|
|
مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:02
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
( إن نصوص ماركس أشبه بالخفافيش؛ يمكن للمرء أن يرى فيها طيراً و فأراً في آن واحد.**). نظراً لارتباط الفكر السياسي بالصراع الطبقي، فإن الفلسفات السياسية تتباين في مبادئها ومناهجها تبعاً لمصالح الطبقة التي تمثلها. على سبيل المثال، تتركز الإشكاليات الرئيسة للفلسفة السياسية البرجوازية (بشقّيها المحافظ والليبرالي) حول كيفية تنظيم الجماهير، وبما يضمن إخضاع أفراد المجتمع للسلطة السياسية الطبقية البرجوازية. وفي المقابل، تسعى الفلسفة السياسية الاشتراكية إلى توعية الطبقة العاملة وتنظيمها، بغية تطويرها ضد الدولة البرجوازية وتأسيس سلطة العمال. ويرى ماركس أن الفلسفات السياسية الاشتراكية التي سبقتْه كانت منبتّة الصلة عن البحث العلمي الملموس، ومفتقرة في ممارستها العملية إلى الروابط الحقيقية بنضال الطبقة العاملة؛ واستطاع ماركس عبر نقده للنظرية الاجتماعية والاقتصاد السياسي أن يتجاوز تلك الأطروحات. ومع ذلك، فإن القارئ المتفحص لنصوص الفلسفة السياسية الماركسية سرعان ما يكتشف حزمة من التفسيرات والمفاهيم المتناقضة أو المفارقاتية (Paradoxes). وقد أفضى هذا الجدال المحتدم حول فلسفة ماركس السياسية إلى نشوء خلافات عميقة بين الاشتراكيين أنفسهم، وتتمحور حول التساؤل: أيُّ القراءات والتأويلات لنصوصه هي التي تعكس مقاصد ماركس الحقيقية بدقة؟ وقد يبدو من الإجحاف نقد الفلسفة السياسية لكارل ماركس، التي تعد الأكثر ثورية مقارنة بأي تيار فلسفي سياسي معاصر ووصفها بأنها تنطوي على مفارقات وتناقضات. وفي الواقع، لم يقم ماركس بجمع مبادئ فلسفته السياسية وتقديمها في مؤلَّف واحد، بل صاغ تلك المبادئ على امتداد مسيرته التأليفية والسياسية؛ ماركس لم يُطوّر فلسفته السياسية بشكل نسقي ومنهجي قطّ. ومن هنا، فإن قراءة مؤلفاته السياسية التي تبدو في ظاهرها متناغمة ولا تقبل التجزئة قد قادت إلى استنتاجات متباينة ومتناقضة إلى حد كبير؛ مما يعني أن نصوص ماركس تتسم بتعدد الخطابات، وتتبدى في بعض مواضعها ملامح "المفارقة". ماركس والمعضلة الحتمية على الرغم من تحذير ماركس و إنجلز الصريح بأن ( البيان الشيوعي غدا وثيقة تاريخية لم يعد لنا أي حق في تغييرها - ماركس و إنجلز - مقدمة الطبعة الألمانية، 24 حزيران/ يونيو 1872، لندن)، إلا أن بعض الماركسيين ما زالوا، حتى يومنا هذا، يرتدّون إلى توظيف بعض التعبيرات والعبارات الواردة في "البيان"، والتي تنضح بمدلولات حتمية (Determinism). ومن أبرز الفقرات في "البيان الشيوعي" التي جعلت ماركس عُرضة لاتهامات الحتمية الجبرية، هي المقولة التالية:( إن ما تنتجه البرجوازية قبل كل شيء، إنما هم حافروا قبرها؛ فإنهيار البرجوازية وانتصار البروليتاريا أمران حتميان لا مناص منهما على حد سواء - البيان الشيوعي، ص 24). وتفيد الكلمات المستعملة في الأصول اللغوية (inevitable بالألمانية والانكليزية، و oundviklig بالسويدية) معنى واحدًا: ” الشيء الذي لا يمكن صدّه، أو الحتمي الذي لا مفر منه ”. وتتبدى المفارقة هنا في كون البيان الشيوعي قد كُتب في الأصل لصالح منظمة شيوعية دولية؛ أي أنه صُيغ لتوحيد جهود الشيوعيين في توعية وتنظيم الطبقة العاملة بغية تغيير المجتمع الرأسمالي. وهذا يعني أنه لكي تتمكن "الذات الفاعلة" (المتمثلة