|
|
سلاح المقاومة الإسلامية في لبنان وقائع وأبعاد استراتيجية ورؤية وطنية استراتيجية للحلول
حسن خليل غريب
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 15:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مدخل للإشكالية: -أولاً: تعريف مفهوم الجيش ومهماته: 1-في الدستور الإيراني: 2-في القانون اللبناني: ثانياً: في تعريف مفهوم الشعب: 1-في أيديولوجيا ولاية الفقيه 2-في القوانين اللبنانية: ثالثاً: في تعريف مفهوم المقاومة: قراءة تاريخية في إشكاليات ومخاطر حصر السلاح المقاوم بشريحة لبنانية: 1-على صعيد المخاطر التي تهدد السلم الأهلي والوطني: 2-على صعيد المخاطر على السلم الاقتصادي الوطني: -الاستفادة من قانون إعفاء الجمعيات الخيرية من دفع الرسوم الجمركية: -تشريع التهريب: -تخزين السلع الأساسية تحت ذريعة الاحتياط الاستراتيجي للمقاومة. 3-انقلاب على مفاهيم المواطنة: تشريع التعامل مع دولة أجنبية: 4-ثلاثية المقاومة الإسلامية (جيش – شعب- مقاومة) تفتت ولا توحِّد: -الأول: على مستوى الطائفة الشيعية: -الثاني على المستوى الوطني العام: -رابعاً: في النتائج ورؤية للحل
مدخل للإشكالية: بعد الاحتلال الصهيوني للبنان في حزيران من العام 1982. وبعد انطلاقة المقاومة الوطنية اللبنانية، قبل احتلال لبنان في العام 1982بسنوات تعود إلى أصولها التاريخية للعام 1969، في كفركلا والطيبة وتولين. وبفعل استمرارها بعد الاحتلال. ومنذ أواسط العام 1985، دخل عامل جديد إلى فعل المقاومة تحت مسمى (المقاومة الإسلامية – حزب الله). منذ ذلك التاريخ تراكمت متغيرات جديدة على تاريخ مقاومة العدو الصهيوني في لبنان، كانت لتداعياتها تأثيرات كبرى، ليس على صعيد مقاومة العدو الصهيوني فحسب، بل أيضاً على تاريخ لبنان السياسي. تلك المتغيرات أدخلت إشكاليات كبرى في علاقة تلك المقاومة مع الدولة اللبنانية، ابتدأت من رأس الهرم السياسي نزولاً إلى كل قواعد الهرم الدنيا، وبها رسمت قيادة المقاومة الإسلامية منفردة، ومن دون مشاركة أحد من الأطياف اللبنانية بصياغة تلك المعادلة، والتي بها رسمت مستقبل لبنان بثلاثية تُعرف بالـ(جيش – شعب – مقاومة). ولما كان المقصود من هذه الثلاثية اكتساب مشروعية وطنية لقيادة تلك المقاومة. ولما تركته من تداعيات على شتى الصعد السياسية والعسكرية والأمنية، التي أخذت تهدد منذ سنوات قليلة وحدة الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، كان لا بُدَّ من أن نقوم بمعالجتها من زاوية وطنية التي إذا غابت عن أية رؤية للمقاومة فإنها تنذر بالكثير من المخاطر على البنية المجتمعية للبنانيين من جهة، وعلى وحدة مؤسسات الدولة ووحدة لبنان أرضاً وشعباً من جهة أخرى. يأتي في المقدمة من تلك التداعيات، تهديد القرار السيادي الوطني لوضع كوضع لبنان يحكمه نظام طائفي سياسي تتناحر فيه الطوائف لتقسيم الدولة اللبنانية حصصاً فيما بينها. ومن أشد المخاطر هو في أن تستفرد طائفة واحدة في رسم مستقبل لبنان السياسي والأيديولوجي والعسكري بمعزل عن توافق بين جميع أبنائه. ولهذا، وبعد تحرير الجنوب في العام 2000، استمرت مقاومة (حزب الله) بتكديس الأسلحة وتفريغ عشرات من المقاتلين بلغ تعدادهم المئة ألف، حسب إعلان الأمين العام للحزب. وهذا يعني أن هذا العدد الهائل يفوق تعداد الجيش اللبناني. وبفلتة لسان من الأمين العام، كشف ما كان مستوراً من أهداف الحزب، وهي أن أهدافه تتعدى مزاعم حماية لبنان، لأن حمايته هي من واجب اللبنانيين جميعاً، وليس محصوراً بجزء من الطائفة الشيعية أولاً. وإن السلاح يجب أن يكون محصوراً بجيشه الوطني لأنه يمثِّل كل طوائف لبنان ثانياً. وإن ما نريده من هذا التقرير هو أن نكشف زيف ثلاثية حزب الله (جيش – شعب – مقاومة). وزيف شعاره هذا ليس أكثر من شعار حق يُراد منه باطل. من زجاج شبابيكه من صناعة طائفية ستكسرها رياح الدول الأجنبية إن النظام الطائفي السياسي القائم، وخلافاً للنصوص الدستورية، فتح أبواب لبنان أمام أمر واقع هو عرف استقواء كل طائفة بقوة خارجية. وبها أصبح العرف بمثابة القانون. وبمثل هذا العرف غابت الرؤية الوطنية لمفهوم الدولة الواحدة، الأمر الذي أصبحت فيه كل مؤسسة طائفية بمثابة سفارة لدولة من دول العالم، أو من دول الإقليم، مما سمح للدول الخارجية أن تتدخل بالشؤون الداخلية اللبنانية تحت حجة حمايتها للطائفة التي ارتضت الارتهان إليها. وبمثل هذا الواقع يشهد لبنان بين الفترة والأخرى حروباً تخطط لها الدول الخارجية، وتقوم الطوائف بتنفيذها، وهذا ما عُرف بالمصطلح السياسي السائد حصول (حروب الآخرين) على أرض لبنان. وبالإضافة إلى المخاطر