أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن خليل غريب - القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تكوين الإنسان














المزيد.....

القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تكوين الإنسان


حسن خليل غريب

الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 01:30
المحور: المجتمع المدني
    


مقدمة:
تُجمع التجارب الإنسانية، على اختلاف ثقافاتها وأديانها، على مجموعة من القيم التي تبدو جزءاً أصيلاً من طبيعة الإنسان، مثل العدل والرحمة والصدق والأمانة والتعاون واحترام الكرامة الإنسانية. وتشكّل هذه القيم الأساس الذي تقوم عليه الحياة الفردية والاجتماعية السليمة، لأنها تساعد الإنسان على بناء حياة أكثر استقراراً وسعادة وتوازناً.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الخير هو الأصل في حياة الإنسان، بينما ينشأ الشر عندما تغيب هذه القيم أو يضعف تطبيقها. فالظلم ليس قيمة قائمة بذاتها، بل هو غياب للعدل. والكراهية ليست جوهراً مستقلاً، بل هي غياب للمحبة والاحترام. والفساد ليس قيمة إيجابية معاكسة للنزاهة، بل نتيجة لفقدان الأمانة والمسؤولية. لذلك يمكن النظر إلى الشر بوصفه أثراً لغياب الخير أكثر منه حقيقة مستقلة قائمة بذاتها.
إن القيم العليا لا تقتصر على الجانب الأخلاقي فقط، بل تشمل كل ما يساعد الإنسان على تنمية جسده وعقله وروحه وعلاقاته الاجتماعية تنمية سليمة. وهي ترتبط مباشرة بسعادة الإنسان وقدرته على تحقيق حياة متوازنة لنفسه ولمن حوله. وعندما يهمل الإنسان هذه القيم أو يمتنع عن تطبيقها، فإنه يساهم في إضعاف عوامل السعادة والاستقرار التي يحتاجها.
التربية القائمة على تنمية الخير:
تنبع أهمية التربية من كونها الوسيلة التي تنتقل بها القيم من مستوى المعرفة إلى مستوى الممارسة. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تُبنى التربية على ترسيخ الخير أم على التخويف من الشر؟
لا شك أن التحذير من الأخطاء له دور مهم، لكن الاقتصار على التخويف قد يؤدي إلى تكوين شخصية قلقة ومضطربة أكثر مما يؤدي إلى تكوين شخصية واعية ومتماسكة. أما التربية الإيجابية فتنطلق من تعريف الإنسان بالقيم النافعة وآثارها في حياته، ثم تشجعه على ممارستها حتى تتحول إلى سلوك يومي راسخ.
فالإنسان لا يتعلم الصدق بمجرد سماع المواعظ، بل بممارسته. ولا يكتسب المسؤولية إلا من خلال تحمل المسؤوليات. كما أن الرحمة والتعاون والتسامح لا تصبح صفات ثابتة إلا عندما تتحول إلى أفعال متكررة في الحياة اليومية.
ولهذا فإن التربية الناجحة هي التي تغرس في الإنسان حب الخير وقناعته به، بدلاً من الاكتفاء بزرع الخوف من العقاب. فكلما ارتبطت القيم بالطمأنينة والسلام الداخلي، أصبحت أكثر رسوخاً وقدرة على التأثير في السلوك.
بين الدعاء والعمل:
يشكل البعد الروحي جزءاً مهماً من حياة الإنسان، ويمنحه الأمل والسكينة في مواجهة الصعوبات. غير أن الإيمان لا يلغي المسؤولية الشخصية، كما أن الدعاء لا يغني عن العمل والسعي. فحين يتحول الدعاء إلى بديل عن الجهد، يقع الإنسان في نوع من الاتكالية التي تضعف قدرته على مواجهة مشكلاته. أما حين يقترن الدعاء بالعمل والاجتهاد، فإنه يصبح عاملاً معززاً للإرادة والثبات والأمل.
ولهذا فإن تحسين حياة الإنسان لا يتحقق بالأمنيات وحدها، بل بالجمع بين الإيمان والمسؤولية، وبين الطموح والعمل الفعلي لتحقيقه.

العقل أساس المسؤولية:
من أهم ما يميز الإنسان امتلاكه القدرة على التفكير والتعلم واتخاذ القرار. ولذلك فإن تنمية العقل ليست مجرد قضية تعليمية، بل هي ضرورة أخلاقية وإنسانية. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على التفكير النقدي والفهم العميق، أصبح أكثر قدرة على تمييز الصواب من الخطأ، والخير من الضرر، والحقيقة من الوهم. ومن هنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والدينية في تنمية القدرات العقلية لدى الأفراد، وعدم الاكتفاء بتلقينهم معارف جاهزة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن خبرة المختصين أو العلماء، فالإنسان يحتاج بطبيعته إلى الاستفادة من خبرات غيره. لكن الاستفادة من الخبرة تختلف عن تعطيل العقل أو التخلي عن المسؤولية الشخصية في الفهم والتمييز والاختيار.

