أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - ليست القضية ماذا كُتب لنا... بل ماذا سنفعل بما أُعطي لنا















المزيد.....

ليست القضية ماذا كُتب لنا... بل ماذا سنفعل بما أُعطي لنا


حسن خليل غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 18:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(قراءة في مسؤولية الإنسان بين الاتكالية والعمل)
مقدمة
من أكثر القضايا التي شغلت الفكر الإنساني والديني عبر التاريخ قضية العلاقة بين إرادة الله ومسؤولية الإنسان. فهل حياة الإنسان بكل تفاصيلها مرسومة سلفاً بحيث لا يملك تجاهها سوى التسليم؟ أم أن الله وهب الإنسان العقل والإرادة وترك له مساحة واسعة لصناعة حياته وتحمل نتائج أفعاله؟
تزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى ما يعيشه البشر من حروب ومجاعات وأمراض وكوارث اجتماعية. فهل تُفسَّر هذه الوقائع كلها على أنها أقدار لا دخل للإنسان فيها؟ أم أن جانباً كبيراً منها هو نتيجة مباشرة لاختيارات البشر وسلوكهم وطريقة إدارتهم لشؤون حياتهم؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تتعلق بقضية فلسفية مجردة، بل ترتبط بمستوى المسؤولية الذي يتحمله الإنسان تجاه نفسه ومجتمعه ومستقبله.
الحياة بين العطاء الإلهي والفعل البشري
لا خلاف بين المؤمنين على أن الحياة نعمة من الله، وأن الإنسان لم يختر لحظة وجوده الأولى ولا الظروف الكونية التي جعلت الحياة ممكنة. فوجود الإنسان نفسه، وما أُودع فيه من قدرات عقلية وجسدية، يمثل أساساً لكل ما ينجزه في حياته.
لكن منح الحياة لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤولية المحافظة عليها. فالإنسان لا يعيش بمجرد وجوده، بل يحتاج إلى الغذاء والماء والأمن والعلاج والمعرفة والعمل. وهذه ليست أموراً تتحقق تلقائياً، بل تتطلب جهداً فردياً وجماعياً دائماً.
ولهذا فإن الحياة تبدو مزيجاً من العطاء الإلهي والمسؤولية الإنسانية. فالخالق منح الإنسان شروط الوجود الأساسية، أما كيفية استخدام هذه الشروط وتطويرها فتقع ضمن دائرة الفعل البشري.
لماذا تتفاوت تجارب البشر ومصائر المجتمعات؟
لو كانت تفاصيل الحياة تجري خارج إرادة الإنسان بالكامل، لما أمكن تفسير الفروق الكبيرة بين المجتمعات والشعوب.
فهناك مجتمعات نجحت في خفض نسب الفقر والأمراض ورفعت مستوى التعليم والإنتاج، بينما بقيت مجتمعات أخرى غارقة في التخلف والصراعات. وليس من المنطقي تفسير هذه الفوارق كلها بعوامل غيبية بينما تظهر بوضوح آثار الإدارة الجيدة أو السيئة، والعلم أو الجهل، والعدالة أو الظلم.
فالإنسان الذي يهمل صحته يختلف في نتائجه عن الإنسان الذي يعتني بها. والمجتمع الذي يستثمر في التعليم والبحث العلمي يختلف عن المجتمع الذي يهمل المعرفة. والدولة التي تحكمها المؤسسات والقوانين تختلف عن الدولة التي تسيطر عليها الفوضى والفساد.
وهذا كله يدل على أن الإنسان ليس متلقياً سلبياً للأحداث، بل شريك أساسي في صنع نتائجها.
حين يتحول الإيمان بالقدر إلى تعطيل للمسؤولية
تكمن المشكلة أحياناً ليس في الإيمان بالقدر، بل في الطريقة التي يُفهم بها هذا الإيمان.
فحين يتحول الإيمان بالقدر إلى مبرر للاستسلام للظلم أو الفقر أو الجهل أو المرض، فإنه يفقد دوره الإيجابي في حياة الإنسان. أما حين يُفهم باعتباره دعوة إلى مواجهة الظروف الصعبة والعمل على تحسينها، فإنه يصبح قوة أخلاقية ومعنوية تدفع الإنسان إلى الإنجاز.