الخارجية التي يتعرض لها لبنان من جراء النظام الطائفي السياسي، فإن هذا النظام يُعرِّض لبنان إلى مجموعة من المخاطر الداخلية، وفي المقدمة منها تطبيق مبدأ المحاصصات في شتى وظائف الدولة إذ يتم الاختيار فيها على قواعد الانتماء الطائفي على حساب مكاييل الكفاءة والنزاهة. ويحصر قواعد التعيين في أيدي أمراء الطوائف، الذين هم غالباً ما يكونون رؤوساء لأحزاب طائفية البنية، مما يحرم منها كل مواطن لا ينتمي إلى حزب من تلك الأحزاب. وبمثل هذا الواقع شكَّلت كل طائفة دولة داخل الدولة. لقد أدخل هذا النوع من النظام السياسي، الشاذ والدخيل على حياة الدول، أزمة بل أزمات حادة في شتى مفاصل الدولة، التي وصلت حدتها القصوى في غياب دولة تستطيع أن توفر الحد الأدنى من واجباتها تجاه الشعب اللبناني الذي تزعم تمثيله، ولكنها أغرقته في أزمات متلاحقة انعكست على صورة شعب بات ضحية للفقر والجوع والبطالة وسيادة الفوضى من جهة، ومن جهة أخرى أصبحت، أمام المجتمع الدولي، بمثابة الدولة الفاشلة العاجزة عن قيامها بواجباتها تجاه الشعب اللبناني. في ظل هذا الواقع المزري، الذي شكلت فيه (دويلة حزب الله) أكبر تلك الدويلات، بحيث فرضت قوة سلاحها هيمنتها على الدويلات الطائفية الأخرى مما أضعف تلك الدويلات وبالتالي أضعف معه تأثير الدول الأجنبية على من تزعم حمايتهم من دويلات الطوائف الأخرى، راحت تلك الدول تعمل على إضعاف (دويلة حزب الله). ولأن المجتمع الدولي، في مرحلة ما بعد انطلاقة الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول من العام 2019، وبعد احتدام الصراع الدولي والإقليمي في العام 2020، راح بعض هذا المجتمع يحمِّل المقاومة الإسلامية (حزب الله) مسؤولية ما آل إليه الوضع في لبنان. وكان العنوان البارز يدور حول موضوع سلاح حزب الله، وذلك بخلق ذرائع حق يُراد بها باطل. ووجه الحق في خطاب المجتمع الدولي أنه يتَّهم حزب الله بمصادرة حق الدولة اللبنانية بتوحيد مؤسساتها الأمنية (جيش وقوى أمن داخلي) من جهة، ومن جهة أخرى حصر قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات السياسية الدستورية (رئاسة جمهورية، وحكومة، ومجلس نواب، وقيادة الجيش والقوى الأمنية)، وهذا ما يمنعها من أن تكون دولة ذات سيادة وطنية شاملة. وأما وجه الباطل في خطاب المجتمع الدولي، فهو أن المجتمع يريد تجريده من سلاحه لحماية (أمن إسرائيل)، وليس حماية وحدة الدولة. ولأننا نرفض نوايا القوى الدولية الخبيثة تجاه العمل المقاوم انطلاقاً من إيماننا المطلق بحق الدولة اللبنانية في امتلاك عوامل التوازن العسكري مع العدو الصهيوني من جهة. ولأننا نرى أنه لا يجوز أن تصادر أية طائفة من طوائفه حق جميع اللبنانيين بقرار الحرب والسلم من جهة أخرى. وبناء على تلك الثوابت كان هدفنا من كتابة هذه الدراسة. ولذلك سنقوم بمقاربة موضوعية لمسألة سلاح حزب الله، من مبدأين ثابتين اثنين: -الأول: حق لبنان المطلق بامتلاك وسائل القوة العسكرية الرادعة لأي اعتداء صهيوني. -والثاني: حق الدولة اللبنانية وحدها باتخاذ قرار الحرب والسلم عبر مؤسساته الدستورية. إن الالتزام بتطبيق هذين المبدأين: الحق بالمقاومة، والحق بامتلاك السلاح، يقتضي منع أي مكون من مكونات لبنان الطائفية والسياسية من احتكار وسائل القوة، سواءٌ أكان الأمر يتعلق بسلاح المقاومة الإسلامية أم كان بغيره. إننا، وللتمهيد من أجل تحديد موقف من هذه الإشكالية، سنقوم بتفنيد كل جزء من أجزاء الثلاثية التي أعلنها حزب الله. ولأن المقصود من هذا المقال معالجة إشكالية ذات علاقة بحزب الله. ولأن للحزب ارتباطات أيديولوجية عضوية بأيديولوجيا نظام (ولاية الفقيه) في إيران، سنعمل على مقاربة قواعد الثلاثية المذكورة مع مفاهيم النظام الإيراني لها من جهة، وقواعدها التي ترتكز عليها مفاهيم القوانين الدستورية في لبنان من جهة أخرى.
أولاً: تعريف مفهوم الجيش ومهماته: 1-في الدستور الإيراني: يحدد المشرِّع الإيراني دور القوات المسلحة الإيرانية، بحراسة الثورة ومكاسبها. ولذلك يعتبر أن القوات المسلّحة لا تلتزم بمسؤولية حماية الحدود الإيرانية فحسب، بل تحمل أيضاً أعباء رسالتها ببسط حاكمية القانون الإلهي في العالم. ولهذا فقد نصّ الدستور الإيراني، في المادة (144) على أنه (يجب أن يكون جيش جمهورية إيران الإسلامية، جيشاً إسلامياً، من خلال كونه جيشاً عقائدياً وشعبياً، وأن يضم أفراداً لائقين مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحّين بأنفسهم من أجل تحقيقها). وأما الجيش الإيراني، حسب أيديولوجيا (ولاية الفقيه) فيخضع لأوامر المرشد الأعلى، الذي وحده يتخذ قرار الحرب والسلم.
