أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - سعيد هادف - في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى















المزيد.....


في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى


سعيد هادف
(Said Hadef)


الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 08:16
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


حدث أن كتبت في أوقات متفرقة شيئا عن القومية، على جداري بالفايسبوك وأعدت نشره بعض المنابر هنا وهناك.
ورأيت أن أنشر بعضها حتى تكون في متناول متابعي موقع الحوار المتمدن:
في منتصف يوليو 2023، في غمار الحرب الروسية الأوكرينية كتبت:

من موسكو إلى باريس، نعيش اليوم التجليات السياسية للهوية المتأزمة، وآثارها المدمرة. هذه الأزمة ستعرف تعاظما في المستقبل في فرنسا وحتى في مستعمراتها التي مازالت نخبها ولاسيما المغاربية تعاني من أمراض الهوية.
يمكننا أن نفهم هذا الوضع التراجيدي في ضوء الأفكار التي نشأت في غمارها نظريات الأمة والنزعات القومية بشقيها: نزعة الأمة المدنية ونزعة الأمة الإثنية. يمكن القول أن الأمة الاثنية لا تخلو من نزوع مدني وأن الأمة المدنية ليست معطى ناجزا بل سيرورة لا تتوقف عن إصلاح نسقها المدني بتفكيك رواسب كل ثقافة إثنية تعمل على اختراق النسق المدني وتحريفه في اتجاه مقاصدها العنصرية.

الحرب الروسية الأوكراينية هي حرب بين نسقين تطغى عليهما النزعة الإثنية، بينما فرنسا تعيش تبعات سوء تدبيرها لوضعها الهوياتي الذي ما فتئ يتغير على مدى القرنين الأخيرين إثر توسعها الكولونيالي ولاسيما في العقود الأخيرة مع موجات الهجرة وما ترتب عنها من تغير ديمغرافي وثقافي للمجتمع الفرنسي.

كانت النزعة الايديولوجية في طابعها الإثني عاملا محوريا في إندلاع الحرب العالمية الثانية التي حملت عددا من البلدان الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا على التحرر من البراديغما الاثنية والانتماء إلى الغرب وأممه المدنية.

اتضح أنه في غياب تدبير عقلاني وانساني لملف الهوية تتعطل ثقافة الحوار والتواصل والاندماج ويطغى العنف وتتضاءل فرص السلام والامن والعيش المشترك.

الثقافة بمعناها الواسع هي مصدر التحولات الايجابية والسلبية ويكفي أن نعود إلى هتلر وكيف استثمر الموسيقار فاغنر والفيلسوف نيتشه للتعبير عن نزعته الآرية وتبرير حربه على أوروبا.

لم يكن فاغنر موسيقارًا فقط، وإنما كان أيضًا شاعرًا وكاتبًا، وكان يتحدث عن نفسه بصفة شاعر الموسيقى، بل وتدخل في مختلف المواضيع الاجتماعية والسياسية والفلسفية، وعكست مقطوعاته الموسيقية أفكاره عن الحياة والعالم والقدر والفلسفة. كان تلميذًا للفيلسوف آرثر شوبنهاور وصديقًا للفيلسوف فريدريك نيتشه.

“موسيقى فاغنر تتحدث بفصاحة بالغة القوة عن رغبات الزنا بالمحارم، وعن النزعة الجنسية غير المقيدة، وعن الكراهية والحقد، وعن الجانب المظلم من الحياة”.

نجد أن أدولف هتلر عشق هذه الموسيقى، ويرى البعض أن هذه الموسيقى قد وفرت الطاقة الدافعة للحركة النازية، وحتى اليوم ما زالت موسيقى فاغنر محرمة في إسرائيل.

يقول أحدهم قد يكون فاغنر أهم نموذج شخصي وإيديولوجي لأدولف هتلر، لكن هل يمكن للمرء أن يجعله مسؤولًا عن استخدام هتلر وإساءة استخدام موسيقاه وآرائه حول العالم؟ هناك موسييقيون إسرائيليون يؤدون أوبرات فاغنر ويجوبون فيها العالم ويقولون “بالرغم من كون آرائه مريعة، لكن ذلك لا يعني تجنب فنه وإهماله فموسيقاه عظيمة وخالدة. الموسيقى منذ لحظة إنتاجها تصبح ملكًا للبشرية”.فاغنر كان معاديا لليهود، ويمكننا أن نطرح السؤال التالي: هل عشق بعض الإسرائيلين لفاغنر يترجم وعيهم الباطني ورواسب ثقافتهم الإثنية؟ هل وجدوا في موسيقى فاغنر ما يتناغم مع نزوعهم المعادي للآخر؟

لا شك أن فاغنر عبقري، لكنه عبقري منحط وفق وصف البعض. لنرى الآن لماذا أصبح اسم فاغنر مصدر الهام الميليشيات الروسية.

