حسن خليل غريب
الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 09:31
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد في الرد:
نتيجة نشر البوستر تحت عنوان: (في الصراع بين مشروعين غيبيَّن: جنوب لبنان يتحوَّل من أرض خضراء إلى أرض محروقة)، توجه البعض من المتابعين ببعض الملاحظات، والبعض الآخر بانتقادات. ولمنع الغرق في الكثير من التفصيلات، التي بعضها يحمل "كلمة ظاهرها حق، وباطنها دفاع عن الباطل"، فقد تضمَّن هذا الرد تكثيفاً لتعريفات حول المفاهيم العامة لارتفاع فوق مستوى السطحية التي استخدمها بعض ممن توجَّه بانتقادات للدفاع عن حزب الله من جهة، والدفاع عن إيران من جهة أخرى.
ولأن المشروع التوراتي الصهيوني الخطير، يشكِّل الوجه الآخر من الصراع، له توضيحات أخرى، فقد خصَّ المقال المشروع الغيبي لولاية الفقيه بالتوضيح التالي:
مقدمة في الرد:
منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000، دخلت المقاومة اللبنانية مرحلة جديدة لم تعد مرتبطة مباشرةً بالتحرير. هذه المرحلة، اتسمت بانزياح خطير عن الهدف الأصلي للمقاومة، إذ تحولت من مشروع وطني جامع إلى أداة في صراعات إقليمية مرتبطة بمحور إيران–سورية. هذا التحوّل أفرز سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية التي انعكست سلباً على الداخل اللبناني، وأضعفت شرعية المقاومة التحريرية التي كانت تحظى بإجماع وطني واسع.
لم تكن تلك الأخطاء نتيجة اجتهادات فردية لقيادة حزب الله، بل كانت تستند -ولا تزال- إلى رؤية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأيديولوجيا نظرية ولاية الفقيه العامة التي تفسِّر وظائف أذرعها العربية. ولهذا السبب سنحدد اتجاهاتها العامة من جهة، واتجاهات وظيفة حزب الله في لبنان من جهة أخرى.
1-مفاهيم تأسيسية في دور نظام ولاية الفقيه العام:
لأهدافها العالمية، ترفض النظرية الاعتراف بالكيانات القومية، وكذلك بالكيانات الوطنية. وفي مقدمة أولوياتها تعمل على إسقاط مفهوم القومية العربية، وكذلك إسقاط المفهوم الوطني للأقطار العربية. ومن أجل تحقيقها، تستعين بديماغوجية واضحة لتبريرها. وحول ذلك، تعتبر أميركا (شيطاناً أكبر)، و"إسرائيل" (غدة سرطانية). وعلى الرغم من ذلك، فإنها لا تتورَّع عن التعاون مع أميركا وإسرائيل من أجل الوصول إلى مآربها في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص.
ومن الأمثلة على ذلك، وبعد الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق، وإن المسؤول الإيراني الأول الذي صرّح بعبارة: "لولا إيران لما سقطت كابول وبغداد" هو محمد علي أبطحي، في العام 2004، وكرَّره من بعده، كل من هاشمي رفسنجاني، وحسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، وعلي أكبر ولايتي.
وأما المسؤول الإيراني الذي اعترف علناً بأن إيران استوردت السلاح من إسرائيل هو الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني. فقد كشف في خطابات وتصريحات خلال التسعينيات أن إيران، في فترة الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، حصلت على أسلحة من إسرائيل عبر صفقات سرية، وهو ما عُرف لاحقاً بفضيحة "إيران–كونترا".
2-مفاهيم تأسيسية في وظيفة حزب الله ضمن دوائر ولاية الفقيه:
منذ إعلان تأسيسه في العام 1985، لم يكن حزب الله صاحب سيادة على قراره، بل كان يأتمر بشكل مطلق بأوامر من الولي الفقيه. وليس له حق الاجتهاد. وهناك مجموعة من الدلائل الواضحة التي تبرهن على التزام حزب الله بأوامر الولي الفقيه في إيران، وهي تتوزع بين البنية التنظيمية، الخطاب العقائدي، والممارسة العملية:
1-البنية التنظيمية والعقائدية: في النصوص التأسيسية: في "الرسالة المفتوحة" التي أعلنها حزب الله عام 1985، ورد بشكل صريح أن الحزب يلتزم بولاية الفقيه ويعتبر الإمام الخميني المرجع الأعلى. وفي الهيكل القيادي: الأمين العام للحزب يعلن مراراً أن المرجعية العليا للحزب هي الولي الفقيه، وأن قراراته ملزمة شرعاً وسياسياً.