في الطبقة العاملة) من تفجير الثورة الاشتراكية، فإن ماركس كان يؤمن سلفاً بالدور المحوري والحيوي للذات في توجيه مسار التاريخ وحركته. وهنا، يتبادر إلى الذهن التساؤل الإشكالي الأول: إذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون انهيار البرجوازية وانتصار البروليتاريا حتمياً؟. فلو كان سقوط الرأسمالية وسلطة الطبقة البرجوازية، وانتصار الطبقة العاملة، يجري وفق قانون طبيعي أشبه بالجبر التاريخي الحتمي، فما الداعي إذن لتكبّد عناء النضال والتنظيم؟ لذا، بات لزاماً على الفلسفة السياسية الاشتراكية المعاصرة أن تعيد كتابة السيناريو الذي وضعه ماركس للثورة الاشتراكية العمالية برؤية واقعية، وتخليصه من إسقاطات الرؤية الحتمية الجبرية. إنني على قناعة تامة بأن الثورة الاشتراكية لا تملك فرصة النجاح في تقويض سلطة الطبقة البرجوازية وتأسيس المجتمع الاشتراكي إلا عندما تبلغ الطبقة العاملة ”في ظل ظروف ثورية موضوعية وبتوجيه من الاشتراكيين” طوراً متقدماً من (الوعي والتضامن المنظم)؛ ومن هنا، يصبح من الأدق علمياً التحدث بلغة (الفرص والاحتمالات) بدلاً من لغة (الحتمية). وفي هذا الصدد، أجد نفسي متوافقاً مع هذا التيار من الاشتراكيين الذين يرون في مقولة المناضلة والمفكرة "روزا لوكسمبورغ" تجسيداً دقيقاً للواقع؛ حيث رفعت شعار: ” إما الاشتراكية أو البربرية ”. فهذا التعبير يضع الإنسانية أمام خيارين و احتمالين مفتوحين، لاسيما وأننا نعيش اليوم في خضم حقبة متوحشة من الرأسمالية الضارية. لماذا يُعدّ التعبير الحتمي في "البيان الشيوعي" غير دقيق علمياً وتاريخياً؟. تكمن عدم دقة الصياغة الحتمية القاطعة لـ"انتصار البروليتاريا المسلّم به في عدة أبعاد فلسفية، اقتصادية واجتماعية كشفت عنها صيرورة التاريخ المعاصر، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية: تغييب دور ( الذات الفاعلة Subject ): إن القول بأن سقوط الرأسمالية حتمية فيزيائية تسير وفق قوانين الطبيعة، ويُجرّد الطبقة العاملة من دورها الإرادي؛ فإذا كان النصر مضموناً بحكم حتمية التاريخ، تحول الفكر الثوري إلى تواكل سياسي وانتظار سلبي لانهيار المنظومة تلقائياً، وهو ما يتناقض مع جوهر الماركسية القائم على الممارسة العملية والتغيير. مرونة الرأسمالية وقدرتها على التكيف: لم يتوقع ماركس في القرن التاسع عشر حجم الآليات الفائقة التي ستطورها المنظومة الرأسمالية لإطالة عمرها؛ فمن خلال دولة الرفاه، والامتيازات الاجتماعية، وتصدير الأزمات إلى العالم الثالث، استطاعت الرأسمالية امتصاص الاحتقان الطبقي وتحويل جزء كبير من الطبقة العاملة في الدول المتقدمة إلى طبقة مستهلكة تدعم المنظومة بدلاً من تقويضها. تفتت البنية الطبقية التقليدية: في عصر الحداثة الفائقة والذكاء الاصطناعي، لم يعد المجتمع منقسماً بحدة بين (برجوازي يملك المصنع، وعامل يدوي خلف الآلة)؛ بل ظهرت طبقات فنية وتكنوقراطية جديدة، وتقسيمات عمل معقدة أدّت إلى تشتيت ” الوعي الطبقي ” وجعلت تنظيم العمال أكثر صعوبة مقارنة بالقرن الماضي. الخلط الفلسفي بين النزعة والقانون الصارم: يخلط التعبير الحتمي بين وجود نزعة أو ميل عام داخل الرأسمالية نحو الأزمات والانهيار (وهذا صحيح علمياً)، وبين تحويل هذا الميل إلى قانون حتمي مطلق. فالتاريخ الإنساني ليس مساراً ميكانيكياً مغلقاً، بل هو ساحة مفتوحة لـ (الصراع، الاحتمالات، والصدف الجيوسياسية)؛ وحصيلة هذا الصراع هي التي تحدد النتيجة، وليست فرضية مكتوبة مسبقاً. الخلاصة: لذلك، فإن مقولة روزا لوكسمبورغ (إما الاشتراكية أو البربرية) تفوقت علمياً على حتمية مانيفيست؛ لأنها أدركت أن الرأسمالية المأزومة قد لا تؤدي بالضرورة إلى مجتمع اشتراكي فاضل، بل قد تقود البشرية ”في حال غياب الوعي والتنظيم الذاتي” إلى طور من ” البربرية الحديثة ” والدمار الشامل للنظام البيئي والاقتصادي، وهو عين ما نشهده في صراعات عالمنا المعاصر. إشكالية الوعي الطبقي كتب "كارول جونسون" في المقال له( إشكالية الإصلاح ونظرية الصنمية عند ماركس) مايلي:【 تتمثل الغاية الرئيسة من هذا المقال في استكشاف وفحص العلاقة بين عنصرين يبدوان متناقضين في فكر ماركس؛ وهما: أولاً، إيمانه بأن الوعي الثوري للبروليتاريا سيتطور وينمو بشكل يسير ومباشر نسبياً في ظل الرأسمالية. وثانياً، حِجاجه الفكري في كتاباته الاقتصادية المتأخرة، والذي يرى فيه أن الطبيعة الصَّنَمِيَّة للعلاقات الاجتماعية الرأسمالية تفرز أنماطاً من التَّعْمِيَة أو الزيف الأيديولوجي (Ideological mystification)، وهي أنماط تحجب الخصائص الجوهرية لنمط الإنتاج الرأسمالي بشكل كبير وتخفيها عن الأنظار. سيُخصَّص الجزء الأول من هذا المقال لإثبات أن الأطروحة الأولى (النمو اليسير للوعي) كانت تمثل بالفعل موقف ماركس في مؤلفاته التي سبقت كتاباته الاقتصادية الناضجة. بينما سيتولى الجزء الثاني فحص وتحليل موقف ماركس بعد تلك الحقبة الزمنية. وسيجري المحاججة هنا بأن ماركس- بدلاً من أن يعيد النظر في آرائه المبكرة ويراجعها- قد دمج أطروحاته الاقتصادية اللاحقة ضمن رؤاه السابقة المتعلقة بالسهولة النسبية التي يتطور بها الوعي الثوري للبروليتاريا؛ الأمر الذي يؤكد وجود اتساق وجوهري بين آراء ماركس المتأخرة والمبكرة على حد سواء. ونتيجة لذلك، فقد قلل ماركس وبشكل فادح من خطورة الدعم الواسع والانتشار الكبير للتيار الإصلاحي، والذي كان قد بدأ يتبدى بوضوح في أواخر حياته؛ وبناءً على ذلك، عجز ماركس عن التعامل بشكل ملائم وبنّاء مع المعضلة التي لا تزال تُمثل التحدي الأكثر خطورة وجدية أمام الثوريين في البلدان الرأسمالية المتقدم 】. لقد عبرت الجماهير في إقليم كردستان عن سخطها العارم إزاء تردي أوضاعها المعيشية، مما دفعها بين عامي (2012 و 2016) إلى إحراق مقرات أحزاب السلطة والمعارضة على حد سواء في مناسبات عدة. ومع ذلك، شَهِد عام 2017 تحولاً لافتاً؛ إذ انساق الشطر الأعظم من هذه الجماهير ذاتها وراء شعار ” الاستفتاء من أجل استقلال كردستان ” الذي رفعتْه الأحزاب. وهنا يبرز التساؤل: لماذا لم يتبلور هذا السخط والاحتقان الجماهيري في كردستان، على مدار تلك السنوات، إلى وعي طبقي جليّ ومتماسك مناهض للسلطة؟ وعيٍ يكون بمثابة حصانة فكرية تحميهم من الانخداع بشعارات و وعود أحزاب السلطة والمعارضة؟. وفي سياق متصل، يشهد المسرح السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ أكثر من قرن من الزمان، تبادلاً للأدوار بين الحزبين الرئيسين (الجمهوري والديمقراطي)؛ حيث يفلح كلاهما، عبر الوعود الانتخابية المتعاقبة، في استمالة العمال والفقراء وتضليلهم. وثمة سؤال يطرح نفسه هنا أيضاً: لماذا لم يشهد الوعي الطبقي والاشتراكي لدى البروليتاريا الأمريكية نمواً جوهرياً طوال هذه العقود، ولم يتعدَّ الأمر