يقول الباحث أسامة عكنان: وأخيرا عرفت السر!!‏

لطالما حيَّرني واستثارني السر الذي يقف وراء تسمية المجموعة العسكرية الروسية الخاصة “فاغنر” ‏بهذا الاسم، مع العلم بأنها منظمة عسكرية تضم مجموعة من المرتزقة يقاتلون مقابل المال، في حين ‏أن “فاغنر” هو موسيقار – أي فنان – وألماني وليس روسي. ومع أنني بحثت مطولا في الشبكة ‏العنكبوتية كي أجد تفسيرا لهذه التسمية إلا أن شيئا مما وجدته لم يقدم لي شيئا يُعتد به على ‏الإطلاق.‏

ولكني وعندما وصلت في قراءتي لكتاب: “زمن الغضب/تأريخ الحاضر” الذي أعكف على قراءته حاليا، ‏وهو للمفكر الهندي “بانكاج ميشرا”، إل الصفحة 212، أستطيع أن أزعم أنني وجدت السر الخفي، ‏ليس لأن الكاتب تعرض لمجموعة “فاغنر” وتحرى معرفة أصول تسميتها، فليس في هذا الكتاب أي ‏ذكر لهذه المجموعة، ولا هي قد ورد أي حديث عنها لا من قريب ولا من بعيد على مدى كل صفحات ‏الكتاب التي قرأتها حتى الآن، فهي ليست من موضوعه التاريخي الفلسفي الثقافي السياسي الأوروبي ‏أساسا، وإنما هو – أي الكاتب – تعرض للموسيقار الألماني “فاغنر” في سياق تاريخي له علاقة ‏بألمانيا، وأسهب في تفصيل دوره الفني والثقافي والفكري في بعث الروح الألمانية المعاصرة له في ذلك ‏الوقت.‏

ولأنني اكتشفت أنني أقرأ عن هذا الموسيقار معلومات تتعلق به لم يسبق لي أن عرفتها عنه، فإنني ‏وجدت فيها التفسير الذي كان المؤلف خالي الذهن منه قطعا وبكل تأكيد، خاصة وأن كتابه نشر في ‏العام 2017، عندما كانت مجموعة فاغنر ما تزال أصلا في طور تكوين الذات والتوسع التدريجي..‏

أقول: ولأنني أكتشفت ذلك فإنني سوف أورد لكم بعض ما قرأته عن الموسيقار الألماني فاغنر في هذا ‏الكتاب دون أي تعليق مني، ومنقولا عن المؤلف حرفيا، تاركا لكم وحدكم فرصة الغوص في ‏الإسقاطات والتشابهات والغايات التي ربما تساعدكم على معرفة ما عرفته وفهم ما فهمته، وربما أنها ‏قد لا تعني لديكم شيئا مما عنته لدي. بل ربما هي ستساعدنا جميعا على سبر أغوار مجموعة ‏‏”فاغنر” وغاياتها من خلال ما يمكننا أن نلمسه من إسقاطات، حتى لو لم تكن تلك الأغوار واضحة ‏لدينا بما يكفي قبل هذه المعلومات عن الموسيقار “فاغنر”.‏

يقول المؤلف في الصفحة 212:‏ “كان فاغنر يحقد حقدا راسخا على مدينة باريس، فكتب في العام 1850: “لم أعد أؤمن بأي ثورة ‏أخرى ما عدا تلك التي تبدأ بإحراق باريس”.‏

ويقول في الصفحة 213:‏

كتب فاغنر عندما اندلعت في أوروبا ثورات العام 1848: “إنني أريد أن أحطم قوة الأقوياء والقانون ‏والمَلَكِية”.‏

وجد فاغنر رفيقا متحمسا له في شخص “باكونين” الذي كان يصغره بعام واحد، وكان آنذاك في بداية ‏مسيرته الطويلة كمُرَوِّج للأيديولوجيا الفوضوية اللاسلطوية.‏

ولقد عاش فاغنر قمة النشوة عندما احترقت دار أوبرا “درسدن” التي قاد فيها ذات يوم جوقةَ عزفِ ‏سيمفونية بيتهوفن التاسعة ذات النزعة الديمقراطية، بل إنه اتهم لاحقا بأنه وراء الحريق.‏

وقال الكاتب في الصفحة 214:‏ “جسَّد فاغنر الثورة الرومانسية في نسختها التنبؤية في مسعاها إلى إحلال الإنسان الحديث مكان ‏الرب، بمسحة من جنون العظمة.‏”

ترسخت لدى أفراد الأنتلجنسيا الأوروبية والروسية فكرة أن الرب مجرد صورة مثالية للإنسان وليس ‏خالقا للوجود، ومن بين الكتاب والفنانين الذين اجتهدوا من أجل التأسيس لقيم جديدة مستقلة عن ‏الدين ذهب “فاغنر” بعيدا في محاولته بناء أسطورة بشرية جديدة.‏

أطلق مُنَظِّر الحركة المستقبلية الإيطالية “مارينتي” على “فاغنر” وصف: “أكبر عبقري منحط، وهو لهذا ‏السبب أنسب فنان لأرواحنا الحديثة”.‏

وقال في الصفحة 215:‏ “انتشر تمجيد فاغنر عبر أوروبا من دون اعتبار للحواجز القومية والأيديولوجية، وزعم هتلر أنه استمد ‏تصوره للعالم من مشاهدته في وقت مبكر من مشواره لأوبرا “رينزي” – وهي أوبرا وضع موسيقاها ‏فاغنر – وكتب هتلر يقول بهذا الخصوص: “بدأ كل شيء في تلك الساعة”.‏

‏”أكتفي بهذه المقتطفات عن الموسيقار الألماني فاغنر من الكتاب المُنوَّه إليه”‏
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حراك 22 فبراير: في الحاجة إلى تدقيق المفاهيم/صيف 2019

في غمرة الحماس الذي طبع حراك 22 فبراير رفع الشباب طائفة من الشعارات تضمنت عددا من المفاهيم. في ذات السياق لم تتوقف قوى التغيير عن مناقشة مفردات التغيير المنشود (مقالات، حوارات، بيانات، رسائل…). ولعل أكثر المفاهيم تداولا، مفهوم (الشعب) و(الدولة) و(الأمة).

في حقل التداول السياسي والأيديولوجي، ومن ضمن المفاهيم التي يدور حولها النقاش: الدولة، الأمة والشعب؛ تصبح هذه المفاهيم غامضة وفارغة كلما افترستها الخطابات الديماغوجية والشعبوية. فهل ثمة تَمثّلٌ صحيح لهذه المفاهيم لدى النخبة من نشطاء الحراك؟

في اللسان العربي تنحدر كلمة (الأمة) من ذات الجذر اللساني الذي تنحدر منه كلمة (أم) و(إمام)، وقد وردت في أكثر من سورة من سور القرآن. ويمكن القول أن الأمة تحمل معنى الجماعة البشرية/الأم، التي يؤمها/يقودها قائد أو كتاب ولها مشروع تلتئم حوله وتسير على هديه.

