|
|
الوعي البشري: من أسطورة الكهف الأفلاطوني إلى الفضاء الرقمي المعاصر
أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 12:03
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
منذ أسبوعين وحتى يومنا هذا، تفاقمت الأزمة الاقتصادية وتعمقت بحدة جراء الحروب المستعرة في (أوكرانيا، ومنطقة الخليج العربي، ولا سيما المواجهات الأخيرة بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية)، مما أسفر عن موجة غلاء فاحش، وتضخم نقدي، وارتفاع في معدلات البطالة والركود الاقتصادي، وهو ما أثقل كاهل الجماهير وأرهق كينونتهم المعيشية. وتصدرت عناوين الأخبار إضرابات واحتجاجات شعبية ضد الغلاء وضيق العيش في سوريا، والولايات المتحدة الأمريكية، وعدة دول أخرى. وفي سياق متصل، طالبت دولتان أوروبيتان مواطنيهما رسمياً بتخزين كميات من الأغذية والمياه تكفي لعدة أيام، نظراً للمخاطر المحدقة بنشوب نزاع مسلح مع روسيا. وفي ظل هذه المناخات المتأزمة والمضطربة والمحكومة بمنطق الحرب اليوم، يبرز السؤال الجوهري: هل ثمة احتمال يلوح في الأفق لانتفاضة أو ثورة تقودها الطبقة العاملة (ضد الغلاء والحروب، ومن أجل الخبز والسلام)؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تظل رهينة جملة من العوامل والمحددات، لعل أبرزها:(مستوى الوعي الطبقي لدى الشغيلة، ومدى جاهزية القوى الاشتراكية لإسناد وتوجيه هذه الطبقة). غير أن ضعف هذين العاملين بالذات (أي تدني مستوى وعي الطبقة العاملة وغياب الجاهزية التنظيمية للاشتراكيين) شكّل معضلة بنيوية وتاريخية منذ عهد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبناءً على ذلك، أرى أن واقع الوعي الطبقي لدى العمال والاشتراكيين في وقتنا الراهن، ليس بأفضل حالاً مما كان عليه في الحقبة الممتدة بين عامي (1914 - 1940)، بل ربما بات أكثر قتامة وتراجعاً. لقد انقضى عمر كارل ماركس ومعه جيلٌ من طليعيي الاشتراكية، وهم يترقبون اللحظة التاريخية الحاسمة لوثوب ذلك المارد العظيم (البروليتاريا) ليضع، عبر الثورة الاشتراكية، لتقوم عبر الثورة الاشتراكية بتقويض أركان المنظومة الرأسمالية وإرساء البديل الاشتراكي؛ بيد أن هذا الانتظار الطويل، وللأسف، لم يتحقق. ومما لا شك فيه أن العجز عن الانخراط في الفعل الثوري يعود إلى تضافر كوابح بنيوية متعددة؛ غير أننا أياً كان فرزنا لتلك الموانع، فإن "استلاب الوعي الطبقي وتسطيحه" يظل المحدّد الذي يتربع في صدارة الترتيب السببي. إن تفكيك معضلة الوعي والعوائق الشاخصة في طريقه، يضعنا مواجهةً مع تساؤل إبستمولوجي جذري: هل يمتلك الوعي، بوصفه فاعلية ذهنية، هذه المكانة الحاسمة كقوة بنيوية ومحرك غائي لإعادة صياغة شروط التاريخ وتحولات المجتمع؟. تأسيسًا على ذلك، يجدر بنا أن نطرح على أنفسنا هذا التساؤل المبدئي: كيف يتحدد ويتشكل وعي الطبقة العاملة على وجه الخصوص، والوعي البشري على وجه العموم؟. إن مسألة تحديد الوعي تشكل عصب السجال التاريخي وأحد أعظم الألغاز الإبستمولوجية في تاريخ الفكر؛ لكونها الجسر الرابط بين الذات المادية والعالم المجرد، فضلاً عن كونها واحدة من أعمق المعارك النظرية في تاريخ الفلسفة. ويكمن الخلاف الجوهري هنا بين الأطروحات المثالية (أفلاطون وهيغل) وبين الأطروحة المادية (ماركس) في الإجابة على معضلة: هل الوعي نتاجٌ لعالم الأفكار الروحية والمجردة والمتعالية، أم هو ابتكارٌ ضروري يفرضه الواقع المادي والوجود الاجتماعي؟. إن سبر أغوار هذا التساؤل ينقلنا مباشرة لملامسة واحد من أكثر النقاشات حيوية وثراءً في الفلسفة الماركسية والأوساط الأكاديمية المعاصرة: وهو التمييز الحاسم والمفصلي بين المادية التاريخية العلمية، التي ترى في الوعي محركاً غائياً يتفاعل مع شروطه الموضوعية عبر البراكسيس، وبين الاقتصادوية الميكانيكية أو الحتمية الفجة، التي اختزلت الإنسان في مجرد كائن بيولوجي يستجيب آلياً للمؤثرات الاقتصادية الصماء. يرى أفلاطون أن الوعي البشري الحقيقي لا تحدده الحواس أو العالم المادي، بل يحدده الاتصال بعالم الأفكار الأزلية والمجردة (عالم المُثل). الوعي عند أفلاطون ليس شيئاً نكتسبه من الواقع، بل هو عامل التذكّر (Anamnesis). كان أفلاطون يعتقد أن الروح البشرية، قبل أن تسكن الجسد، كانت تعيش في عالم المُثل الكاملة (حيث توجد الحقيقة المطلقة، الخير، والجمال). وعندما سقطت في الجسد المادي المظلم (كما في أسطورة الكهف)، نسيت هذه الحقائق. وإن محدد الوعي عنده، يبدأ من مدى قدرة الإنسان على استخدام العقل والتأمل الفلسفي للتحرر من أوهام العالم المادي (المحسوس) وتذكّر الحقائق المطلقة. فالوعي هنا مفارق للمادة ومستقل عنها تماماً. هيغل كان يؤمن بأن الوعي نتاج "الروح المطلق" والتاريخ. نقل هيغل الفلسفة المثالية إلى سياق حركي وتاريخي، وجعل الوعي البشري محدداً بـ تطور الروح أو العقل الكللي عبر التاريخ. يرى هيجل أن التاريخ البشري بأكمله هو مسيرة تطور الروح المطلق نحو معرفة ذاته وتحقيق حريته. الوعي الفردي للإنسان ليس معزولاً، بل هو جزء من الوعي الجمعي لحقبة تاريخية معينة. محدد الوعي: التطور التاريخي والثقافي للوعي الذاتي. الوعي البشري يتحدد باللحظة التاريخية والمؤسسات الاجتماعية والسياسية (مثل الدولة) التي تجسد تطور العقل البشري في مسيرته نحو الحرية المطلقة. الفكرة هي الأصل، والواقع المادي هو تجلٍّ لها. لقد قام كارل ماركس بـ قلب الجدل الهيغلي المثالي رأساً على عقب متجاوزاً إياه، ليصوغ قاعدته التأسيسية الشهيرة في المادية التاريخية: "ليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". وبموجب هذا الطرح الإبستمولوجي، فإن الوعي البشري بتجلياته كافة (من فكر، ودين، وسياسة، وفلسفة) لا يهبط من لدن سماء مجردة، بل يحدده بنيوياً نمط الإنتاج المادي وعلاقات الإنتاج الاقتصادية السائدة في حقبة تاريخية معينة؛ بيد أن هذا الوعي، بمجرد تشكله، لا يقف محايداً، بل يرتد ليلعب دوراً ديناميكياً حاسماً في توجيه الصراعات الاجتماعية. وتتبدى آليات ضبط الوعي وتزييفه من خلال شبكة من المحددات المتداخلة: 1/ الاحتكار الطبقي لوسائل الإنتاج الفكري: يرى ماركس أن الطبقة التي تهيمن على وسائل الإنتاج المادي (البرجوازية مثلاً) تبسط سيطرتها بالضرورة على وسائل الإنتاج الفكري؛ وبذلك تفرض "وعياً زائفاً" (أيديولوجيا منظمة) على الطبقات الـمُستَغَلَّة (البروليتاريا) لشرعنة شروط استعبادها وتأبيد استخلاص فائض القيمة. 2/ ثقل الإرث التاريخي (رواسب الماضي): لا ينشأ الوعي من مجرد الاصطدام المباشر بالحاضر، بل يقع تحت وطأة ما أسماه ماركس بكابوس الأجيال الراحلة؛ حيث يتشكل استجابةً للواقع المعاش وكيفية إنتاج الإنسان لوسائل عيشه من جهة، ومحكوماً بـ التوارث التاريخي للأفكار، والعادات، والتقاليد القديمة التي تكبح انبعاث الوعي الطبقي من جهة أخرى. 3/ الأجهزة الأيديولوجية للدولة: يتكامل هذا الاستلاب الثقافي عبر الدور الوظيفي الذي تضطلع به الأجهزة الأيديولوجية لدولة الطبقة الحاكمة (كالمؤسسات التعليمية، والإعلام، والأحزاب النظامية)؛ إذ تعمل هذه الأدوات البنيوية على هندسة وعي المواطنين وتسطيحه وتوجيهه، مانعةً تحول معاناتهم المادية وإرهاق كينونتهم المعيشية إلى طاقة سياسية واشتراكية منظمة. مسألة الدور البنيوي للفكر في التراث الماركسي - دحض الحتمية الميكانيكية واستعادة البراكسيس: في المجلد الأول، الجزء الثاني من كتاب (رأس المال)، وتحديداً في الفصل الخامس المعنون بعملية العمل وعملية إنماء القيمة - القسم الأول: عملية العمل، يستهل ماركس بالإشارة إلى أننا لا نتحدث هنا عن الأشكال الحيوانية الأولى والغريزية للعمل، بل عن العمل في شكله الإنساني الخالص ”بوصفه عملية تجري بين الإنسان والطبيعة”، ويكتب:{ إن العنكبوت يجري عمليات تشبه عمليات النساج، والنحلة تبزّ مهندسين معماريين كثيرين ببناء خلاياها الشمعية. بيد أن ما يميز أسوأ مهندس معماري عن أفضل نحلة، هو أن المهندس يبني الخلية في رأسه قبل أن يبنيها في الواقع.}.-المجلد الأول، الجزء الثاني من كتاب رأس المال/ ترجمة د. فالح عبد الجبار(الصادرة عن دار الفارابي)-الصفحة 234. وجود هذه الفقرة في مستهل فصل ”عملية العمل” يعتبر حاسماً لإثبات فكرة أن العمل البشري عند ماركس هو(عمل غائي Teleological). الإنسان ليس كائناً غريزياً أو آلة تستجيب للمؤثرات الاقتصادية استجابة ميكانيكية (مثل النحلة)؛ مثال ”المهندس والنحلة” في كتاب رأس المال، هو الدليل الدامغ على أن ماركس لم يكن يرى الوعي كمجرد انعكاس ميكانيكي سلبي للاقتصاد، بل كان يرى الوعي الإنساني كقوة فاعلة ومتفاعلة جدلياً مع المادة. تفكيك هذا النص يثبت إن الإنسان يتصور، يخطط، ويضع هدفاً (وعياً) قبل أن يشرع في الفعل المادي. الوعي هنا له أولوية منطقية في عملية العمل. ماركس قبل أن يدخل في تعقيدات (رأس المال وفائض القيمة)، أراد صياغة تعريف أنثروبولوجي وفلسفي للوعي الإنساني المرتبط بالعمل- { أن المهندس يبني