أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - الخير أصيل فطري في الإنسان، والشر غياب العوامل الحاضنة للخير















المزيد.....

الخير أصيل فطري في الإنسان، والشر غياب العوامل الحاضنة للخير


حسن خليل غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 11:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


القيم العليا بين الفطرة الإنسانية والتربية والمسؤولية

مقدمة: هل الخير ثابت أم متغيِّر؟
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل ذاته والعالم من حوله، ظل سؤال الخير والشر واحداً من أكثر الأسئلة حضوراً في الفكر الديني والفلسفي والأخلاقي. هل يولد الإنسان حاملاً نزعتين متساويتين إلى الخير والشر؟ أم أن إحدى النزعتين هي الأصل، بينما الأخرى ليست سوى انحراف عن هذا الأصل؟
تقوم الرؤية التي يدافع عنها هذا المقال على فرضية مختلفة عن كثير من التصورات التقليدية، ومفادها أن الخير هو الأصل في التكوين الإنساني، وأن الشر ليس كياناً مستقلاً أو قوة قائمة بذاتها، بل هو النتيجة التي تظهر عندما يغيب فعل الخير أو يمتنع الإنسان عن ممارسته. فالشر، وفق هذا المنظور، ليس نقيضاً يقف في مواجهة الخير على قدم المساواة، بل هو الفراغ الذي ينشأ عندما تتراجع القيم التي تحفظ توازن الإنسان وحياته.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في كثير من المفاهيم التربوية والأخلاقية السائدة، لأن طريقة فهمنا للخير والشر تنعكس مباشرة على طريقة تربيتنا للإنسان وعلى نظرتنا إلى المسؤولية والسعادة والعدالة.

أولاً: القيم العليا بوصفها شروطاً للحياة الإنسانية:
عندما نتأمل حياة البشر نجد أن المجتمعات، على تنوع ثقافاتها وأديانها، تكاد تتفق على مجموعة من القيم الكبرى: العدل، الرحمة، الصدق، الأمانة، التعاون، الوفاء، احترام الكرامة الإنسانية، وتحمل المسؤولية.
وليس من الصعب ملاحظة أن هذه القيم ليست مجرد شعارات أخلاقية، بل هي شروط ضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية بصورة مستقرة. فالمجتمع الذي يغيب فيه العدل يتحول إلى ساحة صراع. والمجتمع الذي تغيب فيه الثقة ينهار فيه التعاون. والمجتمع الذي تُهدر فيه الكرامة يفقد أفراده شعورهم بالانتماء والأمان.
ولذلك يمكن النظر إلى القيم العليا بوصفها قواعد تأسيسية للعمران البشري. إنها ليست أوامر مفروضة من الخارج فقط، بل هي استجابة لحاجات عميقة في طبيعة الإنسان نفسه. فالإنسان بحاجة إلى العدالة لأنه لا يستطيع أن يعيش طويلاً في ظل الظلم، وبحاجة إلى الرحمة لأنه عرضة للضعف والخطأ، وبحاجة إلى الصدق لأن العلاقات الإنسانية لا تستقيم من دونه.
ومن هنا تبدو القيم الإيجابية أقرب إلى طبيعة البناء الإنساني من نقيضها، لأنها تسهم في حفظ الحياة لا في تقويضها.
ثانياً: الشر بوصفه غياباً للقيم:
إذا كانت القيم العليا هي ما يحفظ الإنسان والمجتمع، فإن الشر يظهر عندما تتعطل هذه القيم أو تتراجع.
فالظلم ليس قيمة مستقلة بذاتها، بل هو غياب للعدل.
والخيانة غياب للأمانة.
والقسوة غياب للرحمة.
والكراهية المدمرة غياب للاعتراف بإنسانية الآخر.
وفي هذا السياق يصبح الحديث عن الشر حديثاً عن نقص أو غياب لا عن أصل قائم بذاته.
وقد يبدو هذا الطرح فلسفياً أكثر منه عملياً، لكنه يحمل دلالة مهمة؛ لأنه ينقل الاهتمام من الانشغال الدائم بمطاردة الشر إلى العمل على توسيع دائرة الخير. فعندما نسعى إلى ترسيخ العدالة فإننا نقلص مساحة الظلم، وعندما ننشر ثقافة الاحترام نقلل من فرص الكراهية والعنف.
وبذلك تصبح المعالجة الحقيقية للشر مرتبطة ببناء القيم الإيجابية لا بمجرد إدانة السلوك السلبي.