في عصرنا الحديث اكتسى مفهوم الأمة معنى متلون الأبعاد: فقد تكون عرقية، دينية، روحية، سياسية أو ثقافية. وانقسم مفهوم الأمة من وجهة نظر كوهين إلى: قومية مدنية (Nationalisme civique) وتشمل الأمم المدنية الطوعية المتضمنة، تلك التي مثّلتها القومية الغربية ذات النزعة الإرادية التي تطورت حول المحيط الأطلسي. كان ذلك بفعل بورجوازي علماني ديمقراطي، حيث جنحت السياسة القومية التي تبلورت في كنفها نحو الانفتاح والدمج. فالمُواطَنة الغربية لم تنحصر في الأصل والمولد بل اتسعت لتشمل الانضمام الطوعي حيث كل متجنس في هذه البلدان يعتبر عضوا في الأمة قانونيا وأيديولوجيا. أما القومية الإثنية (Nationalisme Ethnique) فقد نشأت في وسط وشرق أوروبا. هذه الهوية القومية العضوية التي نشأت يالراين وتمددت في اتجاه الشرق وضمت ألمانيا، بولندا، أوكرانيا وروسيا نشأت عن تحفيز خارجي مع حملات نابليون، ونشأت كحراك معارض لقيم التنوير وإرثه الفكري. وقد ظهرت قبل نشوء الدولة الحديثة، بل بمعزل عن جهازها وبسبب ضعفها تبنت الطبقة المتوسطة هوية قومية اتسمت بالرعونة والتهيب وانعدام الثقة، ما جعلها تعتمد على روابط الدم والأصل. والفلسفة القومية التي ازدهرت بداية القرن التاسع عشر في الأقاليم التي أنجبت ألمانيا، على أرض بولندا التي لم تكن قائمة، أو في روسيا القيصرية، كانت مطبوعة بطابع رجعي غير عقلاني. أصبحت كيانات إثنية بيولوجية أو إثنية دينية منعزلة ترفض أن ينضم إليها كل من لم يتوفر على هذه الشروط. من هذه القومية الإثنية انبثقت الصهيونيا التي نشأت من صلبها إسرائيل، ومن نفس القومية نشأت الدول العربية المستقلة. وارتبطت “الأمة” بـ”الدولة”، فظهر مفهوم “الدولة-الأمة”، وقد اتسع هذ المفهوم لعدد من التجارب، من ضمنها الدولة ذات الأمة الواحدة كفرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية، والدولة ذات الأمم المتعددة مثل المملكة المتحدة (UK) أو الأمة ذات الدول المتعددة مثل الدول المتحدة الأمريكية (USA).

مفهوم (الشعب) ظل مفهوما متلونا أو ملتبسا يسعى إلى احتكاره كل طرف من الأطراف المتنافسة على الحكم. أما فكرة الشعب في الفلسفة هي فكرة التوافق. كيف يمكن لمجموعة من الأفراد أن تشكل مجتمعًا، وكيف يتشكل شعبٌ من الشعوب؟ وما هو جوهره الذي من خلاله يكون الشعب شعبا؟ هذا هو السؤال الذي أراد (ومازال) منظرو الشرع الطبيعي (droit naturel) الإجابة عنه عندما يفترضون فعلًا من الأفعال دون وجود تاريخي. يتعلق الأمر هنا بالقانون، كما حدده كانط في كتابه مذهب الشرع (Doctrine du droit): “الفعل الذي يشكل به الشعب نفسه كدولة”. إن المشروعية تُستمَد من العقد الأصلي الذي بموجبه يتخلى “الكل” في الشعب عن حريته الخارجية، ليعثر عليها مجددا كأعضاء ينتمون إلى كيان جمهوري، أي (الشعب) منظورا إليه كـ(دولة). السؤال الفلسفي للشعب يندرج في الطريقة التي فكّر من خلالها مصدر هذا القانون الذي جعل من الشعب شعبًا.

في الثقافة السامية، وصف اليهود أنفسهم بـ”شعب الله المختار”، وهو مفهوم أنتجته الثقافة التناخية، غير أن هذا المفهوم بنزعته المتعالية انتقل إلى المسيحيين (أبناء الله) وإلى المسلمين (خير أمة). وإذا تأملنا المفردات التي التف حولها شباب الحراك، نجدها مفردات منحدرة من إرث أثينا التي تأسست عليه الدولة الحديثة ومفردات أخرى مستوحاة من تاريخ الجزائر بشقيه القومي والديني. الأمر نفسه ينسحب على المنشورات والتعليقات بشبكات التواصل الاجتماعي والمقالات والحوارات الصحفية والرسائل والمبادرات وما شابه. ثمة مزْجٌ تعسفي بين مرجعيتين سياسيتين مختلفتين. الأمر ليس جديدا، فالدولة الجزائرية انبثقت من إرث “الحركة الوطنية/القومية”، ونشأت منذ الاستقلال على مرجعية أيديولوجية غير مدنية كسائر الكيانات العربية والإسلامية. مفردة (الشعب)، كما أسلفنا، مرتبطة بالبيئة الثقافية التي أنتجتها، وحتى نحيط فهما بهذا المفهوم سيكون من الضروري العودة إلى أثينا بوصفها موطنا للاختراع المشترك للفلسفة والديمقراطيا.