2-في القانون اللبناني: حددت المادة الاولى من قانون تنظيم وزارة الدفاع، بالتالي: «الدفاع الوطني يهدف الى تعزيز قدرات الدولة وانماء طاقاتها لمقاومة أي اعتداء على أرض الوطن وأي عدوان يوجه ضده والى ضمان سيادة الدولة وسلامة المواطنين». وأما الجيش في لبنان فيخضع، كما جاء في الدستور اللبناني، إلى قيادة: (رئيس الجمهورية یرأس المجلس الأعلى للدفاع ... وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة... التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء... ویكون رئيس الحكومة نائباً لرئیس المجلس الأعلى للدفاع... وتناط السلطة الإجرائیة بمجلس الوزراء. .. وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة). إن اعتبار المقاومة الإسلامية الجيش اللبناني أحد أعمدة الثلاثية التي أطلقتها، يعني أنها مُلزمة بالاعتراف بالقوانين التي حددت مهماته باعتبار لبنان دولة واحدة يحدد مساراتها دستور وطني، وقوانين ناظمة لعمل المؤسسات الحاكمة. وبناء عليه يأتي التمييز بينه وبين العامود الثالث (مقاومة) هو ازدواجية غير قانونية أو دستورية. وهو عبارة عن بدعة وهرطقة، تعمل على تفصيل القوانين اللبنانية على مقاسات أهداف المقاومة الإسلامية. ولأن القوانين اللبنانية اعتبرت (المقاومة) من مهمات (الجيش) فهما إذن تعبيران لمسمى واحد. وهذا ما يلفت النظر إلى إصرار (المقاومة الإسلامية) على فصلهما بما يتناقض تماماً مع الدستور اللبناني والقوانين الناظمة لوحدة المؤسسات من حيث أن لا يكون في لبنان جيشان: جيش الدولة الذي تقوده المؤسسات الدستورية، وجيش للمقاومة تقوده طائفة واحدة، بل جزء من الطائفة. والأخطر من كل ذلك أن تنشأ على حواشيه وبالقلب منه، أجهزة أمنية مستقلة بقرارها تلاحق وتراقب، وتعتقل من تشاء من دون حساب. وأما بالنسبة إلينا فنعتبر أن الفصل بين الجيشين جاء لأغراض مفصَّلة على مقاييس أهداف وأغراض فئوية، خاصة أنه إذا كان على الجيش أن يكتسب الصفة الوطنية لأنه جيش لكل لبنان، فهذا المفهوم لا يستقيم مع حصر المقاومة بدين معين ومذهب معيَّن. ومن المستغرب أن يتوافق الجيش بصفته الوطنية، مع المقاومة بصفتها الإسلامية. وهل من المسموح أن يؤسس حزب طائفي سياسي آخر (مقاومة مسيحية)، أو (مقاومة سنية)، أو (مقاومة درزية)، أو... أو...
ثانياً: في تعريف مفهوم الشعب: 1-في أيديولوجيا ولاية الفقيه جاء في أقوال (الإمام الخميني) عن نظام الحكم في إيران: «ما ثبت للرسول والأئمة، فهو ثابتٌ للفقيه»، ولذلك «إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيهٌ عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع، ما كان يليه النبي منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا». ولقد احتلّ (الإمام الخميني) موقعًا يتجاوز من حيث الأهمية وسعة الصلاحيات والسلطات، باقي مراكز صنع القرار في البلاد، ولا سيما بعد أن صار منصب المرشد الأعلى للثورة مقنّنًا في الدستور الإيراني الذي وضعه فوق السلطات الثلاث المعترف بها في داخل أي نظام (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وجعله غير خاضعٍ للمحاسبة والمساءلة المباشرتين من أفراد الشعب، ولا من ممثّليه في البرلمان، بل من خلال «مجلس خبراء القيادة». وعن ذلك، نشير بدايةً إلى المادة (110) من الدستور الإيراني، التي عدّدت معظم مهام القائد ووظائفه وصلاحياته، باعتباره رأس الدولة، وهي إحدى عشرة وظيفة وصلاحية، ومن ضمنها: (تعيينُ السياسات العامة لنظام الجمهورية، والقيادة العامة للقوات المسلّحة، ونصبُ وعزل فقهاء مجلس صيانة الدستور، ورئيس الجمهورية، وأعلى مسؤول في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلّحة وقوى الأمن الداخلي، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وإمضاء حُكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، والعفو عن بعض العقوبات، وحلّ الخلافات التي تنشب بين السلطات الثلاث). وبالنتيجة فإن نظام الحكم في إيران نظام فردي ثيولوجي، والشعب مأمور لا رأي له، أو لأي شريحة سياسية، وإذا وُجدت حتى من داخل النظام، فإن للمرشد الأعلى حق النقض، وحق الرفض لأي رأي آخر لا يقره المرشد. 2-في القوانين اللبنانية: لأن منهج الحكم في لبنان ديموقراطي، يعتبر «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية». وبمقارنة سريعة بين مفهوم الشعب في أيديولوجيا ولاية الفقيه، وهي الأيديولوجيا التي تؤمن بها قيادة المقاومة الإسلامية في لبنان، ومفهوم الشعب في الدستور اللبناني كمعبِّر عن نظام الحكم الديموقراطي، يتبيَّن لنا أن هناك هوَّة شاسعة بين المفهومين. ففي أيديولوجيا المقاومة الإسلامية لا حكم للشعب بل (الحكم لله) الذي يقوم بتطبيقه، حسب تلك الإيديولوجيا، المرشد الأعلى لـ(الثورة الإسلامية)، من دون تدخل من أحد، فهو الآمر، وهم المأمورون. وإذا قمنا بمحاكمة شعار الثلاثية (جيش – شعب – مقاومة)، لوجدنا أنه شعار مفصَّل على مقاييس أهواء تلك القيادة وأغراضها. وهنا تحشر قاعدة (شعب)، في الثلاثية المذكورة، حشراً نعتبره لزوم ما لا يلزم، لأنه لا أهمية له طالما أن نظرية ولاية الفقيه تحصر الصلاحيات بيد الولي الفقيه أو نوابه. ولأن أمين عام حزب الله، هو نائب للولي الفقيه في إيران، على الشعب اللبناني أن يلتزم بأوامره ومفاهيمه. ولذلك أتى مفهوم الشعب في هذه الثلاثية لأغراض شعبوية خالية من المضمون. ولكل ذلك، نتساءل: أي مفهوم للشعب على اللبنانيين أن يطبقوه؟ هل مفهوم الدستور الإيراني، أم مفهوم الدستور اللبناني؟ ثالثاً: في تعريف مفهوم المقاومة: لأن احتلال دولة أرض دولة أخرى يتناقض مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، اعترف القانون الدولي بحق الشعوب بمقاومة الاحتلال بشتى الطرق والوسائل، ولعلَّ أكثرها درجة هي المقاومة العسكرية المسلَّحة. وعادة ما تردم المقاومة الشعبية المسلحة الهوة في موازين القوى بين العدو المحتل والدولة التي خضعت للاحتلال. وفي هذه الحالة يقوم بأود المقاومة الشعبية مجموعات تابعة لقوى حزبية منظمة، أو لفصائل تنشأ بعد الاحتلال. ويتشارك الجميع بالقيام بهذه المهمة وتستمر حتى إزاحة الاحتلال. ومن بعد تحرير الأرض تتوقف مقاومة الفصائل المسلحة، ويبدأ دور الدولة إذ أنه لم يعرف تاريخ المقاومة في شتى أنحاء العالم أن الفصائل المقاومة، أو أحدها، قد استولى على الحكم وحلَّ مكان الدولة. لا بل رضخ الجميع إلى سلطة الدولة، وسلَّموا الأمور إلى مؤسساتها العسكرية، التي وحدها لها سلطة حماية حدود الدولة. وفيها يصبح الجيش الوطني هو المؤسسة الوحيدة التي توكل إليها مهمة الدفاع عن الوطن. ولذلك حصر الدستور اللبناني، والقوانين اللبنانية المرعية الإجراء، حق المقاومة بالجيش اللبناني بعد طرد الاحتلال، وإن أي ادعاء آخر، يُعتبر مخالفاً للدستور والقوانين اللبنانية. وإذا كان هناك أي مسوِّغ آخر لاستحداث قوة رديفة للجيش اللبناني، يخدم مقاومة أي اعتداء على لبنان، لكان من الواجب أن يُناقش على مستوى وطني لإقراره، وليس أن يُفرَض فرضاً قسرياً تحت ذريعة فائض القوة الذي تمتلكه المقاومة الإسلامية. ولو كان فائض القوة لطائفة ما في لبنان، يسمح لها أن تصادر حق الطوائف الأخرى في الدفاع عن حدود لبنان، نتساءل: ماذا لو امتلكت طائفة أخرى، غير حزب الله، فائض قوة أيضاً؟ من أجل ذلك، ومنعاً من اعتبار فائض القوة العسكرية لطائفة ما مقياساً وطنياً يسمح لمن يمتلكه أن يتخذ القرار بالحرب أو السلم، فإننا ندعو إلى اتفاق جميع اللبنانيين على استراتيجية وطنية دفاعية عن لبنان. إن معالجة إشكالية الاتفاق حول استراتيجية دفاعية عن لبنان، أصبحت إشكالية مزمنة. وقد أثارت الكثير من النزاعات بين اللبنانيين، وصلت إلى حدود وضع لبنان تحت مرمى اندلاع حرب أهلية في أكثر من مناسبة. وهي لا تزال حتى الآن تشكل فتيلاً قد يُشعل الحرب الأهلية في أية لحظة، إذا ما حاول أحد من اللبنانيين أن يطالب بحق لبنان بسيادته على نفسه في موضوع الدفاع الوطني.
قراءة تاريخية في إشكاليات ومخاطر حصر السلاح المقاوم بشريحة لبنانية: عود إلى أوائل السبعينيات من القرن العشرين نعيد التذكير بالظروف التي أنشأ حزب الكتائب اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار كتائب مسلحة إلى جانب المؤسسات الرسمية العسكرية الموحَّدة. وإعادة التذكير بالظروف التي أودت بلبنان إلى متاهات الحرب الأهلية اللبنانية، المعروفة بحرب السنتين. ولعلّه كان من أخطرها انقسام الجيش اللبناني على نفسه بين ألوية يتبع كل واحد منها إلى طائفة يخضع لأوامرها. وكذلك عندما انقسمت المؤسسة العسكرية مرة أخرى في العام 1984، بما يُعرف بانتفاضة 6 شباط من العام 1984. في حينها سيطرت فيه ميليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي على بيروت الغربية مدعومة بقطاعات من الجيش اللبناني ذات الصبغة الطائفية التي أعلنت تمردها على السلطات اللبنانية القائمة. نذكر هذا من دون الخوض في مواصفات السلطة التي كانت قائمة في ظروف الاحتلال الصهيوني للبنان في حزيران من العام 1982. ولهذا مجال آخر. واستناداً إلى ذلك، كيف يمكننا أن نقوم بمقاربة بين تاريخية الحالة، بغض النظر عن ظروفها، بين مفهومي الجيش الشرعي الذي يمثل كل اللبنانيين، ومفهوم مؤسسات المقاومة التي تمثِّل شريحة طائفية، أو بعض الشريحة من تلك الطائفة.
1-على صعيد المخاطر التي تهدد السلم الأهلي والوطني: ولأن حصر السلاح المقاوم بات حكراً على حزب طائفي سياسي، وهذا الاحتكار مرَّ بعدة مراحل ابتدأت منذ أول انطلاقة (للمقاومة الإسلامية) في العام 1985، ولأهمية تقييم التجربة، ولتبيان مخاطرها على تدمير المفاهيم الوطنية، وحدة شعبية، ووحدة مؤسسات رسمية، وانعكاساتها السلبية على حماية الوطن والمواطنين، يمكننا اختصارها بالتالي: -منذ انطلاقته في العمل المقاوم، في العام 1985، كان حزب الله يجبُّ أية مقاومة سبقته، تحت (تكليف شرعي)، يعتبر أن أية مقاومة لا تنطلق من قاعدة (نصرة الله) ليست مقاومة شرعية. وباستعراض تاريخي، وتحت شتى الوسائل عملت (المقاومة الإسلامية) على منع أي فصيل مقاوم آخر، وخاصة فصائل وقوى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، عن القيام