|
|
الصراعات الأيديولوجية المغلقة على بوابات الحلول وقائع ومآلات واقتراحات حلول
حسن خليل غريب
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 08:22
المحور:
المجتمع المدني
في 26/ 05/ 2026 حسن خليل غريب المقدمة تُشكّل الأيديولوجيا أحد أبرز مكونات الفكر السياسي والاجتماعي في العالم العربي والعالمي، إذ تُستخدم لتفسير الواقع وتوجيه الفعل الجماعي. غير أنّ انغلاقها وتحولها إلى منظومات مغلقة جعلها سبباً رئيسياً في الانقسام والتشرذم، بدل أن تكون أداةً للتوحيد والنهضة. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل إشكالية الصراعات الأيديولوجية المغلقة، من خلال إطار نظري ومنهجي، ثم تشخيص الوقائع، واستشراف المآلات، وصولاً إلى اقتراح حلول عملية، وانتهاءً بالنتائج والتوصيات. المحور الأول: الإطار النظري والمنهجي أولاً: تعريف الأيديولوجيا ومفهوم الصراع الأيديولوجي الأيديولوجيا هي منظومة فكرية متكاملة، تتضمن مجموعة من القيم والمعتقدات والتصورات التي تهدف إلى تفسير الواقع وتوجيه السلوك الجماعي نحو أهداف محددة. فهي ليست مجرد أفكار مجردة، بل إطار ذهني يحدد علاقة الفرد والمجتمع بالسياسة والاقتصاد والثقافة. أما الصراع الأيديولوجي، فهو التنازع بين هذه المنظومات حين يسعى كل تيار إلى فرض رؤيته باعتبارها الحقيقة المطلقة، مما يؤدي إلى انقسامات داخلية حادة. هذا الصراع يتخذ أشكالاً متعددة: فكرية، سياسية، اجتماعية، وقد يتحول إلى مواجهات عنيفة إذا غابت آليات الحوار والتسوية. في السياق العربي، ارتبط الصراع الأيديولوجي بمسألة الهوية والانتماء، حيث تنازعت التيارات القومية والإسلامية والماركسية على قيادة المجتمع، ما جعل الأيديولوجيا ساحة صراع بدل أن تكون أداة بناء. ثانياً: خصائص الانغلاق الفكري وأثره على المجتمعات الانغلاق الفكري هو حالة من الجمود العقلي، حيث يرفض التيار الأيديولوجي أي مراجعة أو نقد، ويعتبر نفسه الممثل الوحيد للحقيقة. من أبرز خصائصه، إقصاء الآخر واعتباره خصماً أو عدواً. وغياب القدرة على التكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية. وتحويل الأيديولوجيا إلى أداة للتحريض بدل أن تكون أداة للتنوير. أما أثره على المجتمعات فيتمثل في تفكيك الوحدة الوطنية: إذ تتحول الهوية الجامعة إلى ساحة تنازع. وإضعاف المؤسسات السياسية: حيث تُستخدم الأيديولوجيا لتبرير الانقلابات أو الاستبداد. تعطيل التنمية الاقتصادية لانشغال النخب بالصراع على الشرعية الفكرية بدل صياغة برامج تنموية. إنتاج أزمات اجتماعية نتيجة تعدد الولاءات وتناقض الخطابات التعبوية.