الخلية في رأسه قبل أن يبنيها في الواقع }. هذا يقطع الطريق تماماً على أي تفسير ” اقتصادوي ميكانيكي ” يختزل الإنسان في مجرد آلة بيولوجية تستجيب للبيئة المحيطة بلا إرادة أو تدبر. ماركس لا ينكر وجود العقل أو قدرته على التصميم، بل يؤكد أن وعي الإنسان هو ما يجعل عمله إنسانياً ومتميزاً عن الحيوان. الاقتصادوية و الجمود العقائدي الماركسي وقعوا في فخ تحويل المادية التاريخية إلى قانون فيزيائي جامد:(اقتصاد = وعي مباشر). لكن ماركس وفريدريك إنجلز رفضا هذا التبسيط. إن النتاج المعرفي المشترك لماركس وإنجلز بذاته، بمختلف تجلياته من مقالات وكتب، إلى جانب نشاطهما السياسي الدؤوب، لهو خير دليل ودعامة على أن ماركس ورفيقه كانا يمتلكان إيماناً راسخاً بالدور العظيم والجسيم الذي تضطلع به الأفكار والمبادئ النظرية في إحداث التحول الاجتماعي والتغيير التاريخي. في أواخر حياته، كتب أنجلس رسائل شهيرة (رسالته إلى يوسف بلوخ 1890) أوضح فيها أن الجانب الاقتصادي هو المحدد في نهاية المطاف وليس المحرك الوحيد. البنية الفوقية (الأفكار، السياسة، القانون) تؤثر بدورها في البنية التحتية. الوعي كقانون عام وليس ميكانيكياً: الوجود الاجتماعي يحدد الوعي كـ"إطار عام" أو كأفق يضع الممكنات والمستحيلات أمام العقل، لكنه لا يملي على الإنسان كل فكرة أو تصميم هندسي بشكل ميكانيكي. في "مقدمته النقديّة" لكتاب رأس المال يظهر هذا التحليل أيضاً وبصورة أكاديمية في «المقدمة الشاملة» التي كتبها إرنست مانديل للمجلد الأول من كتاب رأس المال. في هذه المقدمة، وعند تفكيكه للمنهج الماركسي ونظرية القيمة، ركز مانديل على الجذور الأنثروبولوجية والفلسفية التي وضعها ماركس للعمل؛ مستشهداً بالفقرة ذاتها ليوضح أن ” الذات الإنسانية المفكرة ” تفعل فعلها في المادة وتغيرها بناءً على غايات عقلانية واعية ومسبقة الصنع في الذهن. كُتب هذا النص عام 1978 كمساهمة من مانديل في ندوة تكريمية خاصة بالفيلسوف الماركسي الألماني إرنست بلوخ (صاحب كتاب - مبدأ الأمل). اقتبس مانديل في هذه الدراسة نص ” المهندس والنحلة ”. وجادل بوضوح بأن هذا النص يثبت أن العمل الإنساني عند ماركس مشروط بوجود( مشروع ذهني استباقي Anticipatory Mental Projects) في وعي المنتج. وبذلك، فإن ماركس هنا يعطي الأولوية للتفكير الواعي والتخيل، وهو ما يقربه من الإرث الهيغلي الجدلي الذي يعلي من شأن ” الوعي الذاتي ”، ويدحض تماماً أطروحات الماركسية المبتذلة والاقتصادوية التي تلغي دور العقل وتعتبر الأفكار مجرد ظاهرة ثانوية تابعة للاقتصاد. وقد كتب إيرج آذرين بشأن الأهمية الحاسمة لعامل الوعي والممارسة (البراكسيس) ما يلي: {البنية التحتية الاقتصادية أم الصراع الطبقي؟ - إن المنظور الذي يرى في تطور قوى الإنتاج العامل المحدد والمحرك الأساسي للتقدم التاريخي، لا يمت بصلة إلى المادية التاريخية عند ماركس؛ بل هو التجسيد الأكثر فجاجة للمادية الميكانيكية، وعبارة أدق، يمثل رؤية "الحتمية التكنولوجية" (أو الجبرية الصناعية). ومع ذلك، فإن نقد شارل بتلهايم لهذه الرؤية لا ينطلق من أرضية المادية التاريخية؛ إذ إن إصرار بتلهايم على وسم هذا المنظور بـ "الاقتصادوية" يكشف، في المقابل، عن رفضه التام لإسناد أي دور محوري أو حاسم للاقتصاد. تُمثل البنية الاقتصادية للمجتمع في مادية ماركس التاريخية الأساس البنية التحتية؛ حيث تتأسس عليها مجمل الحياة السياسية، والحقوقية، والأيديولوجية للمجتمع، وتتشكل بشروطها. وبهذا المعنى، فإن الاقتصاد في المادية التاريخية يمتلك الصفة المحدِّدة. بيد أن هذا لا يعني بتاتاً أن "محرك التقدم التاريخي" هو تطور قوى الإنتاج أو أي نمط آخر من النمو الاقتصادي. ويعود ذلك، علاوة على أن البنية التحتية الاقتصادية عند ماركس لا تتطابق من حيث المبدأ مع قوى الإنتاج حصراً، إلى أن حقيقة كون البنية التحتية هي الشارطة أو المحدِّدة للبنية الفوقية، لا تعبر بعد عن دينامية التغيير التي تطرأ على البنيتين التحتية والفوقية في فكر ماركس. وعبارة أخرى، وبلغة فلسفية، فإن تقدم الوجود على الوعي (أو المادة على الفكرة) لا يمثل التعبير الكامل عن نظرية المعرفة (الابستمولوجيا) عند ماركس؛ إذ إن الفلاسفة الماديين ما قبل ماركس كانوا قد أدركوا هذه المقاربة أيضاً. وتكمن الميزة الفريدة لمادية ماركس في أنه يتعرف على وحدة الوجود والوعي من خلال الممارسة (البراكسيس) الواعية والثورية للإنسان؛ "الواعية" بمعنى أن الإنسان قد اكتسب معرفة بالعلاقة الجدلية القائمة بين الوجود والوعي، و"الثورية" ليس بالمعنى السياسي الضيق للكلمة، بل بمعنى أن هذه الممارسة يجب أن تُحقق وتُفَعّل عملية تحويل الوجود المادي؛ أي تحويل ذلك العامل المحدِّد، وتلك الركيزة الأساسية لوعيه الاجتماعي نفسه. والإنسان، في سياق هذه الممارسة، يغير العالَم ويغير ذاته في آنٍ واحد.