أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خليل غريب - الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في مواجهة المتغيرات، ودور الدولة الوطنية السيادية















المزيد.....

الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في مواجهة المتغيرات، ودور الدولة الوطنية السيادية


حسن خليل غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 09:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


خطة البحث:
أولاً: الدولة العميقة في عهد الوصاية السورية.
ثانياً: الدولة العميقة في لبنان بعد انسحاب الجيش السوري في العام 2005.
ثالثاً: الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية السورية والهيمنة الإيرانية.
رابعاً: الدولة العميقة في لبنان بعد عملية طوفان الأقصى.
خامساً: الدولة العميقة في لبنان بعد الاتفاق الأميركي–الإيراني.
سادساً: خطة عمل لتأسيس الدولة اللبنانية السيادية.
سابعاً: خاتمة البحث:

المقدمة
منذ انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، دخل البلد مرحلة جديدة من التوازنات الداخلية والخارجية، لم تؤدِّ إلى بناء دولة سيادية مكتملة، بل إلى إعادة تشكيل ما يُعرف بـ "الدولة العميقة". هذه المنظومة، التي ورثت أدوات الوصاية السورية وأعادت إنتاجها بنمط جديد مرتبط بإيران، تحوّلت إلى اللاعب الفعلي في القرار السياسي والأمني، فيما بقيت المؤسسات الرسمية رهينة الانقسامات الطائفية والزبائنية. ومع كل محطة مفصلية، من حرب تموز 2006 إلى عملية طوفان الأقصى عام 2023، وصولًا إلى التفاهمات الأميركية–الإيرانية المرتقبة، ظل لبنان يعيش في معادلة معقدة بين الدولة الرسمية والدولة العميقة، حيث القرار الفعلي يُتخذ خارج المؤسسات الدستورية.

أولاً: الدولة العميقة في عهد الوصاية السورية:
منذ اتفاق الطائف عام 1989 وحتى الانسحاب في 2005، كانت سوريا اللاعب الأساسي في لبنان. فقد سيطرت على القرار السياسي والأمني عبر شبكة واسعة من الأجهزة الاستخباراتية والقيادات المحلية المرتبطة بها.
أ-القرارات الكبرى كانت تُتخذ في دمشق، فيما كانت المؤسسات اللبنانية مجرد واجهة شكلية.
بـ-الأجهزة الأمنية والإدارية عملت وفق نمط الوصاية، حيث التعيينات والقرارات كانت تمر عبر القنوات السورية.
جـ-الاقتصاد والإعلام والقضاء ظلوا خاضعين لشبكات الزبائنية والفساد التي كرّستها هذه الوصاية.

ثانياً: الدولة العميقة في لبنان بعد انسحاب الجيش السوري في العام 2005:
بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، دخل البلد مرحلة جديدة من توازنات داخلية وخارجية، لم تؤدِّ إلى بناء دولة سيادية مكتملة، بل إلى إعادة تشكيل ما يُعرف بـ "الدولة العميقة" وفق معادلات جديدة.
فقد أنهى الانسحاب السوري حقبة الوصاية المباشرة التي كانت تتحكم في القرار السياسي والأمني عبر شبكة واسعة من الأجهزة والقيادات المرتبطة بالاستخبارات السورية. لكن الفراغ الذي تركه هذا الانسحاب لم يُملأ بمؤسسات دستورية قوية، بل سرعان ما برز حزب الله كقوة مهيمنة، مدعومًا من إيران، ليصبح اللاعب الأساسي في القرار السيادي، خصوصًا في ملفات الحرب والسلم.
هذا التحول لم يكن معزولًا عن الداخل اللبناني، إذ أعادت القوى السياسية والطائفية إنتاج نفوذها داخل مؤسسات الدولة، فظهر تحالف 8 آذار كإطار جامع للنفوذ الجديد، فيما بقيت مؤسسات الدولة الرسمية رهينة التوازنات الطائفية والزبائنية. وهكذا، انتقلت الدولة العميقة من كونها امتدادًا للوصاية السورية إلى شبكة داخلية–إقليمية، تتحكم في مفاصل الأمن والسياسة والاقتصاد، وتعيد إنتاج الفساد والشلل المؤسسي.
ملامح هذه الدولة العميقة تجلّت في استمرار ضعف القضاء أمام الضغوط السياسية، وفي بقاء الأجهزة الأمنية مخترقة، وفي تحوّل القرارات الكبرى إلى تفاهمات بين القوى الطائفية بدل أن تُتخذ داخل المؤسسات الدستورية. أما الاقتصاد، فقد ظل أسير شبكات الزبائنية التي ترسخت في عهد الوصاية، لتصبح جزءًا من منظومة النفوذ الجديدة.
إن التحدي الأكبر الذي نتج عن هذا الواقع هو غياب السيادة الفعلية، حيث انتقل القرار من دمشق إلى الضاحية الجنوبية بدل أن يعود إلى المؤسسات الرسمية. وبهذا، عاش لبنان منذ 2005 في حلقة مفرغة من الأزمات، بين الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، لأن الدولة العميقة أعاقت أي محاولة إصلاحية أو بناء دولة حديثة.
الخلاصة: انسحاب الجيش السوري لم يؤدِّ إلى تحرير الدولة اللبنانية من الوصاية، بل إلى إعادة تشكيل وصاية جديدة عبر حزب الله وحلفائه، الذين ورثوا أدوات النفوذ وأعادوا إنتاجها بنمط مختلف مرتبط بإيران. وهكذا، ظل لبنان أسير دولة عميقة متعددة الرؤوس، تمنع قيام دولة سيادية حقيقية وتبقيه في دائرة الأزمات المستمرة.