فلا يمكن تبرير الحروب بكونها قدراً فقط، لأن وراءها قرارات بشرية. ولا يمكن تفسير المجاعات أو الفساد أو القمع السياسي بأنها أحداث خارجة بالكامل عن إرادة الناس، لأن البشر يشاركون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في صناعتها أو في منعها.
إن الإيمان لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المسؤولية، بل حافزاً لتحملها.
العقل: الأداة التي وُهبها الإنسان لصناعة مستقبله
ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات ليس حاجته إلى الطعام والماء والتكاثر فقط، فهذه حاجات تشترك فيها معظم الكائنات الحية، وإنما قدرته على التفكير والتعلم والتخطيط وتطوير شروط حياته.
لقد استطاع الإنسان بفضل عقله أن يحسن الزراعة، وأن يكتشف الدواء، وأن يطور وسائل النقل والاتصال، وأن يرفع مستوى متوسط العمر في كثير من المجتمعات. وكل هذه الإنجازات لم تتحقق بالانتظار أو التواكل، بل بالبحث والعمل والتجربة.
ولهذا فإن العقل ليس مجرد نعمة إضافية، بل هو أداة أساسية لتحمل المسؤولية. وكل ثقافة تقلل من قيمة العقل أو تشجع الإنسان على التخلي عن دوره النقدي تسهم، من حيث تدري أو لا تدري، في إضعاف قدرته على صناعة مستقبله.
حماية الحياة تبدأ من المجتمع والدولة
لا تقع المسؤولية على الأفراد وحدهم، بل تشمل أيضاً المؤسسات الاجتماعية والسياسية.
فحين يُحرم الناس من التعليم الجيد، أو من الرعاية الصحية، أو من فرص العمل الكريم، فإن المشكلة لا تكون فردية فقط، بل ترتبط ببنية المجتمع والدولة.
ومن هنا فإن احترام الحياة لا يقتصر على الوعظ الأخلاقي، بل يتطلب سياسات عامة تحمي الإنسان وتوفر له شروط العيش الكريم. فمكافحة الفقر، وتحقيق العدالة، وتوفير العلاج والتعليم ليست ترفاً اجتماعياً، بل جزء من احترام قيمة الحياة الإنسانية نفسها.
والمجتمعات التي تنجح في حماية حياة مواطنيها هي المجتمعات التي تجعل الإنسان محوراً لسياساتها وخططها التنموية.
المآسي البشرية: بين الأسباب والنتائج
عندما يموت الآلاف في الحروب، أو عندما تحصد المجاعات والأوبئة أرواح الأبرياء، يبرز سؤال أخلاقي لا يمكن تجاهله: من المسؤول؟
إن تحميل المسؤولية لقوى غيبية يؤدي إلى تبرئة المسؤولين الحقيقيين. أما الاعتراف بالدور البشري في صناعة المآسي فيفتح الباب أمام المحاسبة والإصلاح ومنع تكرار الأخطاء.
فالحاكم مسؤول عن قراراته، والمسؤول الإداري مسؤول عن تقصيره، والمجتمع مسؤول عن صمته تجاه الظلم، والفرد مسؤول عن أفعاله واختياراته ضمن حدود ما يملك من قدرة وإرادة.
ومن دون هذا الوعي بالمسؤولية تتحول الحياة العامة إلى دائرة مغلقة من تكرار الأخطاء دون تعلم أو مراجعة.
الخاتمة: ليست القضية ماذا كُتب لنا، بل ماذا سنفعل بما أُعطي لنا
إن الاعتراف بأن الحياة هبة من الله لا يتعارض مع الاعتراف بمسؤولية الإنسان عن كيفية عيشها. بل إن القيمة الحقيقية لهذه الهبة تكمن في ما يفعله الإنسان بها.
لقد منح الله الإنسان العقل والقدرة على الاختيار والعمل، ولم يمنحه هذه النعم لكي يبقى متفرجاً على حياته أو مبرراً لأخطائه، بل لكي يكون شريكاً في بناء مستقبله وصناعة شروط سعادته.
فالأمم لا تتقدم بالاستسلام، بل بالمبادرة. ولا تُهزم الحروب بالشكوى، بل بإزالة أسبابها. ولا يُقاوم المرض بالدعاء، بل بالعلم والعلاج والوقاية. ولا تُبنى الحياة الكريمة بالأمنيات، بل بالعمل والمسؤولية.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: ماذا كُتب لنا؟ بل: ماذا سنفعل بما أُعطي لنا؟
فالحياة نعمة، أما صونها وتطويرها وجعلها أكثر عدلاً وكرامة وإنسانية، فمسؤولية الإنسان نفسه.



