أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم سعيد - الرأسمالية: الأزمة والبربرية















المزيد.....



الرأسمالية: الأزمة والبربرية


أكرم سعيد

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 20:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


" إن المهمة الرئيسية للاشتراكيين والشيوعيين تتجلى في إعادة بناء الثقة بالاشتراكية في وعي ملايين البشر" – إرنست مانديل.
في سبعينيات القرن الماضي، كان أولئك الذين يصفون أنفسهم بالشيوعيين يحملون رؤية متفائلة حيال نضوج الطبقة العاملة ووحدتها من أجل تحقيق الثورة الاشتراكية العالمية. بيد أنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة النيوليبرالية، تصدعت صفوف الطبقة العاملة بشكل حاد، وابترع الكثير من هؤلاء "أشباه الشيوعيين" عن كارل ماركس وعن قضايا البروليتاريا. ومنذ تلك الأعوام، خبا بريق النظرية الماركسية وأخذت شعلتها في الأفول، حتى أعادت أزمة عام 2008 الاقتصادية إحياء نظرية الأزمات لـ "ماركس" وكتابه "رأس المال". ومع ذلك، فإن القضيتين الجوهريتين في النظرية الماركسية وهما (الأزمة والبربرية) لا تزالان بحاجة إلى دراسة أكاديمية معمقة. ولا يدعي هذا المقال إنجاز مثل هذه المهمة، بل يهدف فحسب إلى طرح هذين الملفين في إطارهما العام، وتوضيح بعض الخطوط النظرية.
يتألف هذا المقال من قسمين: أزمة النظام الرأسمالي - بربرية النظام الرأسمالي.
أثناء إعداد هذا المقال والذي صِيغت مسودته الأولى عام 2016، اندلعت الحرب على غزة؛ لذا سأتناول هذه الحرب في قسم (البربرية الرأسمالية) بوصفها دليلاً وشاهداً حديثاً يدعم أطروحة البحث.
أزمة الرأسمالية
( على القارئ أن يتذكر دائماً أن إنتاج فائض القيمة، أو استخلاص العمل الفائض، هو الهدف النهائي والنوعي، بل والمحور والجوهر لنمط الإنتاج الرأسمالي، بغض النظر عن أي تحولات قد تطرأ على أسلوب الإنتاج نتيجة تبعية العمل لرأس المال). – كارل ماركس / كتاب رأس المال - المجلد الأول، القسم العاشر: يوم العمل.
يحتل ( قانون ميل معدل الربح للانخفاض )الذي صاغه كارل ماركس في كتابه رأس المال مكانة مركزية في الأدبيات الماركسية، حيث يُشكل المرجعية الأساسية للباحثين عند تحليل أزمات النظام الرأسمالي. بيد أن ماركس، في الواقع، قدّم صياغة مغايرة لنظرية الأزمة الرأسمالية في مخطوطات الغروندريسه (الخطوط العريضة لنقد الاقتصاد السياسي). ينطلق هذا النص من تحليل الأزمة الاقتصادية في مستواها الأكثر جذرياً، ويسعى إلى تسليط الضوء على الأزمة الرأسمالية المعاصرة التي نعيشها اليوم.
في الحقيقة، لا توجد أي قوة خارجية تدفع الرأسمالية نحو الأزمة والاحتمالية الانهيار، بل إن القوانين الموضوعية الكامنة في أحشائها هي التي تتسم بالتناقض وتدفع بها نحو الصراع و الاحتمالية الفناء. وفي هذا السياق، يكتب ماركس في "رأس المال":( وما إن يقف نمط الإنتاج الرأسمالي على قدميه، حتى يتخذ الاستملاك ( الاستحواذ على المنتجات والثروة ) شكلاً جديداً؛ أي أن الأمر لا يقتصر على الاستحواذ على نتاج عمل العمال فحسب، بل يمتد ليشمل مصادرة ثروات الرأسماليين الآخرين الذين استغلوا العمال بدورهم، ويتحقق ذلك عبر آليات القوانين الجوهرية للإنتاج الرأسمالي نفسه، والمتمثلة في تمركز رأس المال ). يشرح ماركس في كتاب "رأس المال" مصير النظام الرأسمالي تحت عنوان "القانون العام للتراكم الرأسمالي"، حيث يدرس على وجه الخصوص ثلاثة تناقضات بنيوية ناشئة عن تراكم رأس المال. إن كل دورة شهدت فيها الرأسمالية ازدهاراً ونمواً، قد أعقبتها بالضرورة دورة من الانهيار والكساد؛ وكأن النمو الاقتصادي و التراكم رأس المال يرتبطان طردياً بالكوارث، وعدم الاستقرار، والفناء.
فيما يلي ملخص للاتجاهات العامة التي تعكس هذه الصراعات في حركة النظام الرأسمالي:
في الصفحة 312 من كتاب رأس المال، المجلد 3، يذكر ماركس ثلاث حقائق عن النظام الرأسمالي للإنتاج:
* تركز وسائل الإنتاج في أيدي أقلية، على الرغم من أن هذه الوسائل تمتلك قوة إنتاجية اجتماعية. أي الملكية الخاصة لقوة اجتماعية - (كلما تطورت عملية الإنتاج، ازداد تعارضها مع إطار الملكية الخاصة.).
* تنظيم عملية العمل كعمل اجتماعي، وتقسيم العمل، وترابط عملية العمل مع العلوم الطبيعية.
* ظهور السوق العالمية.
* تركز رأس المال والفقر المدقع للطبقة العاملة / اشتداد الصراع الطبقي في المجتمع.
* استحالة الحفاظ على التوازن بين القطاعين الرئيسيين لرأس المال: 1. إنتاج وسائل الإنتاج، و 2. إنتاج السلع الاستهلاكية.
قانون انخفاض معدل الربح:
منذ آدم سميث، لاحظ الاقتصاديون الكلاسيكيون هذه الظاهرة المهمة وآثارها، وهي ظاهرة ميل معدل الربح إلى الانخفاض، وخلصوا إلى أن تراكم رأس المال سيستمر عاجلاً أم آجلاً، ثم يدخل المجتمع في حالة ركود. اهتم ماركس بالتحليل الكلاسيكي، محاولاً تقديم شرح أكثر تفصيلاً للظاهرة، وتوصل إلى استنتاج مختلف تماماً بشأنها. استبعد ماركس تماماً إمكانية بقاء الاقتصاد الرأسمالي في حالة ركود مطولة، إذ رأى على العكس من ذلك أن انخفاض معدل الربح سيخلق وضعاً خطيراً قابلاً للانفجار، بسبب عدم استخدام قوى الإنتاج، مما سيؤدي حتماً إلى انهيار النظام. يرد تحليل ماركس لهذا الموضوع في الفصول 13 و14 و15 من كتاب رأس المال الثالث. لكن إنجلز يوضح أن هذه الأجزاء الثلاثة مستمدة من مسودة كتبها ماركس، أو جزء كبير منها، بين عامي 1864 و1865، أي قبل كتابة الجزء الأول من رأس المال. وهذا يعني أن ماركس استطاع تكوين فكرة شاملة عن تناقضات الرأسمالية في فترة وجيزة.
في بداية الفصل الثالث عشر المذكور آنفًا، نجد دليلًا أوليًا على أن (قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض)، و أشار ماركس في كتابه "رأس المال" الى دور الآلات أو التكنولوجيا في الأزمة الرأسمالية، باعتبارها أحد أسباب قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض. يمكن تلخيصه على النحو التالي: يؤدي التقدم في تكنولوجيا الإنتاج إلى زيادة النسبة العضوية لهيكل رأس المال، أي نسبة رأس المال الثابت إلى رأس المال المتغير، مما يؤدي إلى ميل معدل الربح إلى الانخفاض.