} - في نقد الاشتراكية الصوفية (العرفانية)» قراءة في المرحلة الانتقالية لـ شارل بتلهايم - بقلم: إيرج آذرين./ ص 20. المصدر:( در نقد سوسياليسم عرفاني- دوران گذار- بتلهايم / ايرج آذرين - چاپ دوم: نوامبر 2007 باللغة الفارسية). تطرح قراءة الفصول الأولى من كتاب ” الأفكار الفاعِلة ” لبيري أندرسون معضلة فكرية وتاريخية طالما شغلت التراث الماركسي والنظرية النقدية؛ ألا وهي: ما هي الحدود الحقيقية لقوة الفكر والعقل في توجيه التاريخ وصياغة الوعي الاجتماعي؟. يفكك هذا الخطاب النقدي الفهم الخاطئ الذي يختزل المادية التاريخية في مجرد حتمية اقتصادية صماء، ليبرز بدلاً من ذلك جدلية العلاقة بين البنية المادية والفعل الفكري. العقل كقوة محركة وموجّهة: إن الفكر والعقل عند ماركس، وخصوصاً في قراءات الماركسية الغربية المعاصرة، لا ينعكسان سلبياً أو آلياً من البنية الاقتصادية التحتية. بل على العكس؛ يمتلك الفكر "استقلالية نسبية وفكراً غائياً" يُمكنه من استشراف الواقع وإعادة صياغته. الإنسان- كما يوضح ماركس عن المهندس والنحلة يفكر ويصمم في ذهنه أولاً، مما يجعل الفكر شرطاً وجودياً للعمل الإنساني الواعي.جدل التفاعل بين الفكر والمادة: لا يمكن عزل "قوة الفكر" عن الشروط الموضوعية للمجتمع. فالأفكار لا تصنع التغيير بمجرد وجودها المجرد في عالم المثل (كما يرى أفلاطون أو هيغل)، بل تكتسب قوتها المادية الحاسمة عندما تتغلغل في وعي الجماهير وتتحول إلى "ممارسة ثورية حية" (Praxis) قادرة على تفكيك البنية الرأسمالية. مأزق "العقل المستلب" في الرأسمالية المعاصرة: يواجه العقل البشري اليوم أزمة بنيوية؛ فالمنظومة الرأسمالية تستخدم قوى التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي لا لتحرير العقل البشري، بل لتسطيحه وتزييف وعيه. هذا التناقض الصارخ يجعل الإنسان يستخدم عقله بكفاءة حسابية مذهلة في العلوم والأدوات (عقلانية أداتية)، ولكنه يتصرف بلا عقلانية سياسية واجتماعية مطلقة (الوقوع في أوهام العنصرية والحروب)، وهو ما يسميه ماركس بالوعي الزائف. إن استعادة "قوة الفكر والعقل" لفاعليتها التاريخية تشكل المهمة البنيوية الأولى للقوى الاشتراكية اليوم؛ حيث يكمن التحدي في كسر أدوات التجهيل والتسطيح الرقمي التي تفرضها البرجوازية المهيمنة، من أجل صياغة وعي طبقي وإنساني حقيقي يعيد الاعتبار لهوية "الإنسانية المحضة" والحياة الحرة. يستعرض هذا المقتطف المستفيض أدناه الرؤية النظرية للمؤرخ بيري أندرسون، ويقدّم تقصياً تحليلياً شاملاً لأبعادها ومضامينها الفلسفية: {ما مدى أهمية دور الأفكار في الاضطرابات السياسية التي ميزت التحولات التاريخية الكبرى؟ هل هي مجرد ظواهر عقلية ثانوية (إبيفيمينولوجية) ناشئة عن عمليات مادية واجتماعية أكثر عمقاً، أم أنها تمتلك قوة ذاتية حاسمة كقوى للتعبئة السياسية؟ وعكس ما تبدو عليه الظواهر، فإن الإجابات المقدمة عن هذا السؤال لا تضع فاصلاً حاداً يقسم اليسار عن اليمين. لطالما عظّم العديد من المحافظين والليبراليين، بطبيعة الحال، الأهمية المتعالية للمُثل العليا والقيم الأخلاقية في التاريخ، منددين بالراديكاليين الذين يصرون على أن التناقضات الاقتصادية هي محرك التغيير التاريخي، واصفين إياهم بالماديين الوضيعين. وتشمل الأمثلة الحديثة الشهيرة على هذه المثالية اليمينية شخصيات مثل: فريدريش ماينيكي، وبينيديتو كروتشي، وكارل بوبر. وبالنسبة لمثل هؤلاء المفكرين، ووفقاً لتعبير ماينيكي: "إن الأفكار، التي تحملها وتغيرها الشخصيات الحية، هي التي تشكل لوحة الحياة التاريخية". لكن في المقابل، يمكننا أن نجد شخصيات بارزة أخرى من اليمين تهاجم الأوهام العقلانية حول أهمية العقائد الاصطناعية، مدافعةً ضدها عن الأهمية الأكثر ديمومة للعادات التقليدية أو الغرائز البيولوجية. لقد كان كل من فريدريش نيتشه، ولويس ناميير، وغاري بيكر، من وجهات نظر مختلفة، منظرين للمصالح المادية، عازمين على التقليل بسخرية من ادعاءات القيم الأخلاقية أو السياسية. وتعد نظرية الاختيار العقلاني، المهيمنة على مساحات واسعة من العلوم الاجتماعية