ثالثاً: الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية السورية والهيمنة الإيرانية:
شكّل انسحاب الجيش السوري من لبنان في ربيع عام 2005 محطة مفصلية في تاريخ البلد، إذ أنهى حقبة الوصاية المباشرة التي امتدت منذ نهاية الحرب الأهلية. غير أن هذا الانسحاب لم يؤدِّ إلى بناء دولة سيادية مكتملة، بل فتح الباب أمام إعادة تشكيل "الدولة العميقة" وفق معادلات جديدة، انتقل فيها النفوذ من دمشق إلى حزب الله وحلفائه المدعومين من إيران.

1-الدولة العميقة بعد الانسحاب السوري:
مع خروج الجيش السوري، بدا وكأن لبنان استعاد سيادته، لكن الواقع سرعان ما كشف أن الفراغ ملأه حزب الله وحلفاؤه. حينذاك، أصبح حزب الله أصبح القوة المهيمنة على القرار السيادي، خصوصًا في ملفات الحرب والسلم، مستندًا إلى دعم مباشر من إيران. وأعاد تحالف 8 آذار إنتاج نفوذه داخل مؤسسات الدولة، من التعيينات الإدارية إلى القرارات السياسية الكبرى. وتعمَّقت الانقسامات الطائفية، حيث أعادت كل طائفة بناء أدواتها الأمنية والسياسية داخل مؤسسات الدولة، ما جعلها رهينة توازنات داخلية وخارجية.
2-المقارنة بين المرحلتين:
في الحقبة السورية، كانت الدولة العميقة مرتبطة مباشرة بالاستخبارات السورية، تعمل كامتداد للقرار في دمشق. وبعد 2005، تحولت الدولة العميقة إلى شبكة داخلية–إقليمية، يقودها حزب الله وحلفاؤه، مرتبطة بالمشروع الإيراني، لكنها متغلغلة في البنية اللبنانية نفسها. وفي الحالتين، بقيت المؤسسات الدستورية ضعيفة، والقضاء عاجز، والاقتصاد أسير شبكات الزبائنية والفساد.
3-النتائج والتحديات:
غياب السيادة الفعلية هو القاسم المشترك بين المرحلتين. ففي الأولى كان القرار في دمشق، وفي الثانية انتقل إلى الضاحية الجنوبية. هذا الواقع جعل لبنان يعيش منذ 2005 في حلقة مفرغة من الأزمات، بين الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي، لأن الدولة العميقة أعاقت أي محاولة إصلاحية أو بناء دولة حديثة.
وفي الخلاصة، لم يكن انسحاب الجيش السوري نهاية للوصاية، بل بداية لمرحلة جديدة من الهيمنة، حيث ورث حزب الله وحلفاؤه أدوات النفوذ وأعادوا إنتاجها بنمط مختلف مرتبط بإيران. وهكذا، ظل لبنان أسير دولة عميقة متعددة الرؤوس، تمنع قيام دولة سيادية حقيقية وتبقيه في دائرة الأزمات المستمرة.
4-أمثلة مفصلية على تجلّي الدولة العميقة:
-حرب تموز 2006: أظهرت أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد الدولة الرسمية، بل بيد حزب الله، الذي فرض معادلة جديدة على الداخل والخارج.
-أحداث 7 أيار 2008: عندما استخدم حزب الله القوة العسكرية في بيروت والجبل ردًا على قرارات حكومية، ما أكد أن الدولة العميقة قادرة على تعطيل المؤسسات بالقوة.
-أزمة الحكومة عام 2011: إسقاط حكومة سعد الحريري عبر انسحاب وزراء حزب الله وحلفائه، ما كشف أن القرار السياسي محكوم بتوازنات الدولة العميقة لا بالدستور.
-الفراغ الرئاسي 2014–2016: عجز المؤسسات عن انتخاب رئيس بسبب تعطيل القوى المرتبطة بالدولة العميقة، حتى جاء الحل بتسوية إقليمية–داخلية.
5-مفهوم "الدولة العميقة" في لبنان وتجارب مشابهة في المنطقة:
ظاهرة "الدولة العميقة" ليست حكرًا على لبنان، بل تتكرر في تجارب عربية أخرى:
-في العراق: بعد سقوط النظام عام 2003، تشكّلت دولة عميقة جديدة عبر الميليشيات الطائفية المرتبطة بالخارج، خصوصًا إيران، التي سيطرت على القرار الأمني والسياسي.
-في سوريا: الدولة العميقة بقيت مرتبطة بالنظام نفسه، حيث الأجهزة الأمنية والعسكرية هي العمود الفقري الذي يضمن بقاء السلطة، حتى في ظل الحرب الأهلية.
-في مصر: الدولة العميقة تجلّت في الجيش والأجهزة الأمنية التي حافظت على نفوذها بغض النظر عن تغيّر الرؤساء أو الأنظمة.
وفي الخلاصة، كشفت تجربة لبنان أن انسحاب قوة خارجية لا يعني بالضرورة بناء دولة سيادية، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الدولة العميقة بنمط جديد. ففي لبنان، انتقل القرار من دمشق إلى الضاحية الجنوبية، وفي العراق من النظام المركزي إلى الميليشيات، وفي سوريا ومصر بقيت الأجهزة الأمنية هي الحاكمة الفعلية.
هذه المقارنات تؤكد أن الدولة العميقة في العالم العربي ليست مجرد ظاهرة محلية، بل هي بنية سياسية–أمنية متكررة، تتغذى من ضعف المؤسسات الدستورية، ومن تدخل القوى الخارجية، ومن الانقسامات الداخلية. والنتيجة أن الدولة الرسمية تبقى واجهة، فيما القرار الفعلي يُتخذ في مكان آخر، سواء في دمشق أو طهران أو داخل الأجهزة الأمنية.

