|
|
القومية العربية في مواجهة الأصوليات الإمبراطورية عرض لكتاب (تهافت الأصوليات الإمبراطورية) تأليف حسن خليل غريب
حسن خليل غريب
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 00:31
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
مقدمة الكتاب: تطرح مقدمة كتاب تهافت الأصوليات الإمبراطورية رؤية نقدية عميقة لفكرة "نهاية التاريخ" التي اشتهرت مع أطروحة فرانسيس فوكوياما. يوضح الكاتب أن هذه الفكرة لم تكن ابتكارًا جديدًا، بل إعادة صياغة لمفهوم قديم استُخدم لتبرير هيمنة الرأسمالية الأميركية والمحافظين الجدد. جوهر الفكرة أن جميع الأصوليات، مهما اختلفت أشكالها، تسعى إلى إنهاء حركة التاريخ عند حدود مصالحها الخاصة. يبيّن غريب أن فوكوياما غلّف فلسفة نهاية التاريخ بالديمقراطية الليبرالية لتبدو جذابة، لكنها في حقيقتها ديمقراطية طبقية تخدم مصالح الرأسمالية الأميركية. فهي لا تضمن الحرية لجميع الطبقات أو الدول، بل تحصرها في من يملك الثروة والسلطة. كما أن الأصوليات الدينية وعدت بالخلاص في الآخرة دون أن تقدّم حلولًا دنيوية للجوع والحرية، فإن النموذج الرأسمالي أيضًا يوقف التاريخ عند حدود إيديولوجية ويمنع التغيير والتجديد. كلا النموذجين يقدّم وعودًا لا تتحقق في الواقع. وعلى الرغم من ذلك، يؤكد الكاتب أن التاريخ لا يتوقف، بل يتجدد بفعل الفكر الحر والقيم الإنسانية مثل العدالة والمساواة ورفض الظلم. الأيديولوجيات الجامدة التي تعاند "الريح الجديدة" – أي حاجات البشر وقيمهم – محكومة بالانهيار. تعريف الأصولية كمنهج معرفي: يعتقد غريب أن الأصولية ليست مرتبطة بدين أو ثقافة بعينها، بل هي منهج جامد يقطع مع الماضي ويحارب المستقبل. وهي دائمًا تنحاز لمصالح نخبة محدودة، ما يجعلها تحمل بذور سقوطها في داخلها. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، برزت الإمبراطورية الأميركية كقوة وحيدة في مطلع القرن الحادي والعشرين. لكنها، مثل الإمبراطوريات السابقة، تحمل وعودًا سرابية بالخلاص والرفاه، سرعان ما تنكشف حقيقتها أمام الواقع. وكانت آخر ظواهرها تكوين تيار المحافظين الجدد، الذي أعدَّ لاحتلال العراق، ونفَّذه في العام 2003. ويستعرض الكاتب أن كل إمبراطورية نشأت من قاعدة مجتمعية محددة وقادتها نخبة طبقية، وعبّأت أبناء مجتمعها للغزو والتوسع. لكنها لم تُبنَ على قيم إنسانية عليا، بل على مصالح النخب، فكانت تحمل بذور سقوطها في داخلها. والخلاصة تكشف المقدمة أن جميع الأصوليات والإمبراطوريات – سواء كانت دينية أو سياسية أو اقتصادية – تسعى لإنهاء التاريخ عند حدود مصالحها، لكنها تفشل لأنها لا تؤسس على قيم إنسانية عليا. وحده الفكر الحر والقيم الإنسانية هو ما يضمن استمرار حركة التاريخ وتجددها.