من تلك البيئة استمدت أوروبا نهضتها، وخرجت من البراديغما المسيحية/السامية إلى البراديغما الوضعية/الإغريقية، عبر فلاسفة العقد الاجتماعي: هوبز، لوك، روسو، كانط وغيرهم.

ولأن الشعب ليس تجمعا من الأفراد ولا كتلة جماهيرية منصهرة، في حالة من العبودية مفتتنة بزعيم، يقول أندري أكون الفرنسي ذو الأصل الوهراني، يجب التأسيس على أن الشعب لا ينتج إلا عن تجمع طوعي لا إكراه فيه وحيث كل واحد في هذا التجمع يخضع إلى القانون الذي هو المُشرٍّع.

ما يتجلى في كتابات مفكري التنوير هو تغيير عميق في الطريقة التي جعلوا من خلالها المجتمع والقانون موضوع تفكير. بينما، في الأزمنة التي سبقتهم، كان أساس المشروعية والقانون خارج الإنسان. من هنا أصاب السياسة مسٌّ من الثورة الكوبرنيكية، التي جعلت من الإنسان مصدر وأساس الرابطة الاجتماعية والقانون. هذا هو المعنى الذي يجب أن ينطوي عليه رفض نظريات الشرع الإلهي (الثيوقراطيا) ذات الأصل التوراتي منذ أن نَظّر لها المفكر الإغريقي ذو الأصل اليهودي يوسف فلابيوس بداية القرن الميلادي الأول. وسار على تعاليمه، بداية القرن الرابع، عدد من المسيحيين، أبرزهم لاكتانس الروماني ذو الأصل الأمازيغي، الذي قال: “وحدها شريعة الله كافية لهذا الغرض”، وهو أول مُنظّر للإمبراطوريا البيزنطية التي أسسها الإمبراطور قسطنطين. هؤلاء هم أسلاف منظّري الدولة الإسلامية بداية القرن العشرين: حسن البنا، المودودي وسيد قطب.

أن نقول أنّ ما يُوحّد البشر ويشكّل المعيار الذي ينظم تعايشهم هو نظام تعاقدي، هذا يعني أن الإنسان، من خلال إخضاع نفسه للقانون، يخضع فقط لنتائج العقد المبرم بين الجميع (الكل)، وبالتالي لا يخضع إلا لنفسه. التحليل يُمفصل عددا من المفاهيم على غرار حالة طبيعة العقد وحقوق الإنسان التي تشكل الأرضية الرمزية للحداثة.

ما يحدث بعد ذلك هو مبدأ الذرية الاجتماعية، الذي سوف تتم ترجمته على الصعيد السياسي إلى الأساس النظري للفردانية المدنية. حتى نعطي لـ”الكلّيانية” سببا يكون بمقتضاه مجتمع من المجتمعات مفكّرا فيه كواقع سياسي، يجب أن نعود إلى العناصر البسيطة. هذه العناصر البسيطة هي الأفراد في حالة الطبيعة بعيدا عن الآثار المترتبة عن انخراطهم في المجتمع وفي الثقافة، وهذا ما يجب فهمه على أنه بحث عن طبيعة الإنسان. أن نصف حالة الطبيعة، ليس معناه العودة إلى الأصل التاريخي للمجتمعات، الأمر الذي يتطلب أدلة إيجابية على وجود تلك الحالة في الماضي؛ بل معناه وضْع “الكليانية” موضع تحليل وتفكيكها من أجل الوصول إلى الأصلي، عن طريق التفكير النظري البحت. فالأمر لا يتعلق ببناء قصة، بل باختزال الواقع إلى جوهره. يمكن، إذا لم يكن هناك مفارقة تاريخية، التحدث عن اختزال فينومينولوجي(أندري أكون).

سوف يتم تصور هذه الحالة الطبيعية من حيث احتوائها، كشرط لتجاوزها، على نوع معين من السيادة ونوع معين من خضوع البشر طوعيا إلى سلطة (pouvoir) كونهم مصدرها ومنتهاها، وبموجب مشروعية مستمدة من العقد المكوّن للشعب.

يجب أن تحتوي الحالة الطبيعية في حد ذاتها على إمكانات القابلية الاجتماعية لدى البشر والظروف التي تفتحها على تجاوزها وإبرام العقد الأصلي، الذي بمقتضاه يصبح البشر مواطنين.

