|
|
بمساعدة المحكمة العليا إدارة ترمب تسخر مؤسسات الديمقراطية أدوات للسلطوية الفاشية
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 14:21
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
"إحدى المخاطر العظيمة في اللحظة الراهنة تتجلى في إظهار الشر امرا عاديا، سيرورة من خلالها تغدو الفظاعة امرا معتادا، ويبدو الظلم مقبولاً، وكل ما لا يقبل التفكير فيه يكتسب قوة الإدراك العام" يحذر الأكاديمي الأميركي ، هنري غيرو. هنري غيرو ترجمة سعيد مضيه إرث نورمبرغ معنا مرة أخرى، ليس كذكرى قوة النظام القانوني لمعاقبة من ساعد وارتكب فظائع ألمانيا النازية، بل نذيرًا يوجب بعث روح نورمبرغ ضرورةً أخلاقيةً وسياسية. هذه الروح مهمة في وقت يتعاظم نزوع مجلس القضاء الأعلى لتحويل القانون إلى أداة للسلطة الممركزة الرجعية، وتدنيس الأخلاق، وتحطيم أسس الديمقراطية، وإعادة إنتاج أسوأ أبعاد رأسمالية الجريمة المنظمة. نورمبرغ أوضحت أن القضاة وغيرهم من المسؤولين لا يمكنهم استخدام سلطة القانون للتغطية على أفعال منحطة أخلاقياً ومدمرة سياسيا ومنحها الشرعية ً. درسها صارخ في الوقت الراهن: عندما يُفرغ القانون من العدالة ويُستخدم لتطبيع الفظاعة، وإبادة الحقوق الديمقراطية، ووضع السلطة الممركزة خارج نطاق المحاسبة، تصبح الشرعية نفسها أداة تدمير للديمقراطية. المحكمة الرجعية غدت جزءًا من نظام سياسي الحكم فيه يقترب بالتدريج من التماثل مع ما يسميه جيت هير، لدى كتابته عن ترامب، الانبهار بـ "رومانسية الجريمة المنظمة ". القرار الأخير للمحكمة العليا بالسماح لإدارة ترمب بتوسيع استخدام قاعدة بيانات التحقق من الجنسية يعتبر أكثر من مجرد نزاع حول كيفية إدارة الانتخابات. بأغلبية 6–3 نقضت المحكمة قرار محكمة أدني يمنع وزارة الأمن الداخلي من استخدام نسخة موسعة من قاعدة بيانات SAVE، المرتبطة الآن بسجلات الضمان الاجتماعي، لمساعدة الولايات في التحقق من أهلية الناخبين. الخطر هنا ليس نظريا مجردا؛ فكما أورد ستيفن براجير في "كومون دريمز- "Common Dreams، تحتوي قاعدة البيانات على أخطاء معروفة، مما يرفع احتمال أن "العديد من الناخبين المؤهلين قد يتعرضون خطأًّ لخطر شطب أسمائهم من سجلات الانتخابات قبل أسابيع فقط من الانتخابات النصفية". قد تكون العواقب الفورية على الانتخابات محدودة على أي حال: القانون الفيدرالي يمنع بشكل عام الشطب النظامي من قوائم الناخبين خلال 90 يومًا تسبق الانتخابات الفدرالية. هذه الحماية لا تلغي المخاطر المرتبطة بالشطب الخاطئ أو المخاوف المتعلقة بالخصوصية التي أثارها المدعون؛ لكنها تقيد نطاق عمليات التطهير النظامي للناخبين في الأسابيع التي تسبق الانتخابات مباشرة. الحكم لا يلزم الولايات باستخدام النظام، والنزاع القانوني الأساسي يظل غير محلول، رغم أن المحكمة أشارت إلى رأيها الأولي حول الجوهر، قائلة إن مطالبات المعترضين "من المحتمل أن تفتقر إلى الأساس" وأنها على الأرجح ستلغي حكم المحكمة الجزئية الذي وجد أن الإدارة قد انتهكت القانون