الفصل الأول: التكوين الإيديولوجي للمحافظين الجدد ذو أبعاد شوفينية عرقية وطبقية واقتصادية: تأسست عقيدتمهم على مزيج من إرث فكري معادٍ للشيوعية، ونزعة شوفينية عرقية وطبقية، وتحالفات اقتصادية ودينية وصهيونية، وعقائد دينية تبرر الحرب الكونية. وهذه العناصر مجتمعة شكّلت مشروعًا إمبراطوريًا يسعى لفرض العولمة بالقوة العسكرية والثقافية، واضعًا نفسه فوق القانون الدولي، ومؤسسًا لتحالفات عابرة للحدود تخدم مصالح رأس المال الأميركي. إن صاغ المحافظون الجدد مشروعًا إمبراطوريًا يقوم على أهداف استراتيجية محددة (إسرائيل، النفط، منع تهديد الديمقراطيات). وشخصيات نافذة مثل وولفويتز، بيرل، بولتون، وخليل زاده الذين جسّدوا هذه الأفكار عمليًا. ومنها نشر الديمقراطية بالقوة، وتهميش المؤسسات الدولية، وتبني الليبرالية الاقتصادية المتوحشة. وابتكار "حرب الأفكار" كأداة للهيمنة الفكرية والثقافية إلى جانب القوة العسكرية. إضافة إلى ذلك، بنى المحافظون الجدد مشروعهم على تحالف ديني-أيديولوجي مع اليمين المسيحي المتصهين، ووضعوا أسساً فكرية قائمة على الحرب الدائمة، الأكاذيب النبيلة، واستئثار النخبة بالسلطة. وجسّدوا هذه الأفكار عمليًا في سياسات الغزو والهيمنة، خصوصًا في العراق، حيث التقت مصالح المجمع الصناعي العسكري الأميركي مع مصالح إسرائيل الاستراتيجية. وفي المقابل يعتقد غريب أن هناك تيارات نخبوية أميركية بارزة وقفت في مواجهة اليمين المتطرف، محذرة من أن المشروع الإمبراطوري الأميركي يحمل بذور انهياره.
الفصل الثاني: احتلال العراق – الفصل الأخير لاكتمال المشروع الإمبراطوري الأميركي في الفصل الثاني يوضِّح غريب أن احتلال العراق كان تتويجًا لمشروع إمبراطوري أميركي طويل الأمد، بدأ منذ الخمسينيات بهدف القضاء على الحركات القومية العربية. ولأن احتلال العراق كان نقطة البداية التي أراد المحافظون الجدد من خلالها استكمال مشروعهم الإمبراطوري. لكن رغم التخطيط الطويل والدوافع الاستراتيجية، اصطدمت واشنطن بواقع المقاومة العراقية، التي لم تُفشل الاحتلال فقط، بل أدت إلى بداية انهيار مشروع "القرن الأميركي الجديد". هذا الفشل انعكس في سقوط أبرز رموز المحافظين الجدد سياسيًا وفكريًا، وتراجع صورة أميركا عالميًا. بذلك أصبح العراق العامل الرئيس في تقويض الهيمنة الأميركية، وأثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبسط السيطرة، وأن المشروع الإمبراطوري الأميركي بدأ يتهاوى من الداخل والخارج معًا.
الفصل الثالث: تهافت الأصوليات الإمبراطورية: إن سقوط المشروع الإمبراطوري الأميركي كان نتيجة مباشرة للمقاومة العراقية التي واجهت تحالفات أصولية شيعية وسنية متعددة ساعدت على احتلال العراق. إن الأصوليات الماركسية والرأسمالية، رغم اختلافهما، تتشابه في نزعتها الإمبراطورية وعدائها للفكر القومي. فالماركسية أنكرت القومية باعتبارها بنية زائلة، بينما الرأسمالية رأت فيها عائقًا أمام حرية رأس المال. وكلاهما، بالإضافة إلى الأصوليات الدينية، سعى إلى تجاوز الحدود القومية لصالح مشاريع توسعية أممية، لكن التجارب التاريخية أثبتت أن هذه المشاريع تهاوت أمام واقع الشعوب ومقاومتها. ومن جانب آخر، يعتقد غريب أن الأمميات الدينية السياسية، رغم اختلافها في العقائد والمذاهب، تشترك في توظيف الدين كأداة للهيمنة والسيطرة، وتظل حاضرة في الصراعات العالمية المعاصرة. وفي هذا السياق، يصف غريب كيف تحولت الأصولية المسيحية إلى مشروع سياسي عالمي، يتقاطع مع الفكر الصهيوني ومع سياسات اليمين الأميركي، لتغذية ثقافة الانتظار ونهاية التاريخ. كما يكشف أن النزعات الإمبراطورية، سواء النازية أو الماركسية أو الرأسمالية الأميركية، لم تنجح في إنهاء التاريخ أو تحقيق الاستقرار العالمي. بل ظل العالم محكومًا بدورات من الصراع والحروب. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن أن يظهر استشراف فكري جديد يرث هذه النزعات ويضع حدًا لمآسي البشرية، أم أن التاريخ سيظل أسيرًا لصراعات لا تنتهي؟
الفصل الرابع: تهافت مشاريع الإمبراطوريات الدينية يكشف غريب في هذا الفصل أن مشاريع الإمبراطوريات الدينية، رغم قوتها التاريخية، واجهت مأزقًا كبيرًا بعد سقوط الخلافة. فقد انقسمت الحركات الإسلامية بين التشدد والاعتدال، واصطدمت بالأنظمة والقوميين العرب. إن الأممية الإسلامية ذات بعدين: عقائدي يستند إلى النصوص الدينية، وسياسي يسعى إلى الوحدة لمواجهة الاستعمار. واستُغلت من قبل القوى الإمبريالية لمواجهة القومية واليسار. ومع فشل المشروع القومي وتراجع الأنظمة الوطنية، وجدت الحركات الإسلامية فرصة للعودة بقوة، مستندة إلى تراثها الشعبي ومشاركتها في حركات التحرر، لتطرح نفسها كبديل أصيل للأنظمة القائمة. إن الصحوة الإسلامية المعاصرة جاءت نتيجة تراجع المشروع القومي بعد النكسة، وفشل الأنظمة في تحقيق التنمية والديمقراطية. ورغم اختلاف تجاربها بين الأقطار، فإنها اشتركت في هدف إقامة الدولة الإسلامية، مع تباين الوسائل بين الاعتدال والجهاد. كما أن الأحداث الكبرى في السبعينيات، خاصة الثورة الإيرانية، أعطت دفعة قوية لهذه الحركات، لتصبح لاعبًا أساسيًا في المشهد السياسي العربي والإسلامي. إن مناهج الحركات الدينية، خصوصًا الإخوان المسلمين وفروعهم، اتسمت بالتناقض بين الدعوة السلمية والجهاد المسلح. ورغم نجاحها في تعبئة الجماهير وإسقاط بعض الأنظمة، فإنها فشلت في تقديم نموذج بديل قابل للحياة، وظلت استراتيجياتها قائمة على الهدم أكثر من البناء، ما جعلها في مأزق تاريخي وسياسي مستمر. أما نظرية ولاية الفقيه فقد نشأت كحل لغياب الإمام المهدي، وأعطت الفقيه سلطات مطلقة في الدين والسياسة. وألهمت حركات شيعية في العراق ولبنان، أبرزها حزب الله. لكنها واجهت اعتراضات داخلية وخارجية، وظلت مثار جدل بين من يراها ضرورة عملية وبين من يعتبرها اجتهادًا مؤقتًا حتى ظهور الإمام الغائب. يرى التيار المحافظ أن الحكم لا يجوز إلا للإمام المعصوم بعد ظهوره، وهو طريق مثالي غيبي أقرب للاستحالة. أما التيار المجدد (الخميني)، فقد أجاز ولاية الفقيه كحل عملي، وكانت النتيجة أن نظرية ولاية الفقيه حاولت تجاوز مأزق الغيبة لكنها وقعت في محاذيره، إذ رفعت الواقع إلى مستوى الغيبية المستحيلة، وأدخلت الفكر الشيعي في جدل جديد بين الاستحالة النظرية والاستحالة العملية. يرى غريب أن نظرية ولاية الفقيه ليست مجرد خلاف بين الشيعة والسنة، بل هي أيضًا انتصار تيار شيعي على تيار شيعي آخر. الخلافات حول وراثة الأئمة، وحول مشروعية التقية والجهاد، أظهرت أن الانقسامات داخل المذهب الشيعي عميقة، وأن أي محاولة لتوحيد السلطة الدينية والسياسية عبر ولاية الفقيه قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والتكفير المتبادل. كما يرى أن حروب التكفير بين المسلمين ليست مجرد خلافات فقهية، بل هي صراعات حول المرجعيات المقدسة، حيث كل فرقة ترى