رابعاً: الدولة العميقة في لبنان بعد عملية طوفان الأقصى:
بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، دخل لبنان مرحلة حساسة، حيث انخرط حزب الله في المواجهة مع إسرائيل عبر خطاب سياسي–عسكري يربط الساحة اللبنانية مباشرة بالتصعيد الفلسطيني. هنا برز دور الدولة العميقة اللبنانية كعامل حاسم في إدارة المرحلة، إذ تحوّلت من مجرد شبكة نفوذ داخلية إلى أداة لتثبيت خيارات إقليمية مرتبطة بالمشروع الإيراني.
1-تأثير الدولة العميقة بعد طوفان الأقصى:
أ-على الصعيد الداخلي، احتكر حزب الله قرار الحرب والسلم، وبقيت الدولة الرسمية اللبنانية خارج المعادلة، فيما تولّى الحزب، كعمود فقري للدولة العميقة، إدارة المواجهة مع إسرائيل. وهذا أدىَّ إلى شلل المؤسسات الرسمية، ولم يكن للحكومة والبرلمان دور فعلي في ضبط التصعيد، ما أكد أن القرار السيادي لا يُتخذ داخل المؤسسات الدستورية. تلك الهيمنة أعادت إنتاج الانقسام الطائفي، حيث اعتُبر الانخراط في المواجهة خيارًا فئويًا أكثر منه قرارًا وطنيًا جامعًا.
بـ-وعلى الصعيد الإقليمي، أراد حزب الله أن يثبت أن لبنان جزء من محور المقاومة، وأن الدولة العميقة قادرة على فرض نفسها لاعبًا إقليميًا. ولم تكن المواجهة شاملة، بل محسوبة، لتأكيد قدرة حزب الله على الضغط دون الانجرار إلى حرب مفتوحة. ولكن تحوّل لبنان إلى ساحة لإظهار أن إيران قادرة على التأثير في مسار الصراع بعد طوفان الأقصى.
جـ-التحديات الناتجة: لبنان لم يظهر كدولة موحّدة، بل كساحة نفوذ، ما أضعف موقعه التفاوضي. كما أنه واجه خطر الانهيار الداخلي: استمرار المواجهة تحت إدارة الدولة العميقة يهدد الاقتصاد والسياسة، ويزيد من عزلة لبنان. وبذلك أعاد حزب الله إنتاج الأزمات. كما بعد 2005، بقيت الدولة العميقة هي الحاكمة الفعلية، ما يمنع أي إصلاح أو بناء مشروع وطني جامع.
وفي الخلاصة، بعد طوفان الأقصى، أثبتت الدولة العميقة في لبنان أنها صاحبة القرار الفعلي، وأن انخراط حزب الله في المواجهة مع إسرائيل لم يكن مجرد رد فعل، بل جزء من استراتيجية إقليمية مرتبطة بإيران. هذا جعل لبنان يعيش مجددًا في معادلة "الدولة العميقة مقابل الدولة الرسمية"، حيث القرار الفعلي خارج المؤسسات، والنتيجة استمرار الحلقة المفرغة من الأزمات.

خامساً: الدولة العميقة في لبنان بعد الاتفاق الأميركي–الإيراني:
ستكون للاتفاق انعكاسات مباشرة على الدولة العميقة في لبنان، سواء من حيث تعزيز نفوذها أو كشف هشاشتها.
1-الانعكاسات الإيجابية: وتظهر من خلال ما يلي:
أ-تعزيز شرعية حزب الله: باعتباره العمود الفقري للدولة العميقة، سيُظهر الاتفاق أن إيران قادرة على التفاهم مع واشنطن، ما يمنح الحزب غطاءً سياسيًا إضافيًا لوجوده وسلاحه.
بـ-تخفيف الضغوط الأمنية: أي تهدئة إقليمية ستنعكس على لبنان، فتمنح الدولة العميقة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها داخليًا من دون مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل.
جـ-فرص اقتصادية غير مباشرة: إذا أدى الاتفاق إلى تخفيف العقوبات على إيران، فقد تستفيد شبكات الدولة العميقة من تدفق موارد إضافية عبر القنوات المالية والسياسية المرتبطة بطهران.
إن أحد أهم مرتكزات التسوية الأميركية مع إيران يقوم على مبدأ أساسي لا يمكن تجاوزه، وهو حق الدول المجاورة في حماية سيادتها ومنع أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية. هذا المبدأ لا يجوز الالتفاف عليه عبر الأذرع التي تعتمدها إيران في العراق ولبنان واليمن، إذ إن استمرار نشاط تلك القوى تحت شعار "الدولة العميقة" يتناقض مع جوهر التسوية. ومن هنا يصبح المطلوب من إيران أن تضبط أدواتها الإقليمية، وأن تتخلى عن أوهامها في تكريس نفوذ غير مشروع، بما يفتح المجال أمام علاقات طبيعية قائمة على الاحترام
2-الانعكاسات السلبية: تظهر من خلال ما يلي:
أ-إضعاف خطاب المقاومة: التفاهم مع واشنطن قد يُظهر أن إيران مستعدة للمساومة، ما يضعف رواية حزب الله عن المواجهة المفتوحة مع "الشيطان الأكبر".
بـ-تراجع استقلالية القرار: الدولة العميقة في لبنان ستبدو أكثر تبعية لإيران، ما يفضح هشاشتها أمام الداخل اللبناني ويزيد من الانقسام الطائفي.
جـ-ضغط أميركي على إسرائيل: إذا استغلت واشنطن الاتفاق لإظهار نفوذها في لبنان، فقد تجد الدولة العميقة نفسها محاصرة بين التفاهمات الأميركية–الإيرانية وبين مطالب الداخل اللبناني بالسيادة.
د-خطر فقدان السيطرة: أي تنازلات إيرانية قد تُترجم داخليًا على أنها تراجع في دور حزب الله، ما يفتح الباب أمام قوى لبنانية أخرى لتحدي الدولة العميقة.
وفي الخلاصة، الاتفاق سيمنح الدولة العميقة قوة إضافية مرحليًا عبر تثبيت نفوذ حزب الله وإظهار أن إيران قادرة على التفاهم مع أميركا، لكنه في الوقت نفسه سيكشف هشاشتها البنيوية، لأنها ستبدو أداة تابعة لإيران أكثر من كونها منظومة لبنانية مستقلة. هذا التناقض سيجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة العميقة على التكيّف بين الضغوط الأميركية والخيارات الإيرانية، وبين الحاجة الداخلية لبناء دولة سيادية.