الفيدرالي. كذلك لم تشطب المحكمة ببساطة على كامل جهود الإدارة لإعادة كتابة قوانين الانتخابات: ففي وقت سابق من هذا الشهر(اكتوبر2026)، أوقفت محاولة ترامب لفرض قيود جديدة شاملة على التصويت البريدي قبل الانتخابات النصفية. لذا لا تكمن أهمية الحكم الأخير في الزعم بأن كل قرار ينطلق في نفس الاتجاه السلطوي، بل في مجابهة ما يحدث حين تتكرر إزالة الحواجز بوجه السلطة الممركزة، تزيد قوة الإدارة السلطوية وتوفرالغطاء الحقوقي لمشروع سياسي يهاجم حقوق الانتخاب، يفاقم الفصل العنصري، ويقرب جهاز الدولة من سياسات تفوق البيض العنصري. ما يغدوعرضة للمخاطر ليس مجرد الضبط الدستوري، بل الديمقراطية بالذات. مع ذلك، فإن أهمية هذه القرارات لا يمكن استيعابها إذا ما اعتُبرت مجرد نزاعات قانونية معزولة. تقدم فكرة والتر بنيامين حول "الإضاءة الدنيوية" طريقة أخرى لقراءتها: بمقدور الخاص، على حين غرة، ان يضوي على القوى الاجتماعية الأوسع المتراكمة داخله؛ وكما يرى أ.كي طومسون، منطلقا من مثال بنيامين، يمكن لأحداث معينة أن تنبهنا إلى "العملية الاجتماعية الأوسع التي منها تصدر الأحداث ". لدى قراءتها بهذ ا الأسلوب فإن قرارات المحكمة ليست مجرد قرارات دستورية معزولة؛ إنما هي شظايا تحول سياسي أوسع حيث يتعاظم تقاطع التركيز الكبير للسلطة التنفيذية، والاستبعاد العنصري، والسلطة السياسية للثروة، والهجمات على حقوق التصويت، وإضعاف القيود الديمقراطية. نحن لسنا بصدد الزعم بأن كل حكم هو فاشي، بل التعرف على ما تكشفه هذه القرارات لدى النظر إليها مجتمعة: نشوء نظام سياسي يتم فيه بالتدريج إعادة إدراج مؤسسات الديمقراطية في خدمة الأهداف السلطوية. تغدو الفاشية واضحة للعيان ليس فقط في فعل استعراضي واحد، بل في مراكمة تغييرات مؤسسية تجعل السلطة الممركزة تبدو قانونية وعادية ومشروعة. الخطر يغدو أوضح عندما لا يعود القانون بالذات يكبح السلطة الاستبدادية، ويشرع إضفاء الشرعية عليها. لهذا السبب تهمنا ألمانيا عام 1933ليست معادلا تاريخيا، بل كتحذير مما يحدث عندما يتم تحويل الشرعية بالذات ضد الديمقراطية. لذلك يتوجب الحرص لدى المقارنة مع قانون فرضه هتلر في مارس /آذار 1933 خوله سلطة استثنائية. الحالتان ليستا متعادلتين؛ قانون التخويل، وقد مرر وسط التهديد والقمع السياسي واستبعاد النواب الشيوعيين، سمح لحكومة هتلر إصدار القوانين بدون مصادقة البرلمان، حتى والقوانين تنتهك دستور وايمار. لم تضعف الديمقراطية فقط في المانيا، بل زودت كذلك بالية حقوقية تدمر الديمقراطية. القضية لا تكمن في المعادلة بين المسالتين، إنما في الاستدلال على آلية سياسية: الفاشية ليست بحاجة لإلغاء القانون، بل هي بحاجة للاستيلاء على السلطة كي تسخرها سلاحا. استولى النازيون على المحاكم والخدمة المدنية والتعليم والثقافة والمؤسسات الإدارية، حرفوها كي تخدم أهدافهم السلطوية. لم تُستهدَف الديمقراطية من الخارج؛ إنما تم الاستيلاء على مؤسساتها وإفراغها من مضمونها الديمقراطي، حولت ضد الشعب المفترض ان تكون في خدمته.
