|
|
لقاءات وهران الثقافية في طبعتها الثالثة
سعيد هادف
(Said Hadef)
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 15:08
المحور:
الادب والفن
بعد عودتنا من الجنوب الغربي، كنا على موعد مع لقاءات وهران الثقافية التي دأبت دار الثقافة "زدور محمد إبراهيم القاسم" على تنظيمها منذ عامين. غير أن هذه الطبعة (الثالثة، من 24 إلى 26 أكتوبر) كانت على عاتق بيت الشعر/فرع وهران، من حيث استقبال الضيوف والإشراف على تسيير الجلسات التي دامت ثلاثة أيام ممتلئة. وكنت أود أن أكتب عن هذه التظاهرة بشيء من التفصيل لكن لضيق الوقت سأكتفي بكتابة ما احتفظت به ذاكرتي وما توفر لي من معطيات. كانت الصدفة أن ألتقي مجددا بالجنوب الغربي صبيحة اليوم الأول (السبت 24 أكتوبر) مع أول ضيف قادم من بشار. أحد قدماء جمعية آفاق الثقافية بوهران زمن التسعينيات من القرن الماضي، الشاعر عبد الله الهامل وهو من الأصدقاء الذين تمددت بيني وبينهم المسافة وانقطعت سبل الاتصال. فكانت مناسبة طيبة أن ألتقيه وكانت وهران كعادتها حلقة الوصل، التقيت مجددا بالصديقين الناقدين مخلوف عامر وقلولي بن ساعد وبالشاعر ابراهيم صديقي. صبيحة اليوم الأول التي أشرف على تسييرها الشاعر حبيب بن مالك، جمعت الشاعرين إبراهيم صديقي وعبد الله الهامل. أما المساء كان احتفاء بالناقد الدكتور مخلوف عامر. وقد أشرف على تسيير هذه الأمسية الشاعر عبد الله الهامل.
مخلوف عامر: ناقد رائد من مدينة رائدة ـــــــــــــــــــــــــــــــــ مخلوف عامر مثقف من ذلك الصنف الذي لم يتأخر في التزود بقبس النور قبل أن تنطفئ الشعلة أو تختفي في غبار النسيان، فوصل اسمه إلى القارئ ضمن قافلة الرعيل الأول من رواد النقد الأدبي، ومع الخروج من الأحادية الحزبية برز كفاعل سياسي في صفوف اليسار بحزب الطليعة وقتئذ. ولأن سيرة أي شخصية دينامية لا تكون مكتملة الوضوح إلا في سياقها البيوغرافي، فإن سيرة مخلوف ترتبط جدليا وبنيويا بمدينته (سعيدة) التي ظلت إقامته ومقامه. وهي من المدن الجزائرية التي تشكلت شخصيتها من صميم ذاكرتها التي انفتحت على شخصيات وأحداث ثورية، تاريخية وسياسية وفكرية. مدينة متميزة من حيث تنوعها الجغرافي الفريد ومعالمها التاريخية والطبيعية البارزة التي جعلتها نقطة وصل حيوية بين الشمال الغربي والجنوب الغربي للبلاد. كانت متميزة الحضور من خلال فريقها مولودية سعيدة لكرة القدم ورموزها الغنائية والسينمائية والأدبية والسياسية. "صحيح أنَّ التوجُّه اليساري كان غالباً، يقول مخلوف، وقد قُدِّر للمدينة أنْ نُفِي إليها (بشير حاج علي) ورفيقه (هيشور بن عمر). وعرفت وجوهاً بارزة من داخل الوطن وخارجه أمثال: (مصطفى الأشرف وعبد المجيد مزيان وطيب تيزيني وعز الدين المناصرة). ولما اقترحت جهات لبنانية أن يكون يوم اغتيال المفكِّر(حسين مروة) يوماً للمثقف العربي، كانت سعيدة هي الوحيدة التي بادرت بإحياء الذكرى الأولى. لكن، بصرف النظر عن طبيعة التوجه السياسي، فالمُؤكَّد أن الروح الوطنية