نفسها الناجية وتكفّر الآخرين. طوال مراحل الخلاف بين المذاهب الإسلامية، ظلَّت الخلافة والإمامة محورًا للصراع بين الفرق الإسلامية عبر التاريخ، وأن غياب المرجعية الموحدة جعل كل مذهب يسبغ القداسة على اجتهاداته الخاصة. ومع دخول العصر الحديث، ازدادت التناقضات بين المذاهب والحركات، وتفاقمت مع تحديات العولمة، لتبقى إشكالية النظام السياسي الإسلامي مفتوحة بلا حل موحّد، بل محكومة بالانقسامات التاريخية والمذهبية. وفي سياق المقارنة بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، قدَّم الفكر الغربي حلولًا لمشكلات تاريخية على قاعدة علمنة النظام السياسي، بينما بقي الفكر الإسلامي في مأزق بين الدفاع عن التراث ورفض التغيير.وفي هذا السياق يرى غريب، أن الإسلاميين يواجهون مأزقًا مزدوجًا: من جهة، النصوص الدينية التقليدية تتعارض مع القيم العالمية الحديثة مثل المساواة وحقوق الإنسان؛ ومن جهة أخرى، رفضهم للعلمانية والديمقراطية جعلهم عاجزين عن تقديم نموذج سياسي إسلامي عالمي.
الفصل الخامس: جدلية الوحدة والانفصال في التجربة العربية: دروس من العراق والفكر القومي يستعرض غريب مساراً معقداً من التداخل بين الطبقات الاجتماعية والتيارات الدينية والسياسية في معارك الاستقلال العربي، وما نتج عنها من إشكاليات لا تزال تلقي بظلالها على مشروع الوحدة القومية حتى اليوم. أولاً: جدلية الوحدة والانفصال قاد النضال ضد الاستعمار نخب من الطبقات العليا والبورجوازية. وقد حصدت النخب مكسب التحرر السياسي والاستئثار بالسلطة، بينما بقي الصراع الطبقي مؤجلاً. ورغم بروز نزعات انفصالية، لم تصل إلى حد القطيعة الكاملة مع المرجعية المركزية، إذ ظل الشعور الوحدوي حاضراً بفعل الثقافة الموحدة والحاجة العقائدية. فالانتقال من القطرية إلى القومية عملية طويلة الأمد، ترتبط بالنضج الفكري والاجتماعي، ولا تكتمل إلا إذا تأسست على قاعدة حضارية متينة تجمع بين التقدم العلمي والاقتصادي والبعد الروحي الأخلاقي. ثانياً: العراق بعد الاحتلال سقوط النهضة وأزمة الفكر العربي مثَّلت التجربة العراقية بعد الاحتلال، ساحة الصراع بين المشروع النهضوي العربي والمشروع الاستعماري. وقد كشفت هذه التجربة أزمة الفكر العربي، الذي استسلم للخداع الإمبريالي وعجز عن إنتاج رؤية فلسفية قادرة على مواجهة التحديات القومية. في تلك المرحلة، تقمَّص كثيرون من المفكرين والمثقفين العرب دور السياسيين، ففشلوا في أداء دورهم الحقيقي. كما لعب النظام السياسي العربي المتحالف مع القوى الرأسمالية دور حصان طروادة، ممهداً للتغلغل الاستعماري. وتحت شعار "الديمقراطية"، أسدت المعارضة العراقية خدمة كبرى لقوى الاحتلال، فكانت النتيجة سقوط العراق ومعه المنطقة تحت السيطرة الأجنبية. وبذلك، ظلَّ العقل العربي إخباريّاً خطابياً، يفتقر إلى الرؤية الفلسفية العميقة، ما جعله عرضة للتضليل الإعلامي والسياسي. وهنا برزت الإشكالية الكبرى: بين منطق يقبل بتجزئة الحق وفق موازين القوى، ومنطق يربط الحق بالسيادة الوطنية والكرامة القومية. ثالثاً: انعكاسات القضية الفلسطينية على العراق: الخلاف غير المحسوم حول القضية الفلسطينية انعكس سلباً على النظر إلى العراق. فقد غابت معاني السيادة والكرامة الوطنية عن أذهان تيار واسع من المثقفين، فاتهموا المدافعين عنها بالمثالية. ومن أبرز الأخطاء الاعتماد على شهادات المعارضة العراقية التي فقدت مصداقيتها بعدما استقوت بالخارج