بعمليات ضد العدو الصهيوني. وليس من المستغرب أنها قامت باغتيال مقاومين من جهة، وتجريد بعض المجموعات من سلاحها أو سجن أفرادها من جهة أخرى. -في العام 2006، تعرَّض لبنان لاجتياح صهيوني همجي منذ 14 تموز. وكانت أسبابه الظاهرة بادية بوضوح، هو استفراد حزب الله بالقيام بعملية لخطف جنود (إسرائيليين) لمبادلتهم بأسرى إيرانيين ولبنانيين وفلسطينيين. ولهول الكارثة الوطنية، تدميراً للبنى التحيتة، وللأملاك الخاصة، قال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في مقابلة تلفزيونية في 27-8-2006 (إنه لو علم أن عملية خطف جنديين إسرائيليين الشهر الماضي كانت ستؤدي إلى جولة العنف التي استمرت 34 يوماً، لما قمنا بها قطعاً). إن تصريح الأمين العام لحزب الله، له دلالالة واضحة على اللامسؤولية باتخاذ القرار المنفرد، وهو ما كان يجب أن يدفعه لأخذ الدروس والعبر. وإنه بقراره المنفرد، دفع بلبنان إلى دفع الخسائر الفادحة بالأرواح والممتلكات التي بلغت عشرات المليارات من الدولارات، والأنكى من ذلك، هو أن النظام الإيراني لم يدفع فلساً واحداً في إعادة الإعمار والتعويض على اللبنانيين الذين لولا المساعدات العربية لعاد لبنان إلى عصر الناقة والجمل، ولانتشر الفقر والحرمان. كل ذلك من أجل الضغط على العدو الصهيوني للإفراج عن بعض الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، والإيرانيين. واستطراداً، ولامتلاكه عوامل القوة العسكرية الفائضة، فإنه ومن موقعه بالمشاركة في النظام الطائفي السياسي، فتح بوابات إعلامه للهجوم على دول الخليج العربي، التي وبغضِّ النظر من موقفنا السياسي السلبي منها، فإنه أسَّس ولأهداف إيرانية إلى خلق فجوة كبرى عندما حجبت تلك الدول عن لبنان أية مساعدات، لا بل أسهمت لاحقاً خاصة منذ العام 2019، بالحصار المالي للنظام في لبنان. -السابع من أيار من العام 2008، إن حصر قرار المقاومة بفصيل واحد، حتى في ظل الشرعية اللبنانية، لفيه تهديد للمؤسسات الرسمية. كما فيه تهديد لمكونات لبنانية أخرى. وبمعزل عن أخطاء بعض رؤوس تلك المؤسسات، فإن التاريخ قد سجَّل حادثة السابع من أيار من العام 2008، عندما اجتاحت مجموعات من حزب الله مناطق بيروت الغربية، وعاثت تخريباً في الكثير من المؤسسات والأملاك الخاصة. التي لو لم يتم تلافيها في تسويات (مؤتمر الدوحة) لقادت إلى حرب أهلية طائفية أخرى، قد تكون أقسى مما حصل في الحرب الأهلية للعام 1975. -على الرغم من أن نتائج التحقيق في كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب من العام 2020، لم تظهر حتى الآن. إلاَّ أن البحث عن صاحب المصلحة في استيراد نيترات الأمونيوم، ومسرحية تخزينها في العنبر الرقم 12، وقضية النقص الحاصل في الكميات التي تمَّ تخزينها، تؤشِّر إلى أن المستفيد منها هو منظمة عسكرية تعتبر النيترات حاجة ضروية لها. ولأنه ليس في لبنان منظمة عسكرية أخرى لها مصلحة بامتلاك تلك المادة، تتوجه أنظارنا إلى حزب الله وحده. ولماذا استنتاجاً نحصر المسؤولية بحزب الله؟ بكونه (حزباً مقاوماً) يحتاج إلى ممرات بعيدة عن المراقبة حفاظاً على سرية مهماته، وبفعل التسويات السياسية والإدارية الطائفية في مرافق الدولة العامة، بين أطراف النظام الطائفي السياسي. وبفعل الأمر الواقع، حاز حزب الله على امتياز اقتطاع جزء من مرفأ بيروت، كمساحة مستقلة وبعيدة عن الإشراف الرسمي لإدارة المرفأ. وكان العنبر الرقم (12)، خاص بالحزب، تخزيناً ودخولاً وخروجاً بعيداً عن المراقبة.
2-على صعيد المخاطر على السلم الاقتصادي الوطني: -الاستفادة من قانون إعفاء الجمعيات الخيرية من دفع الرسوم الجمركية: من المعروف أن القانون اللبناني قد شرَّع للجمعيات الخيرية، ومعظمها جمعيات تعود للطوائف اللبنانية، إدخال بضائع من دون دفع الرسوم الجمركية. ويأتي من ضمن هذا التشريع اعتبار (المقاومة الإسلامية) واحدة من تلك الجمعيات، على الرغم من أنه أكبرها وأكثرها استيراداً بما لا يُقاس. ولأن حجم المؤسسات التجارية التابعة للحزب كثيرة وكبيرة، فلنتصور كم هو حجم الإعفاءات من الرسوم الجمركية؟ -تشريع التهريب: في حديث تلفزيزني قال الشيخ صادق النابلسي المقرب من حزب الله، (أن التهريب جزء لا يتجزأ من عملية المقاومة والدفاع عن مصالح اللبنانيين(. وهذا يؤكد ضلوع حزب الله بعمليات التهريب على الحدود بين لبنان وسوريا تحت ذريعة حماية المقاومة. وعلى الرغم من أنه لم يكن العامل الوحيد، وعلى الرغم من أن حزب الله لم يكن الوحيد الذي مارس التهريب، فقد كان في تهريب السلع المدعومة إلى سورية، من أدوية ومحروقات وغيرها، مخاطر جمة على احتياط النقد الأجنبي في مصرف لبنان، الأمر الذي انعكس سلباً على انهيار قيمة الليرة اللبنانية، ما أدى إليه من كوارث اجتماعية على شتى الشرائح الاجتاعية اللبنانية، والتي لم تسلم منها قطاعات واسعة من أبناء الطائفة الشيعية. بل كانت البيئة الوحيدة التي نجت منها هي البيئة الاجتماعية المحيطة بحزب الله التي تقبض بالدولار، كما صرَّح السيد حسن نصر الله. وهذا الأمر قاد إلى انهيارات في العلاقة