدة يتيح لبكين فرصاً استراتيجية لتفتيت هذا التلاحم؛ نظراً لأن هذه الأحزاب المتطرفة تناهض بطبيعتها السياسات المركزية المفروضة من بروكسل وتدعو الانكفاء القومي. هذا الانقسام يسمح للصين بتفعيل استراتيجية "التفكيك والهيمنة"، من خلال إبرام اتفاقيات تجارية واقتصادية ثنائية منفردة مع كل دولة على حدة، بمعزل عن الشروط والضوابط الموحدة للتكتل الأوروبي. ثانياً: تهميش ملفات الحقوق وتحييد النقد الأخلاقي: تبدي أحزاب اليمين المتطرف راديكاليةً في تجاوز القضايا الحساسة التي تؤرق بكين تاريخياً؛ مثل ملفات حقوق الإنسان (كقضية الايغور، وهونغ كونغ، والمعادلة السيادية لتايوان). وبدلاً من ذلك، تركز هذه التيارات خطابها حصراً على "السيادة الوطنية"، وهو الطرح الذي يوفر للصين مناخاً مثالياً يعفيها من الضغوط السياسية والانتقادات الأخلاقية المعتادة من قِبل الحكومات الأوروبية التقليدية. وقد كشفت المعطيات في الأعوام القليلة الماضية عن وجود تقاطع مصلحي تحت مسمى "البراغماتية الاقتصادية المشتركة" بين الصينيين وهذه القوى؛ حيث أقدمت قيادات بارزة من اليمين المتطرف الأوروبي على زيارة بكين، وصوّتت صراحةً في البرلمان الأوروبي ضد فرض أي عقوبات اقتصادية على الصين. بيد أن تمدد نفوذ النازيين الجدد ينطوي ـ بلا شك ـ على مخاطر استراتيجية جمة تهدد الصين، وفي مقدمتها: "سياسات الحماية الاقتصادية" وانهيار بنية الأسواق؛ إذ تشتغل تيارات النازية الجديدة واليمين المتطرف وفق أيديولوجيا "القومية الاقتصادية"، والتي ترفع شعار حماية المنتج المحلي كأولوية قصوى. ويجسد هذا التوجه التهديد الأكبر للمصالح الصينية، لاسيما إذا ما أفضى إلى إغلاق الأسواق الأوروبية بوجه تدفق السلع القادمة من بكين؛ خصوصاً وأن الاقتصاد الصيني يرتكز بنيوياً على تصدير منتجاته إلى الفضاء الأوروبي. وإذا ما وثب النازيون الجدد إلى هرم السلطة التنفيذية وعمدوا إلى فرض تعريفات جمركية باهظة على السلع الصينية، فإن الاقتصاد الصيني سيواجه صدمة هيكلية عنيفة. فضلاً عن ذلك، فإن حالة عدم الاستقرار العالمي الناجمة عن سياسات النازيين الجدد ـ لاسيما إذا ما انزلقت أوروبا إلى أتون الفوضى المحلية والانكفاء الاقتصادي ـ ستؤدي حتماً إلى سحق القدرة الشرائية للمجتمعات الأوروبية؛ الأسواق الأوروبية في حالة من الاضطراب والضغط المتزايد والمفككة لن تعود قادرة على استيعاب السلع التكنولوجية والمنتجات الفاخرة ذات القيمة المضافة العالية التي تصدرها الصين. وتأسيساً على ما تقدم، يتبدى أن البرجوازية ووكلاءها في سدة الحكم عبر معظم دول العالم يديرون لعبة سياسية مكشوفة تارةً، ومستترة خلف الكواليس تارةً أخرى، بأسلوب يشبه سلوكيات المافيا؛ حيث لا ترى الأطراف الفاعلة سوى مصالحها النفعية الآنية. إن هذا هو الجوهر البنيوي للمنطق البرجوازي: فعندما تجتاح الأزمات المنظومة الرأسمالية، تعمد النخب إلى التغاضي عن المعضلات الوجودية الراهنة، وتخوض مناورة خطرة عبر السماح للقوى العنصرية المتطرفة بالنمو على أمل القدرة على كبح جماحها وتدجينها لاحقاً؛ غير أن التاريخ يبرهن دائماً على أن هذه اللعبة تؤول حتماً إلى مآلات كارثية؛ كارثة يضمر في ثناياها خسارة الاقتصاد الأوروبي لرهان المستقبل أمام المارد الآسيوي (الصين)، وتأسيس "القومية الاقتصادية" لعالم اقتصادي شبه منغلق، تترنح فيه ركائز الأمن والاستقرار