بعد زيارة المتحف الوطني للهولوكوست في أمستردام، لاحظ الباحث القانوني كيم ويهل أن الفاشية لم تات دوما ال أعمال عنف استعراضية؛ إذ بإمكانها التقدم عبر " تفعيل القانون." يجب أخذ التحذير التاريخي بجدية؛ تغدو سلطة الاستبداد خطرة عندما لا يبدو الاضطهاد انتهاكا لسلطة القانون، لكنها تتمكن من خلاله، مستفيدة من الشرعية والإجراءات وحماية الدستور للقانون بالذات. تحذير يتردد صداه في الحاضر: في توسع الاعتقالات وآليات الترحيل الجماعي، الاحتلال العسكري للمدن الأمريكية، الهجمات الصريحة والخطيرة ضد حرية التعبير والصحافة، والتطهير السياسي للمؤسسات التعليمية. ما كان ذات يوم يستحيل التفكير به يجري ترجمته سياسة، بينما تغدو الفظاظة روثينا والسلطوية محبوكة في آليات الدولة والحياة اليومية. القضاة الألمان يقدمون مثالاً مثيراً بشكل خاص. السلطة القضائية لم تتنكب مشقة المقاومة المؤسسية الجادة لاستيلاء النازيين على السلطة. الكثير من المؤسسات الحقوقية تكيفت مع النظام الجديد؛ من ثم استحوذت الديكتاتورية على أحد أقوى أسلحتها: مظهر الشرعية. يقي القانون على حاله، لكن وظيفته السياسية تغيرت؛ حول السلطة لخدمة السيطرة والتدمير الجماعي بدلاً كبح جماحه. غير ان السؤال ليس ببساطة كيف تسيطر الحكومات الاستبدادية على القانون؛ السؤال ما هي المصالح التي يحميها القانون، القوة التي يعززها، ومعاناة من يخفيها عن الأنظار. الفاشية لا يمكن حصرها في انتصار القادة المستبدين أو انهيار الضمانات الدستورية؛ فتاريخها مقترن دائمًا بالعلاقة بين الاضطهاد السياسي، والسلطة الطبقية، والمصالح الاقتصادية الداعمة للحكم الاستبدادي والمستفيدة منه. بهذا تصل التحذيرات حاضرنا؛ ما من حكم واحد صدر عن المحكمة العليا يشكل قانون تمكين أمريكي؛ الخطر يقبع في التراكم: إضعاف حماية حقوق التصويت، صلاحيات الرئيس تتضخم، القوة السياسية للثروة الممركزة تتحصن، القدرة تضيق على تحدي السلطة التنفيذية. ما يتم تبديله ليس ببساطة العقيدة الدستورية، بل الوظيفة السياسية للمحكمة بالذات، مؤسسة مكلفة بفحص السلطة الممركزة باتت تشيد بالتدريج البنية القانونية للقوة. رفض رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس، الاتهام بأن المحكمة باتت مؤسسة سياسية، معبراً عن استيائه من أن امريكيين كثر يرون القضاة في الوقت الحالي "فاعلين سياسيين". غيران القضية الأعمق ليست في تصرف القضاة بما يماثل السياسيين المنتخبين؛ القضية تتمثل في هل المحكمة تستخدم سلطة القانون لجعل الاستبداد يبدو شرعياً من الناحية الدستورية. عندما يجري إضعاف حقوق التصويت، وتُوسّع حصانة الرئاسة، وتُمنح الثروة الممركزة قوة سياسية أعظم، وتُفكك الحواجز المعترضة للسلطة التنفيذية، فإن المحكمة تقوم بما هو أعظم من تفسير القانون: تبدّل الشروط لتي بها تستطيع الديمقراطية المحافظة على بقائها. يتحول القانون الى سلاح للسلطة الممركزة، والسلطة الدستورية تغدو له الدرع. ليس الأمر ببساطة فشل الديمقراطية، انه يساعد على بناء الآلية الحقوقية لتدمير الديمقراطية. إساءة استخدام القانون تقترف