كانت المُحرِّك الأساس للإقبال على الثقافة، إذْ كان المهتمُّون بها، متطوِّعين يُواظبون على خدمتها، رغم المضايقات وترويج الأحكام المسبقة ضدَّهم." "في هذا المحيط الغنيّ تربَّيْنا، يقول مخلوف عامر، في مدرسة للمعرفة والتنوير، فتعلَّمْنا ما لم نتعلَّمْه على مقاعد الدراسة. ولولا ذاك ما كُنَّا لنعرف معنى الحياة". من رحم هذه المدينة خرج مخلوف إلى صخب الحياة وعنفوانها وإلى عالم الأدب والسياسة والنقد. غير أن مخلوف، رغم حالة التوتر التي تجمعه بمدينته ظل متشبثا بها. لقد كتب ذات يوم في ملف كنت أعددته حول المدينة: "سعيدة التي يجري اسمُها على سائر الألسنة جَريانَ مائها المعدني، لا يبدو أنها سعيدة كما يوهِمُ اسمُها. فقد ضاعت منطقتُها الصناعية الواعدة، وتراجع فيها الفعل الثقافي حدّ التصحُّر، شوارعها مليئة بالحُفَر، والمُمَهِّلاتُ فيها لا تخضع لمقاييس مُوحَّدة. واتّسعت أكثر ولكن، لا يستوقفك فيها إلا تراكم الإسمنت المسلَّح، مثلما تَسَلَّح بعض الجُهَّال بـ"الشكارة" ليمثِّلوها في أعلى الهيْئات، فهي اليوم أبداً لا تُشْبه البارحة". إنها ظاهرة للأسف تعيشها كل المدن الجزائري، وهي ظاهرة لا يمكن معالجتها إلا بعد تشخيصها وتفسيرها، وتلك هي مهمة البحث العلمي، الاجتماعي والإنساني. الناقد والأكاديمي الدكتور مخلوف عامر يتمتع بمكانة ريادية ومرجعية بارزة في المشهد النقدي والحداثي المغاربي والعربي. هو أحد أبرز نقاد السرد المعاصرين الذين واكبوا تحولات الرواية والقصة في الجزائر على مدار أكثر من أربعة عقود وبحصيلة من المؤلفات فاقت العشرين. تميزت اشتغالاته النقدية بالتركيز الاستثنائي على النص المحلي، والربط الجدلي بين الجماليات الفنية والتحولات الاجتماعية والسياسية. وكانت المدونة السردية الجزائرية مصدر مشروعه النقدي؛ حيث تفرّغ لمتابعة النصوص الإبداعية بمجرد صدورها، متميزاً بالقدرة على الفرز والتقييم. وفي سياق تتبعه للأسئلة الراهنة ، الثقافية والهوياتية، درس كيف انعكست التحولات التاريخية والسياسية (مثل الثورة الجزائرية والتغيرات الاجتماعية) داخل النصوص السردية. كما عمل على توظيف التراث في الرواية، حيث ركّز في أبحاثه الأكاديمية ودراساته العليا على الكيفية والخلفية التي استدعى بها الروائيون الجزائريون الرموز التراثية والحكايات الشعبية وأعادوا صياغتها برؤية معاصرة. وفي سياق رصده لتجارب القصة القصيرة ومظاهر تجديدها، عمل على البحث في جذورها التاريخية بالجزائر، ومتابعة جمالياتها البنائية، مبرزاً الانتقال الفني من الأشكال التقليدية الكلاسيكية إلى التجريب والتحديث الجمالي. وانفتح في اشتغالاته المتأخرة على دراسة كتابات جيل التسعينيات وما بعدها، راصداً التغيرات الأسلوبية والموضوعية للأصوات الروائية الجديدة في مواجهة تحديات الراهن، كما واكب تجارب الألفية الثالثة والكتابات الجديدة في ضوء تجارب جيل السبعينيات الذي ينتمي إليه. وإجمالا يمكن القول، أن مخلوف عامر من موقعه الثقافي والفكري اتسم بالمرونة في التواصل والتلقي، وفي بناء المواقف من الأشخاص والأحداث. وهذه المرونة نابعة عن قابليته في التحرر من دوغمائية القناعات الجماعية. نحن نبني علاقتنا بالعالم عبر قناعات، وكلما تشكل لدينا وعي بأن القناعات ليست ثابتة بل تخضع للتغير، تضعف وتتقوى كلما دعت الضرورة، فهي ليست ثابتة كالقيم والمبادئ، بل هي نابعة عن القيم التي نشأنا عليها وعن المبادئ التي خبرناها وفهمناها وآمنا بها. وبذلك فإن تغيير القناعات لا يعني التنكر للمبادئ، وبالتالي فإن تغيير القناعات يفضي بالضرورة إلى تغيير المواقف من حيث أن المواقف هي ترجمة سلوكية لتلك القناعات. وللأسف فإن هذا التلبك والالتباس في الفهم هو من أكثر معيقات التواصل والتفاهم ومن أخطر عوامل الخصام والعداء. كانت هذه الكلمات شهادتي في المحتفى به، وقد شارك في هذا الاحتفاء ثلة من أصدقائه ورفاقه: محمد بن زيان، صايم عبد الحكيم، قلولي بن سعد، عبد الله الهامل، وعراب إيزروقن الذي قدم شهادة مفعمة بالحقائق والمشاعر حول رفيقه في النضال، عن طفولته الصعبة وإصراراته الصلبة وقدرته على التحدي وشغفه بالفكر والأدب.
ميلود بلعالية: الرهانات الفلسفية للكتابة الشذرية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صبيحة اليوم الثاني كانت خاصة بمسرح الطفل وأدبه، بمشاركة الكاتبة فايزة مصطفى والممثل والمؤلف بلقروي عبد القادر. أما الأمسية التي تشرفت بتسييرها كانت فلسفية وأطرها الباحث والأستاذ الجامعي ميلود بلعالية دومة الذي جاء من مدينة شلف ملتزما بالحضور رغم الانشغالات وطول المسافة. أكاديمي وباحث متخصص في الفلسفة، يشغل رتبة أستاذ جامعي في جامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف، وله إسهامات وبحوث عديدة في مجالات الفلسفة وتاريخها والعلوم الإنسانية. ومن أعماله (الكتابة التاريخية العربية: من فضاء التأصيل إلى أفق التجديد، التواصل والتاريخ: بحث في فلسفة التاريخ عند بول ريكور، البخاري حمانة: فيلسوف الثورة الجزائرية، شذرات في التخييل والتأويل..) جاءت مداخلته حول الكتابة الشذرية، والتخييل والتأويل ليس من موقع التلقي والقراءة فحسب بل من موقع الفعل الكتابي انطلاقا من باكورة أعماله الشذرية "شذرات في التخييل والتأويل". كانت مداخلة تتحرك بحرية داخل إطار مرن تتعايش فيه الفلسفة مع الأدب وفق مقتضيات الحوار والتفاعل مع أسئلة الجمهور. وسأدرج في هذه التغطية ورقته التي أعدها ولم يقرأها، وفيه مجمل ما تناوله في لقائه المفتوح مع المثقفات والمثقفين. أولا: الكشف عن اقتدارات التخييل: ثمة، بلاشك، تعارض مبدئي بين الواقع والتخييل، ولكن بالمقابل ثمة أيضا إمكانية للتوسط تسمح بالانتباه إلى "المرجع المشترك" بينهما. هذا المرجع يجد مسوغه الكامل في "البعد التخييلي للغة"، أو ما يمكن أن نضعه ضمن المصطلح الدقيق الذي ابتكره "ريكور" دفاعا عن ظاهرة الابتكار الدلالي عموما، بخاصة في كتابه عن "الاستعارة الحية"، أعني به مصطلح "المرجع الاستعاري" (Référence métaphorique) ، أي