الأنغلو-سكسونية، النموذج المعاصر الأكثر شهرة من هذا النوع. بيد أنه يمكن العثور على الانقسام ذاته داخل معسكر اليسار أيضاً. فإذا ما نظرنا إلى كبار المؤرخين الحداثيين في اليسار، سنجد تفاوتاً شاسعاً؛ من اللامبالاة التامة بدور الأفكار لدى فرنان بروديل، إلى الارتباط العاطفي والنقدي الوثيق بها لدى آر. إتش. تاوني. وحتى بين الماركسيين البريطانيين أنفسهم، لا يمكن لأحد أن يخلط بين أطروحات إدوارد طومسون، الذي كان مجمل عمله بمثابة سجال ضد ما رآه اختزالاً اقتصادياً، وبين أطروحات إريك هوبزباوم، الذي لا يحتوي تأريخه للقرن العشرين على أي أقسام مستقلة مخصصة للأفكار على الإطلاق. وإذا ما توجهنا أو التفتنا بنظرنا واهتمامنا نحو القادة السياسيين، فإن هذا التناقض يعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر وضوحاً؛ إذ أعلن بيرنشتاين أن: الحركة هي كل شيء، والهدف لا شيء. فهل يمكن أن يكون هناك تبخيس وتجريد أكثر حدة لقيمة المبادئ أو الأفكار، لصالح مجرد العمليات الواقعية الصرفة؟ وقد كان بيرنشتاين يعتقد أنه مخلص لماركس عندما صاغ هذه المقولة. وفي الحقبة ذاتها، أعلن لينين، في مقولة شهيرة بالقدر نفسه، وبأثر نقيض تماماً، كحقيقة يجب على كل ماركسي أن يعرفها، أنه: لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية. ولم يكن هذا التباين هنا مقتصرًا على الخلاف بين الإصلاحي والثوري؛ ففي صفوف اليسار الثوري نفسه، نجد الازدواجية ذاتها. فبالنسبة للوكسمبورغ، وحسب تعبيرها: "في البدء كان الفعل"، إذ لم تكن البداية لأي تغيير تاريخي كبير متمثلة في فكرة مسبقة الصنع، بل بمجرد الفعل العفوي للجماهير. ولم يتوقف الفوضويون (الأناركيون) قط عن الاتفاق معها في هذا الطرح. وفي المقابل، رأى غرامشي أن الحركة العمالية لا يمكنها تحقيق انتصارات ديمومة ما لم تكتسب سيادة فكرية ومثالية، ما أسماه بالهيمنة الثقافية والسياسية، على المجتمع بأسره، بما في ذلك أعداؤها. وعلى هرم دولتيهما، أوكل ستالين بناء الاشتراكية إلى التطوير المادي لقوى الإنتاج، في حين أوكلها ماو تسي تونغ إلى ثورة ثقافية قادرة على تحويل العقليات والأعراف الاجتماعية.} - Perry Anderson - Idées-forces «الأفكار الفاعِلة»/ مقال المفكر والمؤرخ الماركسي البريطاني بيري أندرسون - ونُشر المقال في دورية New Left Review - 24 feb. 2025. (يستخدم الإنسان عقله ولكن ليس كل مرة بصورة عقلانية) - هذه العبارة هي التعريف المبسط والمباشر لمفهوم ماركس عن الوعي الزائف. الإنسان في المجتمع الرأسمالي المعاصر يستخدم أعقد العمليات العقلية لتطوير التكنولوجيا، وحساب أرباح البورصة، وبرمجة الخوارزميات (وهذا استخدام للعقل). ولكن على المستوى الكلي والاجتماعي، يقع في لاعقلانية مطلقة عندما يؤيد الحروب المدمرة، أو يتبنى أفكاراً عنصرية ضد اللاجئين في لندن وبرلين، أو يعتقد أن مصيره محكوم بنظريات المؤامرة بدلاً من الصراع الطبقي. العقل هنا يُلعب به ويُسخر لإنتاج أيديولوجيا تبرر الواقع بدلاً من نقده، فيتحول العقل إلى أداة لشرعنة السيطرة والوحشية. ” الإنسان يفكر لكن ليس دائماً بصورة عقلانية ”، هذه العبارة تلتقي تماماً مع الأطروحات مدرسة فرانكفورت حول اللاعقلانية. الإنسان يمتلك جهازاً إدراكياً قادراً على التفكير العقلاني، لكن هذا العقل يقع تحت تأثير الاقتصاد الجاذب واغتراب النظام. عندما يعيش الإنسان في بنية اجتماعية اللاعقلانية (نظام رأسمالي يقدس الربح على حساب الإنسان)، فإن عقله يتعرض لعملية تزييف ممنهج. إنه يستخدم عقله لحل مشكلات تقنية (كإدارة الخوارزميات أو تصميم الصواريخ)، ولكنه يفشل في التفكير عقلانياً على المستوى القيمي أو الإنساني (يؤيد الحروب أو يقع في فخ العنصرية)، العقل هنا يصبح أداتياً (وسيلة) ويفقد غايته الإنسانية. خلاصة: ماركس ليس مادياً فجاً يلغي دور العقل، بل هو صاحب مادية عملانية / براكسيس. الوعي والوجود المادي يعيشان في علاقة جدلية (تأثير متبادل). الإنسان يغير طبيعته ووعيه من خلال تغييره للعالم المادي بالعمل. اللاعقلانية الحالية في عالم اليوم ليست دليلاً على غياب العقل البشري، بل هي دليل على أن الظروف الموضوعية للرأسمالية المتوحشة صاغت بيئة تُجبر العقل البشري على العمل بطرق غير عقلانية ضد مصالحه الوجودية والإنسانية. في أوقات الأزمات والحروب الضارية التي تشعلها المنظومات الرأسمالية المعاصرة، يتجلى الاختبار التاريخي المصيري للذات الثورية؛ فإذا افتقرت الطبقة العاملة إلى