|
|
أقنعة المعرفة: تفكيك أسطورة استقلالية مراكز الفكر في العالم المعاصر
أكرم سعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
رَأْسُ المَالِ وَحْشٌ كَاسِرٌ وَمَخِيفْ مَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى إِغْضَابِهِ؟ لَا شَيْءَ يُهَدِّئُ ثَوْرَتَهُ العَمْيَاءْ سِوَى نَهْبِ الثَّرْوَةِ.. وَسَفْكِ الدِّمَاءْ
عازفو الناي في بلاط رأس المال: دراسة في التبعية البنيوية لمؤسسات الفكر البرجوازية يوظف الاقتصاديان الماركسيان بول باران وبول سويزي التعبير المجازي "من يدفع لعازف المزمار يحدد اللحن" في مؤلفهما المشترك "رأس المال الاحتكاري" (1966) *؛ بغرض تشريح التبعية المطلقة التي تخضع لها أجهزة الإعلام، والمؤسسات الفكرية والأكاديمية، لصالح الطبقة البرجوازية ورأس المال الاحتكاري. ويبرهن هذا التحليل على أن مراكز الأبحاث، والصحافة، والجامعات، والمؤسسات الفكرية في المجتمع الرأسمالي، لا تُنتج معرفتها في فضاء مستقل أو حياد أخلاقي نقي؛ بل ترتكز ديمومتها ووظيفتها على منح الشركات الاحتكارية الكبرى، والتمويل الحكومي الخاضع لإملاءات الدولة الرأسمالية والعسكرية. وفي الواقع العملي، تخضع أغلبية النخب المثقفة والمؤسسات الفكرية لسطوة المال البرجوازي **. وتأسيساً على هذه القاعدة الاقتصادية، يرى الباحثان أن "الطلب الفعال" في السوق الرأسمالية يستدعي بالضرورة "العرض المعرفي المتوافق معه"؛ حيث تفرض المؤسسات التمويلية شروطها وتوجهاتها الأيديولوجية على الباحثين والمثقفين (عازفي الناي)، وهو ما يُلجئ هؤلاء الأكاديميين إلى صياغة نظريات وتبريرات وظيفية تحافظ على البنية القائمة وتُحجب آليات الاستغلال البنيوي، متجنبين خوض أي مواجهة عقلانية حقيقية مع واقع النظام. إن هذه العلاقة التبعية القائمة بين السلطة والمثقفين ومؤسساتهم، تتباين تجلياتها بين دول العالم من حيث الأشكال التنظيمية ومستويات الشفافية، بيد أنها تظل متطابقة من حيث الجوهر الفكري، سواء تجسدت في (أمريكا، ألمانيا، إيطاليا، السعودية، الإمارات، إلخ). تسعى هذه الورقة إلى تفكيك "وهم الفعالية العقلانية" عبر تقديم قراءة نقدية بنيوية لأداء المؤسسات الفكرية (Think Tanks) في البيئة الرأسمالية المعاصرة. وتتمحور الإشكالية المركزية للبحث حول تفسير التناقض البنيوي الحاد بين المظهر والمخبر؛ ففي الوقت الذي تشهد فيه الدول الرأسمالية تضخماً كمياً هائلاً في عدد مراكز الأبحاث والمؤسسات المعرفية المعنية بإنتاج الاستراتيجيات، تنزلق السياسات العامة والتوجهات العسكرية والعمليات الحربية لهذه الدول نحو مستويات غير مسبوقة من اللاعقلانية الانتحارية التي تقترب من الجمود المعرفي والغباء الاستراتيجي. وتجادل الدراسة بأن هذا التناقض لا يعود إلى نقص في الكفاءة التقنية أو الأكاديمية لدى النخب الفكرية، بل هو نتاج حتمي لارتهان المادة المعرفية لقوانين السوق الرأسمالية والتمويل الاحتكاري. وبتوظيف مقولات الاقتصاد السياسي الماركسي، يتبين أن هذه المؤسسات تمارس دوراً وظيفياً تبريرياً أملته طبيعة "الطلب الفعال" للطبقة البرجوازية ودولة الحرب؛ إذ يضطر "عازفو الناي" في هذه المراكز إلى إنتاج مقاربات تحافظ على الوضع البنيوي القائم وتشرعن "استراتيجيات التوحش" من أجل تصريف الأزمات