السليمة بين أبناء الطائفة، ولا نستثني منها حركة أمل. وهذا ما كاد يؤدي إلى صراع معلن بين أطراف الثنائي الشيعي، الذي وإن وأدته قيادات الثنائي لكنه بقي جمراً تحت رماد الذي عانوا الجوع من تلك الطائفة. -تخزين السلع الأساسية تحت ذريعة الاحتياط الاستراتيجي للمقاومة. تحت شعار (نحن لن نجوع) مارست (المقاومة الإسلامية) سياسة تخزين السلع الأساسية لمصلحة مقاتليها وعوائلهم. وشملت سياسة التخزين، كل السلع الأساسية وفي المقدمة منها تخزين المحروقات، وإذا عرفنا أن عدد المقاتلين يفوق العشرة آلاف مقاتل، إذا كنا لن نحسب أن عددهم مائة ألف حسب اعتراف الأمين العام للحزب، بآلياتهم وسياراتهم الخاصة لأدركنا كم هو حجم الاحتكار الذي تمارسه (المقاومة الإسلامية)، وكم هو حجم الهدر من الاحتياط المالي للدولة اللبنانية. وإذا أعلنت المقاومة أن الاحتكار لا تمارسه وحدها بل تمارسه كل أحزاب السلطة، فهذا لا يبرر ما تقوم به. ولأنها تقوم بالتخزين على حساب المواطنين غير المشمولين بالامتيازات التي تقدمها لجهازها العسكري والسياسي واللوجستي، تعطي المبرر لحلفائها من أحزاب السلطة للقيام بما تقوم به. وعلى الرغم من الفروقات بأحجام الاحتكار بين حزب وآخر، فإن الكميات من السلع التي يتم احتكارها، تتجاوز تلبية حاجيات ما يفوق الماية ألف من الميليشيات التابعة لتلك الأحزاب. أليس الاحتكار، تحت أية ذريعة من الذرائع، يشكل سبباً من أسباب حرمان المواطنين من السلع الاستهلاكية أولاً، ومن ارتفاع أسعارها ثانياً. وألا يُعتبر الاحتكار الذي تمارسه أحزاب السلطة استنزافاً للاقتصاد الوطني؟ 3-انقلاب على مفاهيم المواطنة: تشريع التعامل مع دولة أجنبية: في خطاب متلفز قال السيد حسن نصرالله: (ليس لدينا مشاريع تجارية، وليس لدينا مؤسسات استثمارية تعمل من خلال البنوك، ولكن نحن وعلى المكشوف... وعلى رأس السطح نقول: (موازنة حزب الله ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من إيران). والغريب في الأمر، أن حزب الله، وفي أكثر من مناسبة، متناسياً إعلان أمينه العام عن افتخاره بأنه مدعوم من إيران بكل شيء، راح يوزِّع شهادات بالعمالة على معارضيه من أبناء الطائفة الشيعية، وكان من أشهرها أنه أطلق عليهم صفة (شيعة السفارات)، لا بل قام بهم تشهيراً إعلامياً واعتداءات بالضرب، أو التهديد به. وإذا كنا لن نستطرد أكثر بالبحث عن شواهد، وبمعزل عما إذا كان هؤلاء يرتشون من السفارات أم لا، نتساءل: لماذا لحزب الله الحق بأن يبني دولة مدعومة بالكامل من دولة أجنبية، ولا يحق لغيره أن يقبض ثمن منقوشة يسد بها جوعه؟ فإذا كان الوجهان بالتعامل مرفوضان من قبلنا. فهل يجوز لمن يحصل على الصواريخ أن يستنكر فعل من يسد جوعه بـ(منقوشة) يتلقاها من دولة أجنبية؟ وعن ذلك، والأخطر من اتهام المعارضين من الشيعة، نتساءل: ماذا لو لجأت كل طائفة في لبنان إلى فعل ما ارتكبه حزب الله؟ لا شك بأن حزب الله قد شرَّع لنفسه التعامل مع دولة أجنبية، وهذا ما هو مسجَّل بين وثائق تصريحات أمينه العام (مشروعنا هو مشروع الدولة الإسلامية في إيران. .. وأن لا يكون لبنان جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها بالحق نائب الولي الفقيه الإمام الخميني). لا بل إنه يفتخر بذلك، فلماذا يستنكر قيام غيره بذلك التعامل المدان أصلاً في كل دساتير الدول الحديثة ومنها دستور (الجمهورية الإسلامية في إيران).
3-ثلاثية المقاومة الإسلامية (جيش – شعب- مقاومة) تفتت ولا توحِّد: من دون الدخول بالتفاصيل، نوجز ردنا بما يلي: (لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم). ولأن البعد الأيديولوجي لـ(المقاومة الإسلامية) يرتبط عضوياً بأيديولوجيا ولاية الفقيه، فقد شكَّل عاملاً رئيسياً في مخاطر التفتيت على مستوىين: الطائفة الشيعية، والوطني اللبناني. -الأول: على مستوى الطائفة الشيعية: لم تستطع أيديولوجيا ولاية الفقيه أن توحِّد الشيعة في لبنان وغيره من الأقطار العربية. وباستعراض الواقع في لبنان، نجد أن الشيعة منقسمين في مواقفهم إلى عدة أقسام، ومن أهمها: -التيار الشيعي التقليدي الذي لا يُجيز قيام دولة قبل ظهور (الإمام المهدي المنتظر). -التيارات الشيعية التي لا تحصر الإمامة بالأئمة الأثني عشرة. ومنها الإسماعيلية والزيدية والعلوية والدرزية. وهاتان الفرقتان لهما وجود في لبنان. -التيار الشيعي السياسي المتمثل بحركة أمل، والمعروف عنه أنه خاض حروباً دموية مع حزب الله في بداية تأسيس الحزب في أواسط العشرية التاسعة من القرن العشرين. -رجال الدين الشيعة الذين وجدوا استحالة في بناء دولة دينية في لبنان، لا بل دعوا إلى تأسيس دولة مدنية يكون الشيعة فيها عاملاً منخرطاً في تأسيسه وإنجاحه. -الشيعة المنتسبون إلى أحزاب علمانية كالبعثيين والشيوعيين والقوميين السوريين والناصريين... -المثقفون الشيعة المتنورون الرافضون ليس لقيام دولة شيعية فحسب، بل إنهم يدعون إلى بناء دولة مدنية تنتهج مبدأ المواطنة في الانتماء للبنان أيضاً. -(شيعة السفارات)، وهو التيار الشيعي الجديد الذي اكتشفه إعلام المقاومة الإسلامية؟!
