أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - وحدة المجتمع أقوى من معادلة الأغلبية والأقلية















المزيد.....

وحدة المجتمع أقوى من معادلة الأغلبية والأقلية


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 00:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا أردنا فهم طبيعة المجتمعات البشرية وكيفية نشأتها وتطورها فربما يكون من المفيد أن نبدأ من أصغر وحدة اجتماعية وهي العائلة ثم نتدرج منها إلى القرية فالمدينة فالمملكة وصولاً إلى الإمبراطورية والحضارة.

لنتصور أباً لديه ثلاثة أبناء وابنتان وتزوج أحد أبنائه وأنجب بنتين وتزوج الثاني وأنجب ولدين أما الثالث فتزوج وأنجب أربعة أبناء ذكور وأربع بنات والابنتان تزوجتا .. إحداهن أنجبت ولداً والأخرى أنجبت بنتاً وهكذا تكونت عائلة كبيرة تضم الجد والأبناء والأحفاد وأصبحت لها قرية يعيش أفرادها فيها ويزرعون أرضها ويرعون مواشيهم ويتشاركون في شؤون حياتهم اليومية ويساهمون معاً في ازدهارها.
في هذه العائلة هناك من لديه بنات فقط .. ومن لديه أبناء ذكور فقط .. ومن لديه بنات وأبناء معاً .. وهناك من لديه ابن واحد ومن لديه أكثر من ابن.
لكن هل يجعل هذا الاختلاف بعض أفراد العائلة أكثر أهمية من غيرهم. ؟
هل يجوز أن يصنف أفرادها إلى أغلبية وأقلية ثم تمنح فئة حقوقاً وامتيازات لا تتمتع بها الفئة الأخرى لمجرد اختلاف في الجنس أو العدد. ؟
بالطبع لا .. لأنهم جميعاً ينتمون إلى عائلة واحدة وتجمعهم روابط مشتركة ومصالح متبادلة ولا تتحدد قيمة أي فرد منهم بعدد إخوته أو أبنائه بل بإنسانيته ومكانته وعمله وعطائه ودوره في حياة العائلة.

ما ينطبق على العائلة يمكن أن نفهم من خلاله طبيعة المجتمع الأكبر مع مراعاة أن المجتمعات ليست عائلات بالمعنى الحرفي وأن حقوق أفرادها لا تقوم على روابط القرابة وحدها بل على المساواة والكرامة الإنسانية والمواطنة.

القرية ليست سوى مجموعة من العائلات والمدينة تضم مجموعات بشرية متعددة والمملكة قد تتشكل من مدن وأقاليم كما قد تنشأ الإمبراطوريات من إخضاع شعوب أو من جمع أقاليم وممالك مختلفة تحت سلطة سياسية واحدة وقد عرفت بلاد الرافدين القديمة مدناً بارزة مثل إريدو أوروك و أور و كيش و لكش و نيبور وأسهمت مجتمعاتها المتنوعة عبر مراحل تاريخية مختلفة في نشوء حضارات مثل سومر .. أكد .. بابل و آشور وفي تحقيق إنجازات عظيمة في الكتابة والإدارة والقانون والعمارة والعلوم والفكر.

لم تكن عظمة تلك الحضارات ناتجة عن تشابه جميع أفرادها وليس عن انتمائهم إلى جماعة واحدة بالضرورة بل ارتبطت بقدرة المجتمعات على تنظيم الحياة وتطوير المعرفة وتبادل الخبرات وبناء المؤسسات واستثمار إمكانات الإنسان في مجالات متعددة.

قد اختلفت طبيعة العلاقات بين تلك المدن والممالك عبر التاريخ فتعاونت أحياناً وتصارعت أو خضعت إحداها للأخرى أحياناً أخرى لكن إرثها الحضاري يبين حجم ما يمكن أن يحققه الإنسان عندما تتراكم خبراته ومعارفه وتتطور قدراته التنظيمية.
من هنا يبرز سؤال يستحق التأمل وهو .. إذا كان اختلاف عدد الأبناء داخل العائلة لا يمنح بعضهم حقاً طبيعياً في السيطرة على الآخرين فلماذا يتحول اختلاف أعداد الجماعات داخل المجتمع إلى مبرر لاحتكار السلطة أو الانتقاص من الحقوق أو فرض الإرادة على الآخرين. ؟

إن مصطلحي الأغلبية والأقلية قد يستخدمان لوصف الواقع الديموغرافي أو لتنظيم بعض الإجراءات الديمقراطية ولا يكون استخدامهما بحد ذاته عنصرياً .. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف العددي إلى معيار لتحديد قيمة الإنسان أو إلى ذريعة للتمييز والإقصاء أو إلى وسيلة لاحتكار القرار والموارد والفرص عندئذ تصبح الأرقام أداة لتكريس الانقسام بدلاً من أن تكون وسيلة لفهم الواقع وتنظيمه.

الأغلبية العددية لا تمنح أصحابها حقاً في الاستعلاء كما أن الأقلية العددية لا تنتقص من حقوق أصحابها أو كرامتهم .. لا ينبغي أن يكون الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي سبباً في منح امتيازات غير عادلة لفئة أو حرمان فئة أخرى من حقوقها الأساسية.
المجتمعات العادلة لا تقاس بقدرة الفئة الأكبر على فرض إرادتها وإنما بقدرتها على ضمان حقوق الجميع ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالفئات الأكثر عرضة للتهميش والاضطهاد.