#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخير أصيل فطري في الإنسان، والشر غياب العوامل الحاضنة للخير
- القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تك ...
- العقل العربي بين جمود الموروث وضغوط العولمة
- مبادئ منهجية لكتاب (أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة)
- مقدمة كتاب جديد لحسن خليل غريب تحت عنوان (أجوبة صادمة على أس ...
- الاستراتيجية العربية في مواجهة براغماتية التحالفات
- حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَ ...
- لبنان بين الطائفية والمشروع القومي: جدلية الانقسام والسيادة ...
- حل الدولتين السقف الوحيد الممكن القضية الفلسطينية بين الثابت ...
- ماذا دهاكَ بَيْتُنا صِرْتَ حُطامَا؟
- لبنان في أسر سلاح حزب الله والشرعية المعلّقة بين الأذى العسك ...
- نشيد بيوت الجنوب من تحت الركام
- الهمجوديولوجيا والمشاريع الدينية الغيبية: حين تتحول العقيدة ...
- العلاقات الأميركية – الإيرانية: تخادم المصالح وانعكاساته على ...
- الصراع مع إيران بين إستراتيجية واشنطن وحلف مكة: قراءة في كلف ...
- الوحدة العربية بين المثالية الكلاسيكية والواقعية الوظيفية
- الدور الإيراني في العراق: من شريك الاحتلال إلى مأزق التراجع ...
- لبنان بين وصايات الخارج وجدل الاتفاقات: نحو خطة خلاص وطني من ...
- حزب الله بين القرار اللبناني والوصاية الإيرانية: معضلة الدول ...
- الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في موا ...


المزيد.....




- بعد تجنيد نحو 230 يهوديا حريديا..الشرطة الإسرائيلية تواجه اح ...
- رغم خضوعه لجراحة السرطان.. بابا الفاتيكان يبدأ جولة طموحة في ...
- رئيس الأركان الإيراني يعلن إضافة أهداف جديدة -بلا قيود جغراف ...
- مرشحون عرب ومسلمون يسعون لتوسيع حضورهم في الكونغرس يخوض عشر ...
- البابا ليو يستقبل زملاءه السابقين في فريق كرة السلة بالفاتيك ...
- مدير ريد بول يرفض مزاعم هورنر بشأن تراجع الروح المعنوية للفر ...
- المرشد الأعلى الإيراني يهدد برد -بلا قيود جغرافية- في حال تع ...
- إصابة 3 فلسطينيين باعتداءات للمستوطنين في سلفيت ونابلس
- البرادعي يحذر: -الحط من الإسلام والمسلمين- في الغرب طريق نحو ...
- البرادعي يعلق على -الحط غير المسبوق من قدر الإسلام والمسلمين ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - ليست القضية ماذا كُتب لنا... بل ماذا سنفعل بما أُعطي لنا