إن السلطة لن تكون مشروعة إلا بقدر توافقها مع العقد الذي تأسست بموجبه، وإلا فإن المقاومة الشعبية تصبح حقا، من منطلق أن إعادة إنشاء العقد المشروع مشروطة باستعادة الأفراد لحريتهم الأصلية. لكن كيف يؤسس الأفراد هذا العقد؟ أي كيف يلتئم الأفراد في هذه الكليانية التي تسمى “الشعب”؟ في غياب هذا التعاقد، فلن يكون الشعب شعبا “إلا إذا كان موجودا في السند المشترك للقانون. خارج هذا المنظور، فإن هذا التكتل البشري ليس سوى طاغية كأي طاغية فرد، بل ليس هناك طغيان أكثر مقتا من هذا الحيوان المفترس الذي تقمص شكل واسم الشعب”(شيشرون). هنا يكمن دور النخبة في تعبيد طريق العبور إلى التغيير. ولأن الدستور الجزائري مثقل بالأيديولوجيا ويعاني من الالتباس القانوني، فقد رأينا كيف سقط المختلفون في تناقضات منطقية من حيث علاقتهم بالدستور، فلم تتحرج القوى الدستورية من مخالفة الدستور كما لم تتحرج القوى غير الدستورية من الالتجاء إليه.

بناء على ما تقدم، وفي سياق المخاض الذي يسبق ميلاد الدولة، يمكن للشعب، وفق آلان باديو، أن يُسهم في بناء سيرورة سياسية، ومن ثمة يمكنه أن يصبح مقولة سياسية؛ “الجموع التي تمشي في الشارع لا تتحدث عن شعب وأمة قائمة، ولكنها تتحدث عن أمة وشعب سيأتي؛ لأن مثل هذا الشعب ليس له وجود إلا في شكل مسار ديناميكي لحراك سياسي كبير. وبالنسبة للجموع، ولكل أشكال الحراك الشعبي، تعتبر الدولة القائمة التي تقول إنها تمثل الأمة، غير شرعية، وعليها أن تختفي، وبهذا المعنى قد يكون الحراك مرادفاً لإلغاء الدولة القائمة”(حسين الزاوي).

يرى باحثون أنه “من التضليل أن نعتبر كل تكوين ذي طبيعة سياسية بمثابة دولة”. ويعتبر جيرار بيرجرون “هذا التبسيط ينطوي، على الأقل، على هذا العيب في عدم القدرة على التسمية الصحيحة للدولة حينما انبثقت، بعد لأي، في فترة ما من التاريخ، بكامل قوتها وتألقها بشكل لا يقبل النقاش، لتفرض من بعد ذلك إلى يومنا هذا، نفسها بتعقيداتها الخاصة”. ويرى أن “الدولة ظاهرة حديثة العهد ومازالت في طور الشباب، الدولة في الواقع، لم تظهر إلا في فترة مفصلية بالعصور الوسطى الأوروبية، الفيودالية والامبراطورية” ويرتبط نشوؤها بـ”النهضة” التي وَضَعتَ كل شيء موضع تساؤل، بما في ذلك أساسيات الحياة السياسية.

من هذه البراديغما، نستنتج أن الدولة بمفهومها الحديث أصبحت أكثر التصاقا بالسياسة من حيث أن السياسة أصبحت أكثر التصاقا بالعلوم وأكثر بعدا عن الأيديولوجيا ومن حيث أن العلوم ولاسيما القانونية أصبحت أكثر خدمة للحقوق والحريات؛ وبالتالي فإن الدولة وفق البراديغما الجديدة ترتبط ارتباطا عضويا بالديمقراطيا والعلمانيا وحقوق الإنسان، فضلا عن الأيكولوجيا.