ما هو أفدح من إضفاء الشرعية على الفظاظة؛ تساعد على جعل الفظاظة تبدو عادية. كما ترى سوزان نيمان في كتابها " انعتوه بالشر: فهم عهد ترامب"، تكمن إحدى المخاطر العظيمة في اللحظة الراهنة تتجلى في إظهار الشر امرا عاديا، سيرورة من خلالها تغدو الفظاعة امرا معتادا، ويبدو الظلم مقبولاً، وكل ما لا يقبل التفكير فيه يكتسب قوة الإدراك العام. عندما تُمنح القسوة وعنف الدولة الشرعية القانونية، يجري استيعاب رعب مالا يقبل التفكير فيه ضمن لغة الإدراك العام. تغدو صور عملاء دائرة الهجرة والجمارك الشبيهة بصور الغوستابو النازية، وهم يضربون المحتجين السلميين لا يختلفون عن استعراض في التدفق اليومي للعنف، نازعين عن التوحش قدرته على صدم الجمهور وشحنه بالغضب وتحفيزه للمقاومة. ما يلي ذلك هو موت لبضمير بالذات، ولو ببطء. تكثف المحكمة مساعيها لجعل السلطة فوق متناول الناخبين والمشرعين، وبعيدا عن المحاكم الدنيا والوكالات المستقلة، كي تكون أقرب للرئاسة وللمحكمة العليا يالذات . بهذا المعنى غدت مؤسسة تولّد الجريمة: ليس كون القضاة أنفسهم مجرمين، ولكن لأن قراراتها يمكن أن تخلق الظروف القانونية التي يغدو صعبا منع إساءات السلطة أو تحديها او معاقبتها. في مثل هذه الظروف، يتم خنق الديمقراطية، وتعطل الموانع المكرسة لحمايتها. وضعت لجنة الانتخابات الفيدرالية (2010) القيود على النفقات السياسية المستقلة المقدمة من الشركات والنقابات، والتي توسع بشكل كبير قدرة الثروة الخاصة على تشكيل السياسات الانتخابية. لم تعلن رسميًا أن "الشركات أشخاص"، ولم تفوض تبرعات مباشرة غير محدودة للمرشحين؛ قامت بما هو أعظم تأثيرًا من الناحية السياسية: عززت السلطة الدستورية للشركات والثروة الممركزة في تشكيل الخطاب السياسي، سمحت للسلطة الاقتصادية بممارسة تأثير يزداد قوة على السياسة والحياة الديمقراطية. تبرع إيلون ماسك أكثر من ربع مليار دولار لدعم ترامب والمرشحين الجمهوريين عام 2024، ما يقدم التوضيح الأشد جلاء لعالم السياسة المترتب؛ تاريخ أطول وأكثر حلكة يمارس فعله هنا؛ فالمحكمة العليا مرارًا وتكرارًا وقفت داخل تاريخ تفوق البيض العنصري بالذات وليس خارجه. قضى قرار دريد سكوت، الذي اتخذ الصفة الدستورية، باستثناء السود من حق المواطنة، وساعدت المحكمة بعد إعادة هيكلتها على تدمير الحمايات الفيدرالية لحرية السود، ومنح بليسي المشروعية الدستورية لقانون جيم كراو [قانون يعيد التمييز ضد السود]. كسرت المحكمة برئاسة وارن بشكل حاسم العلاقة مع أجزاء مهمة من هذا التاريخ، غير ان رئاسة روبرتس أعادت المحكمة إلى الوراء. يوضح النائب جيمي راسكين القضية بمزيد من الحدة؛ إذ رأى ان المحكمة "عادت إلى الخط الأساسي التاريخي لتفوق البيض السياسي"، جزئيا من خلال تفكيك حمايات حق التصويت. اللغة تغيرت، لكن العمل السياسي للهيمنة العرقية لا يحتاج إلى مفردات دريد سكوت او بليسي؛ يمكنها العمل من خلال ما يُزعم أنه لغة محايدة، لغة عمى الألوان وحقوق الولايات، ونزاهة الانتخابات، وكوابح الدستور – تجرد التاريخ من القانون بينما تعطل الوسائل الديمقراطية