الدورية للنظام. هذا الحصار الأيديولوجي الذاتي يُقصي موضوعياً أي إمكانية لإنتاج حلول عقلانية حقيقية، ويحول تلك المؤسسات من أدوات للتنوير والتخطيط العلمي إلى أجهزة لإنتاج الوعي الزائف وتخدير الوعي الجمعي، مما يدفع بالمنظومة الدولية ككل نحو هاوية البربرية والخراب العبثي في سبيل حماية مصالح رأس المال. في الأنظمة الرأسمالية الديمقراطية، يُعتبر وجود مثقفين وصحافيين مستقلين (ليبراليين، إصلاحيين، أو حقوقيين) يوجهون النقد لسياسات دولهم ظاهرة مستمرة وطبيعية. وفقاً لمنهج الاقتصاد السياسي الماركسي، فإن السلطة الرأسمالية لا تتعامل مع هؤلاء النقاد بالمنع الصارم أو التصفية الجسدية المباشرة إلا في حالات الاستثناء الطارئة. بدلاً من ذلك، تعتمد السلطة على آليات "ناعمة وبنيوية" لاستيعاب هذا النقد وتحييده. وذلك لعدة الاسباب: 1/ إضفاء الشرعية الديمقراطية: يُمثّل هؤلاء المثقفون المستقلون الدليل الذي تقدمه الدول الرأسمالية لإثبات أنها "مجتمعات حرة وتعددية". وجود منتقدين للسياسة الضريبية أو البيئية أو الخارجية داخل الصحف الكبرى، يعطي المنظومة صك الغفران السياسي ويحميها من تهمة الديكتاتورية. 2/ صمام أمان (امتصاص الغضب): يعمل النقد غير الاشتراكي كآلية لتنفيس الاحتقان الشعبي. فالإصلاحيون يطالبون بـ"تحسين شروط اللعبة" (مثل زيادة الضرائب على الأثرياء أو تشديد القوانين البيئية) دون المساس بجوهر النظام وهو "الملكية الخاصة وعلاقات الإنتاج الرأسمالية". هذا النقد يساعد الرأسمالية على تعديل مسارها وتجنب الأزمات الثورية الحادة... الخ.
التطبيقات الميدانية للاعقلانية الرأسمالية: حروب الطاقة والممرات نموذجاً: تتجلى "أقنعة المعرفة" في العالم المعاصر بصورة صارخة عند إخضاع القرارات الاستراتيجية بإشعال الحروب المعاصرة للمساءلة النقدية والعلمية؛ مثل الصراع الاحتدامي بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الساحة الأوكرانية، والتصعيد العسكري والجيوسياسي بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج العربي، والحرب التي قادتها السعودية في اليمن ضد جماعة الحوثيين. وحين يُمحَّص المنطق الكامن وراء هذه الصراعات، يتضح أن المحددات الاقتصادية والمصالح الجيوسياسية الضيقة تمثل الدافع البنيوي الأول والمباشر للنخب المالية والسلطوية المهيمنة، في حين تأتي هذه القرارات على النقيض تماماً من مصالح الطبقة العاملة، والشرائح الاجتماعية الفقيرة، بل وتتعارض أيضاً مع قطاعات واسعة من البرجوازية المستثمرة في السلع والخدمات المدنية والبرجوازية الصغيرة التي تُسحق تحت وطأة اقتصاد الحرب. وهنا تتبدى المفارقة البنيوية التي تكشف زيف "العقلانية" التي تدعيها المؤسسات الفكرية (Think Tanks) البرجوازية؛ فما هي المعرفة العقلانية المفترضة وراء قرار تصعيد المواجهة ضد روسيا واستنزاف القدرات الأوكرانية، في حين أدى هذا الخيار موضوعياً إلى تدمير البنية الاقتصادية الأوروبية جراء انقطاع إمدادات الغاز والنفط الروسي منخفض التكلفة؟ إن هذا القرار الذي قاد إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة، أسفر بالتبعية عن تقويض التنافسية الهيكلية للصناعات الأوروبية الكبرى أمام الصعود الاقتصادي الصيني. وفي السياق ذاته، تنتفي العقلانية الاستراتيجية عن مساعي شن حرب أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران، لما ينطوي عليه ذلك من مخاطر تدميرية تتهدد منطقة الخليج العربي بوصفها الشريان الحيوي ومصدر الطاقة الأساسي للاقتصاد العالمي. وتتكثف هذه الاعقلانية عند فحص قرار الحرب السعودية في اليمن؛ فأين تكمن المعرفة أو الجدوى الاقتصادية الاستراتيجية وراء حملة عسكرية أفضت إلى استهداف منشآت شركة "أرامكو" العملاقة والبنية الصناعية الحيوية للمملكة، في ظل غياب أي أهداف أو مكتسبات اقتصادية ذات قيمة فعلية في الحيز الجغرافي الخاضع لسيطرة الحوثيين، ووقوع الكلفة الأكبر على كاهل المدنيين؟ إن هذه النماذج الحية تؤكد أن ما تسوقه مراكز الفكر الرأسمالية كـ"استراتيجيات وعقلانية سياسية" ليس سوى أقنعة أيديولوجية؛ وظيفتها حجب الطبيعة الانتحارية للرأسمالية المتأخرة، التي تندفع غريزياً نحو البربرية وتدمير مقومات الحياة المشتركة لضمان بقاء كارتيلات السلاح والطاقة والنفوذ، حتى وإن كان الثمن هو الخراب الاقتصادي الشامل للمجتمعات.
أقنعة المعرفة بين وهم التشتيت الفوكوي وصرامة النقد الاشتراكي *** في سياق تفكيك "وهم الفعالية العقلانية" للمؤسسات الفكرية الرأسمالية، يصبح من المحتم معرفياً الاشتباك مع الأطروحات الفلسفية التي حاولت صياغة مقاربات بديلة لجدلية المعرفة والقوة؛ وعلى رأسها أطروحة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول "جدلية السلطة والمعرفة". لعل الرواج الكبير الذي تحظى به المقاربة الفوكوية في الأكاديميات المعاصرة يفرض ضرورة إخضاعها لمبضع النقد الاشتراكي، لبيان كيف يساهم هذا الطرح، وعلى النقيض من ادعاءاته التفكيكية، في تعزيز حالة التنويم الأيديولوجي السائدة وتبرير عجز هذه المؤسسات المعرفية. يمتلك فوكو رؤية ميكرو-فيزيائية هلامية ترى أن السلطة ليست مركزاً ثابتاً (لا تنحصر في الدولة أو الطبقة المسيطرة ****)، بل هي شبكة متغلغلة في كل مفاصل المجتمع، وتتشكل بنيوياً من خلال الخطاب والمعرفة. بيد أن هذا الطرح يسقط في منزلقات إبستمولوجية حادة عند مواجهته بصرامة المادية الجدلية والاقتصاد السياسي الماركسي: أولاً/ قلب السببية البنيوية (نزعة فوكو المثالية): يقوم الطرح الفوكوي بقلب العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية؛ إذ يتعامل مع المعرفة والخطاب ككينونات مستقلة تولد السلطة من ذاتها. في المقابل، تُثبت المادية التاريخية أن المؤسسات المعرفية ومراكز الأبحاث (Think Tanks) لا تصنع سلطة من فراغ، بل إن الطبقة التي تهيمن على وسائل الإنتاج المادي (البرجوازية الاحتكارية) هي ذاتها التي تملك وتدير وسائل الإنتاج الفكري. إن "الطلب الفعال" لرأس المال هو المحدد الجوهري لطبيعة "العرض المعرفي"؛ وبالتالي، فإن أقنعة المعرفة التي ترتديها هذه المؤسسات ليست فضاءات حرة لإنتاج الخطاب، بل هي أدوات أيديولوجية مسلحة بالتمويل البرجوازي لحماية نمط الإنتاج القائم. ثانياً/ تمييع الصراع الطبقي وتحييد الجلاد البنيوي: من خلال تشتيت فوكو لمفهوم السلطة وجعلها منبثقة من الجميع وموزعة بالتساوي بين المصحات، والسجون، والخطابات اليومية، فإنه يمارس عملية إعماء أيديولوجي- ( تُغيب المركز الحقيقي للمواجهة). هذا التفتيت المعرفي يحجب الحقيقة الفجة للنظام