سعيد هادف
(Said Hadef)
الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 00:32
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
اختارت الجمعية الأممية الصوفية العلاوية موعدا متميزا للاحتفال بحدث متميز، احتفاءً ورسملةً لخمسين عاما من المسار الثقافي لأحد الفاعلين الصوفيين والناشطين في نشر ثقافة السلام بين الأفراد والشعوب. للاحتفال بإنجازات الشيخ خالد بن تونس شيخ الطريقة العللاوية ومؤسس عدة جمعيات وتنظيمات ومؤسسات ثقافية، مدنية وعلمية من ضمنها هذه الجمعية المشرفة على التنظيم والمؤسسة الميديتيرانية "جنة العارف" التي سبق وتناولناها في مقال سابق، اختارت الجمعية نهاية العام المنصرم وبداية العام الحالي (من 27 ديسمبر 2025 إلى الفاتح من يناير 2026) موعدا، وتونس مقاما.
هذه الخمسينية التي احتضنتها تونس، حضرها حوالي 800 ضيف أو أكثر، جاءوا من عشرين بلدا: شخصيات علمية ودينية من بينهم مفتي الجمهورية التونسية وعلماء من جامع الزيتونة، ومفتي البوسنة، ووفود من الطريقة المولوية، من بينها الشيخة نور، إضافة إلى مفكرين وفنانين من مختلف أنحاء العالم.
وقد كانت، وفق الدكتور مصطفى الراجعي أستاذ السوسيولوجيا بجامعة مستغانم، مؤتمرا تكريميا واحتفائيا بمسيرة ممتدة من 1975 إلى 2025، أي خمسين عاما من تولّي الشيخ خالد بن تونس المشيخة الروحية للطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية، التي أسسها القطب الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي، رحمه الله. لقد جسدت نصف قرن في خدمة السلام، ولم تكن مجرّد محطة احتفالية بشيخ طريقة، بل كانت مناسبة للتوقف عند حصيلة خمسين عاما من العمل المتواصل، ومن المبادرات المتنوعة التي هدفت إلى نشر ثقافة السلام والعيش المشترك، والتي تجاوز أثرها الإطار المحلي الجزائري لتبلغ الفضاء الأممي.
ومن المهم التأكيد هنا على نقطة أساسية، يقول مصطفى الراجعي أحد الفاعلين في مؤسسة جنة العارف التي يوجد مقرها في مستغانم؛ وهي أن "هذا المؤتمر لم يكن مؤتمرًا عن شخصية الشيخ خالد بن تونس في حد ذاتها، رغم رمزية الخمسينية، بل كان مؤتمرًا عن حصيلة خمسين عاما من الإنجازات والمؤسسات والمشاريع التي انطلقت بمبادرات منه، وشارك في بنائها وتطويرها منتسبون ومحبّون للطريقة العلاوية في مختلف بلدان العالم".
فالشيخ خالد بن تونس حالما تحمّل المسؤولية الروحية عام 1975، انطلق من سؤال مركزي هو ذات السؤال الذي حضر بقوة في هذا المؤتمر، لم يكن سؤال الخلافة أو الاستمرارية الشكلية، بل كان سؤال التحوّل: كيف يمكن للتصوف أن ينتقل من كونه تراثًا محفوظًا إلى قوة ثقافية وروحية فاعلة في عالم اليوم، قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر والتفاعل مع قضاياه وتحدياته؟
من هنا، يضيف، تشكّلت مشاريع الخمسين عاما الماضية حول هدف واضح: ألا وهوالحفاظ على التراث الصوفي عمومًا، وعلى تراث القطب الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي خصوصًا. لكن ليس حفظًا أرشيفيًا جامدًا، بل تحويله إلى مورد حيّ ومتجدد، قادر على الاستجابة لتطلعات الأجيال المختلفة، وعلى الإسهام في مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه البشرية اليوم.
