أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد هادف - رحلة إلى الجنوب الغربي: قصر بوسمغون وخلوة الشيخ (انطباعات شاعر) (3)















المزيد.....

رحلة إلى الجنوب الغربي: قصر بوسمغون وخلوة الشيخ (انطباعات شاعر) (3)


سعيد هادف
(Said Hadef)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 15:56
المحور: قضايا ثقافية
    


اقترحت على رفيقات ورفاق الرحلة المشاركة بانطباعاتهم والتعبير عن مشاعرهم. وهذه الحلقة بقلم الشاعر بن مالك لحبيب.

على أولى أنفاس فجر الخميس (15 أكتوبر) كان اللقاء، وعلى وشوشات الندى كان الترحيب بأحبة يهفو إلى لقياهم الشوق، ثم انطلقت مسافات البوح الجميل عبر مسالك طالما عشقتها الروح قبل العين، من وهران إلى مشرية ، خطوات تظل مرسومة على ضفاف الذكرى، تزين رسومات اللقيا بعد غياب و تفتح أفقا للرؤيا بعد غبش الضباب .
الحديث مع سعيد هادف يجعلك تعيد ترتيب مساحات واسعة من فضاءات الفكر والأدب، فهو شاعر اقترف معاقرة الحرف العنيد وتمرد مبكرا على المتعارف والمتداول فكأني به رامبو و هو يرمي زوادة الشعر المتراكم من عهود و يجتلي لحياته مسارات لم يعهدها الشعر قبله، وهو مفكر لا يستسلم بسهولة للنظريات المغلفة بالمصطلحات الأكاديمية الفظة الغارقة في مجازات التأويل احيانا بعنت وصلافة وهو حكاء يعرف من أين تعقد حبكة السرد ومتى يرخف شدتها. واذا حضرت معه سيدة اشتد عودها عبر ثمانين حلقة من حلقات العمر المجرب، فهنا لابد للعقل أن يعقل توثبه ويضمن متعة القيادة وانت تراهن على عبق حديث لا تنتهي شوارده ولا تظمأ موارده.
السيدة علّو كانت اكتشافا مبهرا في أولى الخطوات نحو رمل البدايات وكان لسعيد هادف مهماز يدوزن بلباقة سمفونية المتعة التي لم تنقطع الا من أجل فترة استراحة أو رد على هاتف وارد .
عبر مسافة فاقت 300 كم ساحت بنا ذكريات ومعارف لا تحصر في جمل ولا تختصرها الكلمات، فمن فيض المشاعر الصادقة وهي تبث خوالج شهادات السيدة علّو عن ثورة التحرير في منطقة بوتليليس إلى تصفيف معطيات علمية في عالم النباتات وأنواعها و مجالات استخدامها إلى تعطير الجو بألوان من المشهيات وعبق التقاليد والعادات إلى بخور الحنين لأيام الصبا وروضات الصفاء. لم نشعر بنا إلا ونحن مع ثلة من كرام مدينة المشرية وهم يفرشون سجاجيد الترحاب ويسقوننا كؤوس الكرم السخي بالمركز الثقافي للمدينة.
كانت المشرية تتأهب لاستقبال أعداد وافية من الزوار وهم في طريقهم إلى وعدة عسلة وهي كعادتها دوما مدينة مضيافة تفتح أجنحتها بدفء الأصالة والمعاصرة معا، وقد اتفق الجميع ممن حضر معنا أن زيارة عابرة لا تكفي لاكتشاف معالمها وأدبائها وأبنائها البررة.
واصلنا السير إلى عسلة حيث رحبت بنا بزفّة من زخات مطر ندي ينعش الروح والجسد بعد تعب امتدت لسعاته من الفجر إلى ما بعد العصر.
عسلة مدينة سيدي أحمد المجدوب كانت و مازالت وعدتها شعاعا يزهر كل سنة فيلتئم تحت أنواره أناس شتى من كل أصقاع الوطن الحبيب ليشهدوا لوحات من الفنطازيا و ينتعشوا بموائد السخاء المنتشرة في كل زاوية من زواياها.
لم يسعفنا الوقت للتجول جيدا بين تجمعات الحاضرين. كان لزاما علينا أن نحث السير إلى حيث تتنسم الروح أريج المشتهى و تنتظر بصبر العاشق الولهان لحظة الحضور وتلمس بركات القطب العارف الرباني سيدى أحمد التجاني بزاويته في بوسمغون حيث حاورته مدارك معرفة يصعب فهم كنهها إلا لمن عرف فالتزم و حضر فاغتنم وسافر في سديم اللقيا واهتم.
لا أدري كيف اأتتح بابا كنت أخشاه من زمن، فبوسمغون ليست معلما تاريخيا يوصف في خرائط غوغل بما توصف به الآثار المصنفة وليست دائرة ضمن دوائر ولاية البيض وليست مزارا يقصده الوالهون الصوفيون لزيارة خلوة سيدى أحمد التجاني وليست فضاء لفسحة سياحية تروق لمن جال بين ازقتها وطاف في قصرها العتيق. بوسمغون سر ظل يتعتق بين الحنايا ومسامات أمنيات عميقة الغور.
منذ أيام التحصيل الأولى على يد أحد أشياخنا كنا نسمع عن بوسمغون، فارتسمت في ذهن ذلك الطفل المليئ بحب الصالحين مخايل زاوية سيدي أحمد التيجاني على أنها غرفة كبيرة تسع الكون مفروشة بحصير أخضر لا تشوبه شائبة من لون آخر ويضوع أريجها بنسائم بخور ينبع من الكعبة المشرفة فكأن تلك الغرفة مساحة من حنين الأولياء والصالحين اقتطعت وفصلت في بوسمغون.