الدوليين. حَفّارو قبور الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية يمثل التطور التكنولوجي المتسارع وصعود الحركات الشعبوية حَفّاريْ القبور الرئيسيين اللذين يهددان معاً أسس الديمقراطية الليبرالية والحريات الكلاسيكية. إن الحداثة والعولمة، اللتين كانتا تُعتبران يوماً ما من الإنجازات العظيمة لليبرالية، قد منحتا الآن سلاحاً قوياً لأعدائها. لقد تأسست الليبرالية بفلسفتها وبنيتها الدستورية على [حرية الفرد وحماية خصوصيته الذاتية]، بيد أن الدول والشركات الاحتكارية الكبرى باتت الآن، بفضل الطفرة التكنولوجية، تفرض رقابة صارمة وشاملة على الحياة الخاصة للأفراد والمجتمع عموماً، مما أدى إلى انتهاك سافر لخصوصية الفرد؛ إذ تتبدى تجليات هذا الواقع المعاصر في أنه: (أينما أوقفت سيارتك، أو أجريت اتصالاً هاتفياً بأحدهم، أو نشرت تدوينة على صفحتك الشخصية، أو سافرت، أو دخلت إلى المراكز التجارية للتسوق؛ فإن عين "الأخ الأكبر" ترصدك باستمرار- «لقد غدت كافة الفضاءات والمجالات المجتمعية مغمورة بكاميرات المراقبة.»). ولم تعد الدول تنظر إلى التكنولوجيا كأداة عالمية للتنمية والرفاه، بل كسلاح قومي لفرض السيادة وبسط الهيمنة، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى شلّ حركة التجارة الحرة والانفتاح العالمي (اللذين يمثلان الركيزتين البنيويتين للمنظومة الليبرالية). وفي الوقت نفسه، توفر الحركات الشعبوية أرضية خصبة لنمو النزعات العنصرية واللاهوت السياسي اللذين يدفنان الليبرالية؛ إذ تعيد الشعبوية الجديدة "العاطفة القومية والعنصرية ـ القائمة على أيديولوجيا الأرض والدم" وكذا "المسوغات اللاهوتية" مجدداً إلى أروقة ومفاصل السلطة التنفيذية « يتبنى كلٌّ من نائب الرئيس الأمريكي ووزير(الحرب) في خطاباتهما منظوراً لاهوتياً، مستدعيين في طروحاتهم نبوءات نهاية العالم ». وبموجب هذا التحول، يقدّم الشعبويون في الدول الغربية أنفسهم بوصفهم (منقذي الوطن والأمة والعِرق، أو حماةً للحضارة المسيحية/القومية)، مما يقوض العقلانية السياسية الليبرالية ويقضي عليها. وتحوّل العنصريةُ مفهومَ المواطنة إلى مجرد هُويّة ضيقة - الهوية العنصرية/العِرقية؛ ففي المنظومة الليبرالية، يتساوى البشر ظاهرياً أمام سلطة القانون (المواطنة)، غير أن الحركات الشعبوية، عبر إحياء العنصرية والتعصب القومي الشوفيني، تقسم المجتمع عمودياً إلى فئتين متناحرتين: (السكان الأصليين، والغرباء/اللاجئين)، مما يؤدي إلى شلّ فاعلية مفهوم حقوق الإنسان العالمية وإفراغه من مضمونه المعياري. وتأسيساً على ذلك، يعمل نتاج هاتين الظاهرتين كموجتين متوازيتين: فالتكنولوجيا تُفرغ البشر من الداخل وتستلب حريتهم وخصوصيتهم الفردية، بينما تهاجم الشعبوية من الخارج المؤسسات الديمقراطية والقانونية، مستندةً إلى القوة الجماهيرية غير الواعية والشعارات اللاهوتية والعنصرية. الاشتراكيون والديمقراطية البرجوازية يواجه العالم المعاصر اليوم، إلى جانب مخاطر اندلاع دورة جديدة من الحروب التدميرية بين إيران والولايات المتحدة وتمدد رقعة الصراع من أوكرانيا إلى العمق الأوروبي، حالةً من الاستنفار الشامل والتهيؤ لظروف الحرب. ففي فترات الأزمات الاقتصادية، تعمد النخب الحاكمة عبر مختلف أصقاع هذا العالم ـ سواء في باريس، أو لندن، أو أنقرة، أو السليمانية وأربيل، أو القاهرة، أو أي