مسؤولية المجتمع في تنمية الإنسان:
إذا كان كل إنسان يمتلك استعداداً للتعلم والتطور، فإن المجتمع يتحمل مسؤولية توفير الظروف التي تسمح لهذا الاستعداد بأن ينمو ويثمر. فالجهل والعجز الفكري ليسا قدراً حتمياً، بل كثيراً ما يكونان نتيجة قصور في التربية والتعليم والثقافة والبيئة الاجتماعية. ولهذا فإن بناء الإنسان يبدأ من الأسرة، ويتواصل عبر المدرسة والمؤسسات الثقافية والدينية، وصولاً إلى الدولة التي يقع على عاتقها توفير التعليم الجيد والبيئة المناسبة لتنمية القدرات البشرية.
وحين يُمنح الإنسان المعرفة والمهارة والثقة بالنفس، يصبح أكثر قدرة على تحمل مسؤولياته وصنع مستقبله والمشاركة في تطوير مجتمعه.
خاتمة
إن القيم العليا ليست شعارات أخلاقية مجردة، بل قواعد عملية تساعد الإنسان على بناء حياة أكثر توازناً وسعادة. فالخير أقرب إلى طبيعة الإنسان من الشر، والقيم الإيجابية تصبح فاعلة عندما تتحول إلى ممارسة يومية وسلوك مستمر.
ولذلك فإن الطريق إلى مجتمع أفضل لا يقوم على التخويف وحده، ولا على الاتكال على الآخرين، بل على تنمية العقل، وتعزيز المسؤولية، وترسيخ قيم الخير والعدل والرحمة والتعاون. فكلما نجح الإنسان في تحويل هذه القيم إلى واقع معيش، اقترب أكثر من تحقيق الكرامة الإنسانية والسلام الداخلي والحياة التي تليق بإنسانيته.



#حسن_خليل_غريب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقل العربي بين جمود الموروث وضغوط العولمة
- مبادئ منهجية لكتاب (أجوبة صادمة على أسئلة ممنوعة)
- مقدمة كتاب جديد لحسن خليل غريب تحت عنوان (أجوبة صادمة على أس ...
- الاستراتيجية العربية في مواجهة براغماتية التحالفات
- حِراكُ تِشرِين فِي العِراقِ ولبنان: بَينَ الرِهانِ عَلى التَ ...
- لبنان بين الطائفية والمشروع القومي: جدلية الانقسام والسيادة ...
- حل الدولتين السقف الوحيد الممكن القضية الفلسطينية بين الثابت ...
- ماذا دهاكَ بَيْتُنا صِرْتَ حُطامَا؟
- لبنان في أسر سلاح حزب الله والشرعية المعلّقة بين الأذى العسك ...
- نشيد بيوت الجنوب من تحت الركام
- الهمجوديولوجيا والمشاريع الدينية الغيبية: حين تتحول العقيدة ...
- العلاقات الأميركية – الإيرانية: تخادم المصالح وانعكاساته على ...
- الصراع مع إيران بين إستراتيجية واشنطن وحلف مكة: قراءة في كلف ...
- الوحدة العربية بين المثالية الكلاسيكية والواقعية الوظيفية
- الدور الإيراني في العراق: من شريك الاحتلال إلى مأزق التراجع ...
- لبنان بين وصايات الخارج وجدل الاتفاقات: نحو خطة خلاص وطني من ...
- حزب الله بين القرار اللبناني والوصاية الإيرانية: معضلة الدول ...
- الدولة العميقة في لبنان بين الوصاية والهيمنة: مآلاتها في موا ...
- جنون الأيديولوجيا الأميركية والصهيونية والإيرانية وانعكاساته ...
- حزب الله بين المقاومة والتحوّل الإقليمي: قراءة نقدية أيديولو ...


المزيد.....




- تبادل مئات الأسرى بين موسكو وكييف وسط اضطرابات الملاحة
- روسيا تدعو لإعادة روح العمل الجماعي إلى الأمم المتحدة وتطهير ...
- عمليات تهجير واعتقالات وهدم مبان... إسرائيل تطلق عملية عسكري ...
- الأوكرانيون والسوريون يتصدرون طالبي اللجوء في روسيا
- الشعبية: تقليص خدمات الأونروا والاستغناء عن موظفيها يستهدفان ...
- ميلانيا ترمب تنجح بتأمين هدنة لإغاثة مدينة أوكرانية تحت سيطر ...
- اعتقالات واعتداءات خلال اقتحامات واسعة بالضفة
- قوات الاحتلال تشن حملة اقتحامات واعتقالات واسعة في نابلس
- هل البرلمان نسخة مما كان ؟؟؟
- الأمم المتحدة تحذر من تداعيات إغلاق الخليل وتصاعد اعتداءات ا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسن خليل غريب - القيم العليا فطرة إنسانية، والشر نتيجة غيابها لا أصلاً في تكوين الإنسان