-الثاني على المستوى الوطني العام: وعلى الرغم مما نراه من مظاهر التوحيد بين دعوة ولاية الفقيه من جهة، والعلويين في لبنان وسورية، والزيديين في اليمن، والإسماعيليين في أفغانستان من جهة أخرى، ما هي سوى تحالفات سياسية مؤقتة للدفاع عن وجودها في مواجهة التيارات السنية. وعلى الرغم من ذلك، نتساءل: إذا كانت دعوة أيديولوجيا ولاية الفقيه لم تستطع أن توحِّد الإيديولوجيا الشيعية حولها، يكفي القول في هذا المستوى، إن الدعوة الشيعية المنبت فشلت في توحيد صفوف الشيعة أنفسهم، لهي عاجزة عن توحيد المذاهب الإسلامية أيضاً. وإذا كان الأمر كذلك، فهل هي قادرة على توحيد شتى الطوائف اللبنانية حول أيديولوجيتها الدينية ومواقفها السياسية؟
رابعاً: في النتائج ورؤية للحل إن بناء الدولة الوطنية الحديثة، تقوم على أسس ومبادئ لا تخرج عن سياقاتها مفاهيم الدول في جميع أنحاء الكرة الأرضية. وتلك المفاهيم تقوم على وحدة الأرض، ووحدة الشعب، ووحدة المؤسسات التي تدير شؤون الدولة. وإذا كانت دساتير الدول تبدأ من بناء المؤسسات السياسية التي تعمل للمحافظة على وحدة المؤسسات التابعة لها لحماية وحدة الشعب والأرض، فإن الجيش الوطني والمؤسسات الأمنية الأخرى يجب أن يكون الحارس الأمين لحماية وحدة الدولة وحماية حدودها. واستناداً إلى هذا المفهوم على الدولة الوطنية أن تحرس حرية الاعتقاد الديني وحرية الرأي السياسي، ولكن بما لا يتناقض مع القاعدة المفهومية الأساسية لوحدة الأرض والشعب. تلك مسلَّمات على مختلف الاعتقادات الدينية أن تحترمها، وأي خروج عنها يعتبر خروجاً عن مفهوم وحدة الدولة الوطنية. ويُشكِّل أي استئثار لطائفة ما بهذه الامتيازات، أو ببعضها، شذوذاً ضد القانون الدولي العام، وضد القوانين والتشريعات الناظمة للدولة أيضاً. كما تشكل بداية لتأسيس دويلات على حساب الدولة. وإذا نسجت طوائف أخرى على هذا المنوال فإنها تؤسس لدويلة أخرى، وهكذا يبرر واقع الأمر للطوائف الأخرى أن تبني كل واحدة منها دويلتها. وبذلك يتحوَّل لبنان إلى مجموعة من الدويلات الطائفية، فيفقد وحدته على شتى الصعد. ويمكننا أن نبني رؤيتنا انطلاقاً من مرحلة ما في التاريخ اللبناني قديمه وحديثه للبرهان على الأخطاء الفادحة التي جرَّت الويلات على هذه البقعة الصغيرة في العالم. وهنا يستحضرنا مثالان، وهما: التحاق السنة بالنظام العثماني السني، والتحاق الموارنة بالانتداب الفرنسي. هذا ومن المعروف أن الدولة العثمانية كانت تزعم بسط حمايتها على المذاهب السنية وما استتبعه من اضطهاد لحق بالمذاهب الإسلامية الأخرى، والأديان الأخرى. وكذلك من المعروف عن فرنسا التي بسطت حمايتها على الموارنة في مرحلة عهد المتصرفية، وما استكمله الموارنة من التحاق بالانتداب الفرنسي بعد انهيار الدولة العثمانية. وفي هذا المجال نعيد التذكير بأهزوجة شعبية قام بتأليفها أحد شعراء الموارنة في تلك المرحلة، والتي جاء فيها: يا ام الفستان الأحمر كشكش مبروم صار الحكم فرنساوي طقُّوا يا روم عن ذلك نعيد التذكير بأن مفهوم الأمهات الحنونات قد أنتهى، العثمنة والفرنسة، فهل قرأ من اتَّخذ إيران أماً حنوناً أن يتَّعظ من دروس الماضي، ويرعوي عن الانتماء إلى الفرسنة؟ ولكنه بدلاً من أن يبدأ اللبنانيون ببناء دولة المواطنة الحديثة، مستفيدين من أخطاء الماضي، بحيث يتساوى فيها كل اللبنانيين بالحقوق والواجبات، يجمعهم دستور واحدة وقوانين واحدة، سلكت الأحزاب الطائفية السياسية الطريق الخطأ، وذلك بأن كل واحد منها لجأ إلى التفتيش عن مواقع إسناد خارجية تعزز نفوذ أميرها على حساب أمراء الطوائف الأخرى. وبانتقال لبنان من مرحلة استقواء طائفة بإسناد خارجي، إلى استقواء آخر، ولعلَّه في المرحلة الأخيرة من مراحل تقاذف لبنان بين أمواج تلك الاستقواءات، أتاح الدخول السوري إلى لبنان في العام 1976، تحت غطاء قوات الردع العربية، الفرصة لبعض التيارات السياسية الدينية من الطائفة الشيعية لكي تستقوي بذلك الوجود عندما أعلنت ولاءها المطلق للنظام السوري. ومن بعده راحت شريحة شيعية أخرى باتجاه الاستقواء بـ(الجمهورية الإسلامية في إيران). وحصلت منها على كل عوامل الإمكانيات المعيشية والمالية والتسليحية. ولأن الشريحة الأولى الممثَّلة بـ(حركة أمل)، استفادت من الاستقواء بالنظام السوري باحتلال موقع مذهبي مميز في النظام الطائفي السياسي، فإن الثانية استفادت من فرصة الاستقواء بنظام ولاية الفقيه في إيران لامتلاك فائض من القوة العسكرية أتاح لها احتلال الموقع الأول المقرر في شؤون الصراع مع العدو الصهيوني. مستغلا ذريعة المقاومة التي أنجزت تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، وبدلاً من توظيف هذا الإنجاز الكبير في مصلحة وحدة الدولة اللبنانية، وإعادة بنائها على قاعدة تحرير الإنسان ولمصلحة الشريحة الاجتماعية التي بذلت الدم والروح لتحرير أرضها، فقد استغله حزب الله في بناء ما يشبه الدويلة الشيعية داخل الدولة اللبنانية من جهة، ويستخدمه للاستقواء به ضد المكونات الطائفية والقوى التي وقفت مؤيدة أو مشاركة له في مهمة التحرير على الرغم من أنها تتناقض معه بالأيديولوجيا والموقف السياسي من جهة أخرى. ولأن المنهج الأيديولوجي الذي يعتقد به (حزب الله) لا يحمل عوامل وحدة الطائفة الشيعية أولاً، وكذلك يتناقض مع عوامل الوحدة الإسلامية ثانياً، كما يتناقض مع مختلف المذاهب والأديان في لبنان ثالثاً، كما أنه