وقد ظلّ هذا السؤال المحوري يشغل فكر الشيخ خالد بن تونس طيلة هذه العقود، وهو، وفق تعبيره، سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف ننقل الميراث الصوفي المحمدي إلى أجيال اليوم؟
كيف نقدّمه لهم لا كحنين إلى الماضي، ولا كخطاب وعظي تقليدي، بل كمصدر يمنحهم إجابات عن المعنى، وعن الغاية، وعن الحكمة، في زمن يتّسم بتسارع غير مسبوق في التحولات وبكثرة التحديات الوجودية والروحية؟
الذكاء الاصطناعي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في هذا السياق بالذات، جاء التركيز في هذه الخمسينية على موضوع الذكاء الاصطناعي، باعتباره أبرز تحوّل تقني في الأعوام الأخيرة. وقد كانت الفكرة الهادية للشيخ خالد بن تونس خلال ورشات المؤتمر واضحة:
الذكاء الاصطناعي ليس معجزة خارقة، وليس تهديدًا حتميًا، بل هو فرصة بأيدينا:
- إمّا أن نوجّهها بقيم إنسانية وروحية،
- وإمّا أن نتركها تعمل دون بوصلة أخلاقية.
وانطلاقًا من هذا التصور، لم يكن المؤتمر نظريًا فقط، بل كان عمليًا بالدرجة الأولى. فقد نُظّمت ورشات متخصصة ركزت على توظيف الأرضيات الرقمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وتطوير أدوات جديدة لنقل التراث الصوفي وجعله متاحًا للأجيال الجديدة بلغة عصرها.
وتم عرض أفلام وثائقية توثق لمسيرة الشيخ خالد بن تونس، إضافة إلى فيلم خاص بالتراث الإسلامي الذي تحافظ عليه المؤسسة العدلانية، ويضم منمنمات ومنقولات فنية جمعها الشيخ بنفسه خلال خمسين عاما من زياراته لبلدان العالم الإسلامي.
كما تم عرض مشروع ديوان الشيخ العلاوي (ديوان عشاق المحبوب) في صيغة تجمع بين الكتاب المطبوع، ورمز الاستجابة السريعة، وتطبيق هاتفي يضم جميع القصائد، بمختلف المقامات، وبعدة ألسنة، بما يتيح لأي شخص في أي مكان في العالم الوصول إلى هذا التراث الجمالي والروحي.
ومن المشاريع المهمة أيضًا كتاب القطب الشيخ العلاوي: تاريخ مشايخ الطريقة العلاوية، إلى جانب معرض رقمي تفاعلي يعرّف بالطريقة العلاوية وشخصياتها منذ عام 1909 إلى اليوم، مع فتح المجال للباحثين والمهتمين للمشاركة في توثيق هذا التراث.
كما تم تقديم أرضية تعليمية عالمية موجّهة للمدارس والمربين، لتدريس مهارات تربية السلام بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وهو مشروع ECP’AI، الذي يضع القيم الإنسانية في قلب العملية التربوية.
وأخيرًا، تم عرض برنامج المحادثة UnityBot، الموجّه لنقل التراث الصوفي العلوي من خلال إجابات موثقة بالمراجع، دون تشويه أو تبسيط مخلّ.
كل هذه المشاريع تعبّر عن رسالة واحدة واضحة:
أن التراث الصوفي يمكن أن يدخل العصر الرقمي دون أن يفقد روحه، وأن يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها وأدوات زمنها، وأن يساهم في مواجهة تحديات العصر، لا بالرفض أو الانغلاق، ولا بالاستخدام الأعمى للتكنولوجيا، بل بالعقل، وبالقيم، وبالحكمة.
ولهذا، يمكن القول إن الطريقة العلاوية، في خمسينيتها، ومن خلال مسار وأعمال الشيخ خالد بن تونس والمؤسسات التي أقامها، تمثل نموذجًا ناجحًا يبيّن الطريق الذي يمكن أن يسلكه أهل التراث الصوفي في الحفاظ على الموروث الروحي، وجعله نافعًا للأجيال الجديدة، بلغة اليوم، المتصالحة مع التكنولوجيا دون الارتهان لها.
الطريقة العلاوية ونشر ثقافة السلام: خمسون عاما من الديبلوماسْيا الروحية والمدنية ــــــــــــــــــــ
"إذا أردنا أن نلخّص مسيرة خمسين عاما من قيادة الشيخ خالد بن تونس للطريقة العلاوية في كلمة واحدة، يقول الدكتور مصطفى الراجعي، فإن هذه الكلمة ستكون بلا شك: السلام. ومن هنا جاء شعار المؤتمر".
وهو مؤتمر يمكن تسميته بالخمسينية التونسية من حيث أن المحتفى به هو "بن تونس"، ومن حيث أن المدينة التي احتضنت هذا المؤتمر هي "تونس".