وعادت على دبابات الاحتلال. هذا الانحراف ولّد سلسلة من الإشكاليات: موقع العراق من الدائرة القومية، الالتباس بين تحرير الوطن ونشر الديمقراطية، شرعنة الاستقواء بالخارج، ازدواجية النقد، والانقسام بين الواقعية والرومانسية. كما ظهرت إشكالية "تصدير الثورة بالقوة"، سواء عبر إيران تحت شعار "ولاية الفقيه"، أو عبر الولايات المتحدة وحلفائها تحت شعار "تحرير العراق". وفي الحالتين، تحولت شعارات الإصلاح والديمقراطية إلى أدوات لتبرير العدوان. رابعاً: الفكر العربي وتجربة العراق – الدرس القومي التجربة العراقية أبرزت الحاجة إلى وضوح في تحديد أولويات الفكر العربي، خاصة بين الدولة الدينية والدولة القومية، وبين الديمقراطية والسيادة الوطنية. فالديمقراطية ليست مفهوماً واحداً، بل تتعدد بتعدد المرجعيات، ما جعل الخطاب العربي هشاً وعاجزاً عن التوافق. وإن الاستفادة من هذه التجربة تتطلب تشكيل حركة ثقافية عربية جديدة، تفعّل العقل المجرد المرتبط بقضايا الأمة بعيداً عن ردّات الفعل الإيديولوجية والانفعالات الشعبية. الخلاصة إن دمج دروس التجربة العراقية مع جدلية الوحدة والانفصال يكشف أن الفكر العربي يقف أمام منعطف حاسم. فهو بحاجة إلى وضوح في الرؤية، وتطوير خطاب ثوري يعبر عن نبض الجماهير، ويستند إلى القيم الوطنية والقومية. وحده الفكر المقاوم، المرتكز على السيادة والكرامة، قادر على مواجهة المشاريع المعادية وتحويل التجارب المؤلمة إلى دروس بنّاءة تؤسس لمستقبل عربي أكثر استقلالية وكرامة.
الفصل السادس: شروق الفجر القومي: من النظرية إلى المقاومة تكشف مقدمة الفصل أن النظرية القومية العربية انتقلت من مرحلة التبشير الفكري إلى مرحلة المقاومة العسكرية، لتعلن ميلاد فجر قومي جديد. وفي الوقت الذي يبحث فيه غريب عن مرحلة المقاومة العسكرية يؤكد أن المقاومة العراقية لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محطة تاريخية أنهت أوهام "نهاية التاريخ" الأميركي، وأعادت الاعتبار للفكر القومي العربي كإطار جامع لمشروع التحرر والسيادة. إنها دعوة لإعادة بناء الفكر القومي على أسس جديدة، تستفيد من دروس المقاومة وتضع الأمة في موقع الفاعل لا المنفعل في صناعة التاريخ. وفي هذا السياق ينقد التحالفات الشاذة بين التيارات الإسلامية والماركسية، التي ساندت الاحتلال الأميركي في العراق، ويعتبر العودة عن هذا الخطأ يشكل خطوة ضرورية على الطريق الوحدوي الصحيح. وحول هذا النقد يعتبر غريب أن مراهنة الحركات الإسلامية على التعاون مع الاستعمار سوف يكون رهانها فاشلاً في بلوغ أهدافها لأن الدولة الدينية التوسعية فقدت صلاحيتها في العصر الحديث، وأن الطائفية تشكل أخطر تهديد لبنية الدولة القومية. البديل الوحيد هو الدولة القومية الحديثة التي تضمن العدالة والمساواة، وتضع السيادة الوطنية فوق الولاءات المذهبية والدينية. أما لماذا على العرب جميعاً أن يراهنوا على الدولة القومية فلأنه اعتبر بأنها الخيار الواقعي والضروري للأمة العربية، لأنها الإطار الوحيد الذي يضمن السيادة الوطنية ويستوعب التعددية الدينية والعرقية. فالقومية ليست مشروعاً شوفينياً ولا بديلاً عن الدين، بل هي صيغة حديثة لحماية المجتمع من التفكك الطائفي والاستعمار، وبناء مستقبل يقوم على الوحدة والكرامة والعدالة. كما اعتبر أن التجربة القومية الأولى، في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، حققت إنجازات مهمة في التعبئة