في كتابه "الأسس"، صاغ ماركس (قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض) بصيغه مختلفة. الفقرة المطولة من كتابه "الأسس" أدناه، هي تحليل ماركس في "الأسس" حول مشاكل إنتاج فائض القيمة. ماركس يفسر فائض قيمة ناتج العمل المأجور، أي ناتج العمل الحي في عملية الإنتاج/نتاج العمل الإضافي للعمال؛ «رأس المال عمل ميّت، وهو كمصّاص الدماء، لا يعيش إلّا على امتصاص العمل الحيّ، ويزداد حيوية كلّما يرتشف المزيد». ـ ماركس، رأس المال، المجلد الأول: عملية إنتاج رأس المال، ص 297. ). اما في "الأسس"، يتنبأ ماركس بأزمة في استمرار نمط الإنتاج الرأسمالي، نتيجةً لعدم القدرة على مواصلة الإنتاج وتحقيق فائض القيمة، ويعود ذلك إلى سبب تطور التكنولوجيا والمعدات، مما يجعل وجود الطبقة العاملة في عملية الإنتاج والعمل الإضافي فيها غير مجدٍ لرأسمال.
( دور الآلات كشرط مادي للمجتمع الاشتراكي :
إن تبادل العمل الحي والعمل الموضوعي، أي تحديد العمل الاجتماعي في صورة التناقض بين رأس المال والعمل المأجور، هو آخر تطور لعلاقة القيمة والإنتاج القائم على القيمة. وشرطه الأساسي، وما زال، هو كمية وقت العمل المباشر، وكمية العمل المستخدم كعامل حاسم في إنتاج الثروة. ولكن بقدر ما تتطور الصناعة واسعة النطاق، فإن خلق الثروة الحقيقية يعتمد بشكل أقل على وقت العمل وكمية العمل المستخدم، وأكثر على قوة القوى التي تتحرك خلال وقت العمل والتي لا يرتبط تأثيرها بوقت العمل المباشر الذي تُكلفه عملية الإنتاج، بل يعتمد على المرحلة العامة لتطور العلم وتقدم التكنولوجيا، أو بعبارة أخرى، على تطبيق هذا العلم على الإنتاج... على العكس من ذلك، تتجلى الثروة الحقيقية - ويكشف عنها من خلال الصناعة واسعة النطاق - في التفاوت الهائل بين وقت العمل المستخدم وناتج الإنتاج، كما في التباين النوعي بين العمل المختزل إلى مجرد التجريد، وقوة عملية الإنتاج التي يشرف عليها العمل. لم يعد العمل يبدو محصورًا في عملية الإنتاج، إذ بات الإنسان يتعامل مع عملية الإنتاج نفسها كحارس ومنظم... لم يعد العامل هو من يُدخل الكائن الطبيعي المُعدَّل كوسيط بينه وبين الكائن، بل العملية الطبيعية هي التي يُحوِّلها إلى عملية صناعية ويُدخلها كوسيلة بينه وبين الطبيعة غير العضوية التي يستولي عليها. يقف على هامش عملية الإنتاج بدلًا من أن يكون فاعلها الرئيسي. في هذا التحول، لا العمل المباشر الذي يؤديه الإنسان بنفسه، ولا الوقت الذي يعمل فيه، بل استغلاله لقوته الإنتاجية العامة، ومعرفته بالطبيعة، وسيطرته عليها من خلال وجوده كعضو في المجتمع - باختصار، تنمية الفرد الاجتماعي - هو ما يظهر كحجر الزاوية للإنتاج والثروة. إن سرقة وقت العمل الأجنبي الذي تقوم عليه الثروة الحالية تبدو أساسًا واهيًا مقارنةً بهذا الأساس الجديد الذي أنشأته الصناعة واسعة النطاق نفسها. بمجرد أن يصبح العمل في لم يعد شكلها المباشر المصدر الرئيسي للثروة، ولم يعد وقت العمل بالضرورة مقياسًا لها، وبالتالي لم تعد القيمة التبادلية مقياسًا للقيمة الاستعمالية. لم يعد فائض عمل الكثيرين شرطًا لتنمية الثروة العامة، تمامًا كما لم يعد عدم عمل القليلين شرطًا لتنمية القدرات العقلية العامة. وهكذا ينهار الإنتاج القائم على القيمة التبادلية، وتكتسب عملية الإنتاج المادية المباشرة شكلًا غير ضروري ومتناقض. هذا يعني التطور الحر للأفراد، وبالتالي ليس تقليص وقت العمل اللازم لإفساح المجال لفائض العمل، بل تقليص العمل الضروري للمجتمع عمومًا إلى الحد الأدنى الذي يُمكّن من التعليم الفني والعلمي، وما إلى ذلك، للأفراد خلال الوقت المتاح لهم جميعًا ومن خلال الوسائل المُتاحة لهم.( - رومان روسدولسكي: تاريخ نشأة رأس المال 1968 / أرشيف الإنترنت الماركسي - القسم السويدي / - Roman Rosdolsky : Kapitalets tillkomsthistoria
1968/ Marxists Internet Archive - Svensk avdelning
أو مقارنة بالمصدر في( مقطع عن الآلات ـ كارل ماركس ـ من كتاب "الأسس" - The Fragment on Machines - Karl Marx – from The Grundrisse [706]
هذا هو الاستشراف التحليلي لكارل ماركس، والذي يتطابق تماماً وبأثر رجعي مع عصرنا الراهن؛ عصر الروبوتات، والتقنيات ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو، وما شابهها، أو أطروحات "أتمتة ما بعد الرأسمالية" (Post-Capitalism Automation). يتفق كبار الفلاسفة المعاصرين (مثل نيك سيرنيتشك وأليكس ويليامز) مع هذا الاستشراف التحليلي لماركس؛ حيث يَرون أن ماركس في هذا النص لم يكن يكتب لزمن الثورة الصناعية الأولى (بخار وفحم) في القرن التاسع عشر، بل كان يكتب مستقبلياً لزمن الذكاء الاصطناعي، والأتمتة الكاملة، واقتصاد المعرفة الرقمي في القرن الحادي والعشرين، حيت تتحول الآلة من أداة مساعدة للعامل إلى بنية مستقلة تُقصي العمل البشري المباشر وتجعل "وقت العمل" مقياساً بالياً للثروة.
الروبوتات وبطالة العمال :
يُقدّر تقريرٌ صادرٌ عن شركة ماكينزي عام 2017 حول توصيات الإدارة لعام 2030 أن الروبوتات ستحل محل العمال في ما بين 400 و800 مليون وظيفة، وتتوقع بعض التقارير أن حوالي 55% من الوظائف في المدن الأمريكية ستُستبدل بالروبوتات، وهناك العديد من هذه التقارير. لذا، لا عجب في قلق الناس على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، فهذه التقارير ليست أخبارًا سارة، وليست دعايةً شيوعية، بل إن معظمها تقاريرٌ صادرةٌ عن أجهزة تحقيق تابعة للبرجوازية.
يُطلق الباحثون في الشركات والكتاب البرجوازيين على هذه الدورة من تطور قوى الإنتاج اسم "الثورة التكنولوجية الرابعة". باختصار، هذه الثورة الجديدة، بقدر ما يُسمح لنا نحن عامة الناس بمعرفة أنواعها وأسرارها: ثورة التصنيع ثلاثي الأبعاد، وتكنولوجيا النانو، والأجهزة ذاتية الحركة "من السيارات إلى الطائرات المسيّرة"، وعلوم الطاقة الجديدة والمواد الخام، وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، والروبوتات المتطورة، ومئات الاختراعات الأخرى.