المحور الثاني: الوقائع – تشخيص الواقع الأيديولوجي أولاً: ملامح الصراعات الأيديولوجية في التاريخ الحديث منذ منتصف القرن العشرين، شهد العالم العربي والعالمي تحولات كبرى ارتبطت بالصراعات الأيديولوجية. ففي العالم العربي، تنازعت التيارات القومية والإسلامية والماركسية على قيادة المجتمعات، حيث رفع القوميون شعار الوحدة والتحرر، بينما ركّز الإسلاميون على الهوية الدينية، وسعى الماركسيون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. هذا التنازع أنتج حالة من التشرذم الفكري والسياسي، انعكست على شكل أنظمة حكم متباينة، وانقلابات عسكرية، وصراعات داخلية. أما في السياق العالمي، فقد مثّلت الحرب الباردة أبرز مثال على الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والاشتراكية، حيث انقسم العالم إلى معسكرين متناحرين، ما أثّر بشكل مباشر على الدول النامية التي أصبحت ساحات لتصفية الحسابات الدولية. ثانياً: انعكاسات الصراع على السياسة والاقتصاد والاجتماع 1-سياسياً: أدى الصراع الأيديولوجي إلى إضعاف المؤسسات السياسية، وتكريس الانقلابات العسكرية، وتحويل الأيديولوجيا إلى أداة شرعنة للسلطة أو المعارضة. 2-اقتصادياً: غابت الرؤية التنموية الموحدة، إذ انشغلت النخب الفكرية بالصراع على الشرعية الأيديولوجية، ما أدى إلى تعطيل مشاريع التنمية وتراجع النمو الاقتصادي. 3-اجتماعياً: ساهم الصراع في إنتاج خطاب تعبوي متناقض، جعل المواطن يعيش بين ولاءات متضاربة، وأضعف مفهوم المواطنة الجامعة، وأدى إلى تفكك الهوية الوطنية. ثالثاً: نماذج من وقائع الانقسام الأيديولوجي في العالم العربي 1-مصر: الصراع بين القوميين والإسلاميين منذ خمسينيات القرن الماضي، حيث مثّل الإخوان المسلمون التيار الإسلامي في مواجهة النظام الناصري القومي. 2-سورية: التنازع بين حزب البعث القومي والتيارات الإسلامية، وما نتج عنه من مواجهات دامية. 3-العراق ولبنان: الانقسام المذهبي–الأيديولوجي الذي أدى إلى حروب أهلية وصراعات طويلة الأمد. 4-مرحلة ما بعد (الربيع العربي:( تنافس الإسلاميين والليبراليين والقوميين على السلطة، ما أدى إلى تفكك الثورات وتحولها إلى ساحات صراع دموي. رابعاً: نماذج من وقائع الانقسام الأيديولوجي في السياق العالمي 1-الحرب الباردة: بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، حيث تحولت دول العالم الثالث إلى ساحات نفوذ متصارعة. 2-أمريكا اللاتينية: الانقسام بين التيارات اليسارية واليمينية، وما نتج عنه من انقلابات وصراعات مسلحة. 3-أوروبا: الصراع الثقافي–الديني حول الهوية والهجرة، حيث برزت تيارات قومية متشددة في مواجهة تيارات ليبرالية منفتحة.
المحور الثالث: المآلات – استشراف النتائج المحتملة أولاً: المخاطر المترتبة على استمرار الانغلاق الأيديولوجي إن استمرار الانغلاق الأيديولوجي يفتح الباب أمام سلسلة من المخاطر التي تهدد المجتمعات والدول على حد سواء، أبرزها: 1-تفكك الدول: حيث تتحول الانقسامات الفكرية إلى انقسامات سياسية واجتماعية قد تؤدي إلى انهيار البنية الوطنية. 2-تصاعد العنف الداخلي: إذ يتحول الصراع الفكري إلى مواجهات مسلحة أو حروب أهلية، كما شهدت بعض الدول العربية في العقود الأخيرة. 3-فقدان القدرة على مواجهة التحديات الخارجية: فالمجتمعات المنقسمة داخلياً تكون عاجزة عن بناء موقف موحد أمام التهديدات الإقليمية والدولية. 4-إضعاف التنمية: إذ ينشغل صناع القرار بإدارة الصراع الداخلي بدل صياغة برامج تنموية شاملة. ثانياً: تأثير الصراعات على وحدة المجتمعات واستقرار الدول الصراعات الأيديولوجية لا تقتصر على المجال الفكري، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على وحدة المجتمعات واستقرار الدول: 1-هشاشة البنية الوطنية: حيث تتراجع الهوية الجامعة لصالح هويات فرعية متنازعة. 2-ضعف الثقة بين المواطن والدولة: نتيجة استخدام الأيديولوجيا كأداة للشرعنة أو القمع، ما يؤدي إلى فقدان الشرعية السياسية. 3-تهديد الاستقرار الاجتماعي: إذ تتحول الانقسامات الفكرية إلى انقسامات طائفية أو مذهبية، ما يهدد السلم الأهلي. ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية في حال غياب الحلول في حال غياب حلول عملية لتجاوز الانغلاق الأيديولوجي، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة: 1-استمرار التشرذم: حيث تبقى المجتمعات أسيرة الانقسامات الفكرية، ما يعيق أي مشروع نهضوي. 2-تصاعد التدخلات الخارجية: إذ تستغل القوى الإقليمية والدولية الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها، ما يؤدي إلى فقدان السيادة الوطنية. 3-انهيار بعض الدول أو تحولها إلى كيانات هشة: نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يفتح الباب أمام الفوضى أو التقسيم.