حلَّ مكان الدولة الموحَّدة باتخاذ قرارات مصيرية رابعاً، آن لحزب الله أن يُدرك المخاطر التي يزرعها في جسد الدولة اللبنانية بأن ينخرط عن قناعة وتصميم في ورشة حوار وطني شامل من أجل توظيف فائض القوة العسكرية الذي يمتلكه ويضعه في موقعه الوطني الصحيح. إن هذا الأمر يتطلَّب إخراج سلاح حزب الله من قيود استخدامه لمصلحة الدفاع عمن قام بتمويله، إلى قيود استخدامه لمصلحة لبنان. وذلك لأن استخدامه كورقة ضغط لمصلحة المفاوضات الجارية في فيينا حول الملف النووي الإيراني، أدَّى إلى تفتيت واضح في مواقف اللبنانيين. اللبنانيون الذين لم يعد هناك ما يقنعهم أن السلاح الذي هزم العدو الصهيوني هو سلاح مقاوم لتحرير الأرض في هذه المرحلة بأكثر منه سلاح لابتزاز العدو الصهيوني لمنعه من مغامرة القيام بعمل عسكري ضد العدو إذا ما فتح جبهة عسكرية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. لكل تلك الأسباب نرى في توجيه أغراض هذا السلاح للدفاع عن لبنان تحت قرار دفاعي سيادي بوضعه في عهدة المؤسسة العسكرية، وتحت إشراف المؤسسات الدستورية؛ وهي الطريقة التي تجعل من اللبنانيين كتلة واحدة تحمي هذا السلاح وتستخدمه في أهدافه الصحيحة. وإنه بدلاً من أن يكون أداة رادعة للنظام العربي الرسمي الذي يدافع عن أمنه القومي في مواجهة مخاطر تصدير (الثورة الإسلامية في إيران)، يمكنه أن يكون دافعاً لذلك النظام بأن يتعلَّم منها لإحداث توازن في الإمكانيات العسكرية مع العدو الصهيوني. علماً أن هذا إذا حصل فسوف تكون التجربة رائدة في امتلاك دول الطوق العربي المحيط بالأرض الفلسطينية المحتلة ترسانة من الصواريخ القصيرة المدى التي تلجم أي نية محتملة للعدو بالقيام بعدوان ضد أي قطر من الأقطار العربية. وأخيراً، ولأن النظام الطائفي السياسي في لبنان كان ممراً ومستقراً لشتى أشكال التدخل الخارجي، يترتب على شتى الطوائف فيه أن تدرك أن القوى الخارجية لم توفر عوامل الاستقواء لأي طائفة من طوائف لبنان بالمجان، بل استغلته أفضل استغلال كاستثمار لمصالحها فيه وعلى حساب الشرائح الاجتماعية الفقيرة التي تم ابتزازها من أمراء الطوائف تحت ذريعة رفع الظلم عنها، وبدلاً من ذلك فقد ألحقت بها مظالم أكثر وأشدَّ إيلاماً. وإذا كانت منظومة الأحزاب الطائفية الحاكمة لم ولن تبالي بمصلحة الشرائح الشعبية من كل الطوائف، وهي الأكثر مظلومية، فإنه على تلك الشرائح أن تنهض من سباتها واستسلامها لأولئك الأمراء. وذلك بثورتها لإسقاط النظام الطائفي السياسي، لأنه الآفة الأساسية التي أنتجت منظومة الفساد من جهة، كما أنتجت ما يشبه تشكيل (المحميات الطائفية) السياسية والعسكرية من جهة أخرى. تلك المنظومة التي تحالف فيها كل أمراء الطوائف ومؤسساتها الطائفية ضد مصالح الأكثرية الساحقة من أبناء الطوائف، وكذلك حالت دون وحدة وطنية حقيقية في دولة مدنية موحدة خالية من المحاصصات الطائفية.
#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين قرار المقاومة الإسلامية الخاطئ وفيض العطاء عند أبطال الم
...
-
المتغيرات الرسمية العربية من أميركا وإيران . التحولات الكبر
...
-
البعد التوراتي في صياغة العلاقة الأميركية–الصهيونية: من الأس
...
-
الولايات المتحدة الأميركية والغرب الأوروبي بين خيارين: القوم
...
-
العروبة والإسلام نحو علاقة حضارية متكاملة في مشروع حسن خليل
...
-
عرض شامل لكتاب (القومية العربية من التكوين إلى الثورة) تأليف
...
-
القومية العربية في مواجهة الأصوليات الإمبراطورية عرض لكتاب (
...
-
العروبة والإسلام: دراسة بانورامية في إشكالية الهوية العربية
...
-
الردة في الإسلام: جذور التكفير وتداعياته التاريخية تحرير الد
...
-
الدولة المعاصرة في الوطن العربي التحديات وشروط الاستجابة للم
...
-
من العولمة إلى العالمية: كيف تحافظ الثقافة الدينية على هويته
...
-
العقلانية كجسر بين القومية والدين: في مشروع حسن خليل غريب ال
...
-
المتغيرات الرسمية العربية من أميركا وإيران- قراءة في رؤية حس
...
-
جدلية المثال والواقع: مقاربة فلسفية وسياسية في السياق العربي
...
-
المؤسسات الدينية بين الوظيفة الروحية والدور السياسي: في مشرو
...
-
وضوح النظرية القومية وشفافيتها عامل ضروري في الحوار مع الأمم
...
-
بين النص الديني المطلق والواقع المتغير:
-
الحلقة الثالثة من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غري
...
-
الحلقة الثانية من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غري
...
-
الحلقة الأولى من (سلسلة مفاهيم مختصرة في مشروع حسن خليل غريب
...
المزيد.....
-
شاهد الرعب على متن طائرة ركاب بعد تعطل محركها عقب الإقلاع
-
بوابة ذهبية واسمه يشع في الأفق.. هكذا يتخيل ترامب مكتبته الر
...
-
ترامب لقادة أوروبا: -اذهبوا للسيطرة على مضيق هرمز واحصلوا عل
...
-
حرب في الشرق الأوسط: الاتحاد الأوروبي يستعد لاضطراب طويل الأ
...
-
الفصام.. هل نحن أمام ثورة في العلاج؟
-
جدل في فرنسا بعد تصريحات وصفت بـ -العنصرية- بعد انتخاب بالي
...
-
الحرب في الشرق الأوسط: -تخبط- إدارة ترامب هل تسّرع بإنهاء ال
...
-
الخطوط القطرية تسجل أعلى معدل رحلات منذ اندلاع الحرب
-
سيارات تتحدى الزمن: أفضل 10 طرازات لا تنهار أسعارها
-
ما خيارات واشنطن لإنزال واقتحام بري داخل إيران؟
المزيد.....
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|