في كتابه "أربع احتمالات للمستقبل: الحياة بعد الرأسمالية"، يتوقع بيتر فرايز تكرار سيناريو "أنفال الخيول" بالنسبة للناشطين الغاضبين خارج أماكن العمل. يصف فرايز سيناريو مرعبًا للغاية يُسمى "الدمار"، متخيلًا كيف ستحل الروبوتات محل البشر في العمل، ويصبح البشر عبئًا إضافيًا على رأس المال الذي يجب عليه التخلص منه. يستشهد فرايز بدراسة الاقتصادي ويسلي ليونتيف، الذي بيّن كيف أنه في أوائل القرن العشرين في الولايات المتحدة، عندما دخلت الجرارات المصنّعة المزارع فبدات تعمل بدل الخيول، وانخفض عدد الخيول من 61 مليونًا إلى 3 ملايين فقط.
بسبب تطور التكنولوجيا، دخلت الرأسمالية في الأزمة التي تنبأ بها ماركس. أن أساس النظام الرأسمالي قائم على العلاقة بين "العمل ورأس المال"؛ أي أنه في عملية الإنتاج، يُنتج العمل المأجور فائض القيمة، ويحصل عليه رأس المال كربح بعد بيع سلعه، أي مبدأ الثروة الذي تُراكمه البرجوازية عن طريق استغلال العمل، لان القسم زائد من العمل العمال هو فائض القيمة، لكن المنافسة بين الرأسماليين يُجبر على استخدام التكنولوجيا، ونتيجة لذلك، يُستبعد العمال من عملية الإنتاج، ونتيجة لهذه العملية، يتم إنخفاض الركن الأساسي للنظام الرأسمالي، وهو إنتاج فائض القيمة، وهذا هو السبب الجذري لأزماتها.
عالم اليوم رأسمالي؛ وبالتالي، فإن الصراع الأساسي والرئيسي يكمن في النظام الاقتصادي لهذا العالم؛ إنه الصراع بين "العمل ورأس المال". هذا الصراع الموضوعي على المستوى الطبقي هو الصراع بين الطبقة العاملة والبورجوازية. الصراع الطبقي مسألة يومية ومستمرة حول حصة كل طبقة من إجمالي الثروة المنتجة للمجتمع البشري. تخوض الطبقة العاملة حربًا متعددة الأوجه مع البرجوازية للمطالبة بحصة أكبر من إجمالي الثروة، ولتحسين مستوى معيشتها ومعيشة أسرها وأطفالها؛ إنه أشبه بالإضرابات المدنية العلنية، والاحتجاجات السرية، والتفجيرات، ونزع السلاح، والحرب بين السلطات ومؤسسات السلطة البرجوازية. لكن هذا ليس الصراع الوحيد في عالمنا. بل في العالم الرأسمالي، يُعد استغلال قطاعات رأس المال لحصة الثروة والسلطة للاستحواذ على الجزء الأكبر من فائض القيمة المنتجة، بمثابة صراع حرب بين قطاعات رأس المال. ينتقل الإنتاج بين الشركات والدول التي تنظم نفسها فيها. لذا، لفهم العالم الرأسمالي اليوم بشكل أفضل، يجب أن نناقش خصائص التاريخ المعاصر التي يسميها الاقتصاديون الماركسيون الرأسمالية النيوليبرالية/أو الرأسمالية الوحشية، "وهي تسمية أكثر قبولًا". لذا سأنتقل لمناقشة منافسات و صراعات بين الاقسام و قطاعات رأس المال، لأنه إذا أراد المرء أن يقرأ عن صراع "العمل ورأس المال" وقوانينه، فمن الأفضل قراءة كتاب رأس المال أو أي تحفة أخرى من روائع الماركسيين الآخرين في هذا الموضوع.
يتفرع كل قطاع من قطاعات رأس المال إلى فروع بنيوية متعددة؛ فعلى سبيل المثال، ينقسم رأس المال الصناعي إلى: أولاً، صناعة السلع الاستهلاكية والغذائية. ثانياً، التصنيع العسكري. ثالثاً، صناعة وسائل الإنتاج (الآلات والمعدات الثقيلة). رابعاً، الصناعات الدوائية. خامساً، رأس مال قطاع الطاقة. وعلى النحو ذاته، يتوزع رأس مال قطاع الخدمات على: أولاً، رأس المال المستثمَر في قطاعات المرافق العامة (المياه، الكهرباء، والاتصالات). ثانياً، رأس المال العامل في مجالات الفندقة، المطاعم، والسياحة. ثالثاً، رأس المال النشط في قطاعات النقل البري، البحري، والجوي. ومن خلال هذه المقاربة المنهجية، يغدو بمقدورنا تصنيف وتحديد كافة قطاعات رأس المال.""وانطلاقاً من هذا التحديد البنيوي، يبرز السؤال الجوهري الذي تشتق منه هذه الدراسة فرضيتها: ما هي طبيعة الصراع الكامن بين هذه الأجزاء المكوّنة لرأس المال؟ وما هو الدور الذي يؤديه هذا الصراع في توجيه السياسي والأيديولوجي (الفكري)؟.
لقد برهن كارل ماركس تفصيلياً على أن رأس المال ) كأي ظاهرة مادية أو كائن حي ( ينطوي على وحدة داخلية وصراع ذاتي في آن واحد. فجميع قطاعات رأس المال تشترك في تشغيل العمالة لإنتاج فائض القيمة، بينما ينفق العمال أجورهم في استهلاك السلع المعروضة. ومن هنا، يمتلك رأس المال وحدة عضوية تربط أجزاءه؛ فقِطاع إنتاج وسائل الإنتاج يبيع معداته لقطاع إنتاج السلع الاستهلاكية، بينما يضطلع الرأس المال المصرفي (البنكي) بتمويل وتسهيل الائتمان لكافة القطاعات، في حين يتولى قطاع النقل شحن البضائع إلى رأس المال التجاري الذي يقوم بدور التوزيع والتدوير في السوق.""إن جميع هذه القطاعات الرأسمالية تطرح سلعها في السوق بغرض التحقق المالي لفائض القيمة ونيل الربح، والذي يُعاد توزيعه بينها كمتوسط ربح عام وفقاً لحجم النشاط ومعدل العضوية لرأس المال. بيد أنه لضمان استمرار تدوير هذه السلع واستهلاكها، يستلزم الأمر حيازة العمال والفئات الاجتماعية لقدرة شرائية مستدامة تتيح لقطاعات رأس المال مواصلة الإنتاج دون انقطاع. وهكذا، تمضي عملية إعادة الإنتاج في دورة حلزونية مستمرة، إلى أن تتكشف مشكلتان موضوعتان بنيويتان تؤديان إلى كبح هذه العملية وتعطيلها، إما جزئياً أو بصفة مؤقتة. تتمثل المشكلة الأولى في الصراع العام الناشئ بين قطاعات رأس المال ضمن صيرورة الإنتاج ذاتها؛ إذ يتطور رأس المال بشكل مطرد عبر التحديث المستمر لأدوات الإنتاج وتجديد أساليبه البنيوية، حيث تحل الآلات الحديثة محل القديمة على نحو دائم. بيد أن هذه الابتكارات التقنية تؤدي بنيوياً إلى تقليص قوة العمل الحية المطلوبة، مما يفضي إلى تسريح جماعي للعمالة وتوسيع رقعة الجيش الصناعي الاحتياطى (البطالة)، فضلاً عن الاتجاه العام نحو خفض الأجور الإجمالية. وينعكس هذا التراجع، بالضرورة، سلباً على القدرة الشرائية الكلية للمجتمع، مما يتسبب في ركود السلع بالأسواق وعجزها عن التحقق المالي (البيع)، وهو ما يؤدي بدوره إلى كبح دورة إعادة