المحور الرابع: الحلول – بوابات الخروج من الأزمة أولاً: آليات الحوار الفكري والتشريعي الحوار هو المدخل الأساسي لتجاوز الانغلاق الأيديولوجي. فالمجتمعات التي تنجح في بناء منصات حوار بين التيارات الفكرية المختلفة تستطيع تحويل التناقضات إلى فرص للتكامل. ومن أبرز الآليات: 1-منصات الحوار الوطني: تجمع ممثلين عن التيارات الفكرية والسياسية والدينية لمناقشة القضايا الخلافية. 2-التشريعات الضامنة لحرية الفكر: إصدار قوانين تكفل حرية التعبير وتمنع الإقصاء، بما يضمن مشاركة جميع الأطراف في صياغة المستقبل. 3-آليات المصالحة الفكرية: مثل لجان الحقيقة والمصالحة التي تُعتمد في بعض الدول لتجاوز الانقسامات التاريخية. ثانياً: دور المؤسسات الفكرية والدينية والسياسية في فتح بوابات الحلول 1-المؤسسات الفكرية والجامعات: عبر إنتاج خطاب نقدي يفتح المجال أمام مراجعة الأيديولوجيات، وتقديم دراسات علمية تساعد على تجاوز الانغلاق. 2-المؤسسات الدينية: من خلال تبني خطاب معتدل يرفض التطرف، ويؤكد على قيم التسامح والعيش المشترك. 3-المؤسسات السياسية: عبر تفعيل المشاركة الديمقراطية، وضمان التمثيل العادل لمختلف التيارات، بما يمنع احتكار السلطة من طرف واحد. ثالثاً: نماذج ناجحة من تجارب دولية في تجاوز الصراعات الأيديولوجية 1-جنوب أفريقيا: تجاوزت المحور العنصري عبر الحوار الوطني ولجان الحقيقة والمصالحة، ما أعاد بناء الدولة على أسس جديدة. 2-أوروبا: نجحت في تجاوز الحروب الدينية والقومية عبر بناء الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح نموذجاً للتكامل رغم اختلاف الهويات. 3-أمريكا اللاتينية: بعض الدول مثل تشيلي والبرازيل استطاعت الانتقال من الحكم العسكري والانقسامات الأيديولوجية إلى أنظمة ديمقراطية مستقرة. رابعاً: مقترحات عملية لتفعيل الحلول في السياق العربي والعالمي 1-تعزيز التعليم النقدي: إدخال مناهج تعليمية تُنمّي التفكير النقدي وتُعلّم الطلاب كيفية التعامل مع الاختلاف الفكري. 2-دعم الإعلام المستقل: ليكون منبراً للحوار، بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي. 3-بناء مؤسسات إقليمية للحوار والتكامل: مثل مجالس فكرية عربية–إسلامية تُعنى بتقريب وجهات النظر بين التيارات المختلفة. 4-تشجيع المبادرات الشبابية: التي تسعى إلى تجاوز الانقسامات عبر مشاريع ثقافية وفكرية مشتركة.