والوحدة، لكنها انهارت تحت ضغط الهزائم والتبعية للمشروع الأميركي من جهة، وعجزها عن توفير عوامل نجاح النظام السياسي من جهة أخرى. أما اليوم، فيبقى الخيار أمام الأمة بين الاستسلام للهيمنة أو مواصلة الكفاح التحرري، مع إعطاء الأولوية لمواجهة المشروع الأميركي كخطوة أساسية لإحياء المشروع القومي العربي وبناء نظام يعبر عن مصالح الشعوب لا مصالح النخب. وفي خلاصة الفصل السادس، يعتبر غريب أن المستقبل العربي لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس قومي وحدوي، يرفض الدولة الدينية والنزعات الإمبراطورية، ويؤسس لدولة قومية حديثة تقوم على العدالة والسيادة والحرية. هذه الدولة هي الأمل في أن يعود "الطائر العربي إلى عشه"، وأن تستعيد الأمة دورها التاريخي في الحضارة الإنسانية، متحدية ضغوط العولمة ومشاريع الهيمنة. الفصل السابع: المشروع القومي العربي والمقاومة الشعبية: من التجربة التاريخية إلى آفاق المستقبل يمثل هذا الفصل محاولة جادة لإعادة بناء المشروع القومي العربي على أسس فكرية واضحة، تستند إلى التجربة التاريخية. فقد أثبتت التجارب أن الاقتصار على موازين القوى العسكرية النظامية جعل النصر والهزيمة رهناً بقدرات الجيوش، وهو ما أدى إلى تكريس الهزيمة أمام عدو مدعوم من القوى الاستعمارية. لكن المقاومة الشعبية، في فلسطين ولبنان والعراق، أظهرت أن رفض التنازل عن الحقوق يحول الهزيمة العسكرية إلى صمود، ويجعل النصر الاستعماري ناقصاً وغير مكتمل. غير أن غياب الشارع العربي عن مواكبة القضايا القومية كشف أزمة عميقة في حركة التحرر، إذ بقيت الجماهير أسيرة ثقافة الأنظمة الرسمية أو تشرذم الأحزاب السياسية. ومع ذلك، فإن الطليعة الثورية قادرة على إعادة الحرارة إلى جسد الأمة عبر تقديم النموذج والتضحيات، لتعيد الثقة بالقدرة على المواجهة. وفي مواجهة الخطر الخارجي والاستغلال الداخلي، تبقى الحاجة إلى حركة حزبية عربية سليمة ومتعاونة، تمارس النقد الذاتي وتبني علاقات وحدوية قائمة على الاعتراف بالآخر، بعيداً عن التعصب الإيديولوجي الذي مزق الصفوف. لقد أثبتت ثلاثية المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق أن الأمة قادرة على مواجهة التحالف الاستعماري–الصهيوني، لكن غياب التنسيق بينها جعل الانتصارات جزئية ومعرضة للتآكل. فالمقاومة العراقية مثلاً دمجت بين البعد الوطني والقومي، مؤكدة أن المعركة واحدة ضد الاحتلال الأميركي والصهيونية معاً، وأن تحرير العراق مرتبط بتحرير فلسطين. أما المقاومة اللبنانية والفلسطينية، فرغم إنجازاتهما، فإنها تبقى مهددة ما لم تُدمج في استراتيجية قومية شاملة. ومن هنا يصبح توحيد مركزيات المقاومة شرطاً ضرورياً لإحراز النصر الاستراتيجي، وتحويل الانتصارات الجزئية إلى مشروع تحرري شامل. في الخاتمة، يطرح الكتاب مسألتين أساسيتين: أزمة الهوية الثقافية العربية، والعلاقة بين الفكر النظري والخطاب السياسي. فالاختلاف حول الهوية الثقافية أدى إلى انقسام التيارات بين قومية ودينية ومادية، ما أضعف القدرة على مواجهة الخارج. والحل يكمن في وضوح الفكر القومي وتحديد ثوابته، ليكون الخطاب السياسي مكملاً لها لا بديلاً عنها. فالقومية العربية هي البديل العصري للدولة الدينية والإمبراطورية، وهي مشروع إنساني قائم على العدالة والمساواة، يحترم التنوع الثقافي والديني، ويؤسس لدولة مدنية حديثة قادرة على مواجهة الاستعمار والصهيونية وضمان وحدة الأمة ومستقبلها.