الإنتاج أو إبطائها، معلناً بذلك نقطة الانطلاق لأزمة اقتصادية دورية. وعلى الرغم من شيوع تسمية هذه الظاهرة بـ(أزمة نقص الاستهلاك وفائض الإنتاج) إلا أن ماركس يُفككها باعتبارها مجرد تجلٍ عَرَضي للمشكلة الأعمق المتمثلة في (قانون الميل النزولي لمعدل الربح). أما الشق الثاني من الأزمة البنيوية لقطاعات رأس المال، فيتجلى في الصراع التنافسي المحموم فيما بينها للاستحواذ على حصص السوق. فبينما يسعى رأس المال المستثمر في قطاعي السلع المدنية والخدمات الاستهلاكية إلى توفير بيئة سلمية، مستقرة ومزدهرة تضمن التدوير الأمثل لبضائعه وتحقيق معدلات ربحه؛ يجد رأس المال الناشط في القطاعين العسكري والطبي (الدوائي) شروط تحققه وازدهاره في مناخات الفوضى، والحروب، والنزاعات، والأوبئة. ففي ظل مناخ من السلم والرفاه، يتنامى إقبال الأفراد على اقتناء الملابس، والإلكترونيات، والسيارات، والأجهزة المنزلية، وتنشط حركة ارتياد المطاعم، وتتدفق الوفود السياحية نحو الفنادق، مما ينعش رأس المال المدني، بينما يصاب سوق السلاح والدواء بالركود والكساد. وعلى النقيض من ذلك تماماً، يمر سوق السلع المدنية والسياحية بأزمة خانقة إبان اندلاع الحروب، والمجاعات، والأزمات الصحية، وهي البيئة ذاتها التي تشهد الطفرة القصوى لرأس المال العامل في التصنيع العسكري والصناعات الدوائية؛ حيث تعمل مصانعها بطاقتها الإنتاجية الكاملة (وفق نظام الورديات المتعددة) دون أن تفي بحجم الطلب الهائل في السوق. ففي أوقات الحروب، والإرهاب، وتفشي الأوبئة، يضطر الأفراد إلى توجيه مدخراتهم الشحيحة وتخصيصها لمواجهة هذه الظروف العصيبة والبقاء على قيد الحياة، عازفين تماماً عن التفكير في السفر، أو تجديد الأثاث المنزلي، أو اقتناء مركبات جديدة.
خلاصة القول، إن الصراعات المحتدمة بين قطاعات رأس المال (القطاع المصرفي، الطاقة، المجمع الصناعي العسكري، التكنولوجيا الذكية والمدنية، الخدمات، والسياحة، وغيرها) على المستويين الوطني والدولي، ما هي إلا صراعات بين أجنحة الطبقة البرجوازية، حيث يشكل السعي وراء معدلات الربح المحرك الأساسي لمجرى الأحداث العالمية. وبفعل تراجع وهشاشة الحركة الاشتراكية المعاصرة، أزيح التناقض البنيوي الرئيسي المتمثل في ” الصراع بين العمل ورأس المال ”، لتتصدر المشهد صراعات الأجنحة البرجوازية البينية، مما غدا عقبة كأداء أمام تبلور حركة مستقلة للطبقة العاملة. وللوقوف على تجليات هذا التوصيف، يكفي تتبع مآلات الربيع العربى، والمنعطفات السياسية الأخيرة في السودان وكازاخستان، فضلاً عن الموجات الاحتجاجية والإضرابات العمالية التي شهدتها أوروبا والولايات المتحدة مؤخراً. واليوم، وفي سياق الأزمة البنيوية الحادة للاقتصاد العالمي والصراع الاستراتيجي المحتدم الذي تخوضه الولايات المتحدة ضد روسيا والصين، تصارع واشنطن للإبقاء على هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ونظامها أحادي القطب. وتكتسب خطوط الإمداد والتبادل التجاري الموجهة نحو إسرائيل عبر الهند، ولا سيما موانئ غزة، أهمية جيو اقتصادية قصوى في هذا السياق، لكونها تستهدف مباشرة تقويض وتطويق مشروع طريق الحرير الجديد (مبادرة الحزام والطريق) الصيني. إن تقاطع هذه المصالح الحيوية هو ما يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إبداء جهوزية تامة لإبادة ملايين المدنيين في قطاع غزة، بل والتضحية بشعوب بأكملها في الشرق الأوسط، وتأطيرهم مجرد ضحايا أو خسائر جانبية لحرب تفرضها الأقدار السياسية. وبالتأكيد، لا ينفرد الغرب بانتهاج هذه الديناميكية؛ فإيران وروسيا والصين تسعى على النحو ذاته إلى تعظيم مصالحها الاقتصادية و الجيوسياسية عبر أدوات السياسة والحرب. وفي ظل هذا العالم الرأسمالي المازوم، والمحكوم بأنظمة تتسم بالفساد البنيوي، والنهب، والنزعات العنيفة، يصبح التعويل على خيارات الإصلاح أو انتظار التحسين التدريجي ضرباً من الأوهام.
قراءة في المفهوم الماركسي للبربرية
لطالما شكّلت الرؤية الماركسية حول البربرية الرأسمالية محوراً لمناقشات أكاديمية محتدمة على مدار عقود، أسفرت عن نتاج واسع من المؤلفات والدراسات التخصصية. ومع ذلك، يظل رصد هذه الأدبيات في المكتبة الكردية أمراً غير معلوم الدقة؛ نظراً لكون أطروحة البربرية الرأسمالية بقيت في الغالب حكراً على الدوائر النخبوية الأكاديمية، ولم تتحول إلى مادة سجال في الفضاء العام. وباستثناء المقاربات التفصيلية اللاحقة، فقد أسس كارل ماركس وفريدريك انجلز لهذا المفهوم باقتضاب شديد عبر أسطر معدودة في البيان الشيوعى، حيث قدّم ماركس تحليلاً مكثفاً لطبيعة الأزمات الدورية البنيوية للاقتصاد الرأسمالي، مسلطاً الضوء على الكيفية التي ينقاد بها المجتمع كلياً تحت وطأة المشهد البربري. إن ما يشهده العالم المعاصر اليوم من مجاعات وحشية، وموجات عنف، واقتتال مستمر، وما يلوح في أفق الغد من صراعات متفاقمة في أوكرانيا وغزة وجبهات أخرى، لا يخرج عن كونه تجسيداً واقعياً وملموساً لتلك اللوحة التنبؤية التي رسمها ماركس للمجتمع الرأسمالي مأزوم البنية، حيث ورد في البيان:( يكفي ذكر الأزمات التجارية التي تهدد بصفة دورية، وبشكل أكثر خطورة، وجود المجتمع البرجوازي بأسره. ففي هذه الأزمات، يُباد بانتظام جزء كبير لا من المنتجات المصنوعة فحسب، بل من القوى المنتجة القائمة تدميراً عمداً. وفي هذه الأزمات، يتفشى وباء اجتماعي كان سيبدو في جميع العهود السابقة بمثابة أحجية، وهو وباء فائض الإنتاج. إن المجتمع يجد نفسه فجأة وقد رُدَّ إلى حالة من البربرية المؤقتة؛ فكأن مجاعة أو حرب إبادة شاملة قد قطعت عنه وسائل العيش كافة، وبدت الصناعة والتجارة كأنهما قد أُبيدتا؛ فما السبب في كل ذلك؟ لأن المجتمع يملك قَدراً زائداً من الرفاه، وقَدراً زائداً من وسائل العيش، وقَدراً زائداً من الصناعة، وقَدراً زائداً من التجارة).