ثالثاً: التربية بين ثقافة الخوف وثقافة البناء:
واحدة من أبرز النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا الفهم هي أن التربية ينبغي أن تقوم على تنمية الخير أكثر مما تقوم على التخويف من الشر.
فالإنسان يتلقى منذ طفولته كماً هائلاً من التحذيرات: لا تكذب، لا تسرق، لا تؤذِ الآخرين، لا تخالف القواعد. ومع أن هذه التوجيهات ضرورية، إلا أن الاقتصار عليها يجعل التربية قائمة على المنع أكثر من البناء.
أما التربية الإيجابية فتنطلق من سؤال مختلف: لماذا يجب أن يكون الإنسان صادقاً؟ ولماذا يكون العدل أفضل من الظلم؟ وما الذي تضيفه الرحمة إلى حياة الفرد والمجتمع؟
عندما يقتنع الإنسان بأن الصدق يبني الثقة، وأن العدل يحقق الاستقرار، وأن التعاون يزيد من قوة المجتمع، فإن التزامه بهذه القيم يصبح نابعاً من وعي داخلي لا من خوف خارجي.
ولهذا فإن التربية التي تكتفي بالترهيب قد تنتج أشخاصاً مطيعين، لكنها لا تنتج بالضرورة أشخاصاً مقتنعين. أما التربية التي تزرع حب الخير فإنها تخلق شخصية أكثر توازناً واستقراراً وقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي.

رابعاً: السعادة ليست هبة مجانية:
ترتبط القيم العليا، في جوهرها، بمفهوم السعادة الإنسانية. غير أن السعادة هنا لا تُفهم بوصفها متعة عابرة أو إشباعاً مؤقتاً للرغبات، بل باعتبارها حالة من التوازن بين حاجات الإنسان الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية.
فالإنسان الذي يعيش حياة تقوم على الصراع والكذب والخوف والعدوان يصعب أن يبلغ الطمأنينة الداخلية مهما امتلك من وسائل الرفاه المادي. في المقابل، فإن الشعور بالمعنى والكرامة والاحترام المتبادل يمثل جانباً أساسياً من الشعور بالسعادة.
ومن هنا يصبح فعل الخير جزءاً من بناء الحياة السعيدة، لا مجرد واجب أخلاقي مجرد. فالقيم ليست عبئاً على الإنسان، بل وسيلة لتحريره من أسباب التعاسة التي يصنعها الظلم والعدوان والفوضى والتفكك الاجتماعي.

خامساً: بين الإيمان والعمل:
من القضايا التي يناقشها المقال أيضاً العلاقة بين الإيمان والعمل. فالإنسان يحتاج إلى الأمل والطمأنينة الروحية، ويجد كثيرون في الإيمان مصدراً للقوة النفسية والمعنوية. لكن الإيمان لا يُفترض أن يكون بديلاً عن العمل أو تحمل المسؤولية. فالدعاء لا يغني عن العلاج، كما أن الأمل لا يغني عن السعي، والرغبة في التغيير لا تكفي إذا لم تتحول إلى فعل.
إن إحدى المشكلات التي عرفتها بعض المجتمعات تمثلت في تحويل القيم الروحية إلى بديل عن المسؤولية العملية، بينما الأصل أن تكون دافعاً إليها. فكل تقدم بشري تحقق عبر التاريخ كان نتيجة تفاعل بين الأمل والعمل، وبين الرؤية والمبادرة، وبين الإيمان بإمكان التغيير والجهد المبذول لتحقيقه.

سادساً: العقل بوصفه أداة أخلاقية:
غالباً ما يُنظر إلى العقل باعتباره أداة للمعرفة فقط، لكن دوره أوسع من ذلك. فالعقل هو الوسيلة التي تمكن الإنسان من إدراك نتائج أفعاله، ومن الموازنة بين الخيارات المختلفة، ومن فهم أثر سلوكاته في نفسه وفي الآخرين. ولهذا فإن بناء الإنسان الأخلاقي لا ينفصل عن بناء الإنسان العاقل. فكلما اتسعت المعرفة وتعمق الوعي، ازدادت قدرة الفرد على فهم قيمة العدل والحرية والمسؤولية. والعكس صحيح؛ فحين يضعف التفكير النقدي يصبح الإنسان أكثر عرضة للخرافة والتعصب والتقليد الأعمى.
ومن هنا فإن التربية الأخلاقية الحقيقية لا تكتفي بغرس القيم، بل تعمل أيضاً على تنمية القدرة العقلية التي تجعل الإنسان يفهم هذه القيم ويمارسها بإرادة واعية.
سابعاً: مسؤولية المجتمع في صناعة الإنسان:
لا يولد الإنسان فاضلاً أو فاسداً بصورة نهائية، بل يتشكل عبر عملية طويلة من التربية والتعليم والتجربة الاجتماعية. ولهذا فإن مسؤولية بناء الإنسان لا تقع على الفرد وحده، بل على المجتمع كله. فالأسرة تشكل المدرسة الأولى للقيم. والمدرسة تنقل المعرفة وتنظمها. والمؤسسات الثقافية والدينية تساهم في صياغة الوعي العام. كما أن الأنظمة السياسية والاقتصادية تؤثر بصورة مباشرة في السلوك الاجتماعي.
وكلما انسجمت هذه المؤسسات مع قيم العدالة والحرية والمسؤولية، كان الإنسان أكثر قدرة على التعبير عن أفضل ما لديه من إمكانات.