الرأسمالي المعاصر، حيث تتركز السلطة القسرية والقرار الاستراتيجي بشكل حاسم وفج في يد الدولة البرجوازية وكارتيلات السلاح والنفط العابرة للحدود. إن وهم التشتيت الفوكوي يُعفي هذا المركز الطبقي من المسؤولية التاريخية، ويحول النقد إلى مجرد مناوشات هامشية لا تهدد ركائز النظام. ثالثاً/ العجز عن تفسير البربرية وحروب الطاقة: تعجز المقاربة ما بعد البنيوية لفوكو عن تقديم تفسير علمي لـ"اللاعقلانية الانتحارية" والعمليات الحربية الحديثة التي تشهد تدميراً ممنهجاً لمصادر الطاقة والبنى التحتية المجتمعية. فبينما يرى فوكو الحروب والتقنيات كأدوات للانضباط والحياد الحيوي، يكشف الاقتصاد السياسي الماركسي أن هذه الهمجية العسكرية المعاصرة هي استجابة قسرية حتمية لأزمة الكساد البنيوي وفائض إنتاج رأس المال. التدمير لا يحدث بقرار من "خطاب معرفي مجرد"، بل مدفوع بالقوانين الصارمة لحركة رأس المال الباحث عن أسواق وممرات جديدة للإمداد. رابعاً/ السقوط في الهاوية العدمية وسحق الاستيقاظ الثوري: ينتهي منطق فوكو إلى أفق سياسي مسدود وعدمية مطلقة؛ فما دام أن كل معرفة تنتج سلطة جديدة، وكل مقاومة هي مجرد حلقة في شبكة القوة، فإن أي حراك جماهيري يصبح عبثياً ومحكوماً عليه بإعادة إنتاج الاستبداد. هذا الطرح يُمثّل الذروة في تكريس حالة "السرنمة السياسية" (المشي والتحدث أثناء النوم)؛ لأنه يُقنع الجماهير بانتفاء جدوى التغيير الجذري. وعلى النقيض من ذلك، تؤكد صرامة النقد الماركسي أن الاستيقاظ الثوري المنظم، المسلح بالوعي الطبقي والنظرية العلمية، قادر على تحطيم الهياكل البرجوازية وبناء بديل عقلاني اشتراكي ينهي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، بدلاً من الدوران في حلقة مفرغة من الخطابات الافتراضية. تكمن القيمة المنهجية لهذا الفصل المقارن في كشف أن التضخم الكمي للمؤسسات الفكرية الرأسمالية وتزامن ذلك مع "غباء استراتيجي ولاعقلانية" في السياسات، ليس لغزاً عصياً على الفهم؛ بل هو النتيجة الطبيعية لتحول المعرفة إلى سلعة خاضعة للاحتكار. إن تفكيك أوهام التشتيت الفوكوي يعيد الاعتبار لمركزية الصراع الطبقي، ويؤكد للقارئ أن الخروج من هاوية البربرية الحديثة لا يتم بالانعزال داخل الخطابات الهلامية، بل بالانخراط في تنظيم مادي واعي يواجه سلطة رأس المال في الواقع المعاش. (ان وجدان المثقف المنفصل عن مجرى التاريخ، هو بوصلة مكسورة لا يمكن الوثوق بها. لقد جعل التاريخ مسألة الاختيار راديكالية وبسيطة بما لا يدع مجالا للشك: إما حماية الرأسمالية المتوحشة، أو الانخراط في الثورة الاشتراكية.). - (مقتطف من نص "إنسانية بلا رياء" (1952) / جوزيف شالاسينسكي). هذه الأسطر المقتبسة من نص جوزيف شالاسينسكي يُمثّل ضربة قاضية لأوهام "المثقفين المستقلين" غير الاشتراكيين؛ فهو يؤكد بمنطق المادية التاريخية أن "الحياد الفكري" في زمن الأزمات والبربرية هو وهم وخيانة موضوعية. المثقف الذي يحاول أن يقف في المنتصف (ينتقد السياسات دون المساس بجذر النظام) هو صاحب "بوصلة مكسورة"؛ لأن التاريخ في طوره المعاصر يفرض خياراً ثنائياً حاسماً لا ثالث له: إما أن تكون ترساً يحمي البربرية الرأسمالية المعاصرة، أو مناضلاً واعياً في سبيل الثورة الاشتراكية والبديل الإنساني العقلاني.