يتناول ماركس تجليات التطور في المجتمع الرأسمالي عبر ثنائية التضخم الوظيفي؛ إذ يتحدث عن: فرط في المدنيّة، وفرط في وسائل العيش، وفرط في الصناعة، وفرط في التجارة. فالمجتمع الرأسمالي يولد ثروات هائلة تُفضي بنيوياً إلى أزمات فائض الإنتاج (Overproduction)؛ غير أن تركز رأس المال وعلاقات الملكية الخاصة في أيدي طغمة برجوازية صغيرة يحول هذا الفائض الذاتي إلى صاعق تفجير لأزمات دورية خانقة. ومن هنا، تدفع الحروب وحروب الإبادة الجماعية بالمجتمع القهقرى، ليرتد المجتمع الرأسمالي المأزوم إلى غياهب البربرية المنتمية للتاريخ البشري الغابر؛ حيث يجد المجتمع نفسه فجأةً وقد رُدَّ إلى حالة من البربرية المؤقتة. ففي لحظات الأزمات الاقتصادية البنيوية، تتعطل أو تتلاشى العقلانية الإجرائية، والمنظومات الأخلاقية، وقيم التسامح، والحرية المنبثقة عن الحضارة البرجوازية؛ لينزلق المجتمع مجدداً نحو دوامة الهمجية المتجسدة في الاعقلانية، والعنف العاري، والاستبداد. وتتكشف عندئذٍ شعارات الإنسانية، وحرية التعبير، وحقوق الأقليات، بوصفها مجرد أوهام أيديولوجية صيغت لخدمة الهيمنة الطبقية البرجوازية.
البربرية: البُعد المـُغيب في النظرية الماركسية
إن مفهوم البربرية أو ما أسماه ماركس ( دمامل أو بثور الحضارة الرأسمالية ) يُمثل واحدة من أدق الأطروحات النظرية في متنه الفكري. ومع ذلك، فقد تعرض هذا المفهوم لإهمال وتغييب متعمدين من قِبل الأحزاب الشيوعية التقليدية، لاسيما في حقبة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن قضايا محورية أخرى كالأطروحات حول ” الإمبريالية و الثورة الاشتراكية ”. وفي المقابل، حظيت مفهوم البربرية بعناية بالغة داخل الأروقة الأكاديمية والجامعية، وإن ظل تداولها حبيس القراءات النظرية الصرفة، دون الانعطاف بها نحو استخلاص نتائج عملية توجه الممارسة السياسية والخطاب النضالي الاشتراكي. إن مفهوم الحضارة أو المدنيّة (Civilization) يُمثل في جوهره مصفوفة القيم، والأخلاق، والمعايير الإنسانية التي يتبناها المجتمع داخلياً وفي علاقاته البينية مع المجتمعات الأخرى. غير أن تطور التشكيلات الاجتماعية البشرية في جوانبها المادية (وسائل الإنتاج والعلاقات الطبقية) هو ما يحدد معالم هذه الحضارة. وعليه، فإن المظهر العام للمجتمع ينقسم إلى شقين: شق روحي وأخلاقي قيمي (يندرج في البنية الفوقية)، وشق مادي بنيوي يُمثل البنية التحتية (Infrastructure). ومن خلال تعمقه في تشريح الاقتصاد السياسي، استخدم ماركس علمياً بمفهوم ” نمط الإنتاج الرأسمالي” لتفكيك بنية هذه الحضارة، و” مفهوم علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج” لتفسير حركية البنية التحتية. لقد أولى ماركس اهتماماً أنطولوجياً بالغاً بدراسة الكائن البشري في شروطه الطبيعية والأنثروبولوجية. ويتجلى هذا الشغف في عودته المبكرة للدراسات الإثنولوجية في شبابه ضمن ما يُعرف بـ( دفاتر بون Bonn Notebooks )، وصولاً إلى أواخر حياته في مخطوطاته الشهيرة المعروفة بـ( الدفاتر الإثنولوجية لكارل ماركس - The Ethnological Notebooks of Karl Marx ). وجدير بالذكر أن ماركس قد ترك خلفه تركة ضخمة من الدفاتر والمخطوطات البحثية، ويُمثل هذان الدفتران على وجه الخصوص وثيقتين حاسمتين لتقصي قراءاته المعمقة في علم الإثنولوجيا وتطور المجتمعات البدائية.
وتُمثل المخطوطات والمسوّدات الإثنولوجية غير المنشورة لكارل ماركس، والتي صاغها في أواخر حياته بين عامي 1880 و1882، واحدة من أهم الحلقات الفكرية في متنه؛ إذ تضمنت قراءاته النقدية المعمقة لأعمال كبار علماء الأنثروبولوجيا والقانون، مثل لويس هنري مورغان، والسير هنري سومنر مين، والسير جون لوبوك. وعلى الرغم من أن الموت عاجل ماركس قبل أن يحول هذه الملاحظات الكثيفة إلى مؤلفات أو مقالات منشورة، إلا أن اكتشافها لاحقاً فتح آفاقاً سجالية جديدة؛ حيث جرى تداولها وتطويرها بدايةً ضمن المراسلات والمناقشات الفلسفية مع الفيلسوف الماركسي كارل كورش بين عامي 1947 و1953، تلا ذلك الدور المحوري الذي اضطلع به ” المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي” في أمستردام، وتحت إشراف مديره البروفيسور الدكتور دي يونغ، لإدارة هذه النصوص وتحقيقها علمياً ونشرها في كتاب مستقِل. ويُستدل من هذه المسيرة الفكرية أن اهتمام ماركس إهتمام ماركس بدراسات الأنثروبولوجيا لم يكن عَرَضاً؛ بل شكّل هاجساً معرفياً واكبه منذ شبابه الأكاديمي وعاد إليه في أخريات عمره. لقد تميز ماركس بكينونته كعالمٍ ثوري راديكالي؛ فبالرغم من تعمقه في الفلسفة الهيغلية، إلا أنه رفض المضامين الثيولوجية (الدينية) عند هيجل، وقام بـ" تفكيك جدليته" وقلبها رأساً على عقب لتقوم على المادية. وعلى المنوال ذاته، شرّح الاقتصاد السياسي الكلاسيكي عند آدم سميث وديفيد ريكاردو، وعاد ليدرس مجدداً، ليخلص في نهاية المطاف إلى أن التطور البنيوي للنظام الرأسمالي لا يقود إلى التقدم المحض، بل ينتج بصفة حتمية ثنائية متناقضة تجمع بين ذروة الحضارة وقاع البربرية . إن هذا النمط البنيوي من أبحاث ماركس ونظريته النقدية تجاه الرأسمالية يختلف اختلافاً جذرياً وفلسفياً عن طروحات (اليسار المؤيد للغرب) أو تيارات اليسار الجديد التي تماهت مع أيديولوجيا الحداثة الليبرالية. ففي المجلد الثالث من كتاب رأس المال، يفكك ماركس هذه البنية الاستغلالية مشيراً إلى أن ما تدّعيه البرجوازية كـ"عصر ذهبي لدورات رأس المال "، لا يخرج في جوهره عن كونه معادلة قهرية توضع فيها الطبقة العاملة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الموت غرقاً في غياهب الفقر والجوع، أو القبول ببيع قوة عملها لقاء أجور زهيدة تقع تحت الحد الأدنى لإعادة إنتاج الحياة البشريّة. يكشف ماركس من خلال هذا التحليل الصارم أن الدورة الذهبية لعصر تراكم رأس المال ما هي إلا دورة قسوة ممنهجة تُمارس ضد البروليتاريا؛ ومن ثم، يشهد المجتمع الرأسمالي ظاهرتين متناقضتين ودورتين متزامنتين في آن واحد: فبقدر ما يتراكم رأس المال وتتضخم الثروة وتتطور التكنولوجيا في عصرنا الراهن، بقدر ما نعيش واقعياً تحت وطأة نمط رأسمالي متوحش (Wild Capitalism) يُعيد إنتاج البربرية والهمجية بأدوات حداثية.