من التصدي للسلالات العنصرية التي انتجها التاريخ. لذلك التاريخ علاقة مباشرة بهجوم المحكمة على حقوق التصويت. في قضية مقاطعة شيلبي ضد هولدر (2013)، ألغت المحكمة صيغة التغطية التي أحالت للعمل نظام الموافقة المسبقة لقانون حقوق التصويت، مما عطّل أحد أقوى الحمايات التي يوفرها القانون ضد قواعد التمييز في الانتخابات. في قضية برنوفيتش ضد اللجنة الوطنية الديمقراطية (2021) شدد التضييق على المجال بجعل بعض التحديات أكثر صعوبة على قيود التصويت. في قضية لويزيانا ضد كاليس (2026)، ذهبت المحكمة شوطا أبعد، مؤكدة أن القسم 2 لا يُلزم لويزيانا بإنشاء دائرة إضافية للدائرة حيث السود يشكلون الأغلبية محل النزاع، وأن الدائرة القائمة على أساس العرق لا يمكنها الصمود بوجه التدقيق الدستوري. القرار جلب المزيد من التضييق للمجال القانوني الذي يمكن من خلاله الدفاع عن التمثيل العرقي وحقوق التصويت. هجوم المحكمة على الحقوق القائمة امتد إلى ما هو أبعد من التصويت. في قضية دوبس ضد منظمة جاكسون للصحة النسائية (2022)، ردت المحكمة حكم رو ضد ويد وقضية بلاند بارينتهود ضد كيسي، واستأصلت بذلك الحق الدستوري الفيدرالي في الإجهاض الذي دام لما يقرب من نصف قرن، وأعادت السلطة للإجهاض الخاضع لتنظيم الولايات. كانت قضية دوبس أكثر من مجرد تدمير حق تكاثري طويل الأمد؛ أظهرت الرغبة لدى الأغلبية المحافظة بالمحكمة الاستفادة من سلطتها لتجريد حق حماية دستوري طويل الأجل استندت اليه أجيال من النساء. في الوقت نفسه، وسعت المحكمة سلطة الرئيس. في قضية ترامب ضد الولايات المتحدة (2024)، أوجدت عقيدة دستورية تحصن الرئيس ضد التهم الجرمية: حصانة مطلقة للأفعال ضمن السلطة الدستورية الأساسية للرئيس وعلى الأقل حصانة افتراضية لأفعال مفترضة أخرى، بينما تركت بدون حماية السلوك غير الرسمي. أحدث القرار تبديلا جذريا لقابلية الرؤساء للمحاسبة عن طريق منح الرؤساء حماية دستورية جديدة ضد الملاحقة الجنائية اثناء الممارسات الرسمية. لم يحدث سوى ازدياد حدة النمط؛ في قضية ترامب ضد CASA (2025)، قلّصت المحكمة بشكل حاد سلطة المحاكم الفيدرالية الأدنى في إصدار أوامر قضائية عامة ضد الإجراءات التنفيذية. وفي قضية ترامب ضد سلوتر (2026) وسّعت المحكمة السيطرة الرئاسية على وكالات التنظيم المستقلة؛ وفي قضية اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري لأعضاء مجلس الشيوخ ضد FEC (2026)، ألغت الحدود لمفروضة للإنفاق المنسق بين الأحزاب السياسية والمرشحين. والآن، مع الحكم الصادر بخصوص قاعدة بيانات المواطنة، سمحت المحكمة للإدارة، بينما تستمر الدعوى القضائية، لتوسيع النظام الذي يمكن للولايات أن تستند اليه في الطعن في أهلية الناخبين. قضايا مختلفة، قواعد متباينة، لكن بنفس المسار السياسي: مركزة السلطة بأيدي الرئيس، الحماية للأثرياء والمزيد من الفكاك من قيود الديمقراطية. ساعد قانون التمكين في تمهيد الطريق أمام التنسيق الكامل[غليشزايتونغ]، عبارة عن التنسيق الألماني للحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية مع الدولة