إن تحويل الاختلاف إلى تمييز يزرع بذور الانقسام .. والانقسام يضعف الثقة المتبادلة ويقود إلى التوتر والصراع وقد ينتهي بالعنف وسفك الدماء وضياع فرص التنمية والازدهار.
في المقابل .. إن الاعتراف بالتنوع وترسيخ المساواة أمام القانون وضمان المشاركة العادلة في الحياة العامة كلها عوامل تعزز الاستقرار وتفتح الطريق أمام التقدم والرفاهية.

إن المجتمعات التي تطمح إلى مستقبل أفضل تحتاج إلى بناء شعور جامع بالانتماء لا يلغي الخصوصيات القومية أو الدينية أو الثقافية أو المذهبية بل يحترمها ويجعلها جزءاً من نسيج إنساني ووطني مشترك فالانتماء إلى الوطن لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الانتماء الثقافي أو الديني كما لا يجوز أن يتحول أي انتماء خاص إلى مبرر لرفض الآخر أو الانتقاص من حقوقه.

إن الاستثمار الحقيقي في مستقبل المجتمعات يبدأ من الإنسان ومن تربيته على احترام الاختلاف وقبول التعدد والإيمان بالمساواة والاحتكام إلى القانون والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض فالوطن الذي يشعر فيه كل إنسان بأنه شريك كامل في الحقوق والواجبات هو وطن أكثر قدرة على حماية استقراره وتطوير اقتصاده وإطلاق طاقات أبنائه وبناء مستقبل يسوده الأمن والحرية والكرامة.

الخلاصة أن العائلة لا تصبح أقوى بتفضيل الأبناء على البنات أو العكس والقرية لا تزدهر بإقصاء بعض عائلاتها والمدينة لا تتقدم بحرمان بعض سكانها والدولة لا تبني مستقبلها بتهميش بعض مكوناتها .. بل تتحقق القوة الحقيقية عندما يدرك الجميع أن اختلاف العدد لا يعني اختلاف القيمة وأن التنوع ليس تهديداً في حد ذاته وإنما قد يكون مصدر غنى وقوة إذا أُحسن التعامل معه.

فكما تتسع العائلة لأبنائها وبناتها على اختلافهم وتتسع القرية لعائلاتها ينبغي للمجتمع أن يتسع لجميع مكوناته وأن تكون المواطنة والكرامة الإنسانية والعدالة أساس العلاقة بينهم.

لسنا بحاجة إلى مجتمعات متشابهة حتى نعيش معاً بل إلى مجتمعات عادلة تحترم اختلافنا وتحمي حقوقنا وتجمعنا على ما يخدم الإنسان ومستقبل الجميع.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الزعامة التقليدية والمصلحة العامة
- العراق بعد الانسحاب الأميركي هل تبدأ مرحلة السيادة أم مرحلة ...
- الأيزدياتي دين البقاء والتعايش وفلسفة مقاومة الاندثار
- احترام الأيزيديين اختبار للمصداقية قبل أن يكون مطلباً
- مرور اثني عشر عاماً على ذاكرة تنزف وعدالة غائبة
- دور المثقف الإيزيدي بعد الإبادة الجماعية
- الحقيقة ليست وجهة نظر
- دعوة لإنصاف التاريخ الإيزيدي لتنتصر الذاكرة على التزيف
- مسارات الهيمنة والصراع العالمي
- بين جراح الماضي ومخاوف المستقبل
- الانتحار .. الوجه الصامت للإبادة الجماعية المستمرة
- قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي
- سنجار لن تنكسر... من رماد الإبادة يصنع الشباب الحياة والأمل
- العراق وحلم الوطن .. بين آمال التغيير وتحديات بناء الدولة
- حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية
- حين كانت المحبة وطنًا للجميع...
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...


المزيد.....




- المحكمة العليا الأمريكية ترفض طلبا لإدارة ترامب بإلغاء بطاقا ...
- بعد مواجهة مع بن غفير.. اعتداء خطير على الأسير حسن سلامة في ...
- أمير غالب.. حليف ترمب في ميشيغان الذي يحشد الأصوات بعيدا عن ...
- بوتين يشق الغرب.. ثلاث مقاربات في كيفية التعامل مع روسيا
- ما الذي تكشفه الوثائق الأمريكية عن المساعي الإسرائيلية لتروي ...
- قاض فيدرالي يأمر إدارة ترامب بعدم استبعاد 20 ألف ورقة اقتراع ...
- -أكسيوس-: ترقب محادثات روسية أمريكية أوكرانية في أبو ظبي يوم ...
- كوريا الشمالية تنفي أي صلة لها باختراق بورصة -باينانس-
- ولي عهد الأردن: ندين الاعتداءات الحوثية على السعودية وندعم إ ...
- -بلومبرغ-: واشنطن تريد من حلفاء الناتو تأمين ملياري دولار لت ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - وحدة المجتمع أقوى من معادلة الأغلبية والأقلية