فالطريقة العلاوية، خلال هذه الخمسين عاما، لم تكتفِ بحفظ تراث صوفي عريق، بل جعلت من التصوف مشروعًا عمليًا لنشر ثقافة السلام، والعيش المشترك، وحلّ النزاعات، في عالم يتّسم بتصاعد العنف، والاستقطاب، وسوء الفهم المتبادل.
أول مظهر أساسي لهذا الالتزام هو برامج تربية السلام التي طوّرتها مؤسسات مرتبطة بالطريقة العلاوية، والتي استهدفت الأطفال، والشباب، والمربين، والفاعلين في المجتمع المدني.
هذه البرامج لا تطرح السلام كشعار أخلاقي مجرّد، بل كمنظومة قيم ومهارات: احترام الآخر، إدارة الاختلاف، نبذ العنف، وبناء الثقة داخل المجتمعات.
وإلى جانب تربية السلام، عملت الطريقة العلاوية على برامج تدريب متخصصة في الوساطة وحلّ النزاعات، موجّهة للفاعلين الجمعويين، والمربين، وقادة المجتمع المحلي.
وهنا، يتحوّل التصوف من خطاب روحي داخلي إلى أداة عملية للتدخل الإيجابي في النزاعات، ولإعادة بناء الروابط الاجتماعية في سياقات هشّة.
المحور الثاني في هذا المسار هو الحضور الأممي للطريقة العلاوية داخل الجاليات المسلمة في أوروبا الغربية وأفريقيا.
ففي سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالاندماج، وبصورة الإسلام في الفضاء العام، قدّمت الطريقة العلاوية نموذجًا مختلفًا:
إسلام روحي، منفتح، متصالح مع قيم المواطنة، ومندمج في المجتمعات التي يعيش فيها أتباعه.
هذا الحضور لم يكن وعظيًا أو دعويًا فقط، بل كان تنظيميًا وتربويًا، من خلال تأسيس وتأطير مبادرات شبابية ومدنية، وعلى رأسها الحركة الكشفية ذات المرجعية الإسلامية في عدد من البلدان الأوروبية.
وهنا نصل إلى محور ثالث بالغ الأهمية: دور الطريقة العلاوية في الحركة الكشفية ونشر ثقافة السلام من خلالها.
فالعمل الكشفي، بطبيعته، يقوم على التربية، والانضباط، والعمل الجماعي، وخدمة المجتمع. وقد ساهمت الطريقة العلاوية في إدماج قيم السلام، والحوار، واللاعنف، داخل هذه الحركة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى الأممي.
وقد تجسّد هذا الدور بوضوح من خلال المؤتمر الذي انعقد في مستغانم في شهر مايو/أيار 2025، والذي خُصص لإدماج ثقافة السلام في العمل الكشفي، وجمع فاعلين كشفيين من بلدان مختلفة، وناقش سبل جعل الكشافة فضاءً للتربية على العيش المشترك (انظر الرابط أسفله).
كما تعزّز هذا المسار من خلال المؤتمر الأممي للحركة الكشفية الأفريقية الذي انعقد في مدغشقر في سبتمبر 2025، حيث تم التأكيد على دور الكشافة كفاعل تربوي ومدني في الوقاية من النزاعات، وبناء السلام في القارة الإفريقية.
هذه الجهود كلّها تندرج في إطار ما يمكن تسميته ديبلوماسْيا المجتمع المدني:
ديبلوماسيا لا تقوم على الاتفاقيات الرسمية فقط، بل على المبادرات الطوعية، وعلى التزام الأفراد والجماعات، وعلى بناء الثقة بين الشعوب والثقافات.
وهي ديبلوماسيا لا تُنافس الديبلوماسيات الحكومية، بل تُكمّلها وتدعمها، لأنها تعمل في المساحات التي لا تصل إليها الدولة بسهولة: التربية، الثقافة، العمل الشبابي، والعلاقات بين المجتمعات.
لكن الإنجاز الأبرز، والأكثر رمزية على المستوى الأممي، في مسيرة الطريقة العلاوية، هو بلا شك إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة ليوم 16 مايو يومًا أمميًا للعيش معًا في سلام (انظر الرابط أسفله).
هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة أعوام من العمل والإقناع والحوار مع مختلف الفاعلين الأمميين، قادها الشيخ خالد بن تونس، لإقناع المجتمع الأممي بأهمية تخصيص يوم عالمي يُذكّر البشرية بالحاجة إلى العيش المشترك، في عالم يزداد انقسامًا.
وهنا، كانت مرافقة الدولة الجزائرية ضرورية وحاسمة، من أجل تقديم القرار رسميًا داخل أروقة الأمم المتحدة، والدفاع عنه، إلى أن تم اعتماده في ديسمبر 2017.
وهذا المثال يبيّن بوضوح كيف يمكن أن يلتقي عمل المجتمع المدني مع الديبلوماسيا الرسمية، في خدمة قضية إنسانية كبرى هي السلام.
يمكن القول إن دور الطريقة العلاوية في نشر ثقافة السلام لم يكن أحاديّ البعد، بل تجسّد عبر عدة مظاهر متكاملة، جعلت منها فاعلًا مدنيًا وروحيًا ذا حضور أممي مؤثر.
أول هذه المظاهر هو الاستثمار المنهجي في تربية السلام، من خلال برامج تربوية موجّهة للأطفال والشباب والمربين، تقوم على ترسيخ قيم اللاعنف، واحترام الاختلاف، والحوار، وبناء الثقة. فالسلام، في تصور الطريقة العلاوية، ليس شعارًا أخلاقيًا عامًا، بل هو مهارة تُتعلّم، وثقافة تُكتسب، وسلوك يُمارس داخل المجتمع.
تأسيس مدارس في عدة دول أروربية موجهة
وثانيها يتمثل في برامج التدريب على الوساطة وحلّ النزاعات، التي استهدفت فاعلين جمعويين وقادة محليين، وسعت إلى تحويل الرصيد الروحي للتصوف إلى أدوات عملية للتدخل الإيجابي في النزاعات، سواء داخل المجتمعات المحلية أو في السياقات المتوترة، بما يعزز السلم الاجتماعي ويُعيد ترميم الروابط المجتمعية.
أما المظهر الثالث، فيتعلق بـ العمل الشبابي والكشفي، حيث ساهمت الطريقة العلاوية في تأسيس وتأطير حركات كشفية ذات مرجعية قيمية سلمية في عدد من البلدان، خاصة في أوروبا، كما عملت على إدماج ثقافة السلام في الحركة الكشفية على المستوى الدولي. وقد تُوّج هذا المسار بتنظيم مؤتمرات دولية، من بينها مؤتمر مستغانم في ماي 2025، والمؤتمر الإفريقي للحركة الكشفية بمدغشقر في سبتمبر 2025، اللذان أكّدا على دور الكشافة كفضاء تربوي لبناء السلام والعيش المشترك.
ويبرز المظهر الرابع في تأسيس الجمعية الصوفية الأممية العلوية، التي مثّلت إطارًا مؤسساتيًا لنقل رسالة التصوف العلاوي إلى الفضاء الأممي، وتحويلها إلى خطاب مدني وإنساني موجّه للعالم، يقوم على الحوار بين الثقافات والأديان، وعلى تعزيز قيم السلام في المجتمعات المتعددة.
"خلاصة القول، يقول الدكتور مصطفى الراجعي، إن الطريقة العلاوية، من خلال مسيرة خمسين عاما من قيادة الشيخ خالد بن تونس، قدّمت نموذجًا نادرًا لتصوّفٍ فاعلٍ في العالم، تصوّف لا ينسحب من الواقع، بل ينخرط فيه؛ تصوّفٌ يجعل من السلام مشروعًا أمميا على عدة أصعدة ولاسيما الصعيدين: التربويً والمدني. ويؤكّد أن نشر ثقافة السلام ليس مهمة الدول وحدها، بل مسؤولية جماعية، تبدأ من الفرد، وتصل إلى المجتمع الأممي".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيوخ الزوايا وثقافة الانفتاح والتواصل: خالد بن تونس نموذجا
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=882277&nm=1
الذكاء الاصطناعي: الحدود والمخاطر (أمسية فلسفية/وهران)
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=899902&nm=1
اليوم العالمي للسلام
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=732187
السادس عشر من أيار: الحق في السلام بين الأيديولوجيا والثقافة الحقوقية
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=793089
#سعيد_هادف (هاشتاغ)
Said_Hadef#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