2-الخطاب السياسي والإعلامي: تصريحات حسن نصر الله: أكد في أكثر من خطاب أن الحزب لا يتخذ قراراً استراتيجياً بمعزل عن توجيهات الولي الفقيه، وأنه يعتبر نفسه جزءاً من "محور المقاومة" بقيادة إيران. والولاء العقائدي: الحزب يربط شرعية المقاومة بولاية الفقيه، ويعتبر أن أي خروج عن هذا الالتزام هو خروج عن العقيدة التي تأسس عليها.
3-الممارسة العملية: التدخل في سورية (2011): مشاركة الحزب في الحرب السورية جاءت استجابة مباشرة لقرار استراتيجي من إيران، باعتبار الدفاع عن النظام السوري جزءاً من حماية محور المقاومة. والدعم لفصائل فلسطينية: التنسيق العسكري والمالي مع حركات مثل حماس والجهاد الإسلامي يتم عبر قنوات إيرانية، ما يعكس التبعية لمحور تقوده طهران. وأما الخطاب حول الصراع مع إسرائيل: الحزب يعلن أن معركته ضد إسرائيل ليست فقط لبنانية، بل جزء من مشروع إقليمي تقوده إيران.
4-الرمزية والشعارات: الاحتفالات والرايات: حضور صور وشعارات مرتبطة بالولي الفقيه في المناسبات الرسمية للحزب. والخطاب الديني: ربط المقاومة بالبعد العقائدي الشيعي الذي يضع ولاية الفقيه في موقع المرجعية العليا.
وفي الخلاصة، إن التزام حزب الله بأوامر الولي الفقيه يظهر في النصوص التأسيسية، في تصريحات قياداته، وفي ممارساته الإقليمية، بحيث لم يعد مجرد تنظيم لبناني، بل جزء من مشروع عقائدي–سياسي تقوده إيران. هذا الالتزام هو ما يفسر انتقال الحزب من مقاومة تحريرية محلية إلى فاعل إقليمي في ملفات سورية، العراق، وفلسطين.
ممارسات حزب الله على الأرض نسخة طبق الأصل عن التوجيهات الإيرانية:
إن مقاومة حزب الله بعد العام 2000 ليست مقاومة تحرير الجنوب، لأن التحرير الفعلي تحقق بانسحاب الجيش الإسرائيلي في أيار 2000، وبالتالي تغيّر جوهر المهمة. إن ما جرى بعد ذلك لم يعد مرتبطاً مباشرةً بعملية تحرير الأرض، بل تحوّل إلى مقاومة ذات طابع سياسي–إقليمي مرتبطة بمحاور النفوذ الإيراني–السوري، وبالصراع المفتوح مع إسرائيل خارج حدود لبنان.
فالمرحلة بعد التحرير دخلت في مأزق جديد، أي إن التحرير أنجز، لكن السلاح بقي، ما جعل المقاومة تتحول إلى أداة صراع داخلي وإقليمي أكثر من كونها مشروعاً وطنياً جامعاً. وإن استمرار حزب الله في حمل السلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي جعل المقاومة تنزاح عن هدفها الأصلي (تحرير الجنوب) لتصبح جزءاً من معادلة سياسية مرتبطة بولاية الفقيه ومحور إيران–سوريا. لذلك يرتبط مستقبل الجنوب بضرورة وضع خارطة طريق وطنية تعيد الاعتبار لدور الدولة والجيش، وتحوّل الجنوب من ساحة صراع إلى نموذج للوحدة والتنمية.
بعبارة أخرى، يجب التمييز بين المقاومة التحريرية (1978–2000) التي كان هدفها إخراج الاحتلال من الجنوب، وبين المقاومة بعد 2000 التي هي استمرار لصراع سياسي–إقليمي لا يندرج تحت عنوان التحرير المباشر.
بعد العام 2000، ارتكب أخطاء استراتيجية حين خرجت المقاومة من إطارها التحريري المباشر. يمكن تلخيص أهم هذه الأخطاء كما يلي:
1-بعد التحرير (2000 وما بعده): بقاء السلاح دون مشروع وطني جامع، عندما تحوَّلت المقاومة من تحرير الجنوب إلى أداة سياسية مرتبطة بمحور إقليمي، ما أفقدها صفة المقاومة الوطنية. وإقحام لبنان في صراعات خارجية: استمرار العمليات والخطاب المقاوم جعل لبنان جزءاً من معادلة إقليمية لا تخدم الداخل اللبناني.