بينما مفهوم الدولة لدى حركات الإسلام السياسي لا يتطابق مع رؤية الغرب لهذا المفهوم، فحسن البَنّا وسيد قطب والمودودي “نظروا إلى المسألة من وجهة نظر دينية بحتة يتحكّم فيها مبدأ (الحاكمية) الذي طغى على أدبيات هذه الجماعات وصار المرجع في التنظير، رغم أن البعض يرى في مقولات المودودي ارتكازها على ما عاصره من قيام الدولة اليهودية على أساس ديني، ما حدا به إلى الاقتداء بهذا النموذج مدعوما في ذلك بالنظرة الشمولية التي ميّزت النظرة الإخوانية لمفهوم الدولة على أن الإسلام دين ودولة”(إدريس الكنبوري). هذا التصور المناقض للدولة الحديثة ليس مقصورا على الإسلام السياسي، بل ينسحب على كل الأيديولوجيات المعادية للغرب دينية كانت أو قومية. ويبقى السؤال المطروح هو كيف يحدث الانتقال إلى الدولة المنشودة في غياب نقاش هادئ حول المفردات المؤسسة لهذه الدولة، وفي غياب تحرير مفهوم “الشعب” و”الأمة” من النزعة الفاشية التي تكرسها الخطابات الشعبوية/العنصرية لدى هذا الطرف أو ذاك؟

إن الوعي بالدفاع عن “دولة الحق والقانون” سيغني الجزائريين عن أي لغط سياسي، ذلك أن توفير شروط تحقيق هذه “الدولة” سيوفر لكل الجزائريين حقهم في بلورة مشاريعهم السياسية في جو الحوار المسؤول والتنافس المشروع؛ سواء كانت تلك المشاريع “باديسية” أو “نوفميرية” أو “ذات نزعة عروبية أو مزوغية أو إسلامية”…..

بعض المراجع المعتمدة:

أندري أكون (André Akoun)، في كتابه “شعب الفلاسفة”- إدريس الكنبوري، هل تأثر المودودي بنموذج الدولة اليهودية في التنظير للدولة الإسلامية؟- جيرار برجرون (Gerard Bergeron)، في كتابه حول الدولة- لاكتانس (Lactance)، المؤسسات الإلاهية- حسين الزاوي، نحن الشعب- شلومو صاند، كيف تم اختراع الشعب اليهودي؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لماذا عادت الروح النازیة؟.. وأین ستنتھي؟
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=835759



#سعيد_هادف (هاشتاغ)       Said_Hadef#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيت الشعر الجزائري/فرع وهران: أمسية تكريمية للباحث والأستاذ ...
- خمسون عاما من الاجتهاد: مسيرة شيخ جعل من السلام طريقة ومقصدا
- الذكاء الاصطناعي: الحدود والمخاطر (أمسية فلسفية/وهران)
- شيوخ الزوايا وثقافة الانفتاح والتواصل: خالد بن تونس نموذجا
- بمناسبة صدور كتابه الثالث: الروائي خالد بوداوي في لقاء مفتوح
- وهران: إحياء اليوم العالمي للشعر
- وهران تزيد الشعر بيتا
- في سياق اليوم العالمي للمدن: واقع حال المرفق العمومي في الفض ...
- الترجمة في يومها العالمي... قل لي ما موقفك من الترجمة أقول ل ...
- لماذا عادت الروح النازية؟ وأين ستنتهي؟
- في سياق يوم المرأة (وهران)، راهن الكتابة النسوية في الجزائر: ...
- السادس عشر من أيار: الحق في السلام بين الأيديولوجيا والثقافة ...
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الثاني)
- اليوم العالمي للديمقراطيا (الجزء الأول)
- اليوم الأممي لحماية التعليم من الهجمات
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...
- الوضع الأمني المغاربي على كف عفريت: هل الحرب هي الحل؟ (الجزء ...


المزيد.....




- الحرس الثوري الإيراني: إذا استهدفتم الكهرباء فسنرد بالمثل
- عاجل | الحرس الثوري الإيراني: سنرد على أي تهديد بمستوى الردع ...
- مع استمرار الهجمات الإيرانية.. نظرة على ما يحدث في الخليج ال ...
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- ترمب ينشر على منصته مقطع فيديو يسخر من ستارمر
- تصريحات أمريكية إسرائيلية عن -نهاية اللعبة- وإيران تستعد لمع ...
- هجمات للمستوطنين بالضفة وجيش الاحتلال يقتحم مناطق عدة
- كيف ينظر الأتراك إلى اقتراب تداعيات الحرب من بلادهم؟
- -سنرى إن كان محقا أم لا-.. ترمب يرد على عراقجي بشأن التهديد ...
- حزب الله العراقي يمدّد تعليق استهداف السفارة الأمريكية في بغ ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - سعيد هادف - في معنى الأمة والقومية ومفاهيم أخرى