عاصمة إفريقية ـ إلى تبني مخطط موحد: مواجهة الأزمة الاقتصادية المستعصية عبر إذكاء نيران الحروب وإشعال فتيل النزاعات؛ إذ يغدو (الترهيب وإعلان الحرب) الأداة الأنجع للسيطرة على الشعوب وإخضاعها. والاستنتاج من تحليل معالم عالم ما بعد الليبرالية يتلخص في شقين: أحدهما، أن الطبقة البرجوازية و نخبتها السياسية يتعاملون بنفعية (براغماتية) بحتة مع صيغة الحكم الديمقراطي والمبادئ الليبرالية. والآخر، أن الطبقة البرجوازية بذاتها لا تمتلك مصلحة بنيوية في دفع عجلة التقدم الإنساني المستدام، أو صون الحريات والعقلانية؛ فالنظام الرأسمالي، بطبيعته الموضوعية، ينطوي على تناقض جذري مع حرية الإنسان وعقلانيته. ولسنوات خلت، شاع مفهومان جوهريان في الأدبيات الماركسية، هما: (1/ دولة رأس المال)، و(2/ دولة الرأسماليين). حيث يحيل المفهوم الأول إلى السلطة "البونابرتية" التي فككها ماركس، في حين يعبر المفهوم الثاني عن أنموذج الحكومات الديمقراطية الغربية إبان حقبة الحرب الباردة. بيد أن واقع الراهن يشهد تلاشياً تدريجياً للفوارق البنيوية بين هذين المفهومين؛ ويتجلى ذلك بوضوح في طبيعة سلطة دونالد ترامب وفريقه السياسي، الذين ينتمي جلّهم طبقياً إلى كبار الرأسماليين وأصحاب المليارات، حيث يعمدون ببطء إلى إرساء ركائز سلطة (ديكتاتورية) في الولايات المتحدة، متوسلين بخطاب قومي وديني محافظ (رجعي)، مما يساهم في تقارب الملامح الهيكلية لأنظمة الحكم بين الشرق والغرب. إن الممارسة الواقعية للأنظمة الحاكمة في التعاطي مع آليات الحكم الديمقراطي، والمؤسسات البرلمانية، وحرية التعبير، تتضح جلياً في نموذج إقليم كردستان العراق؛ حيث جرى تجميد المؤسسة البرلمانية وتعطيلها لسنوات، والتعامل معها وفق منطق "مدفأة الحطب الموسمية" (التي يُحتفى بها في فصلي الخريف والشتاء لمواجهة البرد، لتُقذف لاحقاً في المستودعات مع حلول الربيع والصيف إيذاناً بانتهاء الحاجة إليها). ومع صعود تيارات النازية الجديدة إلى سدة الحكم في أوروبا، فإننا قد نشهد في الفضاء الغربي سلوكاً سياسياً مماثلاً و محاكياً لتعاطي النخب الكردية مع الديمقراطية وإفراغها من مضامينها. المعارضة البرجوازية: الأوهام والواقع الطبقي ترى قوى المعارضة السياسية في بلدان شتى (مثل إقليم كردستان العراق، تركيا، إيران، السودان، سوريا، المغرب، السويد، ألمانيا، فرنسا، وغيرها) أن السبيل الأوحد لحل الأزمات يكمن في: ترسيخ الديمقراطية والمواطنة البرجوازية، وتأسيس المؤسسات القانونية للدولة من قبيل توحيد المؤسسة العسكرية (الجيش) والمنظومة المالية (الخزينة العامة)، فضلاً عن إرساء سلطة تكافح الفساد، وتفرض الضرائب على الرأسماليين لتوجيهها نحو دعم الفئات الهشة وتحسين الخدمات الاجتماعية. بيد أن أدبيات ماركس وأنجلز قد فككت بجلاء صلب {الطبيعة الطبقية للحضارة البرجوازية، والدولة الديمقراطية البرجوازية، والمؤسسة البرلمانية البرجوازية}، وهو الطرح الذي أعاد تأكيده معظم اشتراكيي الجيل المعاصر لماركس؛ إذ تفيد تلك النصوص بأن ( أكثر الجمهوريات البرجوازية ديمقراطيةً لا تعدو كونها مجرد آلة لقمع الطبقة العاملة واضطهادها خدمةً للمصالح الطبقية للبرجوازية ). ومع ذلك، يلاحظ اليوم أن ثمة فئات ممن يحسبون أنفسهم على التيارات الماركسية والشيوعية، والذين يناهضون الديكتاتورية وسلطة الميليشيات في بلدانهم، باتوا يروجون