في فصوله الشهيرة حول ( التراكم الأولي لرأس المال- Primitive Accumulation )، يُشرِّح كارل ماركس تفصيلياً الآليات البنيوية التي رافقت بزوغ النظام الرأسمالي؛ من ظهور وسائل النقل والاتصال الحديثة، وارتياد الأسواق العالمية الجديدة، والاكتشافات الجغرافية الكبرى، إلى نشوء جهاز الدولة الحديثة، وتنامي المنظومات المصرفية والائتمانية، وتأسيس الشركات الاستعمارية الاحتكارية العابرة للقارات، وتوجيه الاستثمارات المتنوعة نحو تملك الأراضي، وفرض السياسات الحمائية على التجارة الخارجية. وهي صيرورة تاريخية عنيفة أدت "في جوهرها" إلى نزع ملكية المنتجين المباشرين في الريف والمدينة على حد سواء، وتجريدهم قسراً من وسائل إنتاجهم وعيشهم، لتحويلهم إلى طبقة بروليتاريا لا تملك سوى بيع قوة عملها. ويصف ماركس حقبة التراكم الأولي هذه بأنها كانت لحظة وحشية بامتياز في تاريخ البشرية، مؤكداً أن ( رأس المال كان، منذ نشأته الأولى، يُريق الدماء ويئن تحت وطأة الديون )؛ وفي ختام المجلد الأول من كتاب رأس المال ، يوظف ماركس واحدة من أقوى أدواته البلاغية والنقدية لتلخيص هذا التحول التاريخي الدامي، حيث يقتبس ويثبت مقولته الشهيرة:"(إذا كان المال - وفقاً لـ ماري بيكول"يأتي إلى العالم وبقعة دم طبيعية على إحدى وجنتيه"، فإن رأس المال يأتي إلى الوجود وهو يقطر دماً وقذارة، من الرأس حتى أخمص القدمين، ومن كل مسامه). وإذا كانت القسوة والاضطهاد سمة بنيوية مشتركة تجمع بين كافة المجتمعات الطبقية التاريخية، فإن لكل تشكيلة اجتماعية واقتصادية أسبابها الخاصة وأدواتها المحددة لممارسة العنف وإيقاع الإبادات الجماعية. وفي المحصلة، فإننا لا نزال نعيش في طور( تاريخ الهمجية وقانون الغاب )، ولن يبدأ التاريخ الإنساني الحقيقي والفعلي إلا عندما يوضع حدٌّ للتقسيم الطبقي للمجتمع ويُقضى على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
بربرية في ثوب الحضار
(ما من وثيقة حضارية إلا وهي، في الوقت ذاته، وثيقة بربرية) — والتر بنيامين
في مقال رأي نُشر بصحيفة واشنطن بوست، كتب الرئيس الأمريكي جو بايدن:( إن الصراعات الدائرة حول أوكرانيا وإسرائيل ستفضي إلى تحقيق تقدم لفائدة الولايات المتحدة ... لن تتراجع الولايات المتحدة أمام تحدي بوتين وحماس ). ومن خلال هذا المنظور التحليلي، يُنظر إلى هذه الإستراتيجيات ضمن سياق الحروب الرأسمالية الغربية بوصفها محاولة لتحقيق مكاسب للمشروع الأمريكي، وهو ما يثير تساؤلات نقدية حول مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان في مناطق النزاع مثل غزة. إن هذا التناقض يعيد إلى الأذهان (ديمقراطية نظام العبودية ) في عهد الإمبراطورية الرومانية الغابرة، حيث تتمايز مستويات الحقوق والسيادة بناءً على موازين القوى. تتجلى مقولة الفيلسوف والتر بنيامين هنا بسياقها النقدي: (ما من وثيقة حضارية إلا وهي، في الوقت ذاته, وثيقة بربرية). ومثلما صيغت هذه الأطروحة لتفكيك بنية العالم الرأسمالي إبان الحرب العالمية الثانية، فإن القراءات النقدية المعاصرة ترى أن الفضاء الرأسمالي الحالي يمر بمراحل مشابهة، حيث يترافق السعي لإثبات " التحضر والديمقراطية " مع ممارسات تعكس العنف البنيوي. وإضافةً إلى إسهامات ماركس و إنجلز التأسيسية حول هذا المفهوم، صاغت النظرية روزا لوكسمبورغ في (كراسة جوليوس) قراءتها الإستراتيجية قائلةً:( لقد أشار فريدريك أنجلس ذات مرة إلى أن المجتمع البرجوازي يقف أمام مفترق طرق: إما الانتقال إلى الاشتراكية أو الارتداد إلى البربرية. ولكن، ماذا يعني "الارتداد إلى البربرية" بالنسبة لحضارتنا الأوروبية الرفيعة؟ إن اللحظة الراهنة تكشف لنا ما عناه ارتداد المجتمع البرجوازي إلى البربرية؛ إذ يؤدي انتصار الإمبريالية إلى تقويض ركائز الحضارة. وهذا تحديداً ما تنبأ به أنجلس قبل جيل كامل: إما انتصار الإمبريالية ومن ثم انهيار وتدمير الحضارة بأسرها، كما حدث في روما القديمة عبر الخراب الشامل، أو انتصار الاشتراكية المتمثل في النضال الواعي والفعّال للبروليتاريا العالمية ضد الإمبريالية). وفي السياق ذاته، أصدر المفكر إرنست ماندل عام 1993 دراسته المعنونة بـ " الاشتراكية أم البربرية عند عتبة القرن الحادي والعشرين؟". وتُمثل هذه الإسهامات نماذج نظرية قاربت هذا الإشكال. وقد شهد السجال الأكاديمي حول هذا المفهوم نقاشات واسعة في أعقاب حرب العراق، حيث عاد الباحثون لتشريح آليات العنف الدولي. سؤال واستنتاج: هل غدت الرأسمالية بربرية في عصرنا الراهن؟. إن الإجابة التي تشتقها الدراسات النقدية من واقع الاقتصاد السياسي تشير إلى أن الممارسات البربرية ليست مجرد ( حالة طارئة ) بل هي نتاج بنيوي لإعادة الإنتاج؛ إذ ترى هذه المقاربات أن المنظومة المعولمة قد تخلت في بعض محطاتها عن الأطر الأيديولوجية المتمثلة في العقلانية وحقوق الإنسان، لتكشف عن نمط من العنف العاري في مناطق النزاعات الدولية المختلفة، محولةً الأزمات والدمار إلى هوامش لتصريف التناقضات الاقتصادية. في ظل الرأسمالية المعولمة، لم تعد الهمجية تصدر عن ( قوى الارهابية خارجة عن القانون) بل تصدر عن ” البربرية الحديثة ” مؤسسات دولية ودول حديثة تمتلك أحدث وسائل الدمار التكنولوجي، وتبرر سياساتها التوسعية أو التقشفية باسم الديمقراطيه، أو السوق الحز، أو الضرورات الجيوسياسية.