الوعي الطبقي الحاد واليقظة الإستراتيجية، واستسلمت )على غرار شِلّة الثرثارين في رواية نجيب محفوظ( لغيبوبة الثرثرة والانخراط في سجالات رقمية عقيمة عبر منصات التواصل الافتراضي التي حلت محل العوّامات الراسية فوق ضفاف النيل، فإن ذلك لا يمثل مجرد هروب من الواقع، بل هو الدليل الدامغ على نجاح البرجوازية الحاكمة في تحطيم العقل البشري واستلابه كلياً؛ وعندئذٍ، يفقد المجتمع كوابحه الدفاعية، ولا يتبقى أمام التاريخ سوى انتظار وقوع الكارثة المحتومة. الوعي البشري: أسطورة الكهف الأفلاطوني في كتاب الجمهورية لأفلاطون، وتحديداً في الكتاب السابع وضمن ” أسطورة الكهف ” الشهيرة، ووفقاً للترجمة العربية المعتمدة للدكتور فؤاد زكريا، حيث يبدأ هذا القسم من الصفحة 383 فصاعداً، يصاغ الموضوع في هيئة حوار بين سقراط (الذي يتحدث باسم أفلاطون) وغلاوكون (شقيق أفلاطون الأكبر). وفيما يلي ترجمة لبعض الفقرات الجوهرية والنصوص الأصلية لأفلاطون (على لسان سقراط) حول الكهف، والتي تجسد بدقة مسألة تقييد الوعي وسلبه:[تأطير وضع السجناء داخل الكهف: سقراط يصف غلاوكون طبيعة المكان وحال البشر فيه]-” تخيّل كهفاً تحت الأرض، يمتد طوله بفتحة واسعة تطل على الضياء. وفي هذا الكهف يعيش بشر استوطنوه منذ نعومة أظفارهم؛ وقد قُيِّدت أرجلهم وأعناقهم بالأغلال والسلاسل، بحيث باتوا عاجزين عن الحركة، ولا يسعهم سوى النظر إلى ما يقع مباشرة أمام وجوههم (جدار الكهف)؛ إذ تحول السلاسل والأغلال بين تبصرهم ودوران رؤوسهم أو تغيير اتجاه أنظارهم. ومن ورائهم، وعلى مسافة بعيدة، تتأجج نار يسطع منها الضياء. ” [صناعة الظلال: محرك الدمى] - وهنا يصف سقراط أولئك الذين يصنعون الظلال، موضحاً أنه بين هذه النار المشتعلة وبين السجناء المقيدين، يمتد طريق مرتفع؛ وتخيل أن هذا الطريق قد بُني عليه جدار قصير، يشبه تماماً تلك الحواجز التي يضعها عارضو الأراجوز ومحركي الدمى (Puppeteers) أمامهم، ليعرضوا من فوقها دمائهم.”». مفهوم الكهف الأفلاطوني يوضح كيف يعيش البشر أسرى ومقيدين داخل افكار وأوهامهم العاطفية والنفسية الذاتية، عاجزين عن إدراك وتبصر الحقيقة الموضوعية. استلاب الإنسان والهروب من الواقع وتُقدّم رواية ”ثرثرة فوق النيل” لنجيب محفوظ صورةً جليّة عن الاغتراب الوجودي، وتطرح نموذج العوّامة على ضفاف النيل كمكافئ موضوعي لسجناء الكهف الأفلاطوني؛ ففي هذه الرواية، تجتمع ثلّة من المثقفين والموظفين داخل العوّامة راسية على ضفاف نهر النيل. من داخل مفكرة الصحفية ”سمارة بهجت”:{أنيس زكي حالة مستعصية من الاغتراب النفسي والوجودي. إنه يمثل الانهيار الكامل لمنظومة القيم؛ شخص يعيش في الحاضر بجسده، لكن عقله هارب في أزمنة سحيقة من تاريخ الفراعنة والملوك، وكأنه يبحث عن مجد مفقود يغطي به على بؤس واقعه اليومي. المخيف في أنيس أنه ليس جاهلًا، بل هو مثقف محطم. يملك وعيًا حادًا يجعله يدرك حجم الكارثة المحيطة به، لكنه وعي مشلول وعاجز عن الفعل. لقد استبدل الإرادة بالسيجارة، والمسؤولية بالثرثرة الجوفاء. هو يرى شلة العوامة على حقيقتها: مجرد أجساد ميتة تتحرك بالقصور الذاتي. ومع ذلك، يختار أن يكون ضابط الإيقاع لهذه الجنازة المستمرة. إن تحليلي له يقودني إلى حتمية واحدة: أنيس زكي ليس ضحية لنفسه فقط، بل هو ضحية لمرحلة تاريخية كاملة فقدت بوصلتها، وأخشى ما أخشاه أن يستيقظ هذا المجتمع على صفعة قاسية ليدرك أن غيبوبة أنيس كانت هي البداية للنهاية."... ” يُخيَّل إليَّ أحيانًا أنه نصف مجنون، أو نصف ميت، نجح في أن ينسى تمامًا ما يهرب منه؛ نسي نفسه ” ... لا يملك المرء وهو يراقبه إلا أن يتساءل: أيهما أرحم بصاحبه.. نصف الجنون الذي يحميه من وعيه، أم نصف الموت الذي يعفيه من إحساسه؟” استكملت سمارة تدوين فكرتها في المفكرة بخطّ سريع متوتر: هذه الحالة البرزخية هي التجسيد الحي لـ”شلة العوامه” بأكملها؛ فهم جميعًا معلقون في فضاء بين عالم الأحياء وعالم الأموات. نصف مجنون لأنه لو عاد إلى عقله بالكامل لانتحر، ونصف ميت لأن قلبه توقف عن الشعور بأي مسؤولية تجاه نفسه أو مجتمعه. إنه يمثل الهروب السلبي في أقصى تجلياته، حيث تصبح النجاة الفردية هي الغاية، حتى لو كان ثمنها التنازل عن الآدمية والعيش كظل لإنسان.