خاتمة: الإنسان لا يُهزم بالشر بل بغياب الخير:
لعل الخطأ الأكبر في فهم الطبيعة الإنسانية هو الاعتقاد بأن حياة الإنسان تدور حول صراع دائم بين قوتين متساويتين: الخير والشر. أما الحقيقة التي تكشفها التجربة الإنسانية، فهي أن الخير هو الذي يبني الحياة، بينما لا يفعل الشر أكثر من هدم ما بناه الخير. فالعدل يصنع مجتمعاً، لكن الظلم لا يصنع مجتمعاً بديلاً؛ والرحمة تحفظ الإنسان، أما القسوة فلا تنتج إلا مزيداً من الألم؛ والصدق يبني الثقة، بينما لا ينتج الكذب سوى الشك والتفكك.
ولهذا فإن المهمة الحقيقية للتربية والثقافة والدين والفكر ليست أن تجعل الإنسان مهووساً بمطاردة الشر، بل أن تساعده على اكتشاف منابع الخير الكامنة فيه وإطلاقها إلى حيّز الفعل. فالإنسان لا يصبح أفضل لأنه يخاف الشر فقط، بل لأنه يتعلّم كيف يحب الخير ويدرك ضرورته لحياته وحياة الآخرين.
إن الحضارات لم تُبنَ بالخوف، بل ببناء الإنسان؛ ولم تزدهر بالكراهية، بل بالتعاون؛ ولم تتقدم بالانشغال الدائم بأسباب الانهيار، بل بالعمل المتواصل على ترسيخ أسباب النهوض. لذلك فإن الطريق إلى عالم أكثر عدلاً وسلاماً لا يبدأ من السؤال: كيف نحارب الشر؟ بل من السؤال الأعمق: كيف نُكثِّر من الخير حتى تضيق المساحة التي يستطيع الشر أن يعيش فيها؟
وعندما تصبح القيم العليا سلوكاً يومياً لا مجرد شعارات، وعندما يتحمل الإنسان مسؤولية نفسه ومجتمعه، يغدو الخير قوة بناءٍ دائمة، ويصبح الشر مجرد ظلٍّ يتراجع كلما ازداد نور الإنسان إشراقاً.



#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تك ...
- العقل العربي بين جمود الموروث وضغوط العولمة
- مبادئ منهجية لكتاب (أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة)
- مقدمة كتاب جديد لحسن خليل غريب تحت عنوان (أجوبة صادمة على أس ...
- الاستراتيجية العربية في مواجهة براغماتية التحالفات
- حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَ ...
- لبنان بين الطائفية والمشروع القومي: جدلية الانقسام والسيادة ...
- حل الدولتين السقف الوحيد الممكن القضية الفلسطينية بين الثابت ...
- ماذا دهاكَ بَيْتُنا صِرْتَ حُطامَا؟
- لبنان في أسر سلاح حزب الله والشرعية المعلّقة بين الأذى العسك ...
- نشيد بيوت الجنوب من تحت الركام
- الهمجوديولوجيا والمشاريع الدينية الغيبية: حين تتحول العقيدة ...
- العلاقات الأميركية – الإيرانية: تخادم المصالح وانعكاساته على ...
- الصراع مع إيران بين إستراتيجية واشنطن وحلف مكة: قراءة في كلف ...
- الوحدة العربية بين المثالية الكلاسيكية والواقعية الوظيفية
- الدور الإيراني في العراق: من شريك الاحتلال إلى مأزق التراجع ...
- لبنان بين وصايات الخارج وجدل الاتفاقات: نحو خطة خلاص وطني من ...
- حزب الله بين القرار اللبناني والوصاية الإيرانية: معضلة الدول ...
- الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في موا ...
- جنون الأيديولوجيا الأميركية والصهيونية والإيرانية وانعكاساته ...


المزيد.....




- هل المسلمون في طريقهم إلى التوحد؟
- بلاد ما وراء النهر: أوزبكستان وطاجيكستان ومناطق مجاورة فتحها ...
- وزير خارجية الفاتيكان: إصابة البابا ليو بالسرطان نقطة تحول ف ...
- 40 قتيلا إثر هجوم يُشتبه في استهدافه مسيحيين بإثيوبيا
- القضاء العراقي يحكم بسجن سبعة فرنسيين متهمين بالانتماء إلى ت ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- الأردن يعلن القبض على منفذي الاعتداء على الكنيسة ويشن ضربات ...
- آخر صانعي أجراس الكنائس في لبنان.. آل نفّاع وحراسة إرث عمره ...
- نهاية المطاردة: القبض على مهاجمي الكنيسة في الأردن
- عشرات القتلى في هجوم مسلح استهدف مسيحيين بإقليم أوروميا الإث ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن خليل غريب - الخير أصيل فطري في الإنسان، والشر غياب العوامل الحاضنة للخير