لصيغة "الدولة الديمقراطية والمواطنة" في ظل المجتمع الديمقراطي بوصفها المخرج النهائي من الأزمات والعلل البنيوية. وتسعى هذه الشرائح الماركسية إلى بث قناعة مفادها أن «الدولة الديمقراطية البرجوازية» كفيلة بضمان السلم والاستقرار المجتمعي، وأنها تهيئ الأرضية المناسبة للطبقة العاملة للانخراط في الصراع الطبقي واكتساب الوعي الذاتي وتنظيم صفوفها للمضي نحو الثورة الاشتراكية؛ وكأن البرجوازية كانت تبدي إذعاناً لغالبية الشغيلة إزاء أي حراك احتجاجي عمالي!. إن هذا المنظور اليساري يؤول، في جوهره، إلى التغطية على السمات البنيوية للدولة الديمقراطية البرجوازية بوصفها أداة قمع وتزييف أيديولوجي؛ إذ يغفل تماماً حقيقة أن هذه الدولة على أتم الاستعداد لتدمير المجتمع وإغراقه في أتون "الحروب والفوضى" صوناً لربحية رأس المال وحمايةً للمنظومة الرأسمالية. لقد أسقط هؤلاء اليساريون من حساباتهم المعرفية أن الدولة الديمقراطية البرجوازية تنطوي على تناقض جذري مع الحرية الحقيقية والمجتمع المدني البرجوازي، وأن الدور الوظيفي لدولة رأس المال في أوقات الأزمات والتوحش البنيوي يتلخص في فرض مناخ من العسكرتارية والضبط القهري على الفضاء الاجتماعي العام. كتب آدم شاف في عام 1971: «إن الليبرالية البرجوازية باتت تفتقر إلى أي أساس موضوعي في واقعنا الراهن؛ نظراً لأن الطبقة البرجوازية بذاتها لم تعد تمتلك مصلحة بنيوية في أفق التقدم الإنساني المستدام، أو في صون قيم الحرية والعقلانية. لقد أضحى تناقض فلسفة التنوير البرجوازية (بشقّيها: الليبرالية والعقلانية) جلياً وممتداً لسنوات مع الواقع المعيش للطبقة البرجوازية والنظام الرأسمالي. فالليبرالية قد منحت الإنسان حريته الفردية لتجعل منها أداة لإدانته محاسبته على أفعاله في عالم لا يتحمل هو مسؤولية تكوينه. كما أن العقلانية تنصّب الإنسان حكماً وقاضياً على نفسه في كيفية الاستخدام العقلاني لحريته وخياراته، وذلك في ظل وضع وشروط يفتقر فيها الفرد تماماً إلى القدرة على السيطرة عليها وتوجيهها. ومن هذا المنطلق البنيوي، يتولد الاغتراب والسخط واليأس، لينقلبا لاحقاً إلى نزعة تشاؤمية مطلقة». (المصدر: آدم شاف، كتاب "ماذا يعني أن تكون ماركسياً؟"، صادر عام 1971) - What Does It Mean to “Be a Marxist”? Adam Schaff. ومن وجهة نظري المتواضعة، أرى أنه في خضم العالم الرأسمالي المعاصر المحكوم بـ(الأزمات والتوحش البنيوي/البربرية)، فإن الحركات الاشتراكية التي تضع نصب أعينها تقويض النظام الرأسمالي، وانتزاع رأس المال والثروات من يد الطبقة البرجوازية لإخضاعها لخدمة الصالح العام للشعوب، وإرساء سلطة الطبقة العاملة (البروليتاريا)، ما زالت تعاني من الضعف والافتقار إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة. ومن هنا، يحدوني الأمل في أن تبذل القوى الاشتراكية جهوداً حثيثة لتفعيل الصراع الطبقي العمالي ضد الرأسماليين، وإعادة الزخم له، تمهيداً لتهيئة الأرضية الموضوعية والذاتية لانطلاق الثورة الاشتراكية المنشودة. هوامش: * نُشِر هذا المقال باللغة الكردية في موقع ( ئەمڕۆ ) بتاريخ 8 سبتمبر 2026. * بالتأكيد، ليست الحكومات الأوروبية الحالية من حيث البنية متهالكة واهنة مثل "جمهورية فايمار" (1919-1933)، بل هي حكومات مأزومة تبحث عن توازن بين حماية الحقوق والحريات من جهة، ومواجهة التيارات