}. هذا الوصف يكشف حقيقة شخصية أنيس(نصف مجنون أو نصف ميت). بالطبع، لا يقتصر الأمر على أنيس ورفاقه داخل تلك العوامة فوق النيل، بل في الواقع، إن أغلبية الشعب المصري والشعوب العالم اليوم منذ خمسينيات القرن الماضي (1950) وحتى يومنا هذا هم (نصف مجانين ونصف موتى)، و هذه هي الدرجة القصوى من الاغتراب والشيئية-(الـصنمية السلعية)، وفقدان الوعي الإنساني والطبقي الذي أصيب به البشر تحت النظام الرأسمالي. هذا ليس تهكماً أو وصفاً قبيحاً للبشر على سبيل السخرية، بل هو رسم للمشهد الواقعي لحال البشر في عصرنا الحالي. إنها حكاية حقيقية لواقع المجتمع والإنسان في الوقت الراهن؛ تكشف الأقنعة الزائفة، وتتحرر من الخطاب الأيديولوجي للسلطة والمعارضة المصطنعة. إنه وصف لتلك الأزمة الاجتماعية والسياسية التي يعاني منها إنسان مصر الأمس وإنسان العالم اليوم. وبلا شك، فإن عاقبة هذا الوعي الغائب والجهل الخامل للبشر(نصف المجانين و نصف الموتى) اليوم، ستقود العالم حتماً نحو الكارثة. لان في أوقات الأزمات والحروب التي تخوضها دول الرأسمالية المتوحشة، إذا لم تكن الطبقة العاملة والأحرار على قدر من الوعي، واستمروا في ممارسة الثرثرة الفارغة على منصات التواصل الاجتماعي، التي باتت بديلًا اليوم عن تلك العوامة راسية فوق النيل في قصة محفوظ، وتحوّل قطاعٌ عريض من الجماهير إلى مؤيدين لـ(القوميين البرجوازيين، أو المحافظين البرجوازيين، أو اليسار البرجوازي)؛ وبذلك، يبلغ اغترابُ الإنسان واستلابُ كينونته ذروته وأعلى مستوياته المطلقة، فعندئذٍ ليس علينا سوى انتظار الكارثة لتحدث. إنهم ثلّة من المثقفين والموظفين يتعاطون "الحشيش" اثناء الليل وأطراف النهار، منخرطين في ثرثرة جوفاء وسجالات عبثية؛ بغية الانعتاق والهروب من مرارة الواقع والأزمات السياسية المحيطة بهم في العالم الخارجي. السفينة بوصفها مكافِئاً للكهف: غدت العوّامة محاكاة دقيقة لـكهف أفلاطون؛ فهي حيّز مكاني مغلق ومظلم، يقبع فيه البشر كأسرى مستلبين. يُشكّل دخان الحشيش، وتلك الحوارات الطائشة والعقيمة الدائرة داخل العوّامة، الموازِئ الموضوعي لـ الظلال الزائفة المنعكسة على جدار الكهف الأفلاطوني. فبفعل التخدير والتغييب الممنهج، انسلخت الشخوص عن واقعها الحقيقي، وباتت ترى في الوهم والافتراض الحقيقة الوجودية الوحيدة المتاحة. تتبدى هذه المفارقة في نهاية الرواية؛ فعندما يصدمون عابراً بسيارتهم ويتسببون في مقتله، تحاول إحدى الشخصيات (أنيس) كسر أغلال الكهف، والتوجه إلى الشرطة للاعتراف بالجرم، كخطوة نحو استعادة الوعي ومجابهة الواقع المادي الملموس. بيد أن "شلّة الثرثارين" الباقية في العوّامة تحول دونه ودون ذلك، مجابهةً إياه بالرفض والسخرية والإنكار؛ في محاكاة تامة لكيفية مجابهة سجناء الكهف الأفلاطوني لذلك الرفيق الذي تحرر وعاد إليهم حاملاً قَبَس الحقيقة وتباشير اليقظة. أضحى الفضاء الرقمي اليوم، ممثلاً في وسائل التواصل الاجتماعي، وشاشات الهواتف المحمولة وتطبيقات منصة تيك توك، ذلك الحيّز الضيق والمغلق الذي توجّه فيه الخوارزمياتُ لغتنا وتفكيرنا، ليعمل بدقة كـ"الكهف الأفلاطوني" و"العوّامة المحفوظية"؛ فبدلاً من تعاطي الحشيش المادي داخل عوّامة نجيب محفوظ على ضفاف نهر النيل، باتت غالبية الجماهير تتعاطى اليوم الحشيش الرقمي الافتراضي. وفي هذا العالم المعاصر، لا تلجأ السلطة القائمة إلى قمع الشعوب بقوة السلاح الفجّة، بل تمنحهم عقاراً اصطناعياً متمثلاً في هذا الفضاء الرقمي الشامل؛ وهو عقار يعمل بمثابة الـمُخدِّر الذي يمنحهم ابتهاجاً زائفاً ويسلب وعيهم بالكامل. وهنا، يقبل البشر أغلال عبوديتهم طواعية وبمحض إرادتهم؛ لأن المنظومة الرأسمالية نجحت في تخدير وعيهم الجمعي عبر آليات الترفيه والاستهلاك وصناعة اللذة المتواصلة. إن أسر الإنسان واستيلابه اليوم لا يتم عبر حجب المعلومات ومنع المعرفة (آلية المنع الشمولي كما صوّرها جورج أورويل في روايته "1984")، بل على العكس تماماً، يتم عبر إغراق الوعي بطوفان عارم من المعلومات التافهة والجوفاء والترفيه اللانهائي. وفي هذا السياق، تعمل فيديوهات تيك توك والمقاطع البصرية القصيرة كمخدر وظيفي بامتياز؛ إذ تضخ الدوبامين باستمرار في عقول الجماهير المسحوقة، لتسلب منهم وقتهم وقدرتهم على التفكير النقدي المعمق والوعي الغائي التحرري. على عكس كهف أفلاطون الذي يُسجن فيه البشر قسراً بالأغلال، فإن "العوّامة المحفوظية" تُمثل الكهف الاختياري الذي يهرب إليه المثقفون والموظفون المرهقون في كينونتهم المعيشية. العوّامة مساحة جغرافية معزولة عائمة فوق الماء، محبوسة وراسية في مكانها؛ ترمز فكرياً إلى الجمود التاريخي والعجز عن الفعل والتغيير (البراكسيس). وكما أن المنظومة