تفكيك سردية الحديقة والغابة:
المركزية الأوروبية والارتداد البربري؛ يُمثل التصريح الشهير لمنسق السياسة الخارجية الأوروبية الأسبق، جوزيب بوريل، والذي شبّه فيه أوروبا بـ( الحديقة الغنّاء وما سواها بـ الغابة )، امتداداً بنيوياً لأطروحات المركزية الأوروبية (Eurocentrism) الكلاسيكية؛ وهي سردية تفترض حصريّة العقلانية، والليبرالية، والرفاه للقارة العجوز، في مقابل وصم الفضاءات الحضارية الأخرى بقانون الغاب والعنف العاري. بيد أن التطورات العاصفة في المشهد الدولي تفكك هذه الادعاءات؛ إذ تكشف الأبحاث النقدية أن الحديقة المفترضة لم تُشيّد معالمها إلا عبر استنزاف ثروات الغابة إبان الحقبة الاستعمارية وتكريس آليات التبادل غير المتكافئ. واليوم، يتهاوى هذا الضباب الأيديولوجي لتتكشف أوروبا عن فضاء مأزوم؛ وما الصعود المتسارع لتيارات اليمين المتطرف والنزعات الشعبوية العنيفة إلا دليلاً ملموساً على ذلك. ففي هولندا على سبيل المثال، خاض اليمين المتطرف بزعامة خيرت فيلدرز معارك سياسية شرسة متبنياً خطاباً إقصائياً قائماً على حماية الهوية القومية وترحيل المهاجرين، مما أدخل البلاد في حالة من عدم الاستقرار السياسي وعجّل بانهيار الائتلافات الحكومية القائمة على ملف الهجرة. وفي المقابل، تتبدى أجنحة البرجوازية الليبرالية الجديدة والممثلة في أقطاب التكنولوجيا الذكية والمجتمع المدني عاجزةً عن كبح جماح هذا المد المحافظ؛ إذ يظل صوت الليبرالية الثقافية خافتاً وهشّاً أمام اندفاعة القوى اليمينية، رغم كونه يُمثل القطاع الأكثر تقدماً في بنية رأس المال المعاصر. إن هذا النفوذ المتنامي لليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، ونجاحه في استقطاب أجزاء واسعة من الطبقتين العاملة والمتوسطة عبر دغدغة مشاعر الخوف الوجودي، يُمثل ارتداداً بربرياً هائجاً يعيد إلى الأذهان صعود الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية في ثلاثينيات القرن المنصرم. وتؤكد الشواهد التاريخية الدور الحاسم للأزمات الاقتصادية في تغذية هذه الحركات الشمولية؛ فخلال الكساد الكبير (1929-1930) الذي أعقب انهيار بورصة وول ستريت (الخميس الأسود)، تهاوت أركان الاستقرار الاجتماعي. ولم يحصد الحزب النازي في انتخابات ألمانيا عام 1928 سوى 2.6% من الأصوات، وهو ما عَنَى رفضاً شبه مطلق من المجتمع الألماني؛ غير أنه ومع تفاقم أزمة فائض الإنتاج والبطالة المليونية، قفزت النسبة إلى 33% في انتخابات عام 1932، ليتولى هتلر المستشارية بعد عام واحد بدعم مباشر من البرجوازية الخائفة والمحافظين لضرب المد الشيوعي والعمالي.
العالم عند منعطف تاريخي: أفول الهيمنة الإمبراطورية وسيناريوهات الكارثية
لطالما شكّلت حقبات انهيار الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ القديم لحظات محفوفة بالمخاطر والكوارث الإنسانية؛ إذ يزخر التاريخ الغابر بشواهد المجازر والاضطرابات الجسيمة التي واكبت تداعي إمبراطوريات بابل، ومصر الفرعونية، وروما العظمى. وفي تاريخنا الحديث، عاصرت الأجيال السابقة مرحلة انحسار الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية وعلى رأسها الإمبراطورية البريطانية، وهي الحقبة الانتقالية العنيفة التي اندلعت في خضمّها الحرب العالمية الثانية موديةً بحياة الملايين. بيد أن جيلنا المعاصر يشهد راهناً دورة الأفول البنيوي للإمبراطورية الأمريكية؛ حيث تُواجه الهيمنة الأمريكية مأزقاً تاريخياً حرجاً في مرحلة انحدارها، يتأرجح بين خيارين: إما الانسحاب العقلاني المنظم وإعادة التموضع الاستراتيجي، والانكفاء التدريجي نحو الحدود القارية لتتحول أمريكا إلى قوة دولية كبرى ضمن نظام متعدد الأقطاب؛ أو أن ينقاد القرار السياسي تحت وطأة جناح الاعقلانية البرجوازية شوفينية القوة، مدفوعاً بأوهام التفوق الاقتصادي والعسكري المطلق، مما سيقود حتماً إلى كارثة محققة للولايات المتحدة والعالم على حد سواء. ويقدّم لنا التاريخ القريب نموذجاً مغايراً؛ ففي ثمانينيات القرن المنصرم، وبينما كان نجم الاتحاد السوفيتي كقطب عالمي آخذاً في الأفول، تمكّن جناح إصلاحي (بيريسترويكا وغورباتشوف) من إدارة مرحلة الانتقال بنجاح، محولاً البنية الاقتصادية من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية السوق الحرة، ومفككاً القطبية الثنائية ليتراجع إلى موقع القوة الإقليمية الكبرى دون الانزلاق نحو حروب عالمية تدميرية. وعلى نحو موازٍ، سعى التيار الترامبي في الولايات المتحدة لسنوات إلى تبني مقاربة انعزالية ترفع شعار أمريكا أولاً ، متجنباً ما اعتبره خطايا إستراتيجية للإدارات السابقة ( بوش وأوباما) عبر البحار. وحاول هذا الجناح توظيف القدرات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لفرض توازن قوى غير مباشر، بهدف تحصين الداخل وسد الثغرات البنيوية للاقتصاد الأمريكي، مع التركيز على الاحتواء الجيو-اقتصادي للصين والانسحاب من بؤر الاستنزاف التقليدية ( كأفغانستان والعراق وسوريا ). ومع ذلك، يظل هذا الجناح الشعبوي اليميني خياراً مأزوماً وغير موثوق في عصر العولمة الرأسمالية المتشابكة، كونه يعيد إنتاج سياسات العزلة التاريخية ( كمبدأ مونرو ) في غير سياقها الراهن. وحتى اللحظة، لا تزال التوجهات العامة في البيت الأبيض خاضعة لهيمنة الجناح البرجوازي غير العقلاني، المحكوم بنزعة الاستعلاء والمغامرة، والإيمان المطلق بإمكانية تطويع الأزمات الاقتصادية والسياسية عبر القوة العسكرية العارية؛ وهو المسار الكارثي الذي يقود نحو الانهيار الشامل. ومن خلال هذه المقاربة التحليلية، نخلص إلى استنتاج موضوعي مفاده: أن خريف الهيمنة الأمريكية بات مثقلاً بنذر الكوارث والبربرية، ليس على المنظومة الغربية فحسب، بل على البشرية جمعاء.