دخلناها على خجل وهي تسدل شعرها الذهبي استعدادا لاحتجابها الليلي ومع ذلك رحبت بنا ترحيب أم يعز عليها أن ترد طرقات ضال يقصدها في وقت سباتها. كان مصطفى واحدا من أبنائها الذين ينبضون طيبة ورقة وحبا لبوسمغون ويشع من كلماته عشقه الأبدي لها، فهو لا يشرح و إنما يفيض سلسبيلا عذبا مريئا كأنه لبن الفطرة الاولى من عينيه، يلمع ذلك البريق الساحر الذي ينير دهاليز الحكي قبل أن تنير المصابيح أزقة القصر ونحن نطوف بين ردهاته.
مصطفى رجل نادر في زمن النكران، رجل أحب بوسمغون فارتسم في حبها إنسانا مخلصا محبا ومحببا.
أما عثمان فهو المسكون بالنغمات الغارق بين درجات سلم يتصاعد من عتبات الاي الاي إلى ذروة آهات الهرم الكلثومي، حديثه نغم وشرحه طرب ونكاته موسيقى تسلي الحاضرين. ولا أنسى عمر وزيد والاستاذ بلحاجي لغريسي والفنان بشير ثلة من الكرام لا تفي الكلمات حقهم من الشكر والعرفان.
في الغد يحمد القوم السرى وقد كان، حيث على أولى نسمات صباح مشرق جالت بنا توجيهات سي مصطفى نحو الغوطة الواسعة التابعة لقصر بوسمغون، تريثنا خلالها أمام شاهقات من النخيل الفارع بطوله في سماء العراقة، الشاهد على أخبار الزمن الغابر المتناثر تحت فروعه وكرنافه المتساقط هنا و هناك ، و تذوقنا ماذي تين تتهافت ثماره نحو ايدينا لنقتطفه قبل أن تمتد نحوه رغباتنا، و انتشلَنا رمان بوسمغون من فوضى تجوالنا فكانت حفلة شراء جعلت بائعه لا يصدق نفسه وهو يفرغ ما في جعبته من ثمار. إنها جنة فوق الأرض، تفتحت فيها أصناف أشجار الثمار من مشمش وتين ورمان وما لا تحصيه ذاكرة ولا ينعته نظر، مع نهر ينساب ماؤه زلالا يهمس بخريره فيحتويك جلال الإنصات لبوحه الصافي وتحتلّك نسائم نداه لتغرف دون وعي من شذاه ألذ لحظات المتعة والطمأنينة والسكينة.
لا تصدق أن هذه المزارع الوارفة على امتداد البصر منحت جودها لقرون و قرون ومازالت وفية لجداها رغم وهدات وصعدات الزمن. لم تخل جولتنا من لقاءات مع أهل المنطقة، كان أهل بوسمغون ضاربين في عمق الطيبة والعفوية وما يزيدك انجذابا إليهم هو حفاظهم على الهوية الامازيغية و تمسكهم بالصفاء الروحي الإسلامي الذي نجد أحد أهم ينابيعه زاوية سيدي أحمد التجاني، ذلك المربي الروحي الذي درّس بحاضرة بوسمغون مدة تناهز 17 عاما .
وكانت لحظة الفتح المنتظر، بين جدران عتيقة من الطين وحجارة بركانية تحلقت حجرات ومنازل قصر بوسمغون، واختطت بينها أزقة تسالم بعضها بعضا، وتنفتح بقدر ما تسمح به فسحة مشي شخصين جنبا إلى جنب. حين تلج القصر تسمع صدى السنين الخوالي في كل زاوية من زواياه، ضحك طفل يودع أمه متوجها لمدرسة الزاوية، ثغاء معزة راق لها المبيت في دهليز أسفل السكن فوهبت حليب رضاها هنيئا مريئا لفتاة تلاعب ضرعها وتناغم خجلها، حمحمة جدّ يجتهد أن يبكر إلى حقله وهو يورد نصائحه وتجاربه لأبنائه. صومعة جامع القصر الباحثة عن نور سموات اليقين ممتدة في تؤدة نحو نقطة الكون الاولى.
ولا يندمل الحديث عن قصر بوسمغون إلا إذا جربنا الولوج على عتبات زاوية سيدي أحمد التجاني. على عتبات التجلي تغمرك أشعة السفور ولا تستطيع رد أنوارها فيغمر البصر رذاذ رهبة تتدحرج دمعات سخينات على وجدان القلب قبل الخد. أيها المولّه ببياض صلصالك المحلول في ماء السؤال الاول، أيها النازف قلقا أمام لثغة حرف يقض مضجع يقينك، أيها الناضح دواة تخربش حبرها المبحوح على لوح اكتشافات كلما اكتملت تركت نقصانها ينخس منطق فهمك الساهي على شرفات المجاز. ها هنا تنسلّ خفيفا مثل صبرك المعطوب تلج خلوة الوحي المباح، لتسرح الروح بعد مطاولة قيدها ولتنتعش رعشة الكشف بعد مساورة معارجه. لم تكن زيارة خلوة سيدي أحمد التجاني ومسامرة أرواح طيوف مريديه ومحبيه على مر العصور بالزيارة العادية. أعتذر عن لجم عنان القلم وكبح جماح حرف لا يفقه معنى المواربة والمسايرة، فما كل ما ينزف حبر وما كل ما يبرق مدد. في رحاب الحجرة الملاصقة للخلوة كانت جلسة استذكار واستغفار ودعاء صالح وقراءة لخواتيم البقرة والكهف وسورة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين .



#سعيد_هادف (هاشتاغ)       Said_Hadef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة إلى الجنوب الغربي: مواسم الخيل والبارود (2)
- جبال القصور: تعزيز قدرات المجتمع المدني لحماية وتثمين الموار ...
- اسمي دوب: رواية ديستوبية للروائي الجزائري منصور قديدير
- مستقبل العلاقة الأمريكية الصينية: قراءة في فيلم -عملية البحر ...
- في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى
- بيت الشعر الجزائري/فرع وهران: أمسية تكريمية للباحث والأستاذ ...
- خمسون عاما من الاجتهاد: مسيرة شيخ جعل من السلام طريقة ومقصدا
- الذكاء الاصطناعي: الحدود والمخاطر (أمسية فلسفية/وهران)
- شيوخ الزوايا وثقافة الانفتاح والتواصل: خالد بن تونس نموذجا
- بمناسبة صدور كتابه الثالث: الروائي خالد بوداوي في لقاء مفتوح
- وهران: إحياء اليوم العالمي للشعر
- وهران تزيد الشعر بيتا
- في سياق اليوم العالمي للمدن: واقع حال المرفق العمومي في الفض ...
- الترجمة في يومها العالمي... قل لي ما موقفك من الترجمة أقول ل ...
- لماذا عادت الروح النازية؟ وأين ستنتهي؟
- في سياق يوم المرأة (وهران)، راهن الكتابة النسوية في الجزائر: ...
- السادس عشر من أيار: الحق في السلام بين الأيديولوجيا والثقافة ...
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الثاني)
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الأول)
- اليوم الأممي لحماية التعليم من الهجمات


المزيد.....




- بعد انتقادات أوباما لتجديد البيت الأبيض.. شاهد كيف رد ترامب ...
- نائب ترامب يهاجم عبد الرحمن السيد ويصفه بـ-المختل عقليًا-
- أمير قطر يلتقي رئيس إيران في موسكو.. ماذا بحث الجانبان؟
- حكم بغلق موقع -مدى مصر- وتغريم رئيسة تحريره لينا عطا الله
- رضائي بعد اجتماع -تحالف مكة-: واشنطن لم تجلب الأمن لدول المن ...
- وزير أمريكي يهاجم العرب بعد تصريحات ترامب المسيئة لليبيا وال ...
- مصدر أردني: القتلى المدنيون في درعا كانوا في خيمة مجاورة لمو ...
- بوتين يعلن اختتام أعمال القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة ل ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 6 مسيرات كانت متجهة نحو موسكو
- بن غفير يحذر من إغلاق القناة 14 ويدعو للتصويت لحزبه


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد هادف - رحلة إلى الجنوب الغربي: قصر بوسمغون وخلوة الشيخ (انطباعات شاعر) (3)