الرأسمالية المعاصرة لا تكتفي بإنتاج السلع فحسب، بل تُعيد إنتاج ” آليات تجهيل رقمية وتسطيح معرفي ممنهج ”، (عبر الفضاء الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي، على نحو ما جسدناه بمجاز العوّامة المحفوظيّة)، فإنها بالقدر ذاته تخلق عوائق بنيوية تحول دون تحول المعاناة المادية اليومية للجماهير إلى وعي سياسي اشتراكي منظم. لو كُتب لماركس أن يعيش في عام 2026، لتملكه ذهول عارم؛ جراء معاينته لكيفية نجاح المنظومة الرأسمالية، عبر توظيف الطفرات التكنولوجية فائقة التطور، في إعادة إنتاج نمط أكثر عمقاً وترويعاً من ”السيطرة وسلب الوعي الجمعي”. لقد ركز ماركس في عصره على تفكيك آليات الاضطهاد والاستلاب الجسدي الذي يتعرض له العامل داخل المصانع الكلاسيكية؛ أما اليوم، فكان سيكتب بلا شك: ”إن الرأسمالية المعاصرة قد غدت منظومةً لاستعمار الوعي واحتلال الانتباه البشري”. لم تكن خوارزميات تيك توك وإنستغرام بنظر ماركس مجرد أدوات بريئة للترفيه والتسلية، بل هي بمثابة مصانع عملاقة لإعادة إنتاج (صنميّة السلعة الرقمية Digital Commodity Fetishism). ففي هذا الكهف المستحدث (شاشة الهاتف المحمول)، لا يقبع البشر مقيدين بسلاسل حديدية قسرية، بل تحولوا إلى أسرى ومستلبين طواعيةً عبر آليات الإعجاب وتدفق "الدوبامين" اللحظي. كان ماركس سيحلل واقع مستخدمي منصات تيك توك وفيسبوك بوصفهم شغيلةً يمارسون عملاً مجانياً طوعياً لصالح الشركات الاحتكارية الكبرى (مثل ميتا أو بايت دانس)؛ إذ يقدمون أوقاتهم وبياناتهم السلوكية كـمادة خام، لتقوم هذه الشركات بتحويلها عبر الخوارزميات إلى رأس مال وأرباح فلكية. وبكل تأكيد، كان ماركس سيعكف على اكتشاف السبل والممارسات الكفيلة بتحويل هذه السلعة الرقمية - متمثلةً في شاشة الهاتف المحمول، إلى سلاح بيد الطبقة العاملة لمجابهة المنظومة الرأسمالية المتوحشة. الهوامش: * إن الوعي الطبقي لا ينمو بشكل عفوي وتلقائي مكتمل، كما توهّم تيار الاقتصادوية في سجاله ضد الأطروحات اللينينية؛ بل هو بحاجة حتمية إلى رافعة تنظيمية وطليعية (متمثلة في الحزب الطليعي والنقابات الاشتراكية)، وهي الرافعة الكفيلة بإعادة صياغة "الأفكار الفاعلة والمحركة"، وتحويلها جذرياً إلى قوة مادية فاعلة قادرة على قيادة التحول التاريخي. * "مسألة أهمية دور الفكر/ العقل عند ماركس والماركسيين"، والمستوحاة من المقال أكرم سعيد - المنشور في موقع "هاوبشتي" (التضامن) - [18 تشرين الثاني 2025]. حول القسم الأول من كتاب المؤرخ الماركسي البريطاني بيري أندرسون المعنون بـ (Idées-forces).
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة
-
أفول الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية ـ صرخة مدوّية من ساك
...
-
الرأسمالية: الأزمة والبربرية
-
مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
-
اللاعقلانية في عالم اليوم
-
اللاهوت السياسي والرأسمالية
-
أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
-
شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
-
جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
-
رسالة الانقلاب الى الاردوغان
-
اردوغان سيصفي من؟!.
-
هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
-
تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
-
صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا
...
-
يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو
...
-
ماركس و الحداثة..ملاحظات من دفاتر اليومية/1
-
ملاحظات مختصرة حول الشيوعية العمالية في ايران
المزيد.....
-
الحزب الشيوعي السوداني يدين ما تعرض له الرفاق في حزب النهج ا
...
-
مواجهات عنيفة في لاهاي بين الشرطة ومئات المتظاهرين من اليمين
...
-
حزب الله والفصائل الفلسطينية.. ماذا بقي من “وحدة الساحات”؟
...
-
الصين: سكان بكين يسارعون لبيع طائراتهم المسيرة قبل حظرها الش
...
-
اشتباكات بين الشرطة ومحتجين من اليمين المتطرف في تظاهرة مناه
...
-
فرنسا: “ASDHOM” تعبر عن تضامنها مع حزب النهج الديمقراطي العم
...
-
طائرة استطلاع أمريكية تحلق أكثر من 4 ساعات حول كالينينغراد
-
Israeli Jews Who Expose Genocide Might Lose Their Citizenshi
...
-
Data Centers As Mega Scams And AI Too
-
Courtrooms Without Sociology: Gramscian Hegemony and the Myt
...
المزيد.....
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|