الهوامش: * يظهر التعبير المجازي "من يدفع لعازف المزمار يحدد اللحن" (Who pays the piper calls the tune) في الصفحة رقم 3 من النسخة الأصلية لكتاب "رأس المال الاحتكاري". ** تتكشف آليات تعاطي الأنظمة البرجوازية القائمة على الديمقراطية التمثيلية (الانتخابية) مع المثقفين والصحافيين المستقلين عن استراتيجية وظيفية مزدوجة، تُزاوج بين الاحتواء الأيديولوجي والإقصاء البنيوي الناعم. فالمنظومة الرأسمالية لا تسعى بصفة أولية إلى القمع المادي المباشر أو التصفية الجسدية للمعارضة الفكرية، بل توظف مساحات النقد المتاحة لإعادة إنتاج شرعيتها السياسية؛ حيث يُستغل وجود النخب المستقلة كدليل إجرائي لتسويق مقولات "التعددية والمجتمع المفتوح"، وتحويل أطروحاتهم الإصلاحية إلى صمام أمان بنيوي يمتص الاحتقان الاجتماعي ويحصر سقف المطالب في إطار "تعديل قواعد اللعبة" دون المساس بجوهر النظام الاقتصادي القائم على الملكية الخاصة. بيد أنه في اللحظة التي يتجاوز فيها هذا النقد التخوم المسموح بها ويقترب من تشريح الجذور البنيوية لأزمات رأس المال أو كارتيلات السلاح والطاقة، تفعل السلطة ترسانتها الحمائية غير المباشرة. وتتمثل هذه الآليات في التهميش الاقتصادي القسري عبر تجفيف منابع التمويل والإعلان، وممارسة الرقابة الذاتية الناعمة، فضلاً عن حصار الأفكار الراديكالية عبر ما يُعرف بـ "صناعة الإجماع"؛ حيث تُصنف الأطروحات النفدية العميقة كأفكار "هامشية أو غير واقعية" لتقويض مصداقيتها المجتمعية. وفي الأوقات التي تشتد فيها الأزمات الجيوسياسية، قد ترتد هذه الديمقراطيات الإجرائية إلى أدوات توتاليتارية مقنعة بالقانون، لإرهاق الأصوات المستقلة بالمعارك القضائية أو التضييق الإداري، مما يؤكد أن هامش الحرية الفكرية في البيئة البرجوازية يظل مشروطاً موضوعياً بعدم تهديد مسارات تراكم رأس المال والاستقرار الفوقي للنظام الحاكم. *** هذا القسم من المقالة (نقد رؤية فوكو لسلطة)، هي ترجمة قسم من مقالتي ( رؤية ماركس لسلطة ـ رد على مقالات نقدية لمجلة رهند) ـ نشر في مجلة (فكر الجديد/ 1988)مع تعديل و إضافات. **** الدولة بين المعرفة والمصلحة الاقتصادية: يكرر بعض الكتاب أطروحة فوكو القائلة بأن (السلطة مبنية على أساس المعرفة). هذه الأطروحة في حد ذاتها ليست جديدة، بل إن كتاب عصر التنوير ومن بعدهم هيغل صاغوها على النحو التالي: (يجب أن تؤسس الدولة على أساس العقل). إن تعديل صياغة الأطروحة لا يجعل منها شيئاً جديداً. هذه الأطروحة بحد ذاتها ناقصة، وهي تمثل رؤية ليبرالية للدولة. في الواقع، إن دولة الرأسماليين مبنية على أساس حماية المصلحة الاقتصادية للطبقة البرجوازية. ولدولة الرأسماليين وظيفتان: تمتلك الدولة عدداً من الأجهزة البيروقراطية التي تعمل فيها هيئات متعددة من المتخصصين والخبراء لتنظيم المجتمع وفقاً