المرجع الذي يتأكد بفضل الوظيفة الكشفية للغة المجاز. واضح إذن أن ثمة إمكانية للحديث عن فاعلية تخييلية للغة تظهر، بخاصة، حينما تدخل اللغة ذاتها في علاقة توتر مع الواقع مثلما هو الحال في لغة الفن، حيث يُمكٍّننا هذا التوتر من إعادة ترتيب حياتنا وفق مخططات قرائية لامتناهية للواقع بغرض إغناء تجربتنا الزمنية وتوسيع دائرة انتماءنا الشعري والوجودي ( إذ لا عبرة بالانتماء الجغرافي للغة في هذا السياق...). بهذا فقط تأخذ مقولة الشاعر"هولدرلين"، كما أوضح ذلك "هيدغر"، معناها الكامل حين قال: "إن اللغة هي النعمة الأكثر خطورة من بين سائر النٍّعَم الأخرى التي مُنِحها الإنسان ". من هنا يتأكد لنا أيضا أن التخييل المفعل في فنون القصة أو الرواية لا يفسد وظيفة التمثيل الواقعي أو التاريخي للتجربة الإنسانية، كما يعتقد الكثيرون، بقدر ما يمنح هذه التجربة عمقا أنطولوجيا ما كانت لتتوفر عليه لو بقيت رهينة العمل التوثيقي وحده، إذ هناك عالم "أشبه بالواقعي" ينشره النص التخييلي، وهو لا يقدم نفسه كعالم مضاد للواقع الفعلي بقدر ما يعين هذا الأخير على تحرير ذاته من أسر واقعيته الفجة. فوساطة التخييل، بهذا المعنى، هي التي "تصل" "فضاء التجربة" بـ: "أفق الانتظار"، إذ في الوقت الذي تميل فيه "التجربة" الفعلية إلى التجميع والانكفاء، يميل "الانتظار"، عبر وساطة التخييل، إلى نشر الإمكانات التي لم تدمج في التجربة بعدُ. ربما هذا ما يسمح لنا بالقول، في إثر "ريكور"، أنه بواسطة التخييل، أو بالأصح، بواسطة لغة التخييل، يمكن إبداع تجربة جديدة للزمن، وتاليا اشتراع أنماط وطرق وجود جديدة في العالم لا يمكنها إلا أن تكون جديرة بالاحتفاء والاعتبار. بهذا المعنى لم يَعُد يُنظر إلى أعمال التخييل (Les œuvres de fiction) بوصفها مجرد ظِلالٍ للواقع، أو انعكاسات عابرة ووهمية له. بالعكس تماما، أضحت هذه الأعمال تعبر ، في أدق وأبسط إنجازاتها، عن الإمكانية المتاحة "لبيئة بسيطة" ( Um welt) بأن تصير "عالَما " ( Welt)، أعني فضاءً مُهيّئا لتجربة جديدة في السكنى و أفقا موسعا لاشتراع إمكانات نظر غير مسبوقة للعالم، وذلك من خلال فتح "نوافذ" تصلنا بمَشاهد لم يكن بالإمكان الوصول إليها والتمتع بجمالياتها و جلالياتها لو بقينا مجرد أسرى للاستعمالات النفعية اليومية، الفقيرة على الدوام، و المُفقرة باستمرار للغة و للعالم . بناءً على هذا يمكن الحديث عن "ولادة شعرية" للشخص الإنساني في مقابل "ولادة بيولوجية" للفرد البشري. فالولادة بمعناها "الشعري - الوجودي" وحدها فقط تجيز الحديث عن ولادة في صيغة المستقبل (عوض صيغة الماضي)، أعني الحديث عن "إمكان ولادة"، أو بالأصح "ولادات"، هي بالأساس "بداياتٌ" متجددةٌ باستمرار، لا تدين، في معنى وجودها، إلى قدرية الموت، بل تبقى، دوما وبصورة عميقة، مشدودة إلى رمزية الحياة في إقتبالها الدائم... "ولاداتٌ" هي إمكاناتُ وجودٍ مستمدة رأسا من طاقة الخيال الإبداعية من حيث هي وحدها الطاقة المؤهلة لمنح مضمون ملموس