النازية. اختفت الأحزاب السياسية، أُلغيت النقابات العمالية، خضعت الحكومات المحلية للسيطرة، تم تطهير الوظيفة العامة، وأُخضع التعليم والقانون والثقافة والحياة المهنية لسيطرة النازيين. خلال ستة أشهر، لم تعد ألمانيا ديمقراطية متعددة الأحزاب. يترتب على ذلك عدم صحة السؤال هل الولايات المتحدة هي ألمانيا عام 1933؛ فالتاريخ لا يتكرر حسب الطلب؛ إنما يترك تحذيرات بما يخلفه من دمار. أدرك بريمو ليفي هذا بوضوح استثنائي حين حذر من أن «لكل عصر فاشيته الخاصة»، تظهر مؤشراته في كل مكان «تحظر مركزة السلطة على المواطنين إمكانية ووسائل التعبير والعمل بمحض إرادتهم». الفاشية، بهذا المعنى، لا تحتاج للعودة مرتدية زي الماضي؛ تبزغ عبر المؤسسات والتقنيات والمخاوف وأشكال السلطة الخاصة بلحظتها التاريخية. شبح نورمبرغ مع ذلك يظل يخيّم على هذا التاريخ؛ من بين الإجراءات الأقل شهرة التي تلت محاكمات القادة النازيين الكبار كانت محاكمة القضائيين عام 1947، حيث تمت محاكمة القضاة والمدعين والموظفين بوزارة العدل النازية لمشاركتهم بنظام حقوقي حول الاضطهاد وعنف السلطة أدوات قانونية. يجب أن لا يُساء استخدام هذا المقارنة: الجرائم التي تمت محاكمتها في نورمبرغ وقرارات المحكمة العليا الحالية ليست متماثلة في التاريخ؛ لكن المبدأ الذي برز من تلك الإجراءات يظل لا غنى عنه. الوظيفة القضائية لا تضع من يمارسون القانون خارج نطاق المسؤولية، والروب لا يمكن أن يغدو ملاذًا من المساءلة عندما يتحول القانون بالذات إلى أداة للسلطة الاستبدادية. كما عبر الحكم في محاكمة المحامين في نورمبرغ بقوة لا تُنسى، خنجر القاتل كان مخفياً تحت رداء المحامي. الدرس في الوقت الحاضر ليس حاجة أمريكا إلى محكمة نورمبرغ أخرى؛ الدرس يلح على ان الديمقراطية لا يمكن أن تبقى إذا تخيل أحد ان أولئك الذين يمارسون السلطة القضائية الهائلة هم فوق المساءلة الديمقراطية لمجرد أن قراراتهم تنزل ملفعة بلغة القانون الدستوري. السؤال الأعمق الذي تطرحه محكمة روبرتس ليس ببساطة هل الأحكام الخاصة محافظة أو رجعية أو جائرة بعمق؛ السؤال يستفسر عن أشكال المحاسبة التي تغدو ضرورية عندما تستخدم أعلى محكمة في البلاد سلطة القانون مرارًا وتكرارًا لتفكيك ذات الشروط التي تجعل المحاسبة الديمقراطية ممكنة في المقام الأول. لا يمكن فصل هذا السؤال عن سياسات الذاكرة. كما ارتأى مارسيلو روبنز بايفا في كنابه الصادر عام 2015 "كريستينا بواركي دي هولاندا والماضي المختلف عليه لخوسيه سزواكو" عدم إجراء محاكمة نورمبرغ في البرازيل في ثمانينيات القرن الماضي لوّث العملية الديمقراطية وديمقراطيتنا الراهنة." التحذير هنا مهم جداً. يجب أن تشمل متطلبات المقاومة إعمال الذاكرة كذلك: الإحصاء، التوثيق، الحفظ، التسمية العلنية لسوء التصرف بالقانون انتهاكات الديمقراطية، والانتهاكات الأخلاقية المرتكبة تحت غطاء السلطة المؤسسية. يجب الاحتفاظ بالسجل، ليس من أجل الانتقام، بل لأن الديمقراطية لا يمكنها الدفاع عن نفسها ضد سوء التصرف والتي تعلّمت أن تنساها. لا يمكن أن يكون ثمة براءة مصطنعة لمن يستخدمون