سادساً: خطة عمل لتأسيس الدولة اللبنانية السيادية:
من أجل إرغام بقايا الدولة العميقة للانكفاء عن مشروعها المستقل، ومن أجل إعادة تأسيس دولة لبنانية سيادية، يُفترض من الدولة اللبنانية الحالية، تحت غطاء الرافضين لها، وكذلك بمساعدة الأنظمة العربية والدولية، أن تبادر بكل جدية، للقيام بالخطوات التالية:
1-على المستوى الرسمي الحكومي:
أ-إصلاح القضاء: تعزيز استقلالية القضاء عبر قوانين واضحة تمنع التدخل السياسي والطائفي. وإنشاء هيئات رقابية مستقلة تضمن المحاسبة والشفافية.
بـ-بناء جيش وطني جامع: دعم الجيش ليكون المرجعية الأمنية الوحيدة، ضمن استراتيجية دفاع وطنية تحت سقف الدولة. وتطوير قدرات الجيش عبر برامج تدريب وتسليح حديثة.
جـ-إصلاح النظام السياسي: تعديل القانون الانتخابي لتقليل الطائفية السياسية وتعزيز المواطنة. وإطلاق حوار وطني شامل يضع أسس عقد اجتماعي جديد.
د-تنمية اقتصادية متوازنة: تحويل مناطق المواجهة (الجنوب والبقاع) إلى مناطق إنتاج واستقرار من جهة، وتنفيذ سياسة إنمائية شاملة لكل لبنان من جهة أخرى، على الحكومات اللبنانية أن تجتثَّ عوامل الفساد عبر إصلاح الإدارة العامة وتفعيل الرقابة المالية.
هـ-إعادة بناء الهوية الوطنية: صياغة خطاب جامع يربط لبنان بالمشروع القومي العربي ويعيد الثقة بين المكوّنات الداخلية. وتعزيز دور الإعلام الوطني المسؤول في مواجهة الانقسامات الطائفية.
2-الدور العربي والدولي:
أ-الدور العربي: توفير مظلة سياسية للبنان ضمن مشروع قومي عربي يحميه من أن يكون ساحة نفوذ خارجي. ودعم اقتصادي مباشر عبر صناديق تنمية عربية، خصوصًا في البنى التحتية والطاقة. وإطلاق مبادرات حوار لبناني–عربي تعيد دمج لبنان في محيطه الطبيعي.
بـ-الدور الدولي: الضغط على القوى الإقليمية كافة، والقوى الدولية، لعدم تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض، بل إلى طرف مستقل. ودعم الجيش اللبناني عبر برامج تسليح وتدريب، مع آليات مراقبة دولية لضبط الحدود. وتوفير دعم مالي مشروط بالإصلاحات، لضمان أن المساعدات لا تُهدر في شبكات الفساد.
وفي الخلاصة، إن خروج لبنان من مرحلة الدولة العميقة يتطلب خطة إصلاحية شاملة تبدأ من الداخل، لكنها تحتاج أيضًا إلى مظلة عربية ودعم دولي يضمن استقلال القرار الوطني. فإذا نجح لبنان في وضع استراتيجية وطنية، وتعزيز القضاء والجيش، وإطلاق تنمية متوازنة، يمكنه أن يتحول من ساحة نفوذ إلى دولة سيادية حديثة. أما الدور العربي والدولي، فيكمن في حماية هذا المسار ومنحه الغطاء السياسي والاقتصادي اللازم، بحيث يصبح لبنان لاعبًا فاعلًا في محيطه بدل أن يبقى أسير الأزمات.