للأمل، أعني لحياةٍ مشترعةٍ على نمط القادم و المأمول لا على نمط الجاهز و المأهول، وهو الأمر الذي يُمَكِّنُ المرءَ من ممارسة "حريته تبعا للرجاء" بعبارة "ريكور"(Sa liberté selon l espérance) أو ذاك الذي يمكنه من مداومة الاحتفاء بما "ليس بعدُ" (Le pas-encore) وفق عبارة "إرنست بلوخ"... ثانيا: الاعتراف بقدرية التأويل ... تظل الحاجة إلى التأويل قائمة ما دام بلوغ "الحالة المثالية للمعرفة" أمرا متعذرا بالكامل بسبب الاختلافات الجوهرية بشأن الافتراضات المسموح بها و الأهداف التفسيرية المبتغاة ، وهذا لا يصدق على حقول "الانسانيات" فقط، بل يطال حقول الطبيعيات أيضا بالرغم مما تتفرد به هذه الأخيرة من درجة عالية في الإجماع، ذلك أن ثمة دوما قَدْرا من "عدم الشفافية" يحول بين صرامة المحددات الإجرائية الداخلية للأنظمة العلمية والتي تميل، بحكم حياديتها المفترصة، إلى الموضوعية و الملموسية، وبين الموجهات القيمية المتصلة بالأهداف التفسيرية التي ترتهن اللغة العلمية من الخارج، أعني الأهداف ذات الصلة المباشرة، أو غير المباشرة، بشتى الآفاق المعرفية والمؤسساتية التي تنخرط فيها اللغة العلمية بوصفها دوما لغة قطاعية أو جهوية ابتداءً. وهو الأمر الذي يمنع، بدوره، إمكانية "التوحيد التأويلي" لمختلف الأنظمة العلمية ، كما يمنع بالفعل الحديث ،بداهة، عن "وحدة نموذجية مزعومة للعلم" أو "منطق شامل وموحد للعلم". و لقد صار بيِّناً أن هذا الامر لم يعد متاحا حيث بات الكثير من فلاسفة العلم المعاصرين، بالرغم من اعتقاد بعضهم بوجود حقيقة " موضوعية" مطلقة ، يميلون إلى النفور، أو على الأقل إلى الارتياب، بشأن امكانية بلوغها على نحو موضوعي مطلق، لهذا نجد " كارل بوبر" مثلا، وهُوَ مَنْ هُوَ في فلسفة العلم، يؤكد على "أننا دوما نقارب كل شيء في ضوء نظرية نُكوِّنُها مسبقا"، وأن الملاحظة البحت لا معنى لها... فهي انتقائية دائما، وأنها تحتاج إلى موضوع مُنتخَب، مهمة محددة، مصلحة، وجهة نظر، مشكلة... لا يمكن للموضوعات أن تصنف إلا بهذه الطريقة؛ أعني من خلال ربطها بحاجات ومصالح" (انتهى الشاهد). واضح إذن أن التأويل قَدَرٌ مشترك بين جميع أنظمة المعرفة، الطبيعية منها و الإنسانية ، وإنْ كان ذلك بدرجات متفاوتة من الحدة والثقل، وهذا بناء على القاعدة التأويلية العامة القاضية بأن "كل ما نفهمه يعتمد على ما نتوقع اكتشافه" ، وانه "لا مندوحة للفهم مِن دون فهمٍ سابقٍ "، وانه بهذا المعنى لا يمكن الحديث ( في العلم أو في غيره) عن "إدراك خالص"، أو قل عن "حالة مثالية للمعرفة" ما دامت المعرفة البشرية، في جميع صورها ومستوياتها، هي في النهاية "تأويل لموضوع ما على جهة ما ووفق "وجهة نظر" ما" ، وأن الحقيقة مهما بدت موضوعية في بعض حقول المعرفة ، تظل مجرد "رأيً" بلغ من التماسك ( Consistance) و الانتظام (Régularité) ما يشهد له ، ولو مؤقتا، بقدر من "الاتفاق" على أوسع نطاق ... ثالثا: إعادة اكتشاف الإنسان : "الإنسان بوصفه "وجهة نظر" ...! ليس