سلطة مناصبهم لشرعنة آليات السلطة الاستبدادية، ولا عفو سياسي يُشترى من خلال النسيان الوطني. لهذا السبب، فالنضال بصدد القانون هو في نفس الوقت نضال بصدد الذاكرة وبصدد المسؤولية والمستقبل. فحين يتم الإقرار بان المؤسسات المنشاة لكبح جماح السلطة باتت تخدمها؛ عندما تحول المحاكم الهيمنة الى عقيدة، وعندما تستحوذ السلطة الممركزة على الحماية الدستورية بينما يتم تجريف الحقوق الديمقراطية، وعندما لا تعود الإجراءات الاستبدادية بحاجة لكسر القانون لأنها تأتي تحمل سلطته، حينئذ يغدو الصمت أحد أشكال التواطؤ والنسيان يغدو دعوة لتطبيع القسوة والجرائم واستعادة الممارسات الاستبدادية التي قُصد للذاكرة ان تمنعها. ما يغفل غالبًا لدى تحليل القانون كأداة للهيمنة هو دوره كوسيلة تعليم. القانون يفعل أكثر من مجرد المنع، العقاب، والاستبعاد. إنه يعلم الناس من يستحق ان يكون وكيلًا سياسيًا، ومن له حق الوصول إلى السلطة، ومن لهم الحق في المشاركة بالقرارات التي تشكل حياتهم. عندما يصبح القانون آلية للاستثناء والاستغناء عنهم باعتبارهم فضلات بشرية، فإنه بذلك يحرم مجموعات معينة من الحقوق السياسية ومن الوصول إلى المؤسسات والمساحات العامة التي يمكنهم من خلالها فهم كيفية عمل السلطة، وتطوير وعي نقدي، وتخيل البدائل، وخلق تضامن من خلال الحركات الاجتماعية والتعليم والعمل الثقافي. تعمل الانتهاكات القانونية أشكالا للإبعاد تُضعف الظروف التي يتعلم فيها الناس تفسير تجاربهم وفهم موقعهم ضمن علاقات القوة، والتصرف بشكل جماعي لتغييرها. هذا الاستخدام القمعي للقانون يقيد الفعل السياسي ويهاجم أيضًا الظروف اللازمة لتطوره. هذا أحد أشكال الإرهاب وسيلة تعليم يُسخّر فيه القانون لإضعاف المعرفة والعلاقات الاجتماعية والقدرات الجماعية الضرورية للتعرف على علاقات القوة القمعية، ومقاومتها وتحويلها. هناك منطق أكثر سوءًا يمارس عمله هنا، منطق يتجاوز سياسات البشر الفائض عن الحاجة تجاه ما دعوناه، براد إيفانز وأنا، سياسات التخفي. الفوائض البشرية تتخلى عن الجماعات التي تعتبر فائضة اقتصاديًا أو سياسيًا؛ أما التخفي فيمضي شوطا ابعد عن طريق محو الظروف الاجتماعية والقانونية والتاريخية والأخلاقية التي من خلالها يمكن الإقرار علنا بحياتهم ووضع مكابداتهم تحت المجهر. هذا التمييز يكتسب صفة الإلحاح بشكل خاص جراء قرار المحكمة العليا الأمريكية الأخير بالسماح مؤقتًا لإدارة ترامب باستئناف ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة. يمكن الآن إرسال المهاجرين إلى دول لا تربطهم بها أية صلة، دون الحماية المطلوبة من المحكمة الأدنى للطعن في خطر الاضطهاد أو التعذيب. حذرت القاضية سونيا سوتومايور في تدخل المحكمة السابق في نفس الدعوى القضائية من أن السياسة قد تعرض "آلاف الأشخاص لخطر التعذيب أو الموت". وهذا أكثر من مجرد سياسة طرد. إنه مؤشر لسياسة اخفاء ترتبط تاريخيًا بالأنظمة الفاشية والاستبدادية، حيث يتم إزالة من يُعتبرون غير مرغوب فيهم من حيزات الحماية القانونية والظهور العام والمسؤولية الأخلاقية. يدخلون في ما يمكن تسميته