2-دخول حزب الله في إسناد النظام السوري (2011 وما بعده): الخطأ الأكبر كانت في المشاركة في الحرب السورية التي بها أخرجت المقاومة من وظيفتها الوطنية، وحوّلها إلى طرف في نزاع داخلي–إقليمي. وكانت النتيجة: استنزاف بشري ومادي، وتفاقم الانقسام الطائفي داخل لبنان، مع تراجع صورة المقاومة كقوة تحرير.
3-التدخل في غزة (2023): الخطأ السياسي: دعم غزة عسكرياً وإعلامياً بدا امتداداً لمحور إيران أكثر من كونه موقفاً لبنانياً مستقلاً. وإن الانعكاس: ربط المقاومة اللبنانية بمشروع إقليمي، ما جعلها عرضة لاتهامات بأنها تنفذ أجندة خارجية.
4-الدخول في معادلة "الثأر لاغتيال خامنئي" (آذار 2026): كان الخطأ في تحويل المقاومة إلى أداة ثأر شخصي أو عقائدي يربطها مباشرة بالولي الفقيه، ويضعها خارج إطار المصلحة الوطنية اللبنانية. والنتيجة: فقدان الشرعية الوطنية، إذ تصبح المقاومة جزءاً من مشروع ولاية الفقيه، لا مشروعاً لتحرير لبنان أو حماية سيادته.
وفي الخلاصة، تكمن الأخطاء الجوهرية لحزب الله في تحويل المقاومة من مشروع تحرير وطني إلى أداة في صراعات إقليمية مرتبطة بإيران وسوريا. هذا الانزياح جعلها تفقد وظيفتها الأصلية، وأدخل لبنان في أزمات داخلية وخارجية لا تخدم قضية الجنوب ولا وحدة الدولة.
مقارنة زمنية بين مرحلتي المقاومة
في المرحلة الأولى، الممتدة بين عامي 1978 و2000، كان الهدف الأساسي للمقاومة اللبنانية تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي. وقد اتسمت هذه المقاومة بطابعها العسكري الوطني الجامع، حيث شكّلت إطاراً موحِّداً للبنانيين في مواجهة الاحتلال، وحظيت بشرعية شعبية واسعة عززت الوحدة الوطنية وأعطتها بعداً تحررياً خالصاً.
أما المرحلة الثانية، الممتدة من العام 2000 حتى اليوم، فقد تغيّر جوهر المقاومة. فبعد أن تحقق التحرير، انخرط حزب الله في صراعات إقليمية مرتبطة بسورية وإيران، وشارك في معارك خارج الحدود مثل الحرب السورية ودعم غزة. هذا التحوّل جعل المقاومة قوة سياسية–عسكرية مرتبطة بمحور خارجي، وأدى إلى انقسام داخلي وفقدان جزء كبير من الشرعية الوطنية التي كانت تتمتع بها سابقاً، فضلاً عن استنزاف بشري ومادي انعكس سلباً على الداخل اللبناني.
وفي الخلاصة، انتقلت المقاومة بعد هيمنة حزب الله منذ العام 1991، من كونها مشروعاً وطنياً لتحرير الأرض إلى كونها أداة في صراعات إقليمية. المرحلة الأولى جسّدت وحدة وطنية وشرعية شعبية، بينما المرحلة الثانية اتسمت بالانقسام الداخلي وفقدان الهوية التحريرية، وهو ما يضع مستقبل الجنوب أمام ضرورة إعادة صياغة مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لدور الدولة والجيش.
رؤية للحل المستدام:
1-إعادة الاعتبار لدور الدولة والجيش كحماة للجنوب وضامنين للسيادة.
2-دمج السلاح في إطار الدولة بحيث لا يبقى خارج الشرعية الوطنية.
3-تحويل الجنوب من ساحة صراع إلى نموذج للوحدة والتنمية عبر مشاريع اقتصادية واجتماعية تعيد الثقة بين الدولة والمواطن.
4-إرساء معادلة وطنية جامعة تضع حداً للتدخلات الإقليمية وتعيد المقاومة إلى إطارها التحريري الأصلي.
الخاتمة
إن مستقبل الجنوب اللبناني لا يمكن أن يُبنى على استمرار المقاومة كأداة إقليمية، بل على مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار لدور الدولة والجيش، ويحوّل الجنوب من ساحة نزاع إلى نموذج للوحدة والتنمية. الحل المستدام يكمن في الانتقال من منطق السلاح خارج الدولة إلى منطق الدولة الجامعة، بما يضمن حماية السيادة ويعيد للمقاومة معناها التحريري الحقيقي.
#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