الشعبوية المتطرفة من جهة أخرى. إن الخطر اليوم لا يكمن في الانهيار المفاجئ للدولة على أيدي النازيين الجدد الذين يرتدون الزي العسكري، بل في ما يطلق عليه علماء السياسة "التآكل التدريجي للديمقراطية" من الداخل؛ بحيث تُفرغ قيم التسامح والتعددية ببطء لصالح تنفيذ سياسات التهميش وفرض قوانين صارمة تقيد الحريات بذريعة حماية الأمن والأزمات الاقتصادية. * يرى بعض الكتاب أن عبارة (أوروبا ستضعف بدون اللاجئين، هي تحليل ديموغرافي واقتصادي صحيح، لأن أوروبا قارة "عجوز"؛ ومعدلات الولادة فيها في انخفاض مستمر، والقوة العاملة المحلية لا تلبي احتياجات السوق)، لكن الانتقاد الموجه لهذا المنظور هو أن عصرنا الحالي هو (عصر الروبوتات والذكاء الاصطناعي)، وبالتالي فإن التكنولوجيا الحديثة ستسد فجوة نقص العمالة في الدول الأوروبية خلال السنوات القليلة المقبلة. * لقد تطرقتُ عدة مرات في مقالاتي السابقة إلى مسألة (الفاشية وخطرها على الديمقراطية واللاجئين). على سبيل المثال مقالات: 1- المجتمع الرأسمالي من الليبرالية إلى التوتاليتارية (الشمولية). 2- الفاشية الجديدة في أوروبا. 3- موسم هجرة اللاجئين نحو الجنوب. والتي نُشرت في موقع ” سايتي دەنگەکان والتضامن العمالي ”. * إلى جانب العديد من الكتب المفيدة جداً حول انهيار الليبرالية أو ما بعد الليبرالية، لا أزال أرى أن كتب إيمانويل والرشتاين: «انهيار الليبرالية و بعد الليبرالية » The Collapse of Liberalism / After Liberalism" 1995 - (Immanuel Wallerstein) يعد المصادر الرصينة والمفيدة في هذا الصدد.
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الرأسمالية: الأزمة والبربرية
-
مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
-
اللاعقلانية في عالم اليوم
-
اللاهوت السياسي والرأسمالية
-
أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
-
شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
-
جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
-
رسالة الانقلاب الى الاردوغان
-
اردوغان سيصفي من؟!.
-
هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
-
تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
-
صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا
...
-
يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو
...
-
ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
-
ملاحظات مختصرة حول الشيوعية العمالية في ايران
المزيد.....
-
-جبل الفأس-.. لقطات أقمار اصطناعية تكشف ما يدور في موقع إيرا
...
-
محللون: تسارع أعمال البناء في موقع نووي إيراني مشتبه به
-
لحظة استهداف مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة
-
إيران توسّع -المنطقة المحظورة- خارج مضيق هرمز.. ما هي شروط ا
...
-
التصعيد بين السعودية والحوثيين أمام منعطف جديد.. باكستان تلو
...
-
نافذة العراق الجديدة على التجارة العالمية.. ماذا نعرف عن مشر
...
-
-روائح غريبة- وأعراض حادة.. خبراء يدعون عبر -يورونيوز- للتحق
...
-
خطأ -غير متوقع فادح- في بريطانيا يتسبب بإلغاء نحو 2000 رحلة
...
-
صربيا.. الرئيس يحل البرلمان ويدعو لانتخابات قبل نوفمبر
-
الرئيس اللبناني يحذر من استغلال إسرائيل أي فراغ أمني في الجن
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|