سابعاً: خاتمة البحث:
إن دراسة مسار الدولة العميقة في لبنان تكشف أن انسحاب قوة خارجية لا يعني بالضرورة بناء دولة سيادية، بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاج منظومة نفوذ جديدة أكثر تعقيدًا. فبعد أن انتقل القرار من دمشق إلى الضاحية الجنوبية، وجد لبنان نفسه أسيرًا لتوازنات إقليمية تتجاوز حدوده، وتمنع قيام مشروع وطني جامع. ومع الاتفاقات الإقليمية المقبلة، يواجه لبنان اختبارًا حاسمًا، إما أن يستمر أسير الدولة العميقة وما تفرضه من أزمات متكررة، أو أن ينجح في إعادة صياغة عقد اجتماعي جديد يدمج جميع اللبنانيين ضمن استراتيجية وطنية، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس سيادة وعدالة واستقلالية.



#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جنون الأيديولوجيا الأميركية والصهيونية والإيرانية وانعكاساته ...
- حزب الله بين المقاومة والتحوّل الإقليمي: قراءة نقدية أيديولو ...
- لبنان بين وقف النار وخارطة الطريق: نحو حل مستدام لأزمة الجنو ...
- الصراعات الأيديولوجية المغلقة على بوابات الحلول وقائع ومآلات ...
- لا تبرير للعدو ولا إعفاء للمقاتل وقيادته: نحو فهم شامل للمسؤ ...
- بعد متغيرات طوفان الأقصى رؤية افتراضية في مستقبل القضية الفل ...
- الصراع المؤجَّل بين المشروع القومي الغربي والمشروع التوراتي ...
- بين المشروع التوراتي والدور الوظيفي: التناقض البنيوي في نشأة ...
- مقاومة حزب الله بين الأيديولوجيا والواقع: لبنان في اختبار إع ...
- حزب الله وإشكالية الخطاب السياسي في ظل الأزمات الداخلية والا ...
- العرب بين مطرقة النفوذ الإيراني وسندان الهيمنة الأميركية: مع ...
- العلاقة التكاملية بين الأمن الإقليمي والأمن القومي العربي
- أميركا وإيران على طاولة المفاوضات في باكستان: كيف يضمن العرب ...
- فرقة الطزطزان تستغل دماء أبطال الجنوب في المكان الخطأ
- سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان وقائع وأبعاد استراتيجية ورؤ ...
- بين قرار المقاومة الإسلامية الخاطئ وفيض العطاء عند أبطال الم ...
- المتغيرات الرسمية العربية من أميركا وإيران . التحولات الكبر ...
- البعد التوراتي في صياغة العلاقة الأميركية–الصهيونية: من الأس ...
- الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي بين خيارين: القوم ...
- العروبة والإسلام نحو علاقة حضارية متكاملة في مشروع حسن خليل ...


المزيد.....




- آن هاثاواي تكشف عن حملها بطفلها الثالث
- نجا بأعجوبة.. إعصار عنيف يدمر منزلا بأمريكا وصاحبه يوثّق ما ...
- -الباليستي سُحب من منصات الإطلاق-.. كواليس اندفاع ترامب -الج ...
- إيران تعلن إعادة إغلاق مضيق هرمز.. وترسل وفدا إلى سويسرا
- مفاوضات سويسرا.. السير على الخيط الرفيع
- سي إن إن: نائب الرئيس الامريكي قد يتوجه اليوم إلى سويسرا لبد ...
- المعركة من أجل الحياة
- السلطات السورية تعلن القبض على -عبدو تصنيع- الداعشي (صورة)
- الجامعة العربية ترحب بخطوة مفصلية في ليبيا وتدعو لاستكمال مس ...
- الخارجية الباكستانية تعلن عن محادثات فنية بين الولايات المتح ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خليل غريب - الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في مواجهة المتغيرات، ودور الدولة الوطنية السيادية