لمصالح الطبقة البرجوازية؛ أي أن الدولة في أحد وجهيها هي هيئة إدارية في خدمة طبقة أصحاب رؤوس الأموال. كما أن الدولة بوجهها الآخر هي قوة قسرية خشنة: إذ تمتلك جهاز العنف [مثل الشرطة والجيش] الذي يخضع المجتمع بالقوة للقوانين الاقتصادية والسياسية التي تصب في خدمة طبقة الرأسماليين. كان هيغل يعتقد أن "المحطة الأخيرة للتاريخ هي الحرية، وأن التجسيد الفعلي لهذه الحرية هو الدولة"، ومن هنا دافع هيغل عن تأسيس "دولة الحق" التي يتجسد فيها العقل المطلق. أما ماركس فكان يرى أن "البشرية لن تعرف الحرية الحقيقية ما دامت الدولة قائمة، فالدولة هي أداة للسلطة، والسلطة السياسية ليست سوى قوة منظمة لطبقة من أجل اضطهاد طبقة أخرى، والسلطة التنفيذية للدولة الحديثة ليست سوى لجنة إدارة مشتركة للشؤون العامة للطبقة البرجوازية كافة" - ماركس / الأيديولوجيا الألمانية.
#أكرم_سعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أوهام الانتفاضة وآفاق الثورة: شروط التغيير الاجتماعي في عصر
...
-
الاشتراكيون والحرب
-
الهمجية الحديثة ـ قراءة في الرأسمالية المتوحشة
-
شظايا ماركس
-
الوعي البشري: من أسطورة الكهف الأفلاطوني إلى الفضاء الرقمي ا
...
-
من المجتمع المفتوح إلى التوتاليتارية الجديدة
-
أفول الليبرالية وعالم ما بعد الليبرالية ـ صرخة مدوّية من ساك
...
-
الرأسمالية: الأزمة والبربرية
-
مفارقة الاغتراب والوعي عند ماركس*
-
اللاعقلانية في عالم اليوم
-
اللاهوت السياسي والرأسمالية
-
أسئلة وأجوبة حول الإشتراكية
-
شرح نظرية فائض القيمة - كارل ماركس
-
جئنا نحميكم!. مهمات الاشتراكيون في العصر الراسمالية الوحشية
-
رسالة الانقلاب الى الاردوغان
-
اردوغان سيصفي من؟!.
-
هدفان للانقلاب الاخير في تركيا
-
تفسير الظاهرة الارهاب - ملاحظات من دفاتر اليومية/٤
-
صراع بين السيادة الوطنية والتبعية لإمپريالية ملاحظات من دفا
...
-
يوم يسقط فيها دمشق نتائج و توقعات الملاحظات من دفاتري اليو
...
المزيد.....
-
رئيس CNN يعلّق على قرار القاضي بشأن حظر ترامب مؤسسات إعلامية
...
-
قاضٍ: حظر ترامب لوسائل إعلام من دخول البيت الأبيض يُرجّح أنه
...
-
تحليل: ترامب حاول خفض الأسعار قبل الانتخابات النصفية.. لكن ل
...
-
من أوكرانيا لهرمز.. الطاقة معضلة ترامب
-
البنتاغون والدفاع الإسرائيلية يوقعان صفقة لتوريد 12 مروحية أ
...
-
رئيس بلدية إسطنبول المسجون يبدأ دفاعه أمام المحكمة في 142 ته
...
-
السيسي يعلق لأول مرة على إمكانية تعديل الدستور وتمديد رئاسته
...
-
روسيا تؤكد أن قرار منح الأسد اللجوء لأسباب إنسانية نهائي ولا
...
-
الحوثيون يعلنون استهداف منشآت لأرامكو ومطار في السعودية بالص
...
-
موسكو تسجّل أكثر من مليار رحلة بوسائل النقل البري منذ بداية
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|