الخاتمة
المشهد الإمبراطوري المعاصر وسقوط الأقنعة التنويرية
تتجلى عبر خطابات قادة المحاور الدولية والإقليمية المعاصرة ( أمثال ترامب وبوتين ونتنياهو وخامنئي ونظرائهم ) ملامح النزعة العسكرية التوسعية، والتلويح الممنهج بالاستخدام الإستراتيجي لأسلحة دمار فتاكة، بوصفها أدوات قسرية رامية إلى فرض التموضع الجيوسياسي وتحقيق مآربهم الاقتصادية والسياسية. إنها العقلانية الأداتية في أوج توحشها، حيث يُقاس التفوق بقدرة الآلة الحربية على تحويل الحواضر الحية إلى ركام. ويثبت التاريخ، في دورتيه القديمة والحديثة، أن تداعي الإمبراطوريات العظيمة وانهيارها لم يكن يوماً حدثاً معزولاً، بل نتاج تقاطع بنيوي بين الأزمات الاقتصادية الخانقة، والانقسامات الطبقية والسياسية الداخلية، ومغامرات الحروب الخارجية المنهِكة. وفي هذا السياق، لابد أن نتذكر المؤرخ والفيلسوف الرواقي القديم بوسيدونيوس (135 ق.م. - 51 ق.م.) وأطروحته النقدية الصارمة قائلاً: ( إن فضائل روما قد أُبيدت وانتهكت في اللحظة ذاتها التي سحقت فيها التحدي القرطاجي للسيادة الرومانية). لقد كانت الفضائل الرومانية تُقدّم أيديولوجياً بوصفها مرادفاً للحضارة والمدنيّة في مواجهة بربرية القبائل الجرمانية؛ بيد أن إحراق روما لقرطاج، وارتكابها مجازر وحشية ممنهجة لاستئصال شعبها، أسقط قناع التحضر عن النخبة الرومانية، متكشفاً عن بربرية بنيوية فاقت وحشية الجرمان والقرطاجيين معاً. وعلى المنوال التاريخي ذاته، دأبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لعقود على تسويق قيم الحضارة الغربية الحديثة المستلهمة من شعارات الثورة الفرنسية الكلاسيكية (الحرية، المساواة، الإخاء، والسلام العالمي)، مدّعيةً الاضطلاع بحماية حقوق الإنسان ونشر قيم الديمقراطية. غير أن الجغرافيا السياسية تكشف اليوم زيف هذا الخطاب؛ ففي العصور القديمة، صاغت الإمبراطورية الرومانية إستراتيجية السلم الروماني (Pax Romana) لحماية مصر وتحييدها عن جبهات القتال، إدراكاً منها بأن ضفاف النيل وحقول القمح في مصر القديمة تُمثل ( سلة الغذاء الكبرى) ومصدر الاستقرار الحيوي للإمبراطورية برمتها. أما اليوم، وفي ظل جنون الهيمنة البرجوازية المعولمة، تبدي الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها جهوزية تامة لإحراق حقول النفط والغاز في الخليج العربي، ودفع المنطقة بأسرها نحو أتون حرب شاملة ضد إيران، غير مبالية بتدمير الشرايين الاقتصادية الحيوية للبشرية، مما يثبت أن الرأسمالية المتوحشة مستعدة لتصفية أسس المدنيّة ذاتها في سبيل تأمين مصالح طغمتها المالية.
وفي ظل هذه المنعطفات التاريخية، يدرك المناضل الاشتراكي جسامة الالتزام التاريخي الملقى على عاتقه؛ والمتمثل في إيقاظ الوعي الطبقي لدى البروليتاريا وتنظيم صفوفها لخوض غمار الثورة الاشتراكية. ويتعمق هذا الإدراك حين يعاين المرء التوحش البنيوي للرأسمالية المعاصرة، غير المبالية باحتمالية إبادة الجنس البشري برُمته عبر تصدير أزماتها من خلال الحروب، والمجاعات، وتفشي الأوبئة، وفي زمنٍ تتماهى فيه قوى المعارضة السياسية في رجعيتها، لتغدو بمثابة الظهير البنيوي أو التوأم السيامي للسلطة ذاتها. وحين تتبدى فئات واسعة ممن يتدثرون بعباءة ( الشيوعية والاشتراكية ) مجرد نسخ مشوهة ورخيصة من البرجوازية الليبرالية، ومجرد أدوات وظيفية لترسيخ الهيمنة العليا للرأسماليين. وحين تستقر النزعة الستاليني في وجدان العديد ممن يدّعون النضال من أجل التحرر، وحين ينقلب الرفيق والصديق فجأة إلى خصم ودود؛ عند هذه التخوم، يدرك الذات الاشتراكي يقيناً أن الإنسانية تعيش طليعة عصر البربرية الرأسمالية العارية.
تنويه توثيقي:
جُدير بالذكر أن الأصول الأولى لهذا المقال قد نُشرت في صيغة مسوّدة بحثية أولية عام 2016 على صفحتي الشخصية في منصة فيسبوك . ولاحقاً، في نيسان/أبريل من عام 2024، أُعيد تنقيح النص ليكون واحداً من المقالات الأربعة الرئيسية المتضمنة في كتاب المعنون بـ( مقاربة في فهم الثورة الاشتراكية - ” تێگەيشتنێک لە شۆڕشي سۆشياليستي / نه عمل أربعة رفاق: گۆنا سعيد، أكرم سعيد، سامان كريم، آسو كمال. “. أما في هذه النسخة الحالية المعرّبة، فقد أُخضع النص لمراجعة وتعديلات صياغة لمقالتي ؛ شملت إعادة تحرير بعض العبارات، والحذف، والإضافة، وذلك بما يتواءم مع دقة الطرح المنهجي ورصانته الأكاديمية.
المصادر:
* كتاب "الاشتراكية أم البربرية: من القرن الأمريكي إلى مفترق الطرق" (Socialism´-or-Barbarism: From the American Century to the Crossroads)؛ وهو مؤلف بنيوي صاغه الفيلسوف والاقتصادي الماركسي المجري إشتفان ميساروس (István Mészáros). يتألف الكتاب من جزأين رئيسيين؛ حيث يمثل الجزء الأول صيغة موسعة لأطروحة نُشرت عام 2000، في حين يضم الجزء الثاني حواراً فكرياً شاملاً أُجري معه عام 1998، وقد صَدَر الكتاب كاملاً عن دار نشر "Monthly Review Press" في عام 2001. يفكك ميساروس في هذا العمل آليات العولمة الرأسمالية وتناقضات الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية ومآلات النظام الدولي عند مطلع الألفية الجديدة.
* THE CONCEPT IN CRISIS
Reading Capital Today nick nesbitt, editor
* Deeper than ever, the crisis leaves capitalism out of breath
June / 20 - 2023 / by Eric Toussaint
* EDITORS PICK - Capitalism’s Crisis Of Perception / Seth Matlins Forbes Staff - Managing --dir--ector, Forbes CMO Network.



#أكرم_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
- اللاعقلانية في عالم اليوم
- اللاهوت السياسي والرأسمالية
- أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
- شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
- جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
- رسالة الانقلاب الى الاردوغان
- اردوغان سيصفي من؟!.
- هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
- تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
- صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا ...
- يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو ...
- ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
- ملاحظات مختصرة حول الشيوعية العمالية في ايران


المزيد.....




- طائرة شحن تنحرف عن مسارها في مطار ميامي بالولايات المتحدة
- -خسائر فادحة في العتاد والأرواح-.. القوات الحكومية اليمنية ت ...
- إيران توضح طبيعة إصابات طياريها الأسيرين في قطر وتكشف عن طرق ...
- بعد تثبيت أحكام قضية -التآمر على أمن الدولة-: الاتحاد الأورو ...
- وزير أمريكي يربط بين التوصل لاتفاق نووي مع إيران بوصول إدارة ...
- البرهان يحدد ملامح المرحلة الانتقالية
- لأول مرة.. طهران تعلن اختبار صاروخ مضاد للمدمرات فوق سفينة ح ...
- المبعوثان الأمريكيان يأملان بإجراء مفاوضات ثلاثية بين موسكو ...
- هدم مسجد تاريخي في الهند يثير غضبا واسعا في باكستان واتهامات ...
- حديث عن زلزال سياسي في ألمانيا على وقع نتائج انتخابات ساكسون ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أكرم سعيد - الرأسمالية: الأزمة والبربرية