المراد من هذا التعيين المفهومي المقترح محاولة التأسيس لمفهوم الإنسان بالمعنى الترنسندنتالي لكلمة تأسيس، ولا محاولة تحديده بالمعنى الديالكتيكي لكلمة تحديد، إنما هو " شروع" - وشروع فقط - في تحرير مفهوم الإنسان من عقم النماذج التفسيرية الاختزالية من جهة، ومن تسلط المعايير ذات البعد المركزي الأحادي من جهة ثانية، ذلك أن وَقْف تعريف الإنسان على مطلق "وجهة النظر" يدعو، في تقديري الخاص، إلى إنصاف نوع من الممارسة الخطابية تأكدت، وتتأكد باستمرار، عبر محاولات الحفر المفهومي بشأن البحث في تكوينية الإنسان من داخل مصادر التوليد الأنتربولوجية الأكثر تعددا وانفتاحا ، وتاليا الأكثر ثراءً واتساعا، أعني محاولات التوغل في الطبقات العميقة لاستثارة الموارد المطمورة واللاواعية - ومع ذلك الحية دوما - لثقافة ما بوصفها مضمونا حقيقيا لأنماط وجود إنسانية ظلت مكبوتة أو، بالأصح، "مطاردة" ، على حد تعبير "شارل تايلور"، داخل معاقل عُدًت لزمن طويل هامشية بالنسبة لتاريخ التفكر الفلسفي والعلمي على حد سواء... معاقل كثيرة على غرار الجسد والحكاية والمتخيل والأسطوري والهامشي وغير ذلك مما تم تصنيفه عادة خارج إطار "الثقافة العالِمة"... لقد صار من الأهمية بمكان الالتفات ، بحزم وعزم، لمقاربات جريئة تضع نفسها منذ البداية في مواجهة فلسفية عنيدة، ولكنها أصيلة وعميقة، ضد مظاهر الاستلابات الخفية، الناجمة في الغالب عن ما يُعرف لدى البعض "بالادعاءات الاستثنائية" للخطابات (الكونية) المتمركزة على الذات Prétentions exceptionnalistes ، أعني الخطابات التي مارست، ولا تزال تمارس، ضربا من " العنف الإبستيمي" ضد أشكال أخرى من "الكونيات" Universalités الفعلية و الممكنة، وهو عنف ولّدَتْه النزعة الامبريالية الاستعمارية الملازمة تاريخيا لمثل هذه الخطابات ... فالإنسان، في كل أوضاعه وأحواله، "وجهة نظر"، أعني وجهة لا يمكن اختزالها في موقف معين ولا في أفق محدد، و هي وإن ادعت كونية ما فإنما هي كونية لا يمكن تجريبها إلا ضمن "وضعية تأويلية" ما، أي ضمن توتر دائم بين موقف معقول وبين أفق مأمول ، وتاليا ضمن خبرة مخصوصة بالعالم. في الجزء الثاني من الأمسية كان الجمهور على موعد مع الروائي منصور قديدير، لمناقشة روايته "اسمي دوب". الأمسية أشرف على تسييرها الأستاذ محمد عبو، وتشعب النقاش حول الرواية وحول الأدب عموما. اسمي دوب: رواية ديستوبية للروائي الجزائري منصور قديدير https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=930389
حاج موري أمين: عندما يزعزع اللاوعي الدماغ ــــــــــــــــــــــــــ شهد صباح اليوم الثالث من البرنامج لقاءً أدبيًا مع الروائية عقيلة قداوي والقاصة والشاعرة والمترجمة راضية تومي. أما الأمسية في جلستها الأولى جمعت الروائي ميموني قويدر، المتوج بجائزة كتارا لعام 2024، والكاتب أمير سايري، الحائز على جائزة "كتابي الأوّل" بصالون الجزائر الدولي للكتاب عام 2025، أشرف على تسييرها الباحث محمد بن زيان.