بـ "دوامة المحو"، حيث المساندة المتبادلة تتم بين كل من التجريم والمراقبة والاحتجاز والاستبعاد البيروقراطي والإزالة القسرية والنسيان المنظم. الإقرار بكيفية تحويل القانون إلى أداة للسلطة الاستبدادية يبعث كذلك يثير سؤالًا بصدد ما المطلوب لإصلاح الضرر الناجم عن تشريع القانون. الفاشية لا تعلن دوما عن نفسها عن طريق سحق النظام القانوني. يمكنها أن تتقدم من خلال الاستيلاء على هذا النظام، وتجويفه، وتحويل آلية الديمقراطية ضد الديمقراطية بالذات. إذا قدر للديمقراطية ان تعيد بناءها من الدمار الحاصل فلن تكون المهمة هي التسامح والنسيان باسم الوحدة الوطنية والتحضر أو العودة إلى العادي. المهمة يجب ان تكون التذكر، وتوثيق الأحداث، والحكم، وحيث يسمح القانون، محاسبة المسؤولين عن التلاعب بالسلطة. لا لبراءة مصطنعة. لا للإفلات من العقاب. بدون الحقيقة والمحاسبة، لن يكون هناك مستقبل ديمقراطي.
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حصاد هشيم أنظمة التجهيل والإفقار
-
هل يشفى الاقتصاد الأميركي من علله؟
-
التعددية السياسية والفكرية داخل الجماعات اليهودية
-
اختفاء المثقف التقدمي العمومي بالولايات المتحدة الأميركية
-
مشاكل معتقة لاتحلها الانتخابات البرلمانية
-
نداء من الشبكات الدولية للصحة النفسية الفلسطينية
-
الحوارات السياسية يحسمها الشارع السياسي
-
في إيطاليا إرادة الجمهور تنكرها القرارات السياسية
-
في فلسطين استعمار استيطاني صهيوني
-
أطفال فلسطين يشبون وسط العذابات فوق تراب الوطن
-
قمة بريكس -الحلقة الثانية
-
قمة بريكس: ضوء على عالم يمر بمرحلة تغير تدريجي -1
-
سكنت الفاشية بإجراءاتها وقيمها مؤسسات الديمقراطية
-
النظام الدولي الجديد خشبة الإنقاذ للقضية الفلسطينية
-
شرخ بالسياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يمكن للفلسطينيين استغلا
...
-
ربع قرن على تفجيرات 11 أيلول /سبتمبر بنيويورك
-
حفظا للذاكرة الوطنية وإثراءًا لثقافتها المكافحة
-
حان الوقت كي يطرح الشعب الفلسطيني استراتيجيته ويقود النشاط ا
...
-
الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث
-
ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
المزيد.....
-
-حرب أهلية-.. الصحافة الفرنسية تدق ناقوس خطر تغول عنف اليمين
...
-
تصريح المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية على إثر تطورات
...
-
Our Sovereignty Is Endangered
-
السويد: وقفة تضامنية أسبوعية متجددة مع الشعب الفلسطيني بمدين
...
-
تظاهرات حاشدة في أكثر من 50 مدينة إيطالية
-
طبيب الفقراء يروي انتهاكات سجون إسرائيل
-
Community Organizations Call on Business Leaders To Protect
...
-
Beyond Netanyahu: What Israel’s Election Means for Palestini
...
-
Rape as a Tool of Empire: Cornell, Palestine, and the Silenc
...
-
Jamia Agitation Exposes the Crisis of Campus Democracy in In
...
المزيد.....
-
إشكاليات القوى الثورية(2من2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
المزيد.....
|