المحور الخامس: النتائج والتوصيات أولاً: إعادة صياغة الإشكالية في ضوء التحليل والنتائج من خلال الفصول السابقة، يتضح أن الصراع الأيديولوجي ليس مجرد خلاف فكري، بل هو أزمة بنيوية تمسّ الهوية الوطنية، وتؤثر على السياسة والاقتصاد والاجتماع. إن إعادة صياغة الإشكالية تكمن في إدراك أن الانغلاق الأيديولوجي هو السبب الجوهري في تعطيل النهضة، وأن الحل لا يكون بإقصاء تيار لصالح آخر، بل بفتح مسارات الحوار والتكامل بين مختلف الرؤى الفكرية. ثانياً: الدروس المستفادة من التجارب التاريخية والمعاصرة 1-من التجارب العربية: أثبتت الانقلابات العسكرية التي استندت إلى شعارات أيديولوجية أن احتكار الحقيقة يقود إلى الاستبداد والفشل التنموي. 2-من التجارب العالمية: أظهرت أوروبا وجنوب أفريقيا أن الحوار والمصالحة يمكن أن يحوّلا الأيديولوجيا من عامل انقسام إلى أداة بناء. 3-الدرس الأبرز: المجتمعات التي تنجح في تحويل الأيديولوجيا إلى إطار جامع هي الأقدر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. ثالثاً: توصيات عملية للباحثين وصنّاع القرار 1-للباحثين: التركيز على الدراسات التطبيقية التي تربط النظرية بالواقع. وتطوير مناهج تعليمية تُنمّي التفكير النقدي وتُعلّم كيفية التعامل مع الاختلاف الفكري. وتعزيز البحث المقارن بين التجارب العربية والعالمية لاستخلاص الدروس. 2-لصنّاع القرار: دعم المؤسسات الفكرية المستقلة لتكون منصات للحوار. وسنّ تشريعات تضمن حرية الفكر وتمنع الإقصاء. وبناء آليات دائمة للحوار الوطني والإقليمي، تشارك فيها مختلف التيارات الفكرية والسياسية. والاستثمار في الإعلام المستقل ليكون أداة للتنوير لا للتعبئة السلبية. المحور السادس: الخاتمة أولاً: تلخيص أهم ما توصلت إليه الدراسة لقد بيّنت الفصول السابقة أن الأيديولوجيا، حين تتحول إلى منظومات مغلقة، تصبح عائقاً أمام النهضة، ومصدراً للانقسام والتشرذم. كما أوضحت الدراسة أن الصراع الأيديولوجي ليس مجرد خلاف فكري، بل أزمة بنيوية تمسّ الهوية الوطنية، وتؤثر على السياسة والاقتصاد والاجتماع. وقد خلصت النتائج إلى أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب حواراً شاملاً، ومؤسسات فاعلة، ومناهج تعليمية وإعلامية تفتح المجال أمام التفكير النقدي والانفتاح الفكري. ثانياً: التأكيد على أن مستقبل البشرية مرهون بقدرتها على تجاوز الانغلاق الأيديولوجي إن مستقبل المجتمعات، سواء في السياق العربي أو العالمي، يتوقف على قدرتها على تحويل الأيديولوجيا من أداة صراع إلى أداة بناء. فالمجتمعات التي تنجح في تجاوز الانغلاق الأيديولوجي، وتبني خطاباً جامعاً، هي الأقدر على مواجهة تحديات العصر، من التنمية الاقتصادية إلى الاستقرار السياسي، ومن مواجهة التدخلات الخارجية إلى بناء هوية وطنية جامعة. ثالثاً: الدعوة إلى مزيد من الدراسات التطبيقية التي تربط النظرية بالواقع تؤكد هذه الدراسة الحاجة الملحة إلى مزيد من الأبحاث التطبيقية التي لا تكتفي بالتحليل النظري، بل تربط بين الفكر والواقع، وتقدّم حلولاً عملية قابلة للتنفيذ. فالتحديات المعاصرة تتطلب مقاربات جديدة، تجمع بين التحليل الأكاديمي والمبادرات العملية، بما يضمن تحويل الأفكار إلى سياسات ومشاريع تنهض بالمجتمعات وتفتح أمامها آفاق المستقبل. خاتمة البحث لقد تناولت هذه الدراسة إشكالية الصراعات الأيديولوجية المغلقة على بوابات الحلول من خلال إطار نظري ومنهجي، ثم تشخيص الوقائع، واستشراف المآلات، وصولاً إلى صياغة حلول عملية، وانتهاءً بالنتائج والتوصيات. وقد تبيّن أن الأيديولوجيا، حين تتحول إلى منظومات مغلقة، تصبح عائقاً أمام النهضة، ومصدراً للانقسام والتشرذم، وأن الصراع الأيديولوجي ليس مجرد خلاف فكري، بل أزمة بنيوية تمسّ الهوية الوطنية وتؤثر على السياسة والاقتصاد والاجتماع. كما أوضحت الدراسة أن استمرار الانغلاق الأيديولوجي يقود إلى مخاطر وجودية تهدد وحدة المجتمعات واستقرار الدول، وأن غياب الحلول يفتح الباب أمام سيناريوهات قاتمة تتراوح بين التشرذم الداخلي والتدخلات الخارجية والانهيار المؤسسي. في المقابل، أثبتت التجارب الدولية أن تجاوز هذه الأزمة ممكن إذا توفرت الإرادة الفكرية والسياسية، وأن الحوار والانفتاح والتكامل بين التيارات الفكرية هي السبيل الوحيد لبناء مشروع جامع يضع الأيديولوجيا في موقعها الطبيعي كأداة للتوحيد والبناء. وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل البشرية مرهون بقدرتها على تجاوز الانغلاق الأيديولوجي، وأن المجتمعات التي تنجح في تحويل الأيديولوجيا إلى إطار جامع هي الأقدر على مواجهة تحديات العصر. ومن هنا تأتي الدعوة إلى مزيد من الدراسات التطبيقية التي تربط النظرية بالواقع، وتحوّل الأفكار إلى سياسات ومبادرات عملية تنهض بالمجتمعات وتفتح أمامها آفاق المستقبل. إن مستقبل الأمة العربية مرهون بقدرتها على تحويل التعدد الفكري إلى مشروع سياسي وحدوي، وبأن تنتقل ثقافتها من مجرد تراكم المعارف إلى إنتاجها. وإن تعدد التيارات الفكرية – قومية، دينية، ماركسية، أممية – لا يصبح علامة صحة إلا إذا اجتمعت حول مشروع سياسي جامع. أما إذا بقي كل تيار أسير مشروعه الخاص، فإن المجتمع العربي سيتشرذم إلى "دويلات فكرية" تعيد إنتاج الانقسام التاريخي الذي عرفته الأمة في عصور سابقة. ومن هنا تأتي ضرورة الحوار النقدي الجاد بين مختلف الاتجاهات، بعيداً عن المجاملات والخوف من مواجهة الصعوبات الفكرية. وإن العوائق أمام الفكر الوحدوي ليست محصورة في النظام العربي الرسمي وأجهزته القمعية، بل تشمل أيضاً التيارات الفكرية نفسها حين تنغلق على ذاتها وتتصرف وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة. فالقمع لا يقتصر على البوليس والمخابرات، بل يتجلى أيضاً في التعصب الإيديولوجي والانغلاق الأكاديمي. فعلى الحركات الفكرية والسياسية أن تتجاوز التعصب والانغلاق، وإلا فإنها ستنتج ثقافة شعبية عاجزة عن مواكبة التغيير. أما في ما يخص الثقافة العربية، التي بقيت أسيرة الموروث غير المنقود أو المستورد المبهَر به، مما جعلها عاجزة عن مواجهة تحديات العولمة الاقتصادية والإعلامية. وإن المطلوب هو تأسيس حركة نقدية معرفية عربية، قادرة على تحويل الثقافة من الاستهلاك إلى الإنتاج، وعلى بناء خصوصية قومية منفتحة على مناهج الآخرين دون الارتهان لهم. إن الأمة التي تجرؤ على النقد، وتبني مشروعها السياسي والثقافي على قاعدة الوحدة، فهي وحدها القادرة على مواجهة العولمة والهيمنة، وصياغة مستقبل يليق بتاريخها وحضارتها.
#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لا تبرير للعدو ولا إعفاء للمقاتل وقيادته: نحو فهم شامل للمسؤ
...
-
بعد متغيرات طوفان الأقصى رؤية افتراضية في مستقبل القضية الفل
...
-
الصراع المؤجَّل بين المشروع القومي الغربي والمشروع التوراتي
...
-
بين المشروع التوراتي والدور الوظيفي: التناقض البنيوي في نشأة
...
-
مقاومة حزب الله بين الأيديولوجيا والواقع: لبنان في اختبار إع
...
-
حزب الله وإشكالية الخطاب السياسي في ظل الأزمات الداخلية والا
...
-
العرب بين مطرقة النفوذ الإيراني وسندان الهيمنة الأميركية: مع
...
-
العلاقة التكاملية بين الأمن الإقليمي والأمن القومي العربي
-
أميركا وإيران على طاولة المفاوضات في باكستان: كيف يضمن العرب
...
-
فرقة الطزطزان تستغل دماء أبطال الجنوب في المكان الخطأ
-
سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان وقائع وأبعاد استراتيجية ورؤ
...
-
بين قرار المقاومة الإسلامية الخاطئ وفيض العطاء عند أبطال الم
...
-
المتغيرات الرسمية العربية من أميركا وإيران . التحولات الكبر
...
-
البعد التوراتي في صياغة العلاقة الأميركية–الصهيونية: من الأس
...
-
الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي بين خيارين: القوم
...
-
العروبة والإسلام نحو علاقة حضارية متكاملة في مشروع حسن خليل
...
-
عرض شامل لكتاب (القومية العربية من التكوين إلى الثورة) تأليف
...
-
القومية العربية في مواجهة الأصوليات الإمبراطورية عرض لكتاب (
...
-
العروبة والإسلام: دراسة بانورامية في إشكالية الهوية العربية
...
-
الردة في الإسلام: جذور التكفير وتداعياته التاريخية تحرير الد
...
المزيد.....
-
السعودية والأمم المتحدة تقودان برنامجاً تنفيذياً لتعزيز حماي
...
-
دول غربية وآسيوية تندد في الأمم المتحدة بـ-تهديدات- موسكو لل
...
-
وزير الداخلية التركي يكشف للجزيرة نت أرقاما وحقائق عن الجنسي
...
-
بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تحذر من التصعيد في الزاوية
...
-
هيومن رايتس ووتش: الإمارات متورطة في حرب السودان وأرسلت مرتز
...
-
سوريا: اكتشاف بقايا البرنامج الكيميائي السري واعتقال 18 مسؤو
...
-
-هيومن رايتس ووتش-: كولومبيون قاتلوا بالسودان تلقوا تدريبات
...
-
-سجل إجرامي- .. مسلسل بريطاني يرصد موجات الكراهية ضد اللاجئي
...
-
حكومة جنوب أفريقيا تبحث احتواء التوتر ضد المهاجرين
-
-هيومن رايتس ووتش-: كولومبيون قاتلوا في السودان تلقّوا تدريب
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|