الجلسة الختامية التي أشرفت على تسييرها السيدة خديجة عتو، أطّرها الباحث في التحليل النفسي عدنان حاج موري، حول موضوع "عندما يزعزع اللاوعي الدماغ". عدنان حاج موري روائي ومحلل، يتميز بأسلوبه الأدبي ذي الأبعاد الفلسفية والسيكولوجية. أصدر عدة مؤلفات من بينها "Toile d araignée atavique"، و "Rym, la lèvre de la transgression". وتتمحور كتاباته على تشريح وتفكيك بعض الظواهر الاجتماعية، معتمداً على إسقاطات وتحليلات نفسية وفلسفية. يوصف أسلوبه لدى البعض بالتعقيد والغموض. "عندما يُزعزع اللاوعي الدماغ" ( Quand l inconscient subvertit le cerveau) هو الكتاب الذي كان محور هذا اللقاء الفلسفي والأدبي. ويسعى الكتاب إلى استكشاف العلاقة الجدلية والبنيوية المعقدة بين "اللاوعي" بمفهومه النفسي والفلسفي، وبين "الدماغ" كبنية بيولوجية وعصبية مادية. ويناقش العمل كيف يمكن للسيرورات الخفية التي تجري داخل العقل الباطن واللاوعي أن تؤثر بشكل مباشر، بل تقوم بتنغيص الطريقة التي اعتاد أن يشتغل بها الدماغ، ومن ثمة خلخلة طريقة اشتغاله في توجيه الإدراك والسلوك البشري خارج نطاق السيطرة الواعية الواضحة. ويرى صديقه الروائي والصحفي خالد بوداوي، أن "عدنان، قبل كل شيء، مفكر. فهو ليس من النوع الذي يكتفي بالقراءة أو الاقتباس أو ترديد ما فكر فيه الآخرون قبله؛ بل يمتلك أسلوباً خاصاً به في مساءلة الأشياء، وتقليب زوايا النظر، والذهاب بنا أحياناً إلى آفاق لم نكن نتوقع بلوغها: من اللاوعي إلى الوعي، ومن الجنسانية إلى الجونسة، من فكرة إلى أخرى يمر بسلاسة تثير إعجابي الشديد. فالمفاهيم عنده ليست مجرد "موضة"، ولا هي وسيلة لادعاء أهمية فكرية؛ بل هي جزء لا يتجزأ من كيانه، ومن تفكيره، ومن رؤيته للعالم ومساءلته للوجود الإنساني. ما يروق لي بشكل خاص في عدنان هو قدرته على حملي على التفكير، بل ومساءلة ما كنت أظن أنني فهمته بالفعل؛ وأجد في ذلك قيمةً ثمينة. لا أدعي أنني أنجح دائماً في متابعته في كل منعطفات فكره، لكنني أجد متعة حقيقية في الاستماع إليه، وقراءة ما يكتب، واكتشاف ذلك الذكاء الذي لا يرضى أبداً بالبديهيات".