#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العروبة والإسلام: دراسة بانورامية في إشكالية الهوية العربية
...
-
الردة في الإسلام: جذور التكفير وتداعياته التاريخية تحرير الد
...
-
الدولة المعاصرة في الوطن العربي التحديات وشروط الاستجابة للم
...
-
من العولمة إلى العالمية: كيف تحافظ الثقافة الدينية على هويته
...
-
العقلانية كجسر بين القومية والدين: في مشروع حسن خليل غريب ال
...
-
المتغيرات الرسمية العربية من أميركا وإيران- قراءة في رؤية حس
...
-
جدلية المثال والواقع: مقاربة فلسفية وسياسية في السياق العربي
...
-
المؤسسات الدينية بين الوظيفة الروحية والدور السياسي: في مشرو
...
-
وضوح النظرية القومية وشفافيتها عامل ضروري في الحوار مع الأمم
...
-
بين النص الديني المطلق والواقع المتغير:
-
الحلقة الثالثة من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غري
...
-
الحلقة الثانية من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غري
...
-
الحلقة الأولى من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غريب
...
-
حول إشكالية البحث النظري للمفاهيم القومية في مشروع حسن خليل
...
-
بعد ألف وأربعمائة سنة من التكفير والتكفير المضاد (خاتمة كتاب
...
-
الحلقة الثانية من (في مواجهة أزمات الهوية والهيمنة إلى بناء
...
-
الحلقة الأولى من (في مواجهة أزمات الهوية والهيمنة من تفكيك ا
...
-
مشروع حسن خليل غريب الفكري من التواكل إلى الخلق الذاتي
-
تحرير العقل الأيديولوجي القومي في مشروع حسن خليل غريب الفكري
-
مشروع حسن خليل غريب الفكري بين الواقعية والمثالية
المزيد.....
-
كيف علقت تركيا على تهديدات ترامب باللجوء للعمل العسكري ضد إي
...
-
الصين تُحذّر من -شريعة الغاب- في التعامل مع إيران وتؤكد: مست
...
-
الولايات المتحدة: احتجاجات في مينابوليس بعد إطلاق عناصر الهج
...
-
عواصف رعدية عنيفة تتسبب في سيول مفاجئة على امتداد طريق -غريت
...
-
علاقات بين جيفري إبستين والإمارات: كيف مَهّد الطريق لاتفاقية
...
-
غطاء رأس طبي أم حجاب.. ما الذي تسبب بطرد تلميذة فرنسية من مد
...
-
لقاء مرتقب في البيت الأبيض بين ترامب وزعيمة المعارضة في فنزو
...
-
كأس الأمم الأفريقية: هدف ساديو ماني يقصي مصر ويرسل السنغال إ
...
-
كاتبة أسترالية- فلسطينية تكشف كواليس منعها من المشاركة في -أ
...
-
رغم قساوة الظروف.. حفل زفاف في أحد مخيمات مدينة الأبيض
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|