ظاهرة الاحتجاجات المطلبية الرامية لتحقيق مكاسب اقتصادية محددة أو انتزاع بعض الحقوق الفئوية؟. لقد برهن ماركس، من جهة، على أن الطبقة العاملة تعاني اغتراباً موضوعياً وبنيوياً داخل منظومة الإنتاج الرأسمالي- حيث يتماهى "الاغتراب" في منظوره مع مَسْخ الكائن البشري والارتداد به إلى المرتبة الحيوانية وفقدان الذاتية الإنسانية. ومن جهة أخرى، يبشر ماركس بانبعاث وعي الطبقة العاملة وتشكله كمحصلة لـ” الصراع الطبقي، والنضال الاقتصادي، والدعم الفكري للاشتراكيين ”. فكيف تجلى هذان البُعدان المتناقضان في أطروحات ماركس على أرض الواقع؟ وأيُّ الشقّين في دراساته قد ثبتت دقتها العلمية الملموسة وتحقق تاريخياً حتى الآن؟. عصر التفاهة أم عصر الاغتراب يرى "آلان دونو" في كتابه ( نظام الرداءة - نظام التفاهة ) أن من مصلحة النظام الرأسمالي تعميم التفاهة والرداءة في عقول الجماهير وبنيتهم النفسية، وتعطيل التفكير المنطقي لدى السواد الأعظم من الناس، وتسطيح وعيهم؛ وذلك حتى لا يكتفوا بالرضا بالواقع المعيشي المأزوم الراهن فحسب، بل ليروه واقعاً عقلانياً وملائماً أيضاً. بيد أن "آلان دونو" يقتصر هنا على تبيان دور الذات الفاعلة البرجوازية في تجهيل الجماهير وتسطيحها؛ فرغم أن سياسات الطبقة البرجوازية تصبّ بلا شك في مصلحة إبقاء البشر في حالة من نظام التفاهة عبر أدوات البنية الفوقية للنظام الرأسمالي ( منظمات المجتمع المدني، الأحزاب السياسية و الوسائل الإعلام ) وهو ما يمثل الجانب الذاتي (Subjective) في عملية التغفيل والبلادة البنيوية وتسطيح الوعي، إلا أن النظام الرأسمالي، في بنيته التحتية ( أي في صلب عملية العمل وعلاقة العمل برأس المال)، يمارس عملية الاغتراب للطبقة العاملة، وذلك بشكل تلقائي بمعزل عن السياسات الممنهجة للطبقة البرجوازية أو تدخلاتها الذاتية، وهو ما يشكل الجانب الموضوعي (Objective) للاغتراب. ففي حالة الاغتراب (Alienation)، يرتدّ الإنسان تدريجياً إلى ما يشبه الآلة الصمّاء، ويتحول مبتعداً عن طبيعته وجوهره الإنساني، عاجزاً عن تطوير مهاراته وملكاته الذاتية ككائن واعي. وفي هذا الصدد، كتب كارل ماركس قبل أكثر من 170 عاماً:《 إن العمل ينتج روائع للمقاصد البرجوازية وللأثرياء، لكنه لا ينتج للعامل سوى الحرمان والفقر المطبق ... العمل ينتج الجمال للأثرياء، لكنه ينتج التشوّه والدمامة للعامل. العمل يولد الذكاء والابتكار للأثرياء، لكنه يولد البلادة والغباء للعامل ). وبناءً عليه:(لا يشعر العامل بذاتيته الإنسانية إلا في ممارسة وظائفه الحيوانية الصِرفة: كالأكل، والشرب، والتناسل، وما إلى ذلك؛ أما في وظائفه الإنسانية الراقية - والتي تتجلى في العمل الإبداعي- فإنه لا يشعر إلا بوجوده الحيواني الغريزي. وهكذا، ينقلب المشهد: فيتحول ما هو حيواني إلى إنساني، و يتحول ما هو إنساني إلى حيواني 》. يتميز عصرنا الراهن بمعادلة واضحة؛ حيث تراكم الطبقة البرجوازية الثروات بمعدلات متسارعة، في المقابل الذي تزداد فيه البروليتاريا والسواد الأعظم من الجماهير فقراً وعوزاً. بيد أن المثير للدهشة يكمن في نجاح البرجوازية الحاكمة في تضليل وتدجين الشطر الأكبر من هذه الجماهير التي أفقرتها بالذات، وتحويلها إلى ظهير اجتماعي وقواعد تابعة لأحزابها ومنظوماتها الفكرية المحافظة والرجعية. وعند فحص نصوص "الاشتراكيين وماركس" الذين شددوا على المحورية لـ(دور الوعي والعقلانية)، لا سيما في تشريح ماركس للمجتمع الرأسمالي، نجد إجماعاً على أن الطبقة العاملة بوصفها طليعة تاريخية جديدة، لا ينبغي لها الانزلاق في حبائل (الوعي الزائف False Consciousness) الذي تصنعه السلطة. وبتعبير آخر، كان يُفترض بالبروليتاريا ألّا تقبل بالمهدئات والتنازلات المؤقتة والجزئية (الإصلاحات)، وألّا تستسلم لواقع الإحباط والإنهاك لتخضع لسلطة رأس المال، على النحو الذي خضعت به الطبقات المضطهدة في العصور السابقة ( كالعبيد والأقنان الذين استبطنوا أيديولوجيا ملاك العبيد والإقطاعيين )؛ فكان لزاماً على البروليتاريا ألا تقع ضحية لعمليات التجهيل والتسطيح القائمة على الهويات كالإسلام السياسي، أو الأيديولوجيات العرقية والشوفينية. ولكن، ألا نشهد اليوم ارتداداً حاداً؛ حيث تلهث قطاعات واسعة من الطبقة العاملة والفقراء وراء تنظيمات والحركات العنصرية، والأحزاب الإسلام السياسي، الهندوسية المتطرفة، والمسيحية السياسية، واليمين القومي المتطرف، والروابط العشائرية والقبلية البدائية؟! ألا يصطف اليوم جزء كبير من البروليتاريا في (أمريكا، أوروبا، الشرق الاوسط، وغيرها)، ممّن يعانون شظف العيش والبطالة، خلف السياسات والمنظومات الفكرية البرجوازية؟. وإذا ما أمعنّا النظر، نجد أن مفاهيم مثل:( الإنسان المغترب، الإنسان الممسوخ، الإنسان الزومبي، الإنسان المشوه ) قد وُظِّفت بكثافة في الأدبيات الاشتراكية لتوصيف الحالة الذهنية والنفسية لتلك القطاعات الشعبية الواسعة التي وقعت ضحية للتضليل الأيديولوجي. ولقد نجحت البرجوازية عبر توظيف التقنيات الرقمية المعاصرة في الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لا في عزل البروليتاريا عن وعيها الطبقي فحسب، بل في تجريد غالبية البشر من ضميره ومشاعره الإنسانية وتحويله إلى كائن غير العقلاني و عدواني. في عالم رأسمالي يعجّ بالحروب والأزمات المتلاحقة، توجّه ما يقارب 70 مليون ناخب أمريكي في عام 2024 لانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، بينما أدلى أقل من 70 مليوناً آخرين بأصواتهم لصالح بايدن [أو مرشح الحزب الديمقراطي]، وهو الذي يمثل الوجه الآخر للعملة ذاتها. وفي واقع الأمر، يمكن نعت هؤلاء 140 الملايين من البشر بكونهم جماهير ” مُضلَّلة، مغتربة و فاقدة للوعي الطبقي. من هنا، يتضح بجلاء أن عالمنا المعاصر غدا مكتظاً بشرائح بشرية مشوهة ومغتربة، تلهث وراء أيديولوجيات زائفة تُعمي أبصارهم عن رؤية الحقائق الموضوعية، العوائق الكامنة أمام تبلور وعي الطبقة العاملة. إن أبسط ملاحظة يمكن أن يبديها أي مراقب للواقع اليوم تتلخص في القول بأن: ” الطبقة العاملة تفتقر إلى الوعي الطبقي"، وبأنها ” وقعت ضحية للتضليل الممنهج من قِبل السياسات البرجوازية؛ وكلتا الملاحظتين صائبة تماماً. يأتي هذا في وقت يمر فيه العالم الرأسمالي بأزمة اقتصادية طاحنة، وينزلق فيه الكوكب نحو أتون حرب عالمية مدمرة، تزامناً مع تصاعد قمع النظم البرجوازية الحاكمة وانتهاكها الصارخ للحقوق. والاتساق مع هذا المشهد يفرض على كل مفكر اشتراكي أن يطرح على نفسه السؤال الجوهري: لماذا تفتقر الطبقة العاملة إلى الوعي، ولماذا لا تفجّر ثورتها الاشتراكية؟ وفقاً للأطروحة الماركسية القائلة بأن ” الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي الاجتماعي ”، فإن الوجود المادي والموقع الطبقي للبروليتاريا يفترضان حتماً منحها وعياً ثورياً؛ ونعم، هذا صحيح إذ تملك الطبقة العاملة الإمكانية الذاتية والقدرة على بلوغ هذا الوعي الاشتراكي. بيد أن المجتمع الرأسمالي يضع ترسانة من العراقيل والمصدات أمام تحقّق هذه الإمكانية. ومن هذا المنطلق، يمكننا تصنيف العوائق التي تحول دون استعادة الطبقة العاملة لوعيها وتحررها إلى فئتين رئيستين: العوائق الموضوعية (Objective Barriers) - العوائق الذاتية (Subjective Barriers). تشكّل عمليتا الصنمية و الاغتراب داخل المجتمع الرأسمالي حجر عثرة أمام انبعاث وعي الطبقة العاملة، وهو ما يمثل العوائق الموضوعية (Objective Barriers). وفي المقابل، تفرض الطبقة البرجوازية منظومتها الفكرية وقيمها على المجتمع عبر قنوات وآليات متعددة، تجسيداً للمقولة الماركسية الشهيرة:” إن الأفكار السائدة في أي عصر ليست سوى أفكار الطبقة الحاكمة ”، وهو ما يمثل العوائق الذاتية (Subjective Barriers). وبناءً عليه، يغدو من المستحيل على الطبقة العاملة - بمعزل عن الدعم الفكري والتنظيمي للاشتراكيين- أن تكتسب وعياً طبقياً ثورياً بشكل عفوئي وتلقائي، كإفراز صِرف لتجارب نضالها المطلبي والاقتصادي اليومي. وتتبدى هذه المعضلة بوضوح إثر الضعف البنيوي الممتد للاشتراكيين منذ أكثر من قرن، حيث أسهم تيارا "اليسار القديم" و"اليسار الجديد" في تدجين الطبقة العاملة وصياغة وعيها وفق توليفات وألوان شتى من الأيديولوجيا والسياسات البرجوازية. وفي هذا السياق، سعى المفكر "جورج لوكاش" إلى تبيان الدور المحوري للحزب الطليعي في توعية الطبقة العاملة وتفجير الثورة الاشتراكية، مدافعاً عن هذه الأطروحة في كتابه العمدة "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث كتب:( إن كل هجوم انتهازي يُشنّ ضد الديالكتيك الثوري، إنما يتقدم تحت راية ” مناهضة الذاتية ” كما فَعَل بيرنشتاين ضد ماركس، وكاوتسكي ضد لينين .. وفي هذا السياق التحليلي، سأثبت أن المسألة الجوهرية والمحك الحقيقي الكامن وراء هذا الصراع يتلخص دائماً في سؤال: ما هو دور الحزب في الثورة؟ وبناءً على ذلك، يتعين علينا أولاً فهم ما المقصود بمصطلح الذاتي؟ وما هي الوظيفة المنوطة بالذات (Subject) في صيرورة التطور التاريخي؟). بيد أن القصور التحليلي في أطروحة لوكاش في تقديري يكمن في اختزاله للمسألة في حدود الدور ” الذاتي ” المتمثل في الحزب الشيوعي و وعي الطبقة العاملة حصراً ضمن الشروط القائمة؛ مغفلاً بذلك دور الذوات الفاعلة الأخرى في العوائق الذاتية، والمتمثلة في الأحزاب والأيديولوجيات والسياسات البرجوازية الممنهجة ( على الرغم من أن لوكاش التفتَ في كتابه اللاحق ” تحطيم العقل ” إلى دور الفلسفات البرجوازية في تجهيل البشر وتسطيح وعيهم ). فهذه الأدوات والذوات البرجوازية تمثل عوائق حقيقية تقف سداً منيعاً أمام يقظة البروليتاريا، وتعطل مسار الثورة وحركة التطور التاريخي. فضلاً عن ذلك، فإن لوكاش يتجنب طرح التساؤل الجوهري: هل تملك تلك الأحزاب التي تطرح نفسها اليوم بوصفها شيوعية أو اشتراكية وعياً اشتراكياً حقيقياً لتنقله إلى الطبقة العاملة؟. وهل يستهدف مشروعهما السياسي فعلياً تأسيس سلطة العمال وإرساء دعائم المجتمع الاشتراكي؟. فهل تملك الطبقة العاملة والشرائح الكادحة والفقيرة، في خضم هذه الحقبة من أزمات الرأسمالية وحروبها وضراوتها البربرية، فرصةً لليقظة واستعادة وعيها الطبقي لتفجير ثورة اشتراكية تقوض سلطة كبار الملاك والرأسماليين؟. نعم، إن هذا الاحتمال يظل قائماً ومفتوحاً، بيد أنه مشروط ومستند بوضوح إلى الكيفية التي يفهم بها الاشتراكيون طبيعة عالمنا المعاصر، وإلى ماهية الممارسات والخطوات العملية التي يتخذونها لتوعية الطبقة العاملة وتنظيم صفوفها.
الملاحظات: * نُشر هذا المقال باللغة الكردية في موقع (دەنگەکان - Dengekan) تحت عنوان: إشكالية الوعي الطبقي والاغتراب: المفارقة في الفلسفة السياسية عند ماركس 1- 2 - أكرم سعيد، بتاريخ 8 نيسان/أبريل 2025. ** باريتو (نَقَلهُ: أولمان، عام 1971). المصادر: 1/Marxism And the Paradox of Contemporary Political Thought Stanley Rothman 2/ Philosophy and Progress - KARL MARX’S CONTRIBUTION TO SOCIAL AND POLITICAL PHILOSOPHY 3/ SIMON CLARKE Althusserian Marxism 4/ Cyril Smith 1998 / Marx’s Critique of Political Philosophy 5/ Karl Marx’s Political Epistemology - Subjectivity, abstraction and the state in the writings o f the early 1840s - James Martin Mclvor 6/ The development of Marx s social and political theory 7/ David McLellan’s: Marx Before Marxism 8/ The Problem of Reformism and Marx s Theory of Fetishism / CAROL JOHNSON 9/ Economic and Philosophical Manu-script-s of 1844. Karl Marx - Estranged Labour. 10/ Tailism and the Dialectic /Georg Lukács - Translated by Esther Leslie 11/ Marx and Alienation - Essays on Hegelian Themes - Sayers Sean -2011 12/ ALIENATION, FREEDOM & COMMUNISM - RAJEEV KUMAR SEHGAL -(2016)-
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اللاعقلانية في عالم اليوم
-
اللاهوت السياسي والرأسمالية
-
أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
-
شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
-
جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
-
رسالة الانقلاب الى الاردوغان
-
اردوغان سيصفي من؟!.
-
هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
-
تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
-
صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا
...
-
يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو
...
-
ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
-
ملاحظات مختصرة حول الشيوعية العمالية في ايران
المزيد.....
-
الانتخابات الرئاسية في فرنسا: لوبان تتصدر الاستطلاعات وتشتت
...
-
استطلاع مثير للجدل: خمس الشعب الألماني مستعد للمغادرة في حال
...
-
ولاية ساكسونيا-أنهالت..من مهد الإصلاح الديني إلى اختبار اليم
...
-
When the Mountain Broke: Inside Nepal’s Deadliest Himalayan
...
-
فرنسا: اليمين المتطرف يتهم اليسار بتهديد السلم الأهلي قبيل ا
...
-
اضطرابات في معسكر نتنياهو بسبب التوتر داخل اليمين المتطرف
-
محافظة القاهرة.. حزب التجمع ينتخب لجان أقسام المطرية وبولاق
...
-
The USS Lincoln’s -Leisure Trip’ to Thailand: A Port Call of
...
-
بيان بمناسبة اليوم العالمي لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء ا
...
-
Brazil Must Not Surrender Its Critical Minerals
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|