فن تشكيلي، جمهور وإعلام ــــــــــــــــــ التظاهرة التي تندرج في إطار تنشيط المشهد الثقافي بوهران وفتح فضاءات للحوار وتبادل الأفكار بين المبدعين والباحثين، بما يعزّز الحضور الأدبي والفكري، ويسهم في تقريب الجمهور من مختلف التجارب الشعرية والروائية والفلسفية، تميزت في هذه الطبعة بتنوع أنشطتها وبمعرض تشكيلي للفنانة أمينة الأطرش تحت عنوان "على مسافة من الكلمات" (À l écart des mots). تميزت اللوحات الأكريليكية المعروضة بألوانها المضيئة وأشكالها المنفتحة على التأويل تعبيرا عن قضايا إنسانية ومشاعر وحالات نفسية. التقنية التي اعتمدتها الفنانة في إنجازها لهذه الأعمال هي الرسم بالسكين التي تختلف عن تقنية الفرشاة حيث تتشكل اللوحة من نتوءات صغيرة ومنفرجة ذات ملمس بارز وطبقات سميكة وكثيفة من الألوان. وتميزت هذه التظاهرة بحضور منتظم للجمهور وكذلك بمتابعة إعلامية. وكعادته كان الصحفي والمثقف جعفر بن صالح حاضرا حيث غطى جانبا من أشغال هذه اللقاء.
#سعيد_هادف (هاشتاغ)
Said_Hadef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحلة إلى الجنوب الغربي: هامش على متن الرحلة (6)
-
رحلة إلى الجنوب الغربي: الهوموسابينس يخط رسائله على صخور تيو
...
-
رحلة إلى الجنوب الغربي: عين ورقة أو تونزمر(4)
-
رحلة إلى الجنوب الغربي: قصر بوسمغون وخلوة الشيخ (انطباعات شا
...
-
رحلة إلى الجنوب الغربي: مواسم الخيل والبارود (2)
-
جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموار
...
-
اسمي دوب: رواية ديستوبية للروائي الجزائري منصور قديدير
-
مستقبل العلاقة الأمريكية الصينية: قراءة في فيلم -عملية البحر
...
-
في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى
-
بيت الشعر الجزائري/فرع وهران: أمسية تكريمية للباحث والأستاذ
...
-
خمسون عاما من الاجتهاد: مسيرة شيخ جعل من السلام طريقة ومقصدا
-
الذكاء الاصطناعي: الحدود والمخاطر (أمسية فلسفية/وهران)
-
شيوخ الزوايا وثقافة الانفتاح والتواصل: خالد بن تونس نموذجا
-
بمناسبة صدور كتابه الثالث: الروائي خالد بوداوي في لقاء مفتوح
-
وهران: إحياء اليوم العالمي للشعر
-
وهران تزيد الشعر بيتا
-
في سياق اليوم العالمي للمدن: واقع حال المرفق العمومي في الفض
...
-
الترجمة في يومها العالمي... قل لي ما موقفك من الترجمة أقول ل
...
-
لماذا عادت الروح النازية؟ وأين ستنتهي؟
-
في سياق يوم المرأة (وهران)، راهن الكتابة النسوية في الجزائر:
...
المزيد.....
-
فيلم ألماني بهوية موسيقية فلسطينية
-
تضارب الروايات بين التحالف والحوثيين حول مسيرة مكة
-
إلسينور» يتقدّم سباق جوائز الفيلم البريطاني المستقل بـ12 ترش
...
-
الدوحة السينمائي يحتفي بتجارب موسيقية عربية معاصرة
-
باريس تحقق في مقتل فنان فرنسي لبناني بقصف إسرائيلي
-
لماذا أمر البطريرك نيكون بفقء عيون القديسين في الأيقونات الر
...
-
المغرب يستضيف أول معرض لمتحف تريتياكوف الروسي
-
ابتلع 35 ألف قرص وألهم فيلما سينمائيا.. مريض سرطان يقترب من
...
-
سلطنة عمان على رادار الإرميتاج الروسي لعام 2027
-